رواية اللورد الفصل 22

 



(22)


كانت إليزابيث دائمًا ما تشتكي أن نومي ثقيل وكانت آنّا أحيانًا عندما يفيض بها مني تنعتني بـدب الكوالا.

5

كان ذلك يزعجني فأنا لستُ كإليزابيث التي تستيقظ إن ناديت بإسمها فقط، لكن مع ذلك كنتُ لا أستطيع الإنكار فهي حقيقة.

3

ظننتُ أن نومي فعلًا كان ثقيلًا لكن يبدو أن ثِقَله لم يكن يعمل إن كنتُ موضوعه على ظهر حصان يجري بسرعة في منتصف ليلة صيفية باردة والهواء يعصف بشعري ليجعله يتناثر في كل مكان، بينما فمي مغلق بقطعة قماش ويداي مربوطتان إلى الخلف.

3

إستيقظت فزعة وقد برز في عقلي أخر مشهد أتذكره قبل أن يغمى علي فأخذت أحاول التحرر رغم كوني لم أفهم تمامًا الموقف الذي أنا فيه إلا عندما سمعتُ صوتًا يقول بنبره قاسية:
" توقفي عن التحرك "

جفلت في مكاني وقد شعرت أخيرًا بتلك اليد التي تحكم الإمساك بي وذلك الصدر القاسي الذي كنتُ متكئه عليه.
إلتفت ببطء خائف إلى ذلك الذي كان يقود الحصان كأن حياته تعتمد على ذلك.

بالتأكيد لم يكن شخصًا أعرفه، رجل ضخم قاسي الملامح ولديه قطع على شفته السفلى أعطاه مظهر قاتل محنك.

إتسعت عيناي خوفًا وقد أخفض بصره إلي وإبتسم إبتسامة خبيثة وهو يرى خوفي ذاك، شد علي بيده التي حولي ليلصقني إليه بطريقة.. مقرفه.

18

حاولت الإبتعاد حاولت الصراخ حاولت جعل نفسي سقط من أعلى الحصان لكن كل ذلك لم يفلح إذ كان قويًا للغاية. بدت محاولاتي كلعب قطة صغيرة فقط.

19

كنتُ اتنفس بسرعة، وقد تجمعت الدموع في عيني لكنني لم أبكي، تلفت حولي علي على الأقل اعرف أين أنا لكننا كنا في خلاء متجهين ناحية غابة كبيرة.

فجأة تمت إحاطتنا بالأشجار وتباطأت سرعة الحصان بينما كان يمر من بين الأشجار المتجاورة، وبعد سير لمسافة برز من على البعد كوخ صغير يقع في منطقة خالية من الأشجار.

8

هدأت سرعة الحصان أكثر إلى أن أوقفه الرجل أمام الكوخ تمامًا ثم وبيد واحدة حملني بينما نزل من على الحصان ووضعني على كتفه ككيس بطاطا.
مرة أخرى أخذت احاول الصراخ والإفلات منه لكن من دون جدوى.

16

فَتح الرجل الكوخ البارد الخالي تقريبًا ومن ثم رماني من على كتفه فعليًا ككيس بطاطا لأسقط على ظهري في الأرض بقوة ويصطدم رأسي بالحائط من خلفي.
تألمت كثيرًا وأخذت دموعي تنزل بغزارة وقد حاولت بأقصى جهدي أن أكتم صرختي لكنني لم أستطع فخرجت كبكاء مكتوم بسبب ما يغطي فمي.
أخيرًا قال الرجل بينما إنحني ناحيتي وهو يتمعن فيّ من كل النواحي:
" يبدو أنني سأحظى ببعض المتعة. "

69

إتسعت عيناي وجفلت بينما زحفت بساقيّ إلى الخلف لأصطدم بالحائط وأتوقف مُجبره، مد الرجل يده وتحسس كتفي ثم وبحركة سريعة قام بنزع الروب الذي كنت أردتيه عني ليتعلق بيدي المربوطتين إلى الخلف.

 

إتسعت إبتسامته. ليقول بخبث كبير:
" يالها من خسارة أن تموت فتاة جميلة مثلك، لكن الأوامر تقتضي ذلك "

7

مع قوله ذاك جف الدم في عروقي ولم أعد أستطيع التحرك.

سيقتلني.
سيقتلني الأن ولن يعرف أحد أبدًا أنني قد إختفيت. سيقتلني ولن يجد احد جثتي لأيام عدة، سيقلتني ولن أستطيع حتى وداع أمي وأبي.

19

رغم عدم قدرتي على التحرك إلا أن دموعي كانت تنهمر بشدة في بكاء مكتوم وخائف بناءً على ما يغمر رأسي من أفكار.

في كل حياتي لم أتوقع أن تكون نهايتي هكذا، نهاية مذلة على يد قاتل في مكان مجهول وبسبب رجل كـستيفينز... رجل أعجبت به أختي !

28

" ماذا؟ هل جعلكِ الخوف تتجمدين؟ كم هذا مؤسف أحب أن تصارع ضحيتي قليلًا قبل أن أنتهي منها ..."
كان يتحدث، يتحدث بينما يداه تقوم بجوله حولي.
" لا تقلقي أنستي الصغيرة سأدعك تحظين بوقت جيد قبل أن تودعي هذا العالم، لن تموتي قبل أن تؤدي دورك كـفتاة جيدًا "

69

أيها الوقح الغبي الحقير.. لم تخلق الفتيات لهذا!. أردت الصراخ في وجهه وصفعه بأقصى ما لدي وأن أخبره بكل حقوق المرأة المغصوبة منها بسبب رجال مثله، لكنني كنتُ قليلة الحيلة إذ لم أستطع تحريك إصبع واحد من الخوف.

30

لم أتخيل يومًا أن أمر بموقف كهذا لكنه يحصل الأن. قبل ساعات فقط كنتُ برفقة اللورد أغسطس في غرفته، كنتُ في أمان برفقته.

يا ترى ماذا كان سيحصل لو لم أخف وأخرج؟ ماذا كان ليحصل لو بقيت برفقته؟
لن يمكنني معرفة ذلك أبدًا.

2

وأكثر ما يحزنني أن أكثر إثنين سيتألمان لما سيحصل معي هي آنّا التي ستلوم نفسها لأنها على الأقل كانت تعلم جزئًا ما أقوم به ولم تمنعني من التهور والقيام بكل شيء وحدي، وإرنست.. الذي لم يجد الفرصة حتى ليحاول حمايتي.

5

كنتُ قد إستسلمت. فماذا بيدي أن أفعل؟

أخرج الرجل الروب عني بعد أن فك العقدة عن يدي غير قلق من هروبي فأنا لا أستطيع التحرك على أي حال، الملامح عن وجهه كانت مستمتعة للغاية وهو يمرر يده على شفتيه.
إنهمرت دموعي اكثر وأكثر، والبرد ينخر عظامي. كنت كلعبة يحركها كيف يشاء.

ثم بدا كأنه تذكر أمرًا فقال وهو يربت على ساقي:
" إنتظري قليلًا يا صغيرتي.. "
وضع السكين التي كان يحملها بقربي وذهب إلى الجهة الأخرى من الكوخ المظلم.

14

وفقط عندما إبتعد جسده الضخم عن أمامي رأيته...
دخل ضوء القمر عبر باب الكوخ المفتوح على مصراعيه أمامي وهناك .. كأنه بإنتظاري وقف الحصان بلجامه غير المربوط إلى أي شيء.

17

لا أعرف ماذا أسمي ذلك لكن فجأة غمر جسدي رعشة جعلته ينفك من عقدته وتحركت أطرافي التي لم أستطع حتى التفكير في تحريكها قبل قليل.

 

وببطء وحذر إلتفتُ بعيني ناحية المكان حيث إختفى.. كان يقف أمام طاولة رأيت في اطرافه العديد من الأشياء... منشار وفأس ومفاتيح حديدية وقيـ .. بسرعة عدتُ ببصري إلى بر الأمان.

11

بنفس متهدج إستندتُ بيديّ على الأرض خائفة بل مرعوبه من أن يراني لكني لم أتراجع.. سأموت نادمة إن لم أحاول القتال لنجاتي على الأقل.

وعندما حركتُ يدي قليلًا إصطدمت بالسكين على الأرض وبدون تفكير أمسكت بها ودفعت بنفسي لأنهض وأركض رغم الألم في ساقي في اللحظة التي إلتفت فيها مما كان يفعله ليكون أخر ما رأه أنا وقد خرجت من الكوخ!

3

" توقفي هنا أيتها ال ..... "

29

جاء صوته الغاضب المخيف من داخل الكوخ حتى شعرت به هزهز المكان من حوله وقد جفل الحصان عند سماعه وصهل بقوة.

كنتُ قد أمسكت بلجام الحصان الجامح وشددتُ عليه لينصاع لي عندما خرج الرجل من الكوخ وهو لا يزال يصرخ لي بأن أتوقف.

لم أكن أفكر حينها كنت أنفذ فقط، كل تلك الدروس التي تلقيتها مع إرنست في ركوب الخيل أتت أكلها عندما صعدت في ثانية واحدة على ظهر الحصان وضربته بلجامه ليسرع بعد أن صهل بقوة ويبدأ بالجري.

50

كان الرجل قد وصل إلي وعلى وجهه صدمة لم يُخفها لأنه لم يظن أن فتاة تستطيع ركوب الحصاب بهذه الطريقة وفي موقف كهذا، إلا أن يده التي إمتدت ناحيتي إصطدمت بالفراغ وكاد يسقط أرضًا لكنه تمالك نفسه وبدأ بالجري خلفنا بسرعة وهو لا يزال يصرخ ويقسم بشتى الألفاظ التي لم أسمع بها من قبل.

9

حركني الخوف أكثر فأنا كنتُ أشعر به خلفنا مباشرة. أخذت بدون أن أقول أي كلمة أضرب على رقبة الحصان بلجامه ليسرع أكثر وأكثر.

1

دخلنا الغابة وإضطر الحصان لتقليل سرعته، ألقيت نظره من خلفي بخوف وفكرة مرعبة غمرتني أنني عندما أفعل سيكون خلفي مباشرة وسيمسك بي ويرميني أرضًا مرة أخرى.

لكنه كان بعيدًا، لا يزال يجري خلفنا لكنه كان بعيدًا.
عدتُ وإنتبهت أمامي وأحكمت قبضتي باللجام وقد همست بصوتي المبحوح للحصان:
" أرجوك فلنسرع "

1

صهل الحصان مرة أخرى، شعرت به كأنه يجيبني على ما قلته. تابعنا السير بسرعة داخل الغابة حتى لم أعد أستطيع سماع شتائم الرجل بصوته الغاضب. لكنني لم أتوقف.

4

وصلنا إلى نهاية الغابة وإلى الخلاء الإنجليزي الواسع.
مكان لم أره من قبل ولم أعرف إلى أي إتجاه يجب أن أسير.

كنتُ أتجمد من البرد، ساقاي ويداي ووجهي تلونوا بالاحمر القاني، لم يساعد ثوب نومي الخفيف في إبعاد أي برد عني لكنني لم أمتلك رفاهية لإصلاح ذلك.

بعد سير لبعض الوقت ظهرت غابة أخرى في الأفق. كانت أشجارها أقل كثافة من السابقة لكن بما فيه الكفاية لنختبئ فيها.

هدأت سرعة سير الحصان عندما دخلنا الغابة. تلفت من حولي فرأيت بومة تراقبني بصمت. شعرت بخشخشه الأعشاب وحفيف الأشجار وكل تلك الأصوات التي لا تهدأ حتى ليلًا ي غابة كهذه. أمر كان ليخيفني في وقت أخر، لكن الأن بدت لي الحيوانات البرية مسالمة أكثر من إنسان مريض كذلك الرجل!

تابعنا السير حتى غصنا في دخل الغابة المظلم، حيث لم يعد ضوء القمر يستطيع إضاءة المكان، بدأ الحصان يخرج أنفاسًا حارة وقد أبطأ في سيره فعلمت أنه يحتاج إلى الراحة بعد كل ذلك الركض قبل قليل.

2

وجهته إلى شجرة صنوبر كبيرة ثم نزلت بحذر من على ظهره خشيه أن تدوس قدمي العارية على جحر أو ما هو أسوأ.

6

نظرت من حولي وإستمعت جيدًا، لا شيء غير أصوات الغابة ليلًا.

أخرجتُ نفسًا مرتاحًا.. لقد نجوت!

نجوت من موت مُحقق وبشع ومُذل بطريقة لا يمكنني حتى الأن تخيلها!!

33

أخيرًا إنتبهت لنفسي، نظرت إلى جسدي لأعرف ما الذي فعله ذلك الوغد بي فلقد كنت وقتها في حالة لم تسمح لي بأن أفكر بأي شيء سوى موتي الذي إقترب.

كان ثوبي متسخًا وممزقًا في بعض الجوانب، شعري متناثر وثائر وقد إتسخت أطرافي بشكل كبير وشعرت بتقرحات في ساقيّ وألم فظيع في ظهري ولم تخفى علي تلك الجروح على ساعديّ، وفي يدي اليسرى أحكمت على تلك السكين التي سرقتها منه.

مرة أخرى أخرجت نفسًا وهمست بصوت لا يزال مبحوحًا من شدة البكاء والخوف:
" الحمدلله "

ثم إلتفت ناحية بطلي الذي أنقذني، ربت على ظهر الحصان لوهلة قبل أن أحيط عنقه في عناق كنتُ أحتاجه، زفر الحصان البني وحرك رأسه يمنه ويسرى فتناثر شعره على وجهه، إبتعدتُ عنه ليقوم فورًا بالإنحناء ثم الجلوس أرضًا وإغماض عينيه.

15

إذًا هو متعب حتى ليقوم بمواساتي، جعلني ذلك إبتسم ويال سخرية الموقف الذي إبتسمت فيه !

2

بقربه جلست ومحتميه به أمامي الحصان المستلقي وخلفي جزع شجرة الصنوبر الكبير، أحكمت قبضتي على السكين بيدي الإثنتين وجلستُ مستعدة وعيناي تراقب كل ما حولي فلا أزال خائفة أن يظهر ذلك الرجل أمامي فجأة من مكان ما.

وحيدة وفي غابة مخيفة ليلًا في مكان بعيد كل البعد من حيث منزلي ومن حيث عائلتي ولا أحد يعلم أنني هنا وما الذي يحصل لي.

3

إنتابني الخوف عند هذه الفكرة، لكن سرعان ما هززت رأسي فلا وقت لدي لتفكير سلبي، علي الصبر والثبات حتى أنجو.

ثم تذكرت أمرًا، إن اللورد أغسطس يعلم بشأني!
كان أخر من كنتُ برفقته وسيعلم من المسؤول عن إختفائي وعندما يحل الصباح سيأمرهم بالبحث عني وسيجدونني هنا أنتظرهم.

هذا صحيح، فقط علي الإنتظار حتى يحل الصباح.
همستُ لنفسي ونظرت إلى أعلى حيث سماء الليل السوداء الصافية، لا يزال القمر يتوسط السماء بنوره القوي، أظن أنه لا يزال هنالك بضع ساعات لحلول الصباح.

7

أخرجت نفسًا حارًا.. ثم قررتُ الإنتظار.

 

...

 

كنتُ في باحه الكلية أجلس مع ماري بينما نتحدث سويًا كما إعتدنا، بقربنا آنّا تخيط في وشاح جديد ستقدمه لي هذا الشتاء كالعادة.

3

جاء إرنست من بعيد وضمني إليه كأنه لم يراني منذ وقت طويل، ضحكت عليه وذهبت برفقته فإلتقينا بـإليزابيث وأوليفيا.

تحدث أربعتنا عن إلمر وعن كم إشتقنا إليه، قبل أن يقاطعنا التوأم أليكس وماكس بصياحهما وشجارهما. ذهبت أوليفيا لتفصل بينهما بينما إنفجر ثلاثتنا ضحكًا على محاولتها الفاشلة.

2

من بعيد جاءت أمي وإنضمت إلينا وهي تتذمر من إلمر وعدم رغبته في الزواج ومن ثم سمعت صوته يناديني. إزابيل، إزابيل . كان والدي، إلتفت من حولي لأجيبه لكنه لم يكن موجودًا في أي مكان.

إبتعدتُ عنهم وأخذت أنادي عليه علني أجده وأخبره أنني هنا، لكنه لم يسمعني وظل ينادي:
" إزابيل .. إزابيلا ... "

هنا فتحت عيناي فجأة وقد أخرجني ذلك الصراخ بإسمي من عالم الأحلام.

تلفت من حولي باحثة عن مصدر الصوت لكن كل شيء عاد هادئًا، أمامي الحصان النائم وخلفي الشجرة العتيقة ومن حولنا الغابة المظلمة.
لا شيء تغير.

شعرت بخيبة أمل وأن ذلك الصوت كل حلمًا فقط فأنا لا أزال في الغابة ولا أحد يعرف أنني قد إختفيت بعد.

3

كان ذلك قبل أن أسمعه مجددًا. صوت والدي يصدح في الانحاء:
" إزابيلا.. هل أنتِ هنا؟ "

35

عندما إلتقطت أذاني صوته نهضتُ بسرعة وأنا اهمس بـ " أبي " ، ثم خرجت من بين الحصان والشجرة وبدأت أتلفت من حولي لأحدد مكان صدور الصوت.

" إزابيل .. إزابيلا .. "

كان صوته أقرب هذه المرة. لم أتمالك نفسي ولم أهتم للمكان الذي اتواجد فيه، فقط صرخت بكل ما أمتلك من قوة في داخلي :

5

" أبي .. أنا هنا،

أبي.. أرجوك "

فجأة بدأت بالبكاء وأنا أنادي خاصة عندما لم أعد أسمع صوته فظننتُ مجددًا أنه ربما كان ذلك مجرد حلم وهلاوس وأن أبي لم يكن موجودًا هنا يبحث عني كما ظننت.

1

أخذت أبكي وأصرخ بـأبي بينما تحركت من مكاني وأنا أبحث إلى أن توقفت بعد أن داست قدمي على حجر فأطلقت صرخة متألمة وجلستُ أرضًا لأحتضن ساقاي إلي وأكمل نواحيَ بينهما.

لم أبكي بمثل هذه الطريقة من قبل، بكاء أيقظ الكثير من الحيوانات وجعل الغابة تنتفض والأشجار تهتز والحشائش تتحرك. لكني لم أهتم، حتى وإن أقبل دب ليلتهمني إلي لم أعد أهتم.

لكنه لم يكن دُبًا..

1

" إزابيل ! "
رفعتُ بصري إلى حيث صدر الصوت فوجدتُ نورًا قويًا أمامي على البعد جعل عيناي تجفلان لأبعد نظري عنه.

4

مرة أخرى : " إزابيل .. أهذه أنتِ؟ "
" أبي !!! "

صرخت وقد نهضت ليقترب هو بسرعة فور سماعه لصوتي ويرمي بذلك الفانوس الذي كان يحمله أرضًا ثم يأخذني بين يديه بقوة وبحنان شديدين.

للحظة لم استوعب أنني حقًا في حضن أبي وأنني قد نجوت أخيرًا. إلى أن سمعته يقول بنبره قلقة وخائفة لم أسمعها لديه من قبل:
" الحمدلله، الحمدلله.. أنتِ بخير يا صغيرتي.."

23

حقًا لقد نجوت ! .. بيدين مرتجفتين أحطته وبدأت أبكي بكاءً جنائزيًا في كتفه.
ضمني والدي الخائف إليه أكثر كأنه يتأكد من أنني لن أختفي من أمامه، بينما أخذ يهمس في أذني قائلاً:
" لا بأس لا بأس .. كل شيء سيكون على ما يرام "

4

كنتُ سأستمر في البكاء لوقت أطول لو لم يقاطعني صوت حصان يقترب ليتوقف قريبًا منا. ومرة أخرى صوت مألوف صرخ بإسمي قائلًا: " إزابيل ! "

إبتعدتُ عن والدي وقد إلتفت برفقتي ناحية إرنست والذي بسرعة نزل من أعلى حصانه متجهًل ناحيتنا وقد إمتلأ وجهه وعيناه بدموع السعادة والراحة.

23

رجل أخر أدخلي في حضن كبير وفعلت بالمثل، لكن هذه المرة كان إرنست يبكي.
بكاءُه جعلني أبكي بصمت برفقته وأنا أشد بيديّ حول رقبته عل جسده الذي يرتجف خوفًا يهدأ ويعلم أنني بخير.

59

بعد دقائق من البكاء إبتعدنا عن بعضنا قبل أن يدخلنا أبي مرة أخرى في عناق سريع وهو يقول:
" الحمدلله .. أنتِ بخير "
" نعم .. أنا بخير "

قلت مبتسمة إبتسامة فاشلة بينما أحاول مسح الدموعي التي أبت إلا إن تزداد في إنهمارها.
أمسك بي إرنست من كتفي وجعلني أرفع بصري إليه ثم أمعن النظر فيّ هو ووالدي  ليردف قائلًا بغيظ بينما يبعد خصلًا من شعري ملتصقه بوجهي المتعرق والمتسخ:
" تبًا.. هل فعل لكِ شيئًا ذلك الوغد؟ "

2

هززتُ رأسي بـلا لكن إجابتي لم تقنعه فمظهري يحكي الكثير. مرة أخرى أطلق كلمة بذيئة وهو يحتضنني مجددًا.

تنهد والدي وهو يهمهم بشيء أخر بينما إبتعد قليلًا ثم أطلق صافرة قوية في الفراغ  تررد صدى صوتها في الغابة الهادئة.

سألني إرنست:
" لكن .. كيف وصلتي إلى هنا؟ "
أجبته بينما لم أبتعد عن حضنه الأمن:
" بالحصان. حصان الرجل الذي خطفني "

مع قولي ذاك برز الحصان من بين الأشجار كأنه يتفقد ما يحدث لي، لابد أن كل تلك الضجة قد أيقظته.

7

نظر إليه إرنست وإبتسم، لو كان بشرًا لقام بإحتضانه وشكره بالتأكيد.
عاد والدي وإنضم إلينا فنظرتُ إليهما وسألت السؤال الذي كان يراودني:
" لكن. كيف عرفتم بهذه السرعة؟ ظننتُ أن لا أحد سيعرف عن إختفائي إلا في صباح الغد "
" إنها قصة طويلة حقًا.. لقـ "

لم يستطع إرنست الإكمال إذ أن حصانين أخرين إقتربا من حيث كنا. ضوئان أخترقا الظلام وصوت صهيل الخيل حين توقفهما جعل بومة تطير من شجرة قريبة.

1

إلتفت ثلاثتنا إلى الواصلين الجدد. تحدث أحدهما وقد كان هاري رغم كوني لم أستطع رؤية وجهه مع كل ذلك الضوء الساطع الذي يصدر من الفانوس إلا أن صوته القلق كان مميزًا:
" هل وجتماها؟ "
" نعم وجدناها.. إنها هنا "

إبتعد إرنست عني ليسمح للواصلين برؤيتي جيدًا. كنت مغمضة إحدى عيني لأنني لم أستطع تحمل كل ذلك الضوء بعد البقاء في الظلام لوقت طويل.

لم أكن أرى جيدًا لكنني لمحت شبح الشخص الأخر وهو ينزل من الحصان ثم يقترب منا بخطوات سريعة وكبيرة.

38

إبتعد إرنست عني أكثر وقبل ان أتبين ملامح من كان يقترب مني كنتُ قد حُبست بين يديه.

80

لم أحتج لذكاء كثير لأعرف أن ذلك الشخص كان اللورد أغسطس.

13

إحتضنني اللورد بيدين مُرتجفتين، كنتُ مصدومة حقًا فحتى وإن كان قلقًا علي لم أتخيل أنه سيصل لدرجة أن يحتضني بهذا الشكل أمام والدي وأخي.

170

لم استطع رؤية والدي من مكاني أعلى كتفه لكن إرنست أبعد نظره خجلًا بينما كان هاري يبتسم.

23

كستني حمرة ورفعتُ يدي لأربت على ظهره حيثما إتفق وقلت:
" أنا بخير سيدي اللورد، لا تقلق "

" كله بسببي " همس بها اللورد " كل هذا حصل بسببي.. لأنني جبان، لأنني لم أستطع إيقاف أخي عن جنونه.. لأنـ .. بسببي حصل كل هذا لكِ إزابيل "

38

صوته كان مبحوحًا من كثرة النداء بإسمي، جسده كان يرتجف خوفًا من أجلي وندمه كان كبيرًا بسببي.
في تلك اللحظة. لم أهتم بكل ما يتعلق بالآداب أو أي شيء أخر، فقط أردت التعبير عن ما في داخلي. مددتُ يديّ وأحطتهما بجسد اللورد أغسطس.

206

...


حقائق فيكتورية:
المقولة: الأطفال يجب أن يروا ولا
يسمعوا، هي مقولة أشتهرت في
العصر الفيكتوري بين أفراد الطبقة
العليا، وهي تصف الكيفية التي
يجب أن يتصرف بها أطفال الطبقة العليا

4

وهم نادرًا ما يراهم

أهلهم وتتم تربيتهم عن طريق مربيات
ويتوقع منهم أن يكونوا لائقين و
مهذبين ومؤدبين. ولم يكن مسموحًا
لهم أن يكونوا صاخبين لأي سبب كان.▫

----------


الانتقال إلى الفصل التالي