رواية الخادمة قصل إضافي

 



زيارة صيفية


خرجت الخادمة من غرفة الزينة تاركةً سيدتها تقف أمام مرآتها المُذّهبة وهي تنظر إلى إنعكاس صورتها بذهن مشتت.

5

لم تدقق النظر في شكلها رغم كونها كانت في أبهى حله. ثوبها الذي صممه أشهر المصممين في لندن إنسدل بحريرية مُتسعاً على بشرتها المخملية الناعمة، لونه الذي ماثل لون شعرها الأصهب المرفوع عالياً بمشبك أسود جعلها تبدو كجمرة متقدة في ذلك الصباح الصيفي. زُين نحرها بعقد لؤلؤي لمّاع ماثل أقراط أذنها وحلي يديها، ولقد كان ذهنها مشغولاً عن كل ذلك.

4

إستقبال الضيوف والتأكد من إرتياحهم في غرفهم، التأكد من أن يقوم كل خادمٍ بعمله المخصص له والعناية بكل ضيفٍ بالشكل المثالي، الإهتمام بأن يتم تقديم الطعام في الوقت المحدد وأن يناسب كل ضيفٍ وذوقه، إشرافها على أن يحظى الضيوف بوقت ممتع طيلة أيام بقائهم في ضيافتهم...

22

ينتظرها الكثير لتقوم به وجميعها أمورٌ جديدة بالنسبة لها، لهذا تشعر وكأنها في إختبار مهم لها كسيدة لمنزل آل بلاك وود سيثبت نجاحها فيه أنها ملائمة وتستطيع حمل مسؤولية لقب زوجها معه.

91

وكما قبل أي إختبار لابد أن تشعر بتوترٍ كبير. توتر جعلها لا تهتم بتفقد شكلها والزينة التي تعبت الخادمة لنصف ساعة وهي تتأكد من ملائمتها لفستانها.

كما جعلها لا تنتبه لتلك الضجة الخفيفة التي صدرت من الباب القريب من طاولة زينتها والذي يؤدي إلى غرفة النوم الرئيسة للجناح.

كانت قد قررت ما ستفعله. أمسكت بأطراف ثوبها بحزم وإلتفتت ناحية الباب الجانبي الأخر والذي يؤدي إلى خارج الجناح. بخطوات واسعة خرجت إزابيلا في اللحظة التي دخل فيها زوجها أغسطس من غرفة النوم ليتفقدها. وجد المكان خالياً لكنه سمع صوت إنغلاق الباب الثاني فعرف إلى أين تتجه زوجته.

25

...


في صيف عامها الرابع والعشرين واجهت إزابيل أول تحدي كبير لها كاليدي بلاك وود. حيث ستستضيف وزوجها أغسطس أفرادً من عائلتهم وبعض الأصدقاء والشخصيات المهمة من معارفهما من العمل في منزلهما الصيفي في برمنغهام.

21

دعوة جاءت بعد إنقطاع لقرابة أربعة سنوات لم يستضف فيها المنزل غير سيده وزوجته بعد أن تزوجا قبل سنتين تقريباً.

41

ورغم كون الليدي إزابيل قد إستضافت الكثيرين في منزلهما في لندن من قبل بل وأقامت حفلاتٍ وإجتماعات للجمعية الخيرية التي تنشط فيها وإجتماعات أخرى تخص عمل زوجها، إلا أن إستقبال ضيوف للإقامة لثلاثة أسابيع أمرٌ مختلفٌ تماماً.

3

بدأت التخطيط لهذا اليوم قبل أشهرٍ ولازالت حتى الأن تشعر بالتوتر والقلق من أن يحصل أي خطأ يسئ بسمعتها وزوجها.
لذلك أسرعت بخطاها عبر الممرات الداخلية للمنزل والتي تؤدي إلى المطبخ وملامح القلق مرسومة على وجهها.

مرت ببعض خادمات مسرعةً دون أن تتبادل معهن بعض كلماتٍ كما إعتادت، فعرفن سبب تعجل سيدتهن فوراً فتبادلن إبتسامات متمتعة فيما بينهن. بينما تابعت هي سيرها حتى وصلت إلى الباب الكبير المؤدي إلى المطبخ الرئيسي.

الكثير من الضجة. أبخره تتصاعد هنا وهناك مثيرةً روائح مغرية، خضروات وفواكة متوزعة في طاولة كبيرة أنصفت الغرفة. بينما إنشغل أحد الطهاة في تقطيع قطعة لحمٍ كبيرةٍ في زاوية وبرفقته إبنه الشاب يساعده. وفي زاوية أخرى وقفت أمام القدر سيدة سمراء البشرة، قوية البنية صارمة الملامح وهي تأمر الجميع هنا وهناك بما يجب أن يقوموا به دون تساهل، حتى مع إبنتها الشابة الصغيرة والتي كانت تُسرع في تقشير البطاطس متذمرة من كثرة العمل حينما لاحظت سيدتها تقف أمام الباب بأنفاس لاهثة وهي تراقب في المكان.

7

وضعت بينيبرا ما تحمله جانباً وهي تمسح يديها بمريلتها متسائلة بقلق:
" سيدة إزابيل. هل من خدمة نستطيع تقديمها لكِ؟ "

1

نطقها لإسم السيدة جعل الهدوء يسود المكان وقد توجهت نظرات الجميع ناحيتها بترقبٍ حذر حينما لاحظوا ملامحها. إقتربت جامانا كبيرة العاملين في المطبخ وهي تعيد نفس سؤال إبنتها لتأخذ إزابيل نفساً عميقاً قبل أن تجيب بسؤالٍ هي الأخرى:
" هل كل شيء يسير على ما يرام؟ "

1

أطلق البعض تنهيدة نصف مرتاحة نصف متذمرة فهذه المرة الثالثة منذ الصباح الباكر والتي تأتي فيها السيدة إزابيل إليهم بهذا السؤال. بينما تولت جامانا أمر الإجابة عليها وهي تقول مطمئنة بنبرتها الأمومية التي تلمست ذُعر السيدة الشابة:
" نعم سيدتي. كل التجهيزات تسير على ما يرام. ستكون وجبة الغداء جاهزةً في تمام الثانية عشرة والنصف بالشكل الذي تريدين "

أطبقت إزابيل على شفتيها بينما تستمع لهذه الإجابة للمرة الثانية اليوم لكنها لم تكتفي بها إذ سرعان ما قالت بنبرة جادة غلفها الحذر:

1

" هذا جيد، لكن يجب عليكِ أن تتذكري أمر تفضيلات الضيوف قبل أن تقدمي الطعام. كالسيدة كاثرين والتي لا تحب البهارات الكثيرة. والكونت فرانك الذي يحب شرب الشاي قبل تناول وجباته. وكلاهما شخصان مهمان بالنسبة لي، إذ سيقدمان تبرعات مهمة لجمعيتنا لذلك لا أريد أن ينزعجا بأي وسيلة طوال فترة إقامتهما هنا "
" نعم سنراعي لذلك سيدتي "

5

" كما أن أمي أصبحت لا تحب أن تتناول الكثير من السكر لذلك عليك بتخصيص جزء من الحلويات لها بسكر أقل. إليزابيث أيضاً فهي تحاول أن توازن في طعامها من أجل حملها الجديد. كما أنه يجب عليكِ الإهتمام كثيراً بالوجبات التي ستقدم للأطفال. آللنور وإليزابيث مجنونتان تماماً بما يجب أن يتناوله أطفالهما. لذلك قد تزورانك كثيراً في المطبخ فأرجوكِ تحمليهما قليلاً. وأهم شيء لا تنسي أن... "

40

" أن نقدم لللورد بلاك وود وأصدقائه المحترمين المقبلات الملائمة عندما يجتمعون ليلاً في غرفة التدخين... نعم سيدتي سنهتم لكل ذلك فلا تقلقي كثيراً وإتركِ لنا التفاصيل لنقوم بها "

10

قاطعتها جامانا قائلةً بالكثير من الإحترام مع نبرة مطمئنة لتتشابك أصابع إزابيل أسفل بطنها وهي تسمع بقية الكلام الذي كانت تريد قوله.

7

إرتسمت إبتسامات متستمتعة على أوجه طاقم المطبخ بينما اطلقت إزابيل تنهيدة مرتاحة نوعاً ما إذ أن ملامح جامانا الباسمة أدخلت الطمأنينة إليها. هزت رأسها قائلة:
" نعم نعم صحيح. أسفة لقد كررت هذا كثيراً لكني أريد التأكد من كل شيء للمرة الأخيرة فالضيوف على وشك أن يصلوا "
" ولأنهم على وشك الوصول لا يجب أن تضعي وقتك هكذا. يجب أن تكوني مع زوجك لتستقبلاهم معاً "
" لا تقلقي سيدة إزابيل سنقوم بعملنا على أكمل وجه وإن حصل أي شيء ستعرفين فوراً "

قالت بينيبرا متدخلةً لتنظر إزابيل إليها باسمة وتهز رأسها مجدداً ثم أخذت نفساً عميقاً لتهدئه أعصابها.

ربما بسبب توتر أعصابها ذاك لم تنتبه لذلك الذي كان يقف خلف الباب يتابع كلما يحدث. رأته جامانا عندما أبعدت نظرها للحظة عن سيدتها المذعورة وأرادت تنبيهها لوجوده لكنه أسرع بأن وضع سبابته أمام فمه ليطلب منها الصمت.

11

هزت السيدة رأسه يمنى ويسرى على أفعال سيديّ المنزل هذه وقد إلتزمت الصمت وهي تراقب معه إزابيل وهي تتحرك هنا وهناك متحدثة مع الطباخين.

لم تطل في بقائها إذ سرعان ما قالت:
" حسناً بينيبرا وجامانا سأكون متواجدة إن حصل أي شيء. يجب أن أذهب الأن.. "
" مهلاً.. إلى أين سيدتي؟ "

سألت بينيبرا لتجيبها بينما أمسكت أطراف ثوبها مجدداً:
" إلى آنّا بالطبع. يجب أن أتأكد من أن الخادمات قد نظفن الغرف جيداً وأنهن مستعدات من أجل خدمة الضيوف "
" حسناً لكن كوني حذرة في السير سيدة إزابيل "

57

إبتسمت لها إزابيل وهي تلتفت لتذهب في اللحظة التي إبتعد فيها هو عن الباب مختبئاً فلم تره وهي تخرج متجهة إلى الإتجاه المعاكس له.

2

تبادل من يعملون في المطبخ ضحكات محبة إنقطعت عندما دخل اللورد أغسطس بهدوئه المعتاد إلى المطبخ. لم يكن غاضباً على ضحكهم بل كان مثلهم قد إرتسمت على وجهه ملامح مستمتعة وضاحكة.

3

قال وقد شابك يديه خلف ظهره:
" أعتذر على مقاطعتها لكم مجدداً جامانا، لم أرها حينما خرجت"
" لا يجب أن تعتذر سيدي. نحن نتفهم توتر السيدة لقد إعتدتنا عليه في الأونة الأخيرة ومن ثم إن تواجدها يخلق جواً ممتعاً لنا لذلك نرحب بها دائماً "

2

قالت كلماتها بإبتسامة كبيرة إتسعت بسببها خاصته لتضيف بينيبرا ببعض مرح:
" أظن أن عليك الذهاب خلفها بسرعة سيدي اللورد فلا أحد يدري أين سينتهي الأمر بالسيدة قبل وصول الضيوف "

قهقه مؤكداً على كلامها ليستأذن منهم ثم ذهب خلف زوجته.

8

...


توجهت بخطواتها السريعة عبر ممرات أجنحة غرف الضيوف متجاوزة الخادمات اللاتي كن يحملن أغطية وأدوات تنظيف وغيرها من الأشياء وهن يدخلن غرفة ويخرجن من أخرى بسرعة. كانت إزابيل تبحث من بينهن هنا وهناك دون أن تنتبه لخطواتها إلى أن تعثرت بطرف ثوبها الطويل قرب زاوية الممر وكادت أن تسقط أرضاً لولا أن أمسكتها من جاءت عبر تلك الزاوية وكادت أن تصطدم بها.

3

أطلق جميع من رأوا ذلك الحادث من الخادمات تنهيدات عميقة لنجاة سيدتهم. ومن بينهم كانت إزابيل وآنّا أيضاً والتي وما إن ساعدتها على أن تستقيم واقفه حتى قالت مؤنبه:

" سيدتي إزابيل ألم أخبرك أن عليك التريث في السير منذ الأن وصاعداً! ماذا لو سقطتي أرضاً؟ ماذا لو تأذيتي! عليك أن تتذكري دائماً أن جسدك لم يعد ملكك وحدك. فأنتِ الأن سيدة هذا المنزل. زوجة اللورد بلاك وود وأم طفله الذي ينمو في أحشائك لذلك عليك الإعتناء بنفسك وأن لا تتهوري هكذا مجدداً"
أخرجت آنّا نفساً حاراً بعد أن إنتهت من تأنيبها بينما لم تستطع إزابيل حتى أن تعارضها أو أن تؤنبها على رفع صوتها عليها فهي قد أخطأت بالفعل رغم تحذيرات آنّا الكثيرة لها. وضعت إزابيل النادمة يديها على بطنها ومسحت على مكان تواجد طفلها الصغير وهي تعتذر له بصوت خافت على تسرعها.

91

منظرها جعل آنّا تطلق تنهيدة أخرى حانية على منظر سيدتها الصغيرة.
هي تعلم أن إزابيل ومنذ إكتشافها لحملها قبل شهر قد أصبحت كثيرة التوتر تقلق لأقل التفاصيل التي تخصها وطفلها وكل ما يخص منزلها والأن أضيف إلى القائمة أمر الضيوف القادمين والذي كان موضوعاً أكبر من تتولاه مع التغييرات التي تطرأ عليها بسبب الحمل. لذلك لم ترد أن تزيد عليها بالكثير من الملاحظات. لكنها تضطر لذلك بسبب تهور إزابيل ورغبتها بأن يكون كل شيء مثالياً.

1

رفعت إزابيل بصرها عائدة إلى آنّا وقد بدا أنها تعافت من ما حصل وقالت بسرعة:
" المهم آنّا. هل كل شيء على ما يرام؟ هل إنتهت تجهيزات الغرف؟ "
" نعم سيدتي لقد إنتهينا تقريباً. جميع غرف الضيوف تم تجهيزها كما أمرتي. والأن نعمل على التجهيزات الأخيرة لغرف أفراد العائلة. "

2

أجابت وهي تشير من حولها على الخادمات اللاتي لم يتوقف عن عملهن أثناء حديثهن.
" وماذا عن غرف الأطفال.. هل حددتِ أي الخدمات سترافقهم؟ يجب أن تكون جيدة في التعامل معهم حتى لا تتعرض للكثير من المشاكل. خاصة وأن طفلي إليزابيث مزعجان للغاية.. وكثيراً ما يتنمران على إبنة إلمر. لذلك يجب أن تجيد فصل شجارات الأطفال "

67

سألت مجدداً لتجيبها آنّا بهدوء:
" سأقوم بهذه المهمة بنفسي سيدتي فأنا على أي حال يجب أن أطمئن على إبني كل فترة ولهذا سأجلبه من المنزل وأضم الأطفال الأربعة سوياً لأراقبهم معاً إن لم يكن لديك مانع "
" رائع رائع. نعم إنها فكرة عظيمة. قد يعلمهم ويل إبنك الهدوء فهو يشبهك وبيتر للغاية من هذه الناحية "
" شكراً على الإطراء سيدتي "

70

باسمة قالت آنّا بينما بدت راحة كبيرة على وجه إزابيل بسبب هذه الفكرة.
إنتبهت آنّا حينها أن هناك من يقف بعيداً مستمعاً إليهما وسط فوضى الخادمات تلك. وبسبب إختبائه هكذا علمت أنه لا يريد من إزابيل أن تنتبه له لذلك لم تشر ناحيته وعادت تنظر إليها قائلة:

4

" وكما رأيتِ سيدتي جميع الأمور تسير على ما يرام لذلك عليك الراحة قليلاً وأن لا تتوتري فهذا مضر لك ولطفلك. عليك الأن العودة إلى غرفتك لترتاحي إلى أن يصل أول الضيـ... "

2

وقبل أن تكمل الجملة قاطعتها إزابيل قائلة بحزم:
" كلا.. يجب أن أذهب لبيتر أولاً. لم أره هذا الصباح لأن أغسطس هو من تحدث معه، يجب أن اتأكد منه أيضاً... إلى اللقاء آنّا "
أضافت وهي تذهب مسرعة قبل أن تستطيع آنّا الإعتراض.

2

لتطلق الأخيرة تنهيدة ثالثة وهي تدلك صدغيها بتعب بينما تتمتم ببعض الأشياء.
إقترب منها أغسطس معتذراً كما أعتذر لطاقم المطبخ لتجيبه آنّا مثلما أجابته جامانا وتضيف:

2

" بل أظن أن علي الإعتذار أيضاً. الأنسة الصغيـ... أقصد السيدة إزابيل لا يبدو أنها ستترك تهورها هذا حتى وإن كادت أن تصبح أماً "
" أوافقكِ الرأي. لكن لا بأس.. فلتتهور كما تشاء سأكون ورائها دائماً على أي حال "

80

بجملة بسيطة جعلها تنسى كل التعب الذي يمر بها وهي ترى زوج الفتاة التي رافقتها منذ نعومة أظفارها يذهب خلفها بعد أن استأذن منها.

2

...

2

قادتها ساقاها بخطوات هادئة هذه المرة إلى البهو الرئيسي للمنزل الكبير. توقعت أن تجد بيتر في مكتب زوجها أو ربما في الخارج يتحدث مع البستاني. لكنها وجدته برفقة رجل أخر كان يقف معطياً إياها ظهره في منتصف البهو الواسع.

1

إتسعت عيناها وهي ترى الشعر الأصهب القصير لشقيقها التوأم إرنست غرين فهي لم تتوقع رؤيته قبل ظهر اليوم حينما يصل برفقة بقية أفراد أسرتها. توقفت في مكانها وهتفت بإستغراب:
" إرنست! ما الذي تفعله هنا؟ متى وصلت! "

30

إلتفت الرجلان ناحيتها. إرتسمت إبتسامة كبيرة على وجه إرنست حين رأها تقبل ناحيتهما مندهشة لوصوله المبكر. بينما أجابها بيتر بنبرته الهادئة الباردة المعتادة:
" لقد وصل السيد إرنست قبل قليل فقط وكنت على وشك الذهاب لتبليغك سيدتي "

1

من بيتر عادت ببصرها إلى إرنست متسائلة عن سبب ذلك لكنه لم يكن يفكر في الإجابة على تساؤلاتها بل كان ينظر إليها ملئياً مبتسماً بإتساع ثم قام فجأة بأخذها إلى حضنه قائلاً:
" عزيزتي بيلا.. مبارك لكِ. لا أكاد أصدق حتى الأن. حقاً أنا سعيد من أجلك "

8

فوجئت إزابيل للحظة ثم سرعان ما تذكرت أنها لم ترى إرنست منذ ما يقرب شهرين وأنها بلغته عبر رسالة فقط عن حملها. لذلك سرعان ما توسعت إبتسامتها أيضاً وهي تحيط ظهره بيديها قائلة:
" شكراً لك أخي. أخيراً ستصير خالاً "

7

إبتعد عنها قليلاً وقال ممازحاً بحاجبين منعقدين لما قالت:
" أنا خال منذ وقت طويل. خالٌ لفتاتين تكادان أن تصبحا في سن الزواج إن نسيتِ هذا. بالإضافة إلى ذلك الثلاثي المزعج الجديد "

9

قهقهت إزابيل وضربت كتفه متلاعبة وهي تقول:
" أيها الغبي. طفل أختك التوأم المماثلة مختلف عن الجميع "
أدار عينيه ضاحكاً لكنه سرعان ما عاد وإنحنى محتضناً إياها مجدداً وقائلاً:
" بالتأكيد هو مختلف. أنا في إنتظاره بشوق "

5

ربتت على ظهره شاكرة. بعد ثوانٍ إبتعدت عنه وعادت تسأل بفضول:
" وإذاً.. ألن تخبرني لماذا وصلت مبكراً وأين هما والديّ وأليكس وماكس؟ "
" آه نعم. في الحقيقة لقد سافرت قبلهم لأن إجتماعاً مهماً مع أحد النبلاء الذي يسكن قريباً كان مساء البارحة لذلك سافرت ظهراً وقضيت الليلة في ضيافته ثم جئت إلى هنا مباشرة هذا الصباح "

6

" أها.. هذا يفسر الكثير، سعيدة أنك قد جئت مبكراً فلقد تمنيت الحديث معك قليلاً قبل أن ينشغل المكان بكل هؤلاء الضيوف "
قالت فإبتسم وهو يحيط كتفيها بيده.
جلى بيتر حنجرته بعد قليل لينظرا إليه وليقول:
" هل أردتني في شيء سيدتي؟ "
تذكرت إزابيل ما جاءت من أجله فقالت وهي تبتعد عن إرنست وقد عاودها قلقها المعتاد:

1

" هذا صحيح.. بيتر، هل إنتهت كل التجهيزات؟ هل تأكدت من أن طلبات الشراب الإضافي ستصل مساءً؟ وماذا عن البستاني. هل إنتهى من تشذيب الشجيرات حول النافورة في الحديقة الخلفية وري أزهارها؟ أظن أنني سأتفقدها لمرة أخيرة "

2

أضافت أخيراً مفكرة ليقول بيتر بسرعة:
" لا داعي لذلك. لا تقلقي بشأنها سيدتي لقد تفقدت أمرها قبل قليل ولقد قام بعمل رائع كما العادة. كما أنني تأكدت من كل الأمور الأخرى كل شيء مثالي والجميع ينتظر الأن وصول الضيوف فقط "

1

نبرته الهادئة المتكمنة جعلتها تطمئن أكثر وتقول بينما تهز رأسها:
" هذا جيد. أحسنت. إذاً بقي فقط وصول أول الضيوف. يفترض أن يصل هاري وإليزابيث أولاً فهما قادمان بالسيارة "
" بالسيارة؟ "

2

تساءل إرنست فاجأبته قائلة:
" لم تُفضل إليزابيث ركوب العربة التي تهتز كثيراً فهي تسبب لها الغثيان عندما تكون حاملاً لذلك سيقود هاري سيارته بنفسه إلى هنا وسيجلبها مع إبنيه بينما ستأتي سارا ومربية الطفلين بواسطة العربة "
" لم أتوقع أقل من ذلك منه. لا أزال لا أعرف كيف يستطيع قيادة السيارة كل هذه المسافة لوحده "

4

ضحكت قائلة: " أنت أيضاً تستطيع لكنك لا تحاول فقط أخي "
لم يرد عليها وهو ينظر بعيداً باسماً.
إستأذنهما بيتر ليذهب قليلاً بينما عاد إرنست ليسأل أخته عاقداً حاجبيه:
" بالمناسبة بيلا.. أين هو زوجكِ؟ غريب أن لا يكون معكِ! "

1

بدا وكأنها قد إنتبهت لذلك للتو. قالت مفكرة:
" أخر مرة رأيته كان يستعد في الغرفة. ثم خرجت بسرعة دون أن أخبره. ربما لا يزال هناك أم ربما ذهب إلى المكتبة "

3

هز إرنست رأسه قائلاً:
" لا تنفكين تفاجئينني عزيزتي. كيف تتركين زوجك هكذا. ماذا لو كان يبحث عنكِ!؟ عليك العودة إليه لتستقبلا الضيوف معاً. "
مطت إزابيل شفتيها بدلال وتمسكت بكم يد إرنست قائلة:
" لكني أريد الحديث معك قليلاً. لن يذهب أغسطس بعيداً فهو متواجد دائماً لكني لا أراك إلا مرة كل بضعة أسابيع "

10

تنهد إرنست وقد لمست جزءً حساساً من مشاعره. وهو إشتياقه لها.
أمسك بيدها اليسرى ورفعها إلى المنتصف بينهما قائلاً بما يشبه الهمس وهو ينظر إلى الخاتم الذي يزين خنصرها:
" تعلمين أنني وحتى الأن لم أتعود على أمر زواجك بعد! في البيت وكلما أشعر بالفراغ أجد نفسي أذهب تلقائياً إلى المكتبة متأملاً وجودك هناك برفقة آنّا كما إعتدت دائماً، لكني أجدها فارغة. "

43

إنعقد حاجبا إزابيل حزناً لوحدة توأمها بعيداً عنها. أمسكت بيده بكلتا يديها قائلة:
" أنا أسفة إرنست "
قهقه إرنست قائلاً: " ليس أمراً تعتذرين بسببه. فهذه سُنة الحياة أختي. سأعتاد في يوم ما "

12

لم يقنعها كلامه وإستمر شعورها بالذنب. بدت تفكر للحظة قبل أن تضئ ملامحها بفكرةٍ لتقول بسرعة وبنبرة عارفة:
" ما كنت لتشعر بكل هذه الوحدة إن تزوجت بإحدى مرشحتي لك عزيزي إرنست. كان سيكون لديك زوجة تؤنسك عندما ينشغل والديّ عنك وترافقك بعدما ذهب ماكس وأليكس للدراسة في لندن. وتكون معك في كل خطوة من حياتك المشغولة هذه. تعود إليها وترتاح في أحضانها بعيداً عن كل الناس "

8

ما إن بدأت حديثها حتى أظلمت ملامح إرنست عكسها تماماً وبدا عليه الضيق ليقول بعد أن إنتهت:
" إزابيلا عزيزتي ألا يمكنك أن لا تبدأي هذا الحديث ولو لمرة واحدة كلما إلتقينا؟ "

8

إمتعضت قائلة وهي تضع يديها على خصرها:
" بل سأفتحه دائماً إرنست. أنت لم تعد صغيراً. ولست شخصاً عادياً. أنت الرجل الذي سيصبح الآيرل غرين قريباً لذلك يجب أن ترتبط بفتاة تليق بك وتناسب مقامك "
ضيق إرنست عينيه وهو يقول:
" أصبحت تتحدثين مثل أمي وأوليفيا "

6

لم تنفي حديثه قائلة:
" هذا لأننا نبحث عن مصلحتك أخي. عليك الإختيار.. كلوديا واتسون أم لورا باكنتوم. الإثنتان رائعتان ولحسن حظنا لم ترتبطا حتى الأن. لكن ليس لوقت طويل لذلك عليك إتخاذ قرارك بسرعة "

33

إزداد الضيق في ملامحه وهو يرى جديتها وقد وضعت يداً فوق الأخرى منتظرة جوابه. قال بشك:
" أنتِ بالتأكيد لا تريدين مني أن أختار هنا والأن قبل دقائق فقط من وصول ضيوفك! "
" إرنست.. لا تتهرب "
بحزم قالتها ليتذمر إرنست وهمهم بما لم تسمعه لنفسه.

1

كان إرنست يخشى فعلاً فتحها لهذا الموضوع الذي تهرب منه كثيراً. فمنذ زواجها وضعت إزابيل صوب عينيها مهمةً جديدة وهي تزويجه هو الأخر. رغم كونه أخبرها كثيراً أنه لا يفكر في الإرتباط بسرعة وهو يريد أن يركز على أعماله الحالية. إلا أنها كانت تصر دائماً أن زواجه سيساعده على أدائها أكثر على عكس ما يظن.

3

ليقول بسرعة بعد أن إستجمع أفكاره:
" ليس الأن بيلا. لا يمكنني إختيار شريكة حياتي بهذه الطريقة، لكني أعدك أن أفكر في الأمر مليئاً خلال فترة بقائي هنا "

أنهى جملته بنبرة جادة وهو يربت على كف يدها الذي يمسك به. ليست الإجابة التي تريد إزابيل لكنها على الأقل تستطيع أن تتأكد من تفكيره حقاً في الموضوع وهو أمام عينيها. قالت مستسلمة:

1

" حسناً لا بأس. لديك مهلة لثلاثة أسابيع لتفكر في الأمر... "
ثم أضافت مبتسمة بعد أن تذكرت أمراً
" ...وربما أيضاً تعجبك إحدى الفتيات اللاتي سيأتين برفقة عائلاتهن خلال حفلاتنا المقبلة. الكثير من الشابات الصغيرات سيأتين، لابد أن تلفت نظرك إحداهن! إنها فرصة عظيمة لم أنتبه لها حتى الأن "

3

إنزعجت ملامح إرنست وأطلق أنيناً مُتعباً وقد تذكر لتوه أمر هذه الحفلات. يبدو أن قائمة مرشحات أخته لزوجته المستقبلية ستزداد كثيراً هذا الصيف.

5

لم ينقذه من هذا الموضوع إلا ذلك الذي إنتبه لتوه لتواجده في المكان. إرتاحت ملامحه وهو يهتف من مكانه قائلاً ببعض سعادة:
" أليس هذا صهري العزيز أغسطس! "

8

مع ذكر إسم زوجها إختفت كل المواضيع التي كانت تشغل بال إزابيل وإلتفتت تنظر من فوق كتفها لتجده يقف بعيداً ينظر إليهما مبتسماً.

1

تجاوزها إرنست هارباً منها ومتجهاً ناحية اللورد أغسطس الذي سار إليه مُرحباً به ثم قائلاً:
" يبدو أنني أتيت وسط حوار محتدم "
نطق بها بهمسٍ ورده عليه إرنست بهمسٍ أيضاً:
" لقد أنقذتني. لكن ليس لوقت طويل. أخشى أنه وبنهاية فترة إقامتنا هنا سأخرج وبيدي عروس ما "

10

قهقه اللورد أغسطس بصوت عالٍ لفت إنتباه زوجته التي نظرت إليهما بشك.
ليقول بعد أن هدأ قليلاً: " سيكون والداك سعيدين للغاية لو تحقق هذا "
" كلا... ليس أنت أيضاً. "

11

متذمراً قالها إرنست حينما وصلت إليهما إزابيل لتسأل عن موضوع حديثهما. أجابها أغسطس وهو ينظر بين التوأمين:
" أخبرته أننا سنكون سعداء لو وجد لنفسه عروساً خلال الأسابيع القادمة "
أشرقت ملامحها لمساندته لها:
" هذا صحيح. يجب أن تساعدني على إختيار فتاة ما له. أو ربما فقط أطلب من كلوديا ولورا محاولة تفريغ جدوليهما لينضما إلينا في إحدى الحفلات "
" هممم فكرة جيدة حقاً. قد أرسل رسالة أخرى إلى الكونت باكنتوم والدوق ماركلين لينضما إلينا إن تغيرت خططهما للصيف"
" نعم عليك فعل ذلك عزيزي "

8

راقب إرنست بإمتعاض إتفاق الزوجين عليه ليقول بحسرة كبيرة:
" ما كان علي تزويج أختي لصديقي أبداً.. الأن إتفقا علي ولم يعد لدي من أحتمي به "

أحاط أغسطس كتف إزابيل بيده مقرباً إياها منه في غفلة منها وقال متلاعباً:
" وما كنت لأسمح لك بتزويجها من غيري. لذلك عليك أن تجد شخصاً أخر ليقف في صفك غيرها "

19

قهقت زابيل وهي ترتاح في وقفتها بالقرب من أغسطس ثم قالت:
" وهذا الشخص لن يكون سوى زوجتك التي سنجدها لك قريباً فلا تقلق أخي "

10

عاد إرنست ليظهر الإمتعاض بينما يتراجع قائلاً:
" أتعلمان شيئاً. أظن أنني سأذهب من هنا قبل أن تزوجاني إلى أول فتاة تدخل عبر هذا الباب "
" قبل أن تهرب إرنست وبما أنك موجود فيجب أن تستقبل معنا الضيوف "

4

قالت إزابيل وهي تبتعد عن أغسطس وتقف أمام إرنست ثم رفعت نفسها قليلاً لتطبع قبلة على خده مضيفة:
" لقد إشتقت إليك كثيراً بالمناسبة. أتطلع إلى نزهة طويلة معك إلى البحيرة "
" بالتأكيد بيلا سأكون سعيداً بذلك.. أراكما بعد قليل "

1

قال لها مربتاً على خدها ثم أضاف قبل أن يبتعد ناحية غرفته التي خصصت له من بين غرف المنزل الكثيرة.

راقبته إزابيل وهو يبتعد. ثم أخذت نفساً طويلاً وأخرجته ببطء.
الأن فقط شعرت ببعض الراحة وقد تلاشى كل قلقها وأصبحت مستعدة لإستقبال ضيوفها.

1

الجميع في منزل بلاك وود يعملون بجد لكي تمر هذه الأسابيع الثلاثة على خير ما يرام. وهي شاكرة للغاية لوجودهم خصوصاً جامانا وبينيبرا اللتين تعتبران من أقدم العاملين هنا لذلك تستطيع الإتكال عليهما دون أن تخشى شيئاً كما تعتمد على بيتر إبن جامانا كبير الخدم المتمكن وزوجته آنّا والتي كان تواجدها هنا كالمنقذ لإزابيل.

1

إذ أن آنّا وبعد زواجها من بيتر تركت العمل لدى عائلة غرين وإنتقلت للعيش معه في منزل أعطاه إياه اللورد أغسطس وباشرت العمل لدى اللورد أيضاً برفقة بيتر. لذلك وبعد أن تزوجت إزابيل من أغسطس وجاءت إلى منزله كانت آنّا في إنتظارها هناك لتكون برفقتها في حياتها الجديدة تساندها كما إعتادت منها دوماً.

قطع تفكيرها تلكما اليدان اللتان أحاطتا بها من الخلف لتستقرا فوق بطنها الصغير. جفلت للحظة لكن سرعان ما إستكانت للمسته وهو ينخفض ناحيتها ليتكئ بذقنه على كتفها قائلاً بهمس عاتب قليلاً:

30

" ألم تتعبي بعد كل هذا المسير؟ ونحن بالكاد بدأنا اليوم. ينتظرك وقوف أكثر ومهمات أكثر. ما كان يجب عليك أن تتعبي نفسك هكذا "
إلتفتت ناحيته مبتسمة وقالت بنفس الهمس:
" ما كنت لأستطيع الجلوس ساكنة. يجب أن أتأكد أن كل شيء بخير "
قالتها وهي تحيط كفيه بيديها ثم تتكئ عليه هي الأخرى.

" وهل تأكدتي الأن؟ "
" نعم. لدينا أناس رائعون يعملون هنا. لذلك لن أقلق "
" نعم أوافقك الرأي "

بإبتسامة كبيرة قال أغسطس ثم أبعد يديه إلى كتفي إزابيل ليلفتها ناحيته ويدخلها في حضنه قائلاً:
" لقد فكرت في ذلك أيضاً بينما كنت أبحث عنكِ. وحينها راودتني فكرة. ما رأيك أن نقيم لهم حفلاً خاصاً بهم بعد ذهاب كل الضيوف كهدية شكر لهم على عملهم؟ فهم يستحقون أن يفرحوا قليلاً أيضاً "

12

إرتفع حاجباها ورفعت وجهها إليه دون أن تبتعد عن يديه قائلة بعدم تصديق:
" هل حقاً يمكننا أن نفعل هذا؟ "
" بالتأكيد. لكن سيكون علينا الإستعانة ببضعة أشخاص لنجهز قاعة الحفل والطعام وكل شيء دون أن يدركوا أننا نفعل ذلك من أجلهم "
" هممم حسناً لا بأس أستطيع تدبر ذلك "
" إذاً إتفقنا، سنقوم بذلك بعد ذهاب الضيوف "

2

إمتلأ وجه إزابيل بالكثير من الحبور وأحاطت ظهره بيديها بقوة قائلة:
" شكراً لك حقاً أغسطس. أنت رائع بالفعل "

6

قهقه قليلاً وهو يرى سعادتها من أجل أناس أخرين. ليقوم بتقبيلها قبل أن يقول باسماً:
" لن أنسى أننا أيضاً نحتاج لحفل خاص بنا. "

3

غمز لها لتقهقه وهي تبتعد عنه قائلة:
" ألا تمل الحفلات أبداً؟ "
" إن تواجدتِ فيها. لن أمل منها بتاتاً "

39

عضت على ثغرها وهي تنظر إلى ملامحه الجادة والتي قالها بها تلك الجملة. لكن وقبل أن ترد عليه سمعا صوت بوق يطلق في الأنحاء وإقتراب محرك يهدر يصوتٍ عالٍ منهم.

5

نظرا إلى بعضهما بإبتسامة عارفه. قال أغسطس:
" لقد وصل أول الضيوف "
" لا أدري فعلاً إن كان يجب أن نطلق عليهما هذا المسمى.. فهاري وإليزابيث يكادان أن يكونا أصحاب المنزل "

23

ضحك على كلامها وقد وصل حينها بيتر وبرفقته بعض الخدم مِمَّن سيستقبلون معهم الضيوف ليسبقوهما إلى الباب. فُتح على مصراعيه وإصطف الخدم في صفين مستقيمين يتوسطهم بيتر. من خلفه وصل إرنست أيضاً وسبق أغسطس وإزابيل ليرحب بأخته وزوجها. بينما وقف الماركيز بلاك وود وزوجته وهما ينظران إليهم بالكثير من الحب في أعينهما.

..........


انتهى