رواية تأثير الفراشة (The Butterfly Effect) الفصل العاشر
إيليبسِسم (Ellipsism): الحزن الناتج عن معرفتك بأنك لن تكون أبداً قادراً على معرفة كيف ستجري الأحداث.
----------
"القاعة ممتلئة على آخرها" قال درو فور أن دخل الغرفة بحماسه المعتاد، الذي لم يخفت مرة للأربع سنوات الماضية، لتبتسم له وهي تضع لمساتها الأخيرة على العارضة أمامها، قبل أن تلتفت للمرآة لترى وجهها الملون.
"صغيرتي أصبحت تمتلك جمهوراً" تابع بمزاح بينما فتح ذراعيه المرتعشين لها، لتدخل بينهما ثم يضمهما عليها بارتجافه الذي ازداد بسبب حماسه وربما توتره قليلاً.1
كان واثقاً أن الجميع سينبهرون بقدر انبهاره هو، إنهم أخيراً.. سيكونون قادرين على رؤية جمال آفروديت. رفع جسدها عن الأرض عندما اعتصرها بقوة لتضحك ثم تبتعد عنه وهي تقول "ماذا تظن؟"
كانت تسأله عن الألوان على وجهها، ولا يعرف لماذا كان رأيه مهماً لها لهذه الدرجة.. لقد هدأ الحضور والذين يصلون لأربعة آلاف (ما يعني أنهم يفوقون قدرة استيعاب القاعة بخمس مئة شخص) فور أن خرجت العارضة الأولى.. أليس هذا الانبهار كافياً لها؟ أعليها أن تسأله هو بشأن ما يظن؟
"هناك أربعة آلاف شخص في الخارج موجودين هنا لأنهم يعشقون أعمالكِ، ولا تزالين تسألينني عن رأيي؟"
"أنت أول فرد من الجمهور آبولو، بالطبع سيهمني رأيك" قالت ليبتسم ثم يخفي وجهه بيديه، ثم يقترب منها ليمرر أصابعه على خديها الملونين قبل أن تزداد ابتسامته عرضاً ويقول "كل مرة أراكِ فيها تستعدين لعرض، تذكرني بذلك اليوم الذي اختبأتِ فيه بداخل الحمام منذ أربعة سنوات، وأخبرتني أنك لا تحبين أن يراقبك أي شخص بينما تعملين"
هزت رأسها بعدم فهم وهي تشعر بقليل من توترها يزاح عن صدرها، عينا درو الزرقاوين كانتا مغطاتين بغشاوة من الاعجاب جعلته يبدو غير واعٍ للحظات قبل أن يقول "مشاهدتك تعملين، تجعلني مهووساً بكِ أكثر من مشاهدة عملكِ نفسه.. وصدقيني، أعمالكِ تجعلني مهووساً بشكل كبير"
ابتسمت بعد هذا ثم أخفت وجهها بكتفه، وتلطخ قميصه الأبيض قليلاً بسبب الألوان على وجهها (برغم أنها ثابته)، وعندما ابتعدت لتعتذر وتنفض القميص لأنه أيضاً لديه عرض بعد هذا أمسك بيديها ليمنعها من نفضه، ثم رفعهما إلى فمه ببطء ليطبع قبلات خفيفة باردة ويقول "اخرجي واجعليني فخوراً"6
خرجت بثقة لم تمتلكها أبداً سابقاً، ثقة أمدها بها درو قبل الجمهور.. بعد أن انتهت عارضاتها من الاصطفاف، وعندما خرجت سمعت تصفيقاً جنونياً.1ابتسمت بعدم تصديق للوجوه المندهشة والمبتسمة التي كانت تراها، لا أحد نعتها بالمهرج. لقد كانت بالنسبة لكل شخص في هذه القاعة فنانة.
التفت لدرو الذي كان يقف خلف الستائر الحمراء، ويصفق لها بقوة ثم يصفر ويقفز لتنفجر ضحكاً. من كان يعتقد أن رايلي، التي بدأ جمهورها كله بشابٍ مضطرب، ستصبح فنانة مشهورة إلى هذا الحد، ستجد أشخاصاً يفهمون ما تحاول قوله بتلك اللوحات التي ترسمها على وجهها وجسدها وأجساد عارضاتها، اللواتي تطوعن لترسم عليهن بدون الدفع لهن حتى.
ربما الشي المميز فيها، والذي جعلها تكتسب شهرة بهذه السرعة، هو أنها لم تأبه أبداً بشكل العارضة التي ترسم عليها. كل عارضة كانت جميلة بطريقتها الخاصة، ولقد كانت رايلي دائماً تمتلك تصميماً ما لكل عارضة، تصميماً يبرز جمالها بطريقة ما.. كما جعلت حروقها تبدو كنمرةٍ بديعة.
لم ترفض رايلي يوماً أي عارضة، ولم تدخل لها عارضة وتخرج بدون أن تكون مفتونة بنفسها برؤيتها إلى أي حد من الجمال تستطيع أن تصل، بدون أن تكون جميلة حتى! أياً منهم لم تكن مثالية.
لقد رأت أخاها جوردن وابنته ليلي، التي كبرت وتخطت خوفها من المهرجين، وزوجته آنا يجلسون متجاورين ويحدقون بها. بطريقة ما، لم تكن آنا ترمقها بازدرائها المعتاد، ولم تكن ليلي تنعتها بالمهرج، وجوردن لم يكن يسخر من جمالها. كل ما استطاعوا فعله هو الجلوس صامتين بينما يحدقون بها، ويرونها في أعتى حالات جنونها وأكثرها مثالية.
ابتسمت لهم، ولم تشعر للحظة بأن ثقتها تتناقص حتى تحت نظراتهم المليئة بالأحكام. نظرة درو كانت تشعرها بأنها آفروديت، وبغض النظر عن الجماهير المسحورين، فهذا أكثر من كافٍ.
خرج درو من خلف الستائر ليعانقها على المسرح مجدداً، ثم يمرر يده في خصلات شعرها الشعثاء التي قامت بصبغها بالأزرق الغامق كما كانت تريد دائماً، قبل أن يقول "لقد كنت أعرف أنكِ آفروديت منذ ذلك اليوم، وها أنتِ ذا تثبتين الأمر مرة بعد الأخرى"
- هل الاختلاف علة خطيرة ؟
- هو كذلك إن حاولتِ محاربته، لن تصبحي مختلفة أو مجنونة.. ستصبحين مشوهة.2
تذكرت رايلي ما قاله لها درو سابقاً، عندما سألته بعد محاولتها الأولى في عرض أعمالها والتي فشلت فشلاً ذريعاً، لقد بدأت تظن حينها أن من الخاطئ أن تكون مختلفة. من هي لتحارب معايير الجمال في المجتمع؟ من هي لتحارب أي شيء!1
لقد حاولت حينها أن تجعل رسوماتها أكثر طبيعية، وتجعل عارضاتها يبدون كمجموعة من عرائس الباربي الجميلات.. كما يفعل الجميع. وهذا جعلها لا شيء سوى فنية مكياج فاشلة.
إنها تدرك الآن أن محاربة اختلافها لم يكن يوماً حلاً لأي شيء، لقد كانت بالفعل تعيش كشخص مشوه، تشعر كشخص مشوه، وقد استمر هذا طويلاً جداً حتى أنها نسيت ما يعنيه أن تكون طبيعية بطريقتها الخاصة. لقد اعتقدت أن "الطبيعية" هي قالب ما يجب أن يطبق على الجميع، لقد أرادت أن تكون شيئاً لن تصبحه أبداً.. وهذا جعلها تبتعد عن الطبيعية أكثر فأكثر.
والآن، وقد عادت لما كانت عليه كطفلة، لن تقايض هذا الاختلاف الذي كانت تهرب منه سابقاً بأي شيء لو عُرِض عليها.
بعد أن انتهت رايلي، ووقعت على بعض الأغراض الغريبة للمعجبين (وأحدهم طلب منها أن توقع له على مؤخرته، والذي كان غريباً جداً لكنها فعلتها على أي حال)، خرج معظمهم من القاعة لتدخل مجموعة مختلفة.1مجموعة تنتظر عرض درو.
درو لم يكن يملك توتر رايلي من المسرح، كان يخرج بكل ثقة، يعزف ما عنده، ثم يدخل مجدداً.
ربما لا يعزف بيديه بحكم ارتجافهما، لكنه كان يعزف.. كان أخيراً قادراً على سماع المقطوعات التي كانت تعمل في رأسه طوال الوقت بدون أن يكون قادراً على إخراجها.
لقد خرجت.. بطريقة أو بأخرى.
كان يقف أمام مجموعة العازفين وهو يمسك النوتة التي كتبها بنفسه.. لكنه لم يقرأ منها مقطعاً واحداً، في الواقع، لقد غير أكثر من نصفها أثناء العرض! ما جعل العازفين يرتبكون للحظات، لكنهم خضعوا لجنونه فيما بعد..
لقد كان على درو التنازل عن الكثير من كبريائه ليسمح لهم بعزف مقطوعاته، ولقد اختار عازفيه بعناية شديدة.. ولقد لعن زيوس كثيراً. 3
لكن ها هو، يقف أمامهم مغمض الغينين بينما يحرك يديه.. وهي متأكدة أن عقله فوق القمر، حيث ينتمي.
ابتسمت رايلي وهي تسمع تلك المقطوعة التي عزفها لها سابقاً (بشكل مشوه). لقد أحبت النسخة المشوهة أكثر.. لكن حتى النسخة الطبيعية مبهرة بالقدر الكافي لتجعل درو يتحول لكاتب نوتات مشهور في بضعة أشهر فقط بإخراج ما في رأسه!
كان من المقرر أن تُعزَف مقطوعة واحدة ليُختَتَم بها عرض رايلي، لكن درو نسي الوقت تماماً.. وبقي يعزف لنصف ساعة كاملة. وبالرغم من هذا، لم يرحل أحد من الجمهور الذين جلسوا متصلبين يستمعون.. ورايلي التي بدأ وجهها الملون يؤلمها بسبب الابتسام.
أنهى درو العزف أخيراً عندما انتبه لساعته التي ضبطها لترن بعد نصف ساعة، هو يعرف أنه ينسى الوقت كثيراً.. وليس من السهل محاربة رغبته في كسر حاجز الساعة.
انتهى العرض أخيراً، لينزل درو أيضاً عن المسرح ثم يمسك بيد رايلي قبل أن يتجها لوالديها ووالده، الذي ابتسم له مشجعاً وربت على ظهره.
"أنتما مخطوبين؟ لقد رأيت الخاتم في يديكما" قالت والدة رايلي بحماس، لتتنهد رايلي ثم تقلب عينيها وتقول وهي تمد يدها "أمي، إنها خواتم خشبية بخمسين سنتاً.. لقد اشتريناها من المتجر الصغير في نهاية الشارع لأنها أعجبتنا"5
تنهدت والدتها بيأس وهي تهز رأسها، لقد كانت تعرف أن ابنتها دائماً سعيدة مع درو، لهذا تمنت أن يرتبطا كعشيقين ثم ينشآ عائلة سعيدة. لكنهما لم يفعلا ابداً، لقد ارتبطا بشكل لم تستطع هي أو أي شخص آخر فهمه.. لكن كليهما كان سعيداً كفاية بذلك النوع من الارتباط.
"لو كانت أختي حصلت على رجل ثري يحضر لها بعض الماس لأصبحنا جميعاً أفضل حالاً" قالت سافانا التي كانت تقف خلف والديها بمزاح لدرو، لقد جاءت من مدينة أخرى خصيصاً لتحضر عرض رايلي ودرو..
سافانا كانت حقيرة نسبياً كمراهقة، لكن الآن.. إنها تؤمن بدرو ورايلي تماماً، بل وتدعم ارتباطهما الغريب برغم أنها تمتلك نزعة والدتها لربطهما كعشيقين!
كانت لا تزال بزي الممرضات الأزرق عندما اقتربت لتعانق رايلي، ثم درو الذي ابتسم لها عندما قالت "درو، ستحضر حفل زفافي.. أليس كذلك؟"
"إن لم أكن نائماً، أجل"3لم يكن يمزح، بل كان يتصرف كطبيعته.. سيفوت حفل زفاف لأجل النوم بسعادة.
والد رايلي كان يرمقهما كعادته بنظرات عدم رضى ممتزجة بفخره بابنته.. لقد أحب أعمالها برغم أنه لم يفهمها، لقد أحب كيف ابتسمت في كل عرض، لقد أحب نجاحها وانبهار الجميع بها، وكان فخوراً بها في كل لحظة.. لكنه لم يوافق أبداً على علاقتها بدرو.
درو بالنسبة له كان كطفل، أو مجرد مختل لا يستطيع أن يخطو خارج عالمه ويراها كامرأه.. وهو محق جزئياً، درو طفل لا يستطيع أن يخطو خارج عالمه.. لكن كذلك كانت رايلي، وكانا سعيدين تماماً بتلك العلاقة.
بعد أن انصرفا من القاعة، ركبا السيارة ليقودا إلى خارج ديترويت.. لمنزلهما الريفي الصغير. أجل، كانا يمتلكان منزلاً ريفياً صغيراً كثنائي عجوز، وكانا يقضيان العطلات معاً.. وفي الواقع فكرا بالزواج لكي يصبحا رسمياً فرداً من العائلة في حال تأذى أي منهما، لكنهما تخليا عن تلك الفكرة لاحقاً لأنهما لا يؤمنان بهذا النوع من الارتباط، ليس بين آفروديت وآبولو.. لقد كان ما بينهما أسمى من ذلك بكثير. أسمى من أن يدنساه باستعمال جسدين لم يكونا لهما على أي حال، أو بتقييده ببضعة أوراق لا معنى لها. لقد كان شيئاً من خارج هذا العالم.
شيئاً، مثلهما.. ينتمي إلى القمر.
في نهاية اليوم، كانا مستلقيين على ملاءات رطبة خارج منزلهما، وهما يحدقان بالقمر والنجوم. لم يكن الجو غائماً، وهذا شيء نادر في ديترويت.
"هل تتذكر عندما كنا نريد الصعود إلى القمر؟" سألت آفروديت بابتسامة، ليلتفت لها آبولو ويقول "هل تتذكرين عندما نعتني بالمجنون؟"
ضحكت بصوت مرتفع عندما قال هذا، واقعاً.. لا تزال تعتقد أنه مجنون.
وواقعاً.. لا يزال درو يظن أن الارض ليست مكانه الصحيح.
لكنها أدركت أن الجنون هو شيء نسبي تماماً، وهو أدرك أن مكانه الصحيح هو بجانب آفروديت وموسيقاه.
"ألا تزال تريد الصعود للقمر؟"
"ألا تزالين تعتقدينني مجنوناً؟"
سألا في نفس اللحظة، ليلتفتا لبعضهما البعض.. ويجيبا في نفس اللحظة ايضاً.
"مجنون بالنسبة للمجتمع، والمجتمع مجنون بالنسبة لك"
"أظن أنني صعدت إلى القمر منذ أربع سنوات بالفعل"
----------
انتهى