رواية اللورد الفصل 7

 



(7)


تعالت صيحات الفتيات بقربي عندما قام اللورد أغسطس بتسجيل نقطة أخرى بعصا البولو خاصته فقد جعل الكرة الصغيرة تمر بخفه عبر أرجل حصان والانس لتتفادي محاولة إرنست ضربها بعصاه رغم انحنائه من أعلى حصانه لفعل ذلك.

أعلن جاك كبير الخدم والذي يكون الحكم في هذه اللعبة عن تسجيل النقطة وسط تصفيق الحضور.

لم يُخفي كِلا إرنست ووالانس استياءهما فهذه النقطة الخامسة التي يسجلها اللورد والنقطة الثامنة لفريقه المكون من والدي ورفقائه ممن هم في سنه من الرجال وفي الفريق الأخر كان إرنست وبقيه الشباب.

انضم اللورد أغسطس وستيفنز لفريق (الكبار) حتى يتساوى عدد الفريقين رغم تذمر ستيفنز قبل بدء اللعبة أنه لا يريد اللعب مع من هم أكبر منه سنًا لكن لابد أنه الأن سعيد بلعبه مع الفريق الفائز .

3

جلسنا نحن النساء على مقاعد قام الخدم بإخراجها برفقة مظلات وطاولات لوضع مستلزمات الشاي عليها، كان ذلك في الأرض شرق المنزل حيث مساحة خالية من العشب تكفي لإقامة ثلاثة مباريات بولو عليها.

4

تألق جميع الرجال في الثياب المخصصة للعبة بسترات ملونة وقمصان البيضاء الناصعة، أحذية برقبات عالية وقبعات قماشية مع قفازات جلدية يمسكون بها عصا البولو الخشبية الطويلة.
ما أثار استغرابي هو امتلاك الماركيز لهذا العدد من الأحصنة والذي يكفي لكي يمتطي كل رجل واحدًا خاصًا به لإقامة اللعبة.

5

كان ذلك بعد يومين من زيارتي لـماري، كعادة الماركيز لابد له أن يُمتع ضيوفه بكل الطرق ولعبة البولو كانت إحداها، بالتأكيد نجح في إبعاد الملل عن ضيوفه فالجميع يبدون مستمتعين في المشاركة أو المشاهدة خاصة الفتيات حيث تترامى إلى مسامعي همسات الإعجاب وهن يرين هؤلاء الشباب العُزاب يتعرقون بينما يبذلون قصار جهدهم للفوز.

14

بالتأكيد لم أكن انا إحداهن فأنا أفضّل المشاركة عن المشاهدة وإن كنتُ لم ألعب البولو من قبل فهو للرجال إلا أنني لعبت الكركيت، سمعت أن اللورد سيقيم مباراة كركيت في الأيام المقبلة وإلى ذلك الوقت سأبقى أشعر بالملل وأنا أشاهدهم يستمتعون.
كان إرنست قد وعدني قبل بدئهم اللعبة أنه سيرافقني في جولة بالأحصنة فعلى الأقل لن يمضي اليوم دون أن أمتطي أحد هذه الأحصنة القوية.

4

مرة أخرى تعالت الصحيات وهذه المرة من السيدة ماريا والده لورا ونورا حيث قام زوجها السيد باكنتوم بتسجيل نقطة أخرى لفريقه ليتوسع الفارق إلى أربع نقاط.
أخذت والدتي ورفيقاتها يضحكن على حماس السيدة ماريا بينما تحمل كل منهم مروحة يحركنها بسرعة فدرجة الحرارة بدأت ترتفع فجأة.

1

عندما وجدتُ أنني لن أتحمل البقاء أكثر نهضت وذهبت لأخبر والدتي عن ذهابي للتجول حتى لا تفزع عندما لا تجدني، عبست في وجهي فها أنا أتهرب مجددًا من تجمع ما لكنها لم تعارض فعلى الأقل هناك إليزابيث المندمجة في تحديقها في السيد ستيفنز.

ابتعدتُ عن تجمع النساء قبل أن ألقي نظرة أخيرة على المباراة لأرى إرنست في أسوء أحواله فهو لم يتلقى هزيمة كهذه من قبل لابد انه سينزعج أكثر عندما يعلم أنني لم أتابع المباراة للنهاية.

1

مررتُ بمن يراقب المباراة من الخدم فألقوا التحية علي باحترام، ابتسمت لهم وعيناي تبحث عن آنّا لأجدها تنتظرني في ظل شجر تقع على مبعدة من مكان المباراة ومن مكانها يمكن للشخص رؤية الملعب كاملاً بمن عليه.

قلت لها عندما اقتربت مني:
" أكنتِ تعرفين أنني سأترك مشاهدة المباراة؟ "
" بالتأكيد علمتُ أنكِ لابد ستتركين المكان فأنستي تفضل الهدوء، وستقومين باستغلال فرصة انشغال الجميع والتجول في المكان لذلك كنتُ أنتظرك "
" لا أدري هل أفكاري واضحة لهذه الدرجة أم أنكِ قد قضيتي وقتًا طويلًا معي حتى أصبحتِ تتوقعين تصرفاتي "
" أظن أن كِلا الاقتراحين صحيحان "
" نعم صحيح، حسنًا لنذهب للتنزه قليلًا "

قلتها بينما أتخطاها لنبدأ سيرنا في صمت تكسِره أحاديثنا المتقطعة عن هذا وذاك.

قادنا سيرنا إلى منطقة بعيدة من المنزل تغلب فيها الأشجار، لاحظت وجود كوخ صغير قربها وترامي إلى مسامعنا صوت تقطيع خشب قادم من جهة الكوخ تبادلت النظرات مع آنّا ثم ذهبنا ناحية الصوت.

ذُهلتُ حينها بما رأيت.. عضلات ظهر قوية سمراء وساعدان مشدودان يبرزان قوة كبيرة وقبضة أمسكت بالفأس بشده لتقوم حينها بقطع قطعة الخشب الموضوعة في القاعدة إلى نصفين سقطا أرضًا فور انفصالهما.

25

رمشت عيناي وأنا أرى لأول مره رجلًا أسود عاري الصدر، كان بيتر مرافق اللورد أغسطس يقوم بتقطيع الخشب كأنه يقوم بكسر أعواد أسنان بأصابعه ولولا الحر الذي تُسببه أشعه الشمس والذي جعله يتعرق بشدة لما ظننت أنه تأثر بكل هذا المجهود.

12

لم يؤثر ذلك المشهد فيّ فقط إذ قالت آنّا بصوت خافت لكن واضح بما يكفي ليسمعه كل من في المكان:
" يا إلهي كم هذا مذهل "

69

نظرتُ ناحيتها وقد رفعتُ حاجبًا فهذه أول مره أسمع آنّا تتحدث بهذه النبرة، لم أكن الوحيدة التي نظرت ناحيتها انتبهت حينها أن بيتر لم يكن وحده عندما ظهرت فتاة من خلفه لترى من الذي تحدث.

لم تتجاوز الفتاة الخامسة عشرة وقد ارتدت زي خدم منزل اللورد أغسطس المميز بلونه الازرق الداكن. وقد كانت أيضًا ذات بشرة سوداء.
ملأ الاستغراب وجه بيتر والفتاة المرافقة له لنشعر نحن بالإحراج، لكن بيتر كسر تلك اللحظة وهو يقول بينما يأخذ المنشفة المعلقة على رقبته ويمسح بها وجهه:
" أنسة إزابيل أسف لرؤيتك هذا المنظر، لكن عذرًا ما الذي جاء بكِ إلى مكان كهذا؟ "
" ليس عليك الاعتذار .. ليس هناك خطب بـمظهرك "

3

كلا...
لم يصدر ذلك مني..
بل من آنّا!!
مرة أخرى نظرت ناحيتها وقد رفعتُ حاجبًا مستنكرة ما تقول، كست الحمرة وجهها فلم أكن الوحيدة التي تنظر باستغراب ناحيتها.

67

أطلقت الفتاة الصغيرة ضحكت كتمتها بسرعة عندما نظر بيتر ناحيتها بتحذير.
أخفضت آنّا بصرها ويبدو أنها تمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها بدلًا عن هذا الإحراج الكبير، قررتُ إنقاذها من الموقف بأن أغير الموضوع قلتُ:
" أسفة بيتر لكنني كنتُ أتنزه ووصلتُ إلى هنا صدفة"

هز رأسه دون أن يقول أي شيء وقد لاحظت أنه قد بدأ يشعر بالتوتر إعتذر بعدها وذهب إلى داخل ذلك الكوخ تاركًا إيانا لوحدنا مع الفتاة الباسمة وما إن دخل حتى قالت هامسة:
" إنه يشعر بالخجل "

11

جعلني ذلك أقهقه بينما لم يُزد كلامها آنّا إلا خجلًا وسمعتها تهمهم بأشياء لم أتبينها. اقتربت الفتاة مني وانحنت وقد تغير ذلك المرح إلى جدية الخدم لتقول ببعض الندم:
" أود أن أعتذر مرة أخرى نيابة عن أخي أنستي "
" إذًا بيتر شقيقك ما هو اسمك؟ "
" إسمي بينيبرا أنستي "
" بينيبرا.. لقد حدثتني عنها يا آنّا أليس كذلك؟ "
أجابت آنّا وهي تحاول جعل نبرتها تبدو طبيعية:
" نعم، هي تعمل مساعدة في المطبخ برفقه والدتها السيدة جامانا "
" أوه.. لقد تشرفتُ بمعرفتك بينيبرا "

قلتها وأنا أمد يدي لأصافحها، نظرت بينيبرا ناحية يدي بأعين مندهشة قبل أن تقوم بمسح يديها في طرف مريلة ثوبها البيضاء بسرعة ثم تصافحني قائلة:
" شكراً لكِ أنسة إزابيل "

2

بدت طفلة ظريفة بابتسامة بيضاء ناصعة تشبه أخاها بيتر كثيرًا، إلا أن زي الخادمات بدا كبيرًا عليها خاصة مشبكه الشعر التي غطت الكثير من جبينها. جعلني ذلك أضحك مع نفسي.

عاد بيتر من الداخل وقد ارتدى بقيه ثيابه وعاد الوقار يملأ وجهه، لم تستطع آنّا وضع عينها عليه وكذلك فعل هو.
سألني دون أن ينظر إليها إن كنتُ أريد أي شيء فأخبرته أنني سأعاود نزهتي ثم اعتذرت على مقاطعتنا له، ذهبت وأنا أودع بينيبرا التي عادت تلملم في قطع الخشب التي قام شقيقها بقطعها.

4

عندما أصبحنا وحدنا وقبل أن أقول أي شيء قالت آنّا محذرة:
" إياكِ التعليق بأي شيء فلقد كان ما قلته خطأ لن يتكرر "
" عزيزتي آنّا لم يكن خطأً لقد عبرتي فقط بما تشعرين به "
" أنستي أرجوكِ لا تحاولي فعل ما يفعله إرنست معكِ "
" حسنًا حسنًا "

2

ضاحكة قلت وقد قررت تركها لشأنها التففنا عائدتين فلابد أن المباراة قد انتهت وهذا يعني أنني سأستطيع ركوب الخيل كما وعدني إرنست.. إن كان لديه الرغبة بعد الخسارة المذلة.

4

توجهنا ناحية الملعب وكما ظننت كانت المباراة قد انتهت وأخذ الخدم يعيدون في الأثاث إلى داخل المنزل.

وجدتُ والدتي لا تزال جالسة تحت إحدى المظلات مع السيدة ماريا بينما يعمل الخدم من حولهن وقد كن يتحدثن بحماس في أمر ما، قطعت حديثهن قائلة:
" عذرًا على المقاطعة أمي لكن أتعرفين أين إرنست؟ "
" أظنه لا يزال في الملعب فلم أره يذهب مع بقية الرجال إلى غرفة التدخين"
" لم أرى ابن واتسون يذهب أيضًا، لابد أنهما معًا"
أضافت السيدة ماريا ابتسمت شاكرة لهما وقبل ابتعادي عنهما بمسافة كافيه سمعت السيدة ماريا تقول:
" من الجميل أن يكون لديكِ أبناء توأم .. "

لم أسمع بقية الكلام وقد وصلتُ إلى حيث يعمل خدم اللورد أغسطس بنشاط رغم أشعة الشمس القوية وقد كانوا يناقشون المباراة ويتحدثون بفخر عن مهارة سيدهم تجاوزتهم وقد وصلت إلى الملعب حيث لعب الرجال من قبل.

فعلًا وجدتُ إرنست هناك وبرفقته والانس... ولورا ونورا وجوزفين وماتيلدا!
اندمج ستتهم في الحديث وقد كان والانس يقوم ببعض الحركات كأنه لا يزال يلعب وهو يتحدث بحماس كبير بينما تراقبه ماتيلدا ضاحكة وإرنست كان يساعد لورا التي أمسكت بمضربه وتحاول استعماله ليقوم بتوجيهها لتستعمله بالطريقة الصحيحة.

38

لم أنتبه إلى أن آنّا قد تبعتني كل هذه المسافة إلا عندما قالت حينما طال نظري إليهم:
" ألن تذهبي وتتحدثي مع السيد إرنست؟ "
" مممم كلا، لا أريد إفساد مرحهم لرغبة أنانية مني لنعد للداخل "
لم تعارض آنّا ورافقتني في صمت إلى أن قالت فجأة وقد اقتربنا من المنزل:
" ما رأيك أنستي أن أخذك لمكان ستحبينه؟ "
" مكان سأحبه؟.. البحيرة ؟ "
" كلا ، هو مكان داخل المنزل، أرتني إياه بينبرا يوم ذهبتي للقاء الأنسـ... السيدة ماري"
" حقًا؟؟ .. حسنًا خذيني إليه "

10

أمسكت آنّا بيدي وقادتني ليس عبر الباب الرئيسي للمنزل بل بأحد الأبواب الجانبية الكثيرة له.
ذهبنا عبر ممرات وأماكن لم أرها من قبل حتى دخلنا إلى صالة كبيرة بدت كغرفة معيشه عائلية. جلسة حميمة ومدفأه كبيرة غير مستعملة عُلق فوقها العديد من اللوحات للطبيعة وقد عُلق في جدرانها الأخرى لوحات عدة للسيد والسيدة بلاك وود في شبابهما وما يبدو أنه أخر سنين قبل وفاتهما.
  كان الأخوان بلاك وود يمتلكان ملامح كِلا والديهما إلا أن اللورد أغسطس ورث عن والدته الرموش الطويلة لعينيه.
 
أيضاً كان هنالك لوحتان متقنتان إحداهما للعائلة كاملة في ما بدت الحديقة الخلفية لهذا المنزل وأخرى للأخوين بلاك وود في صباهما. لم أستطع التأمل فيهم جيدًا لأن آنّا كانت تسحبني بسرعة لكن ذلك لم يمنعني من رؤية صورة أخيرة متوسطة الحجم وُضِعت فوق طاولة شرقية في إطار أسود مذهّب، لوحة لسيدة ذات شعر بني طويل وابتسامة تجعل الراحة تغمرك حين رؤيتها.. لقد كانت الليدي إيميليا زوجة اللورد أغسطس المتوفية.

25

جعلتني رؤية تلك الصورة أشعر أنه من الخطأ أن نكون هنا فقلت لآنّا التي كانت قد توقفت بعد أن عبرنا بابًا أخر:
" آنّا لا أظن أنـ ..."
لم أكمل بل لم أستطع الإكمال فلقد أبهرني ما رأيت.

احتوت كلية الملكة على مكتبة كبيرة أذهلتني عندما رأيتها وطننتُ أنها أكبر مكتبة رأيتها في حياتي ثم ذهبتُ يومًا برفقه إرنست إلى المكتبة الملكية واكتشفت أن كل المكتبات التي رأيتها في حياتي كانت مجرد زوايا كتب صغيرة.

5

أذكر ذلك الشعور جيداً فها أنا الأن أشعر به عندما قارنت مكتبة اللورد أغسطس بمكتبه منزلنا التي كنتُ أفخر بها.

غرفة في مثل حجم غرفة المعيشة السابقة كانت تطل ناحية جزء لم أزره من الحديقة الخلفية فقد كان في الزاوية البعيدة من المنزل  ثلاثة من حوائطها شغلتها رفوف كثيرة وعالية من الكتب حتى وصلت إلى القرابة السقف.

شهقت وتركت يد آنّا التي رسمت ابتسامة راضية وهي ترى ملامحي.
وقفت في منتصف الغرفة وأنا أنظر من حولي لا اعرف من أين ابدأ أو إن كان كل هذا حقيقة.

توجهت إلى يساري أولًا ومررت يدي على عناوين الكتب.. مررت على قرابة عشرين كتابًا ولم أعرف أي واحد منهم! توجهت إلى جهة أخرى وكذلك كانت جميعها جديدة بالنسبة لي.

2

كل ذلك وآنّا تراقب فيّ بصمت، كنتُ قد نسيت وجودها تمامًا حينما وجدتُ أخيرًا كتابًا سمعتُ عنه من قبل، أخرجته من مكانه وبدأت في تصفحه بشرود.

جعلني اندماجي فيه لا أنتبه إلى ذلك الذي دخل إلى المكتبة لتفزع آنّا من ظهوره وتحاول أن تعتذر لكنه طلب منها الهدوء وهو يبتسم لها أن لا بأس.
ثم اقترب مني..

22

قلبتُ صحفة أخرى وقد اندمجتُ في القراءة تمامًا بينما وقفت أمام رفوف المكتبة غير منتبه له وقد وقف قريبًا مني بينما يبحث في صف أمامه عن كتاب ما.

1

لم أنتبه إلى اللورد أغسطس إلا عندما تعبت رجلاي من الوقوف وأردت تحريك جسدي قليلًا لأجده يقف على يساري وفي يده كتابان يتصفح أحدهما من صفوف المكتبة.

كان لا يزال يرتدي ثياب البولو خاصته لكنه بدا أكثر انتعاشًا من قبل.

" اوه "
كان كل ما خرج من فمي حول اللورد بصره ناحيتي قائلًا:
" أخيرًا انتبهتِ لوجودي، ما الذي تقرئينه لتندمجي لهذا الحد؟ "

ابتلعت غصة في حلقي متوترة فهو يعلم أننا وحتى نصل إلى هنا مررنا عبر غرفة المعيشة التي لا أعلم إن كان مسموحًا للضيوف دخولها.
قلت بسرعة:
" أسفة حقًا أيها اللورد، ما كان يجب علي المجيئ إلى هنا بدون إذن منك، اعتذر لتصـ.."
" مهلاً لم تعتذرين؟ أنتِ لم ترتكبي أي خطأ.
لقد كان يفترض احضاركِ إلى هنا في وقت ما على أي حال "
" ماذا؟ "
" أخبرني إرنست أنكِ مثله تحبين القراءة، هو جاء إلى هنا قبل يومين عندما كنتِ خارجًا وطلبتُ منه أن يدلكِ عليها بعد عودتكِ لكن يبدو أنه قد نسي "
مرة أخرى قلت " أوه ".

ثم شتمت إرنست في رأسي فهو قد جاء إلى مثل هذه المكان ولم يخبرني.. سأتفاهم معه لاحقًا.
انتبهت حينها إلى أنني واللورد الوحيدان في المكان تلفت باحثه عن آنّا فلم اجدها. قال اللورد حينما لاحظ بحثي :
" إن كنتِ تبحثين عن خادمتك فأظنها في الممر تتحدث مع بيتر.  سمعته يتحدث عن الاعتذار عن ما حصل سابقًا، هل تعلمين ما يقصده؟ "
سأل ببعض اهتمام خشية أن يكون بيتر قد سبب لنا متاعب ما لأقول بسرعة:
"نعم أعرف وهو ليس أمرًا مهمًا، فبيتر خادم... مذهل ولقد أثار إعجابنا حقًا "

ختمت مبتسمة وقد تذكرت أن آنّا قد استعملت تعبيرًا مشابهًا لما قلته.
" هذا جيد، ظننتُ انها قد فعل شيء لخادمتك.. سأعتذر له على سوء ظني لاحقًا "
أضاف وهو يأخذ كتابًا أخر لتتسع ابتسامتي فلقد أعجبتني جملته هذه فهي تنم عن احترام وتعامل موازي يقدمه لخادمه.

14

" إن بيتر مرافقك الخاص أليس كذلك أيها اللورد؟"
قاطعته بينما كان يتفحص في أحد كتبه ليلتفت ناحيتي مجيبًا وهو ينتظر سببًا لسؤالي:
" نعم هو كذلك "
" في البداية ظننته كبير الخدم، فهو من كان برفقتك لتحية الضيوف "
" هذا صحيح في الحقيقة... ولا تخبري أحدًا أرجوكِ .."

أضاف هامسًا وهو ينظر من حوله متظاهرًا أن الأمر خطير، هززت رأسي بـحسنًا وقد كتمت ابتسامتي المستمتعة بينما اقترب فجأة بجذعه ناحيتي ليكمل قائلًا:

11

" ... كان يفترض بـ بيتر أن يكون هو كبير الخدم فهو أقدمهم هنا لكن ستيفنز اعترض وقال أنه لن يسمح لـ ... ' تعلمين'  أن يكون كبير الخدم في منزل والدتنا فهذا يقلل من نظرتنا أمام ضيوفنا ومن احترامنا لوالدتنا، فاضطررنا لجعل جاك بدلًا عنه.. لكن هذا لا يعني أن جاك رجل سيء بل هو جيد بما فيه الكفاية لكنه ليس ببيتر! "
" لقد فهمت "

82

قلت محاولة أن أبدو عادية بعد أن ركزت كل حواسي في الاستماع إليه مرغمة نفسي على عدم تأمل ملامح هذا الرجل بقربي، وما إن أنهى حديثه وعاد ليقف معتدلًا حتى أطلقت نفسًا صغيرًا لم أعلم أني كنت أكتمه.

2

عدت لأفكر فيما قاله ودهشت للحظة كون ستيفينز يفكر هكذا، لكني تراجعت عن ذلك بعدها.. ربما هذا ليس غريبًا منه.

8

عاد اللورد ليتحدث مجددًا لكن همسًا هذه المرة وكأنه يحدث نفسه بينما عيناه تجولان في الكتاب بين يديه:
" لو كان والكر موجودًا لتفادينا كل ذلك "

1

لم يطل الأمر حتى تذكرت من هو والكر هذا، كان كبير الخدم السابق والرجل الذي قُتل قبل أشهر من الأن!

1

تذكرت أمر تلك الحادثة التي أنستني الأيام تفاصيلها. أذكر أن إرنست أخبرني عن شكوكه كون الجريمة لم تقع بواسطة لص كما قالت الشرطة لكنه لم يكن متأكدًا ولم يسمح لي بالتعمق في أسئلتي وقتها.
ورغم كوني أريد معرفة ما حصل بعد ذلك إلا أنني لا أستطيع سؤال اللورد هكذا فقط.

9

فجأة أمتد كتاب أمام عينيّ بينما كنتُ انظر لأسفل وأفكر. قرأت العنوان -في مانشيستر - ثم نظرت متسائلة ناحية اللورد. قال:
" هذه الرواية من المفضلات لدي، إن لم تقرئيها من قبل يمكنك أخذها وقرأتها "
" حقًا مكنني ذلك؟ "
" نعم "

3

شكرته بينما حملتها بين يدي وأنا أتأمل الغلاف السميك لها واقرأ اسم كاتبها -نوا-.
" حسنًا.. لقد أخذت ما أريده لذا سأذهب الأن، يمكنكِ البقاء هنا والمجيئ متى ما أردتِ وأخذ ما تريدين من الكتب أنسة إزابيل "
قال اللورد وهو يعيد أحد كتابيه لمكانه ثم يلتفت ناحيتي لأقول وأنا أحضن الرواية إلي:
" أشكر لطفك معي سيدي "

17

هز رأسه مبتسمًا ثم خرج، رأيت بعدها بيتر وهو يعبر الباب ليذهب خلف سيده بنفس تعابيره الجامدة ثم دخلت آنّا عائده إلي..
لم تفتني الحمرة في وجهها إذًا لابد أن حديثًا دار بينها وبيتر. سار لكنني لم اسألها فيكفيها الحرج الذي تشعر به. حملقت في الكتاب بين يدي وأنا متحمسة لأعرف عن ماذا تدور الرواية ثم خرجتُ برفقة آنّا.

5

عدنا إلى الجزء المألوف لي من المنزل، سألت خادمة مرت بنا عن مكان تواجد الفتيات فأخبرتني أنهن في الصالة الشرقية يلعبن الورق شكرتها وتوجهنا ناحية هناك لنمر في سيرنا بـإليزابيث وهي تتحدث برفقة ستيفنز في غرفة ما.
كانت تضحك على شيء يقوله لكن بدت لي ضحكتها مصطنعة اكثر من اللازم قررتُ تجاهلها للوقت الحالي إذ يمكنني سؤالها قبل النوم عن ما حصل في غيابي.

10

قطع طريقنا فجأة ظهور إرنست من مكان ما.
كان قد غير ثيابه ليعود لزيه المعتاد وقد قام بتسريح شعره الأحمر ليعيده إلى الخلف ويبرز جبينه، بدا كأنه ينوي الخروج.

19

رفعتُ حاجبًا وأنا أنظر له بينما اقترب منا وهو يبتسم حيا آنّا ثم قال لي:
" أين كنتِ؟ لقد بحثتُ عنكِ في كل مكان "
" إذًا لقد انتهيت من استعراضك أمام الفتيات "
قلت بنبرة متلاعبة لكنه لم يفهم مقصدي في البداية إلى أن كور فمه قائلًا ومدافعًا عن نفسه:

1

" كلا.. لم يكن الأمر هكذا لقد طلبن منا ذلك "
" نعم صحيح وأنت استغللت الفرصة لتريهن مهاراتك الفريدة.. كم خسرتكم بالمناسبة؟ "
أضفت بابتسامة شامته ليدير عينيه ثم يقول:
" حسنًا لقد فهمت أنتِ مستاءة لأني لم أوفي بوعدكِ معك.. أنا أسف لقد أخطأتُ في حقك، ما الذي يمكنني فعله من أجلك أنستي لكي تسامحيني؟! "

لم يكن في صوته أي نبرة ندم وهو يقول كل ذلك دفعة واحدة وقد كان ذلك واضحًا بسبب ابتسامته تلك والتي بادلته إياها بينما تظاهرتُ بالتفكير ثم فأجبت سؤاله:
" أرغب في الذهاب معكَ إلى تلك البحيرة التي ذهبتُ إليها من قبل "
" فقط هذا؟ "
" لا تتظاهر وكأنه أمر سهل لسبب ما أشعر أننا لن نذهب إليها سوية طوال بقائنا هنا لأنك ستظل تشغل نفسك بهذا وذاك "
" بل سنفعل وتذكري أنك لا تصيبين دائمًا "

همهمت متجاهله إياه تعقيبه، لاحظ إرنست أنني أحمل كتابًا بين يدي قال:
" لم أرى هذا الكتاب لديكِ من قبل هل هو جديد؟ "
" كلا.. لقد أخذته من مكتبة اللورد والتي -بفضل أحد ما -كان اليوم أول مرة أدخلها "

بدا أن إرنست تذكر أمرها وقد ضرب جبينه براحة يده اليمنى مهمهمًا أن الأمر كان في طرف لسانه لكني رمقته بنظرات لائمة وغير مصدقة لأعذاره، فتح فمه ليعتذر إلا انني قلت له بكبرياء كاذب:
" لا بأس لا أريد اعتذاراتك غير الصادقة هذه لقد سمعت ما يكفيني منها لعمر كامل "

أضحكه كلامي ليقوم بضمي إليه قائلًا:
" لا أريد من عزيزتي أن تظل مستاءة مني لوقت طويل المهم أنك قد اكتشفتها متأكد أنها ستعجبك ففيها الكثير من الكتب الفريدة "
" هذا صحيح "

7

أبعدني عنه ثم قال وهو يمسك بساعدي:
" لكن من دلكِ عليها؟ "
" آنّا.. لقد أخبرتها عنها خادمة تسمى بينيبرا وهناك إلتقيتُ اللورد قبل قليل وهو من اقترح لي هذا الكتاب "
أجبته وأنا أشير لمن ترافقنا بصمت باسم.
" اللورد هو من اقترحه لكِ؟!"
قالها باستغراب لأجيبه بهزه من رأسي.
" واو، يبدو أن علاقتك به جيدة حقًا "

بدا إرنست جادًا هذه المرة على غير المرات السابقة فأجبته كما قلتُ لـماري من قبل:
" هذا لأني شقيقتك فقط "

إجابتي لم تلق ردًا منه إذ سرح لثوانٍ كأنه يعيد التفكير في أمرٍ  ثم سرعان ما  ابتسم وهو يقوم بدفعي للسير بيده اليسرى التي تحيط بي.
بدآنا السير في صمت كنتُ أفكر فيه ولم أنتبه لإتجاه سيرنا إلى أن وجدتُ نفسي في البهو الرئيسي.

6

كان اللورد يقف هناك برفقة بيتر وقد غير من ثياب البولو لثياب الخروج وقد ناوله بيتر قفازاته ليرتديها. إلتفت ناحيتنا فأبعد إرنست يده عني وسار بخطوات سريعة ناحية اللورد ليعتذر عن تأخره. سألت وقد اقتربت منهما:
" هل أنتما ذاهبان إلى مكان ما؟ "

سؤالي جعل إرنست ينظر للورد كأنه يطلب منه الإذن ليجيبني هز اللورد رأسه موافقًا فأجاب إرنست:
" ذاهبان إلى المحطة لنستقبل شخصًا ما "
أضاف اللورد:
" هو صديق قديم لي يعمل في البحرية لذلك تأخر فلقد كان لديها تدريبات في الخليج الشرقي "
" لكن لماذا ستذهب أيضاً إرنست؟ "
" أريد الخروج قليلًا فأنا لم أذهب للمدينة منذ وصولنا "

32

رغم كونها إجابه مقنعة إلا أنني لم أقتنع إذ يبدو أن هناك بقية لكلامهما.
تدخل بيتر حينها قائلًا:
" عذراً سيدي، إن السيد واتسون في انتظاركم داخل العربة "
" حسنًا بيتر سنذهب في طريقنا حالًا وسنعود قبل العشاء أخبر جاك أن يهتم بالضيوف جيدًا "
" أمرك سيدي "
بدون قول كلمة أخرى خرج اللورد ويتبعه إرنست الذي طبع قبلة سريعة على جبيني قبل أن يخرج.

زفرتُ هواءً ساخنًا وأنا أراقب العربة تذهب بعيدًا وبقربي يقف بيتر وآنّا من خلفنا.
قلت بصوت خافت:
" لمَ أشعر أن إرنست يخفي أمرًا ما عني؟ "

53

...

2

حقائق فيكتورية:
بعد الطبقة النبيلة تأتي الطبقة
المتوسطة وهم ليسوا بغنى أفراد
الطبقة النبيلة لكنهم يمتزجون بهم،
يتوقع من النساء في هذه الطبقة
أن يكن متعلمات بشكل ممتاز وأن
يساعدن في الأعمال الخاصة بأسرهن.

وأن يحاولن الزواج من داخل

الطبقة النبيلة. بنهاية العصر

الفيكتوري بعض النساء من

هذه الطبقة كن يعملن لحسابهن

بوظائف كالتمريض والتأليف. ▫


...


*الصورة لمباراة من رياضة البولو*

----------


الانتقال إلى الفصل التالي