رواية تأثير الفراشة (The Butterfly Effect) الفصل التاسع






(9ناز

ناز (Naz): الكبرياء الذي يأتي من معرفتك أنك محبوب، بغض النظر عما تفعله.

----------


"أوه يا سيدة رأس البطاطا أخبريني، هل صحيح أن الألم جمال.. هل يأتي الوجه الجديد مع تأمين؟ هل امتلاككِ لوجه جميل سيجعل الأمر أفضل؟"4

رددت كلمات أغنية (Mrs.potato head by Melanie Martinez) بصوت خافت بينما تقف أمام المرآة في حمام غرفتها الصغير، وترسم واحدة من تلك اللوحات التي أحبت رؤيتها على جسدها.

درو كان ينتظرها في الخارج، لأنها، على حد قولها، لا تحب أن يراقبها شخص ما بينما (تعمل).

"اوه يا سيد رأس البطاطا) أخبرني، كيف تحملت تكلفة جراحتها ؟ أتقسم أنك ستبقى للأبد؟ حتى لو لم يعد وجهها متماسكاً؟" 

ضحكت بصوت مرتفع أمام المرآة عندما سحبت قلماً برتقالياً من بين مجموعة الألوان الضخمة أمامها وبدأت تعبئ الخطوط الصغيرة التي حددتها بالأسود سابقاً في وجهها وعنقها.

على عكس المرات السابقة، لم تحاول منع يديها من رسم ما تريد، لم تحاول جعل ما ترسمه أكثر طبيعية.. لقد أطلقت العنان لنفسها، وها هي الآن ترى نمراً أمامها بدلاً من انعكاسها!

لم تشعر بالخجل مما تفعله (كما كانت تشعر عادة)، لأنها تعرف أن درو لن يحكم عليها وأنه، في أسوأ الحالات، سيضحكان معاً على كيف تبدو، ثم ستحاول مجدداً. 

ابتسمت بينما مدت ذراعيها أمام المرآة. كانت بلا شيء يغطي جسدها سوى الروب الحريري الأبيض الذي أخذته من غرفة والدتها، بدون أن تهتم لنظراتها المستغربة التي تبعتها بها لكونها لم ترَها يوماً ترتدي شيئاً أنثوياً. 

أنزلت ذراعيها ببطء لتسمح للروب بالانزلاق عن كتفيها كاشفاً جسدها العاري، ثم تبتسم أمام المرآة بحب وقبول للمرة الاولى. البقع البنية كانت تبدو مميزة، كانت تجعلها في الواقع تبدو كنمرةٍ أكثر.

لطالما ابتسمت بإعجاب لعملها سابقاً، لكنها لم تتقبل أبداً مظهر جسدها.. والآن، بدأت تفكر أن المشكلة ليست بجسدها، أو بأعمالها. لأن درو يرى نفس الجسد الذي يرمقه الآخرون بنظرات اشمئزاز جميلاً!

ربما المشكلة في عقولهم بعد كل شيء. قالت آفروديت لنفسها، برغم يقينها التام أن عقل درو هو الشاذ، إلا أنها رأته أكثر طبيعية واعتدالاً من عقل أخيها. 

أمسكت بالقلم الأسود لتواصل الرسم على جسدها بعد أن أنهت وجهها وعنقها وجزءاً لا بأس به من كتفيها.

سمعت ضربة على أزرار البيانو الصغير خاصتها بالخارج لتبتسم أكثر، ولم تستغرب بما أنها تعرف درو وهوسه بالعزف! لا تستطيع حتى أن تفهم كيف يقاوم نفسه ولا يلمسه عندما يكونان معاً.. ولقد قررت السماح له باستعمال البيانو العزيز خاصتها. 

هي لا تحب الموسيقى بالدرجة التي يحبها بها آبولو! وبالرغم من هذا، إنها لا تمنع نفسها من العزف على ذلك البيانو يومياً (وإن كان عزفها رديئاً بدرجة ما).

شيئاً فشيئاً، بدأت ضربات أصابعه على البيانو تزداد سرعة بشكل تدريجي، ما جعلها تعلق يديها في منتصف الطريق بينما تمسك بالقلم الأسود لتستمع له. لم تملك سوى إغماض عينيها، مندهشة من التناغم المثالي لعزفه برغم كون ارتجاف يديه غير قابل للسيطرة! لقد كانت قادرة على سماع يديه ترتجفان، كانت قادرة على سماع مرضه. 

كانت قادرة على سماع حبه أيضاً، فنه، ومعاناته.. كل شيء كان شديد الوضوح في موسيقاه، حتى أنها لتقسم أنها أشد وضوحاً من كلماته.

حتى الخروجات الفجة عن النوتة في عزفه كانت تزيدها جمالاً بالنسبة لآفروديت التي اكتشفت نوعاً جديداً تماماً من الموسيقى للتو.

لا ارادياً، وجدت رأسها يتمايل ببطء على نغمات البيانو، بينما تتحرك خصلات شعرها البنية الشعثاء هنا وهناك مع حركتها الهادئة.. عزفه كان ساحراً.

كل خروج عن النوتات، كل الأخطاء الجلية فيه.. وانعدام الكمال لدرجة تخطف الأنفاس، تكاد تقسم أنه اخترع فناً جديداً للتو. 

انتظرته حتى أنهى المقطوعة القصيرة، والتي لن تفوز بأي جوائز (على الارجح) إذا سمعها ناقد ما.. لكن هذا كله لم يهم! هي أيضاً لن تفوز بجائزة ملكة جمال العالم! وبالرغم من هذا، في لحظات محددة، لحظات قصيرة جداً يستطيع درو بقدرة غريبة إطالتها، كانت تشعر كذلك.

خرجت من الحمام بينما تسير ببطء على أطراف أصابعها لكي لا تقاطع اندماجه. كان يرفع رأسه ليواجه السقف بعينَين مغلقتين، قبل أن يلتفت لها ويفتحهما ثم يبعد يديه سريعاً عن البيانو! 

في تلك اللحظة القصيرة، التي فصلت بين التفاتته لها ولمعان الإعجاب الذي غطى عينيه لدرجة اتساع بؤبؤهما.. لقد رأت قليلاً من القلق وربما الخوف!2

في شخصية بلا عقل لدرجة مثيرة مثل درو، القلق والخوف كانا مشاعر غير واردة مطلقاً، لهذا تجمدت للحظات قبل أن تفهم سببهما. إنه يملك تلك النظرة.. النظرة ذاتها التي تكون على وجهها عندما يراها أي شخص بمساحيق التجميل!3

لقد كان شجاعاً جداً عندما قال انه لا يستطيع العزف، لكنه كان جباناً عندما اعتقد أنها سمعت عزفه!

اعتقد؟ كيف له أن ينسى أصلاً أنها في الحمام على بعد بضعة أقدام! بالطبع ستسمعه!

خفت لمعان الإعجاب في عينيه حتى اختفى تماماً عندما لاحظ نظراتها للبيانو، وأنزلهما لتلتصقا بقدميه العاريتين بدون أن يتحدث.

"لماذا لم تُسمعني عزفك سابقاً؟" سألته باستغراب، ليرفع يده المرتجفة ثم يقول بابتسامة سخرية "عزف؟ أرجوكِ!"

بادلت سخريته بابتسامة صادقة، إنه يذكرها بنفسها تماماً.. لم ترَ نفسها كآفروديت للحظة قبل أن يأتي هو! ربما إنه دورها لتجعله يشعر مثل آبولو.

ربما هذا ما كان يعنيه بأن المرايا تعكس صوراً مشوهة، وعيون الآخرين أكثر دقة. في حالته، لقد كانت محاولة الوصول إلى المثالية بمثابة محاولة للانتحار.. لكن مثاليته قد كانت بالفعل تكمن في التفاصيل، في أخطائه الصغيرة، في اللحظات التي تظهر فيها نوتاته عندما يكون أقوى من الرجفة في يديه. بطريقته الخاصة، لقد كان كاملاً. 

تلك المقطوعة المليئة بالعيوب كانت مرضية بالنسبة لها أكثر من معزوفات بيتهوفن! ربما هو آبولو.. بطريقته الخاصة.

"جرب مجدداً"

"رايلي، لا" قال بهدوء وهو يرفع عينيه ببطء لها، قبل أن يلمس خدها لتتلطخ يداه بالألوان البرتقالية والسوداء ثم يهمس مجدداً "لا يمكنني، أنا لست أنتِ"

"أنتَ لست أنا؟" سألته باستغراب، ليبتسم لها محاولاً إخفاء خيبته بسبب يدَيه المرتجفتين ثم يقول "أنتِ جميلة بطريقة لن يتمكن أي شخص من فهمها بسهولة.. لكن أنا، أنا لست عازفاً، ولن أكون كذلك أبداً"

عندما قال عبارته الأولى، مسح جسدها العاري بنظراته وكأنه ينظر إلى قطعة من الفن، ما جعلها تبتسم! هذا الفتى لن يخطو خارج عالمه أبداً.11

"فقط جرب، لمرة واحدة"

استسلم درو لضغطها الرقيق عليه عندما وضعت يديه فوق البيانو ونظرت نحوه برجاء، ليغمض عينيه ثم يحرك يدَيه بعشوائية فوقه. النوتات الموسيقية كانت ترسم نفسها في رأسه تلقائياً كعادتها، كل ما عليه أن يفعله هو أن يضع يديه على آلة ثم سيبدأ بسماع الموسيقى في أذنيه.

كل شيء كان شديد الوضوح في رأسه، النوتات كانت مثالية هناك حتى أنها خطفت أنفاسه هو، وكان يكررها في رأسه مراراً وتكراراً لشدة ما أحب سماع نوتاته، لكنه لن يستطيع أبداً إيصالها للخارج بهاتين اليدين، لن يستطيع جعل أي شخص آخر يسمعها. تلك الفكرة وحدها جعلت يده تتصلب بعد أن عزف نصف مقطوعته، ثم التفت لرايلي بخيبة وكأنه أثبت وجهة نظره في كونه عازف فاشل.. لكن ما رآه أخبره بالعكس!1

كانت تملك نفس نظرته المسحورة الهوسية، وتحدق بأصابعه المرتجفة وكأنها كنز ما! لكن مقطوعاته كانت سيئة لدرجة مثيرة للرثاء! كيف لها أن تحبها؟

"إذا كنت ستجاملينني-"

قاطعته قبل أن يكمل عبارته وقالت "لن أفعل، عزفك مريع"

لا يعرف لماذا ضحك عندما قالت هذا، برغم أن هذه الفكرة عادة تجعل جسده يرتجف بمزيج من السخط والحزن! لكنه ضحك.

"لكن درو، النوتة في رأسك.. يمكنني سماع أجزاء منها عندما تتوقف يديك عن الارتجاف للحظات! وهي.. مبهرة" قالت العبارة الأخيرة باندهاش لا تستطيع أن تتصنعه أبداً، ليبتسم درو. ليس وكأنه لا يعرف أن النوتات في رأسه مذهله، لكن.. ما الفائدة إذا لم يستطع إخراجها؟

----------


الانتقال إلى الفصل التالي

عودة إلى المكتبة