رواية الخادمة الفصل 11
(11)
لم أكُن الوحيدة التي لم تستطع النوم جيداً هذه الليلة. إذ استيقظتُ من نومي المُتقطع على صوت تحرك آللورا في الغرفة.
بتثاقلٍ فتحتُ عينيّ ونظرت عبر النافذة لأجد الوقت مازال مبكراً للغاية فلم تسطُع الشمس بعد.
ثم عدت ببصري إلى الغرفة حيث جلست آللورا على طاولتها. يُضئها ضوء صغير بينما هي مندمجة بالكتابة بوتيره سريعة. أمر لم أره منذ وقت طويل..
يبدو أن معرفتها لقربِ لقائها بـ إلمر جعل النشاط يدب فيها من جديد. وهاهي الأن تعاود الكتابة في روايتها. جعلني ذلك أبتسم وأنهض متكئه على مرفقي بينما لم أبعد بصري عنها وإبتسامتي تتسع.
سرعان ما إنتبهت لي وقالت بصوت خافت كأنها تخشى إيقاظ أحد ما:
" صباح الخير إزابيل. هل أيقظتك؟ "
" صباح الخير آللورا.. كلا، لم تفعلي لم استطع النوم على أي حال... إذاً، هل تكتبين في روايتك؟ "
" آه، نعم. لقد راودتني أفكار كثيرة ولم استطع النوم جيداً مثلك. لذلك فضلت كتابتها قبل أن تهرب مني "
" هذا جيد للغاية. يبدو أن تأثير إلمر السحري قوي للغاية، فأنتِ لم تكتبي منذ أيام عدة إلا بعد أن علمتي بمجئيه "
2
اتسع فمها لذلك المصطلح الذي إستخدمته، لكنها لم تُنكر بل تبسمت بخجل وهي تقضم ثغرها بينما تنظر بعيداً عني. ثم عاودت كتابتها في هدوء.. سألتها:
" متى ستنهينها؟ "
" قريباً في الحقيقة. تسير بشكل جيد على عكس ما توقعته "
" هذا رائع، سيكون من الرائع إقتناء رواية جديدة لـ نوا "
قلتها مازحه لتبتسم آللورا إبتسامة لم تصل لعينيها. بالطبع فأن يحظى إسم اخر بكل المدح والإعجاب أمر مزعج حقاً وإن لم تقل ذلك.
9
بدأت روتيني الصباحي دون آنّا ثم إنضممت إلى آللورا لكي أقوم بمراجعة دروس الإسبوع المنصرم مبكراً فاليوم سيكون مزدحماً كما يبدو ولن يكون لدي وقت لأراجعها.
وصلتنا برقية مع وقت الإفطار يخبرنا فيها إرنست بقدومه وإلمر حوالي الحادية عشرة. ومع إقتراب ذلك الوقت كانت آللورا تزداد توتراً وشوقاً أيضاً إذ اخيراً ستقابل إلمر.
وفي الجهة الأخرى كنتٌ أزداد توتراً فقط. إذ كنتُ قد قابلت اللورد أغسطس يوم البارحة فقط. ولم أتوقع بتاتاً انني سأقابله مجدداً بهذه السرعة.
خاصة بعد أخر ما دار بيننا ووداعه الحار ذاك.
36
حاولت تناسي كل ذاك مجدداً. كلماته، مشاعره وإعترافه، وحاولت التركيز على ما هو أمامي.
9
خرجنا وسط الزحام في الباحة الأمامية للكلية حيث تخرج العديد من الفتيات في يوم الإجازة للزيارات ولقضاء وقت خارج أسوار المدرسة.
الكثير من العربات كانت تقف أمام البوابة وكان من الصعب معرفة أيها تخص إلمر. وبينما كنا نقف متماسكتي الأيدي ونحن ننظر هنا وهناك أقبلت ناحيتنا من لم نتحدث إليها سوياً منذ أيام عدة.
ليديا وقد كانت في طريقها إلى عربتها كما يبدو توقفت عندما رأتنا نقف هناك.
أقبلت وقد كانت تركز بصرها على آللورا والتي أبعدت خاصتها عنها بسرعة وشدت على يدي لنذهب. لكنني لم اتحرك وبقيت أنتظر ليديا لتقترب منا ولأقول لها:
" ذاهبة إلى مكان ما؟ "
" آه.. نعم، لقد إستدعتني والدتي إلى المنزل فجأة "
أجابتني ثم عادت لتنظر إلى آللورا قائلة بعد ثوانٍ إستجمعت فيها أفكارها:
" آللورا.. أنا... أنا لا أعلم ما الذي قالته لكِ أمي. لابد أنها قد قالت شيئاً فهي أحياناً كثيرة تفعل ذلك. لكني لا أفكر مثلها. وسأحاول اليوم أن أقنعها أن تتركني أتحـ... "
" لا تفعلي! لا تتحدثي معها عني أبداً "
قاطعت آللورا جملتها بجزعٍ وهي ترفض بشدة. رفضها جعل ليديا تعقد حاجبيها قائلة:
" ولماذا؟ .. هل أصبحتي لا تريدين.. صداقتي؟ "
أكملت بصوت منكسر لترتبك آللورا وتنظر بعيداً دون إجابة. كنت أراقب فقط لأرى رده فعلها والتي فاجأتني عندما تحدثت أخيراً دون أن تنظر ناحيتها حتى:
" نعم.. لا يمكننا أن نصير أصدقاء "
10
بقدر الصدمة التي إرتسمت على وجهي كانت صدمة ليديا. تركتُ يدها التي كنت أمسك بها وكلانا ننظر إليها بدهشة بينما كانت تنظر بعيداً.
تحدثت ليديا وهي تحاول إستجماع ما تفكر فيه:
" أتقولين أنكِ لا تريدين أن.. نكون أصدقاء بعد الأن؟"
" نـ عم "
" آللورا ما الذي تتفوهين به! "
تدخلتُ منزعجة ثم حولت بصري إلى ليديا المجروحه للغاية، أضفت لها بسرعة:
" آللورا لا تقصد ذلك. هي لا تعلم ماذا تقول... "
" أنا اعلم جيداً ما أقوله إزابيل... لا يمكنني، لا يمكننا أنا وليديا أن نصير أصدقاء..أبداً "
1
هكذا قاطعتني آللورا وهي أخيراً تنظر ناحيه ليديا بملامح أبعد ما يكون عنها مُرحبه. كأنها كانت تريد أن تثبت لها صدق ما تقوله. وهذا ما جعل ليديا تُجرح أكثر.
لم أعرف كيف أتصرف وأنا أراى هذه الفتاة الطيبة تُجرح هكذا. بدت وكأنها تريد قول شيء ما لكن تم مقاطعتنا بصوتٍ صارمٍ يقول:
" أنسة ليديا.. إن العربة بإنتظارك "
إلتفت ثلاثتنا لصاحبة الصوت فكانت تلك الخادمة التي رافقت السيدة ماركلين من قبل. سارا إن كنت أذكر جيداً. أخذت تنظر ناحيتنا بوجه جامد ولم تهتم عندما قالت ليديا بإستغراب:
" سارا، ما الذي تفعلينه هنا؟ "
" أنسة ليديا. أظن أن كلام السيدة كان واضحاً. عليك تنفيذ ما طلبَ منكِ فقط. والأن يجب أن نذهب فوالدتك في إنتظارنا "
8
تحدثت بنفس الجمود وقد إقتربت من ليديا لتحثها على التحرك والتي إعترضت إلا أن سارا كررت مجدداً أن عليهما الذهاب حالاً..
متذمرة إستجابت ليديا وإلتفت حانقه لتذهب لكن لم يفتني أن أرى تلك الدموع التي تجمعت في مقلتيها.
4
وقبل أن تتبعها سارا قامت بإلقاء نظرة محتقرة تجاه آللورا ثم ذهبت خلف آنستها الصغيرة.
نظرتها آذت مشاعر آللورا وقد أبدت الحزن إلا انني كنت أهتم لشيء أخر غير مواساتها. إذ قلت بغيظ شديد:
" جدياً.. هل كان يجب عليك قول ذلك؟ من الواضح أنها لا تشارك والدتها الأفكار وأنها تريد إبقاء علاقتكما جيداً حتى وإن خالفت أوامر أمها. فلماذا ترفضين آللورا؟ هل لهذه الدرجة تخافين منها! "
5
أطلقت نفساً حاراً وهي تنظر للمكان حيث كانت ليديا تقف قبل قليل ثم أجابت:
" لا يجب أن أصادقها. لا يجب تستمر علاقتنا. بقدر ما يزعجني هذا، لكن هذا ما يجب أن يحصل "
زممت شفتي بغيظ لغموضها لكن ذكرت نفسي أن علي الإنتظار قليلاً وسأعرف كل شيء. عدتُ وأدخلت يدي عبر ساعدها لاجرها بقوة أكبر مبديه غيظي منها ولنبتعد قليلاً عن كل تلك العربات، وكما توقعت كانت عربة إلمر البيضاء الكبيرة تقف قرب الزاوية وقد بدا أنها قد توقفت للتو.
حياني السائق وهو يرفع قبعته عندما رآني فإبتسمت له ثم فُتح باب العربة فجأة وخرج عبره إلمر.
فور رؤية تلك الملامح على وجهه علمتُ ما سيحدث بعد قليل.
وتجنباً لذلك شددت بيدي على ساعد آللورا الذي أمسك به لأمنعها من التحرك وقد كانت قد بدأت بالفعل تتحرك تجاه إلمر لتتوقف فجأة عند أول خطوة وهي تنظر لي بإستغراب.
10
بينما في الجهة الأخرى إمتدت يد إرنست من داخل العربه وهو يمسك بـ إلمر من ياقه ثيابه ليمنعه من التحرك وليقوم بنفس رد فعل آللورا وهو ينظر إليه بإستنكار.
نزل إرنست من العربة وهو يرمق إلمر بتلك النظرة العاتبه.
25
قلت بتذمر وأنا أسحب آللورا معي بقوة تجاه أخوي:
" جدياً إلمر. أنت لا تحاول حتى أن تخفي علاقتك معها. ما الامر مع هذا العناق الذي يجب أن تدخلا فيه كل مرة؟!.. أنتِ أيضاً آللورا تمالكِ نفسك قليلاً! "
18
توقفنا أمامهما ليحمر وجه آللورا معتذرة بينما قال إلمر:
" من قال اننا كنا سنتعانق؟ لا تختلقي أموراً من عندك إزابيلا "
10
رمقه إرنست مثلي بنظرة – وهل تظن أننا سنصدق ذلك؟ – ثم قال وهو ينظر ناحيه آللورا:
" ما الذي فعلتِه بأخي إلمر الوقور والملتزم ليصبح هكذا أنسة آللورا؟ "
12
إزداد إحمرار وجهها ولم ترد وقد بدأت تتململ خجله لأبتسم ساخرة منها ليعترض إلمر:
" هاي. توقفا عن هذا. لا يمكنكما معاتبتنا فنحن أكبر سناً منكما. "
" ليس للعمر علاقة أخي. ولا تحاول تغير الموضوع، عموماً هيا.. توقفا عن تضييع الوقت ولندخل "
بلا إهتمام قالها إرنست وهو يشير لهما بأن يدخلا أولاً. مستسلماً فعل إلمر ما قيل له وهو يساعد آللورا على الصعود ثم يدخل خلفها.
3
ما إن تحركت العربة بعيداً عن الكلية حتى أخذ إلمر يسأل آللورا عن حالها بقلق وإهتمام كبيرين وقد أجابته بإبتسامتها الجميلة تلك أنها بخير.
لم تخبره عن كل تلك الليالي التي قضتها وهي تبكي. أو عن الوزن الذي فقدته بسبب فقدان الشهية. أو تلك الحمى التي هاجمتها من قبل.
لم تخبره لأنه كما يبدو الأن هي فعلاً تشعر أنها بخير.. فقط لكونه معها.
10
ظللت وأخي صامتين لا نتدخل بينهما حتى قال إلمر وقد إعتدل في جلسته وشابك بين يديه دالاً أن كلامه سيكون جاداً ومهماً وقد وجه كل هذا ناحيتي أنا:
" إزابيل.. أود الإعتذار إليكِ، ماكان للأمور أن تنتهي هكذا. كنتُ.. كنا نود إخبارك بالحقيقة في وقت مناسب وليس بهذه الطريقة.
أنا وآللورا نقدر تماماً ما فعلته من أجلنا. صبرك مساندتك وتعاملك الواعي لكل ما حصل. لا أظن أن كلمة الشكر تكفي لكل هذه التضحيات ومع ذلك سببنا لكِ الحزن وأدخلناك في موقف سيء مع أناس لا تعلمين عنهم شيئاً.
ما حصل لا يعني أننا لا نثق بكِ. لم نخبرك ليس لأننا لا نثق بكِ. بل لأن الوقت لم يكن مناسباً. وأسف حقاً على ذلك أختي "
6
إنتهى إلمر من كلامه ولم يبعد نظره عني. مترقباً بقلق رده فعلي لكل هذا.
بدا متأسفاً حقاً على كل ذلك الكذب وكلما حصل. وهي ملامح لم أرها من قبل في وجه أخي الكبير هذا.
كان دائماً الشخص الواثق والناجح والذي لا يقوم بخطوة إلا وهو متأكد منها مئة بالمئة. لم أره يوماً يعتذر أو يخفض رأسه لشخص أبداً. لكن يبدو أنه بالفعل تغير.. ليس تغيراً سيئاً لكنه تغير كافي ليجعله يعتذر بهذه الطريقة أمام إرنست وآللورا. والتي هي ايضاً إرتسمت نفس المشاعر على وجهها.
أطلقت تنهيده ثم هززت رأسي وأنا أقول:
" إعتذارك مقبول إلمر. لا بأس بذلك أخي... لكن لن ينتهي كل شيء إلا عندما نعرف كل الحقيقة "
تبادل الإثنان النظرات ثم قال:
" بالتأكيد. نعم. لكن.. قبل ذلك نود مناقشة ما حدث سوياً ووحدنا إن أمكن "
1
قبل أن أجيب تحدث إرنست:
" لا بأس، تحتاجان للحديث فعلاً. سأخبر اللورد بذلك عندما نصل "
" شكراً لك إرنست... " ثم أضاف بعد وهله:
" على ذكر اللورد، هل انت متأكد أن إستخدامنا لمنزله للحديث لن يزعجه؟ خاصة وأن مجئينا جاء فجأة؟ "
" كلا.. ليس لديه أي مانع في الحقيقة. بل لنقل أنه كان سعيداً ويرحب بمجئينا في أي لحظة "
40
أجابه إرنست بإبتسامة كبيرة فأطلق إلمر تنهيدة قائلاً:
" هذا جيد. ففي الحقيقة أكد علي والدي ضرورة الذهاب لزيارته خلال بقائي في لندن. وهذه فرصة جيدة لأتعرف عليه "
" سأعرفك عليه عندما نصل "
8
هز إرنست رأسه متفهماً بينما يطمئنه ثم أخذ الإثنان يتحدثان عن الإجتماع الذي حضره إلمر هذا الصباح. رأيت آللورا تقوم بطقوس تنفسها بينما إتخذتُ انا الفرصة بينما نتقرب شيئاً فشيئاً من منزل اللورد لأخلي أفكاري عن كل ما يتعلق بما حصل البارحة حتى لا أحرج نفسي أمام إلمر.
يكفيني معرفة إرنست لمشاعري.
2
عندما وصلنا كانت السماء قد تلونت باللون الرمادي منذرة بتساقط وشيك للمطر.
خرجتُ أولاً من العربة وأنا اطلق تنهيدة أمام الباب الخشبي الكبير لمنزل اللورد أغسطس. من خلفي كان إرنست ينزل فابتعدت لأفسح له الطريق، ولأنتبه حينها إلى ذلك الشخص الذي كان يقترب من حيث نقف.
3
كان يحمل مظلة بذراع خشبية يديرها حول معصمه بينما يسير، يده الأخرى عانقت جيب بنطال بذلته البنيه الراقية والتي برز من جيبها الداخلي الأعلى وإلى الجيب الخارجي سلسلة ساعة جيب ذهبي ولامع.
14
كان يرتدي قبعة طويلة العنق وقد كان ينظر للأرض متابعاً خطوات سيره على ذلك الخط المستقيم المرسوم على الأرضية بقرميد لونه أبيض، وقد أمكنني سماع صوت الصفير الذي كان يصدره بينما يمشي.
11
رفع هاري ماكينزي بصره عن الأرض ناحيتي عندما إنتبه أن هناك شخصاً يراقب فيه. ولترتسم دهشه على وجهه بينما هتف قائلاً:
" أليست هذه أخت إليزابيث وإرنست!!؟ "
127
تلك الجملة كانت كفيلة بجعل البهجة التي غمرتني لرؤيته تختفي فوراً وأنا أضع يداً فوق الاخرى متذمرة:
" متى ستتوقف عن مناداتي بهذه الطريقة سيد هاري! "
5
قهقه هاري وهو يتابع طريقه ناحيتي ومجيباً:
" ليس قريباً على الأقل. إذ من الممتع إغاظتك إزابيلا"
2
أطبقت على شفتي لكي لا أبتسم وهو يناديني بإسمي. ثم أردف بجدية:
" مضى وقت طويل من أخر لقاء لنا. كيف حالكِ؟ "
" بالفعل مضى وقت طويل، أنا بخير كما ترى وأنتـ؟ "
" أنا بخير والحياة سعيدة وكل تلك الأمور لكن، ما الذي تفعلينه هنا؟ "
2
سأل وهو يشير ناحيه منزل اللورد. لأجيبه باسمه وأنا اهز كتفي:
" لقد جئنا للزيارة كما تـ.. "
قطع جملتي تدخل إرنست الذي كان يقف خلفي قائلاً:
" متى ستنتبه أنها ليست وحدها هنا؟ "
نظر إليه هاري قائلاً بضيقٍ مصطنع:
" لماذا تقاطع لم شملنا هذا إرنست؟. لا تتدخل بيننا أرجوك "
" أوه كلا يا عزيزي، لا يمكنك إحتكار أحد التوأمين أبداً "
9
ضحك كلانا وتبسم هو ليقوم بمصافحه إرنست بينما يقول:
" ليس وكأنني أمانع "
ثم إلتفت ناحية من نزلا من العربة وهما ينظران إلينا بإستغراب. عرّف إرنست قائلاً:
" إلمر أعرفك بـ هاري ماكينزي إنه أقرب أصدقاء الماركيز أغسطس. هاري، هذا أخي الأكبر إلمر، وصديقة العائلة آللورا تورشيا "
" تشرفت بمقابلتكما، أهلاً بكما في لندن "
" الشرف لي سيد هاري. لقد سمعت الكثير عنك "
1
تبادل إلمر وهاري التحايا بينما فُتح باب المنزل عن بيتر والذي نزل ليرحب بنا. ويبدو أنه تفاجأ برؤية هاري معنا.
قادنا إلى الداخل وقد تقدمنا إلمر برفقه آللورا ثم إرنست وسار هاري معي لاسأله قائله:
" وإذاً.. ما الذي تفعله أنتَ هنا؟ ألا يفترض بك العودة إلى عملك في البحرية بعد إنتهاء كل تلك الضجة؟ "
" هذا صحيح. لقد عدتُ في الحقيقة لكنني اخذت إجازة أخرى، لدي الكثير مما أود فعله قبل العودة مجدداً إلى المعسكر "
4
" أها.. لكن بالمناسبة.. هل تسكن بالقرب من هنا؟ لقد أتيت سائراً "
" بالتأكيد. منزلنا يقع في بداية الشارع على بعد منزلين فقط. وكيف تظنين أنني صادقت أغسطس إن لم نكن جارين في هذا الحي الممل؟ "
" هذا صحيح "
ضاحكة قلت ثم إنتبهت حينها أن من هم أمامنا قد توقفوا عن السير بعد أن جاء صاحب المنزل ليرحب بضيوفه.
4
إستقبلنا اللورد أغسطس هذا اليوم وهو يرتدي قميص أبيض فوقه صدرية سوداء وبنطال بنفس اللون.
37
بدا مشرقاً – أو هكذا بدا لعيني – وهو يحيي أخي إلمر بحرارة بينما يعرفهما إرنست على بعضهما.
ثم طلب من بيتر إحضار الشراب لنا وهو يقود الطريق إلى صالة الإستقبال.
6
على عكس ما توقعت إستطعت تمالك نفسي وأن أبدي إبتسامة جيدة وأنا اتابع الأحاديث التي دارت من حولي. ولحسن حظي أن اللورد لم يوجه كلمة إليّ شخصياً حتى الأن.
6
رغم كونه بدا سعيداً للغاية، إلا أنه لم ينظر إليّ وقد كان يحادث من هم حولي بإهتمام كبير.
تعرف اللورد على آللورا وأخبره إلمر بتلك القصة أنها صديقة العائلة وإلى أخره. ليقوم إرنست أخيراً بإخبار اللورد عن رغبتهما بالحديث سوياً قبل أن نجمع أربعتنا.
1
قادهما بيتر على الفور إلى غرفة أخرى تحت مراقبتنا وما إن أغلق الباب حتى سأل اللورد إرنست:
" هل كل شيء على ما يرام إرنست؟ "
" همم؟ آآ نعم. ليس هناك ما يدعوا للقلق "
2
أجابه بسرعة مبتسماً فتقبل اللورد الإجابة ثم حول نظره إلى هاري الذي كان وحيداً في مقعد لثلاثة أشخاص وهو يلعب بأطراف قبعته التي حملها معه إذ يبدو أن زيارته لن تطول وهو يخطط للذهاب بسرعة:
" ما الذي جاء بك هاري؟ لقد كنت هنا مساء البارحة فقط "
12
لم يبدو الإنزعاج في صوته فعلمت أنه يمزح، ليرد عليه هاري وهو يضع يده جهه قلبه:
" لقد أذيت مشاعري. وأنا من قلت أن عليّ مساندة صديقي في وحدته. لكنني اتفهم لماذا تقول هذا... "
10
صمت لوهله حول بصره فيها إليّ وأكمل:
" لابد أنك كنت تريد الإحتفاظ بأمر حضور أخت إليزابيث وإرنست سراً عني وحضوري قد أفسد خطتك "
" ماذا!؟ "
18
قلتها بإستنكار بينما إنفجر إرنست قربي ضاحكاً ولم يبدو الإنزعاج على اللورد الذي جارى مزحته قائلاً:
" لقد كشفتني.. تباً لك هاري كان يفترض أن لا تلتقيا فهذا سيفسد الجو بيننا "
19
حولت نظري بين الإثنين مستنكرة خاصةً عندما
قال هاري:
" لن تنجح خطتك أغسطس. فعلاقتي مع إزابيل قوية للغاية ولن تستطيع الدخول بيننا "
" سنرى، يمـكنني أن أجزم ب .... "
" حسناً هذا يكفي. توقفا عن المزاح الأن "
18
قاطعتُ اللورد وأنا لا أرغب في معرفه تتمه جملته ليقهقه هاري بينما رسم إبتسامة جانبية وهو يقول:
" لكننا لا نمزح عزيزتي "
14
هز اللورد المبتسم بصمت رأسه موافقاً فأطبقت على شفتي ونظرت إلى إرنست مرتبكة عله يسكتهما عني. ليقول وهو يحاول تمالك نفسه من ضحكه الذي استمر:
" لا تقلقي.. هما يمزحان فعلاً... هذه أول مرة ترين فيها شيئاً كهذا كما يبدو.
عليك الإعتياد على مزاحهما هذا أختي"
28
همستُ قربه بصوت خافت بينما أنظر ليديّ بعيداً عنهم:
" كنت سأتقبل الأمر لو كان هاري فقط.. لكن اللورد أغسطس أيضاً! "
" أخبرتكِ من قبل أن أغسطس شخص مرح ويشبهني يا إزابيلا "
10
تدخل هاري ولا أدري كيف سمعني. نظرتُ إليه بحذر ثم إلى اللورد في الجهة الأخرى والذي حقاً يبدو سعيداً للغاية بتلك الإبتسامة التي تتسع فقط.
بادلني النظر لوهلهٍ ثم حوله بعيداً عني.
9
" حسناً حسناً. لنتحدث بجدية الان. لقد أتيتُ لإخبارك يا أغسطس أن والدتي تدعوك لتناول العشاء معنا اليوم "
قال هاري ليرد عليه اللورد:
" ومن سيكون موجوداً أيضاً؟ "
" ممم لا أدري. لم اسأل. ربما بعض أصدقائها ووالدي المعتادين "
4
أخرج اللورد نفساً وهو يضع يداً فوق الأخرى مفكراً. ليقول هاري:
" الأمر لا يحتاج لتفكير. عليك القدوم ومقابلة أكبر عدد تستطيعه من الناس. أنت تحتاج لأن تُكثر من إجتماعياتك هذه الفترة "
تدخل إرنست قائلاً:
" هذا صحيح. سيتوقع الجميع أنك ستنغلق على نفسك خجلاً مما سببه السيد ستيفينز وتعلم الإشاعات التي ستتبع ذلك، لهذا عليك تثبت العكس"
2
مرة أخرى تنهد اللورد وفرد يديه على جانبي الكرسي الذي يجلس عليه وقال:
" أعلم وأفهم ذلك لا تقلقا، لكني كنت أفكر في شيء أخر. فلقد تلقيت دعوة أخرى للعشاء من السيد واتسون وأخذت أفكر إن كان عليّ رفض دعوته للمجئ إلى منزلكم أم لا "
تفهم الإثنان ثم أضاف اللورد ببعض ضيق وحَيرة:
" ليس هذا فقط. لقد تلقيت العديد من الدعوات ستجعلني مشغولاً لأسابيع عدة مقبله. "
" حقاً؟ "
هتف بها هاري مستغرباً فهز رأسه بـ نعم وأخذ يعدد:
" هناك عشاء اليوم. وغداً صباحاً سيكون عليّ الذهاب لحضور إجتماع يتبع لبرنامج جمعية اكسفورد ستريد. وفي المساء هناك حفل يقيمه السيد لامبارت. وحفل أخر في مساء اليوم التالي ومن ثم علي السفر إلى سكوتلندا لأن قريباً لي من بعيد قد مات وإتضح أنه قد أوصى لي ببعض الأشياء في وصيته ويجب أن أذهب بنفسي من أجلها. ولا يخفى أنني ساكون مشغولاً هناك أيضاً بالعديد من الإجتماعيات.
وفي نهاية الإسبوع هناك حفلان مهمان أحدهما حفل الدوق جونسون و حفل الدوقة ماريسا... والقائمة تطول حقاً "
5
أكمل كلامه وقد أحكم قبضته التي كان يعدد بها ثم رفع بصره إلينا ليجد ثلاثتنا ننظر إليه بإندهاش.
كان هاري أول من علق قائلاً:
" وأنا من كنتُ قلقاً عليك "
" بالفعل. يبدو أنك سيدي ستكون مشغولاً لوقت طويل "
" أخبرتكما بهذا "
6
مستسلماً قالها وقد تنهد للمرة الثالثة. ليقول هاري مهمهاً:
" وأنا من ظننت نفسي مشغولاً "
ثم أضاف..
" لكن هذا أفضل حتى لا تبقى وحيداً في هذا القصر الممل "
وافقه اللورد ثم دخل ثلاثتهم مجدداً في الحديث وبقيت أنا صامته أشرب القليل من العصير الذي قدمه أحد الخدم إلينا. وبين فينه واخرى كنت أفكر أن أذهب وأتحدث مع بينيبرا قليلاً لكنني لم أكن أعلم متى سينهي إلمر وآللورا من حديثهما لذلك بقيت.
1
بعد قرابة نصف ساعة أقبل بيتر وهو يخبرنا أن إلمر ينتظر مجئينا فنهض أربعتنا وقد عرض اللورد مرافقتنا إلى الغرفة حيث هما وبالطبع رافقه هاري.
كنتُ أسير ببطئ خلفهم ريثما خرجنا من الغرفة إلى أحد الممرات وقد إلتزمت الصمت مُستمعة بينما يتذمر هاري لإرنست عن التدريبات التي يتلقاها في البحرية، لم أنتبه أن ثالثهم قد بدأ يتأخر إلا عندما أصبح يسير معي في نفس الخط.
25
نظرتُ إلى اللورد السعيد ونظر إلي وخفق قلبي بسرعة.
8
" لم أتوقع أننا سنلتقي بهذه السرعة "
" آه؟ أه نعم.. انا ايضاً، أسفة على ذلك... لقد تصرف إرنست بسرعة ولم يفكر في أي خيارات أخرى سوى منزلك سيدي."
" ليس أمراً يُعتَذر عليه بل عليّ شكر إرنست في الحقيقة.
لقد كنت أفكر طيلة مساء البارحة كيف ومتى سألتقيكِ مجدداً وفجأة وصلني بريد إرنست.. "
16
توقف عن حديثه التلقائي لوهله كأنه يختار الكلمة المناسبة ثم اكمل وهو يعاود النظر إلي باسماً بإشراق:
" ومنذ وقتها وأنا لا أستطيع التوقف عن الإبتسام كالأبله تماماً "
87
ألم أقل من قبل أن محاوله تجاهل مشاعري صعب للغاية مع شخص كاللورد أغسطس؟
كيف لا وهو يخرج كلمات كهذه دائماً. يا إلهي..
5
أبعدت بصري عنه محمرة لتتسع إبتسامته برضى. نظفت حلقي وقلت بنبره حاولت جعلها هادئه بقدر الإمكان:
" يسعدني أن أكون سبباً في سعادتك سيدي "
16
همهم اللورد وقد توقف عن المسير عند منعطف إختفى خلفه إرنست وهاري لأتوقف أنا أيضاً بينما أنظر إليه مستغربه.
1
كان اللورد ينظر إلى عيني مباشرة مما أربكني لكني لم أحرك ساكنه. ليقول فجأة:
" لأصُدقكِ القول أنسة إزابيل. لم أتوقع أن تكون ردة فعلي بهذه القوة بسبب مقابلتك مجدداً. لقد إتضح لي انكِ تملكين تأثيراً قوياً عليّ وأنني حقاً لا أستطيع كبح نفسي عندما أفكر بكِ وبرؤيتكِ "
73
تكور فمي وأنا أنظر إليه بإرتباك. ثم عضت على شفتي السفلى ناظرة إلى لوحة ما ولم أعرف كيف يمكن أن أرد على كلامه هذا دون أن أفضح نفسي مجدداً.
كنا نقف وحدنا في ذلك الممر. وكنتُ أقف أمامه ولا يفصل بيننا سوى بضعه سنتيمترات.
بضعه سنتميترات قطعتها يده وقد إمتدت ناحيه وجهي. إلى الزاوية السفلية اليمنى من فمي وقد إستقر إبهامه على تلك الشامة الصغيرة الموجودة هناك. بينما تغيرت ملامحه من باسمةٍ بمرح إلى أخرى جادة.
64
أعلم تماماً ما يحصل هنا. فلقد قرأت عنه من قبل. هذه المشاعر. هذه النظرات. وما سيحدث بعدها.
66
أعلم فلقد قرأت عنها من قبل وكدت أن أعيش أحدها من قبل. لكني في وقتها غمرني الجزع وهربت ولم يحدث أي شيء.
5
كان يفترض أن يتكرر السيناريو ذاك الأن أيضاً، كان ليتكرر... لو لم أكن واقعة في حب هذا الرجل الذي أمامي الأن.
وبسبب هذه المشاعر تجاهه رفض جسدي تنفيذ أوامر عقلي بالتحرك وبقي ثابتاً ينتظر إقبال اللورد عليه.
20
تحرك خطوة ناحيتي مقرباً المسافة بيننا عندما لاحظ أنني لم أبدي أي إعتراض، وتلك السبابة على جهي اخذت تمسد شفتي السفلى والتي كانت ترتجف..
49
كنتُ قد بدأتُ في إغماض عيني، وكانت تلك اللحظة لتكتمل... لو لم يظهر إرنست عبر زاوية ذلك الممر وهو يقول:
" إزابيل أين أنتـِ فجأة لم أجـ... "
308
لم يكمل جملته وقد إتسعت عيناه لرؤيه ما هو أمامه. مثله أيضاً إتسعت عيناي بجزع لرؤيته وقد إستعاد عقلي اخيراً قدرته على التحكم بجسدي مستوعباً ما كان سيحصل لو لم يظهر إرنست وإستطعت التحرك مبتعده عن اللورد لأخرج من سحر تلك اللحظة وأنا أنظر لأي مكان سوى عيني اخي إرنست.
10
اللورد بنفسه أبعد يده عن وجهي لكنه لم يبدو مرتبكاً أو أي شيء. كان كما هو وقد قال لـ إرنست ببعض عتاب:
" اما كان عليك التأخر قليلاً إرنست؟ "
86
قهقه إرنست. نعم ضحك وهو ينظر لصديقه ثم إلي وقد تغطى وجهي بالكامل باللون الاحمر. ليقول وهو يقترب مني ويحيطني بيده:
" كلا.. لقد أتيت في الوقت المناسب تماماً. "
أضاف وهو ينظر إلي:
" هيا بيلا، إن إلمر ينتظرنا "
16
لا أعرف إن كان سيتجاهل ما رأه تماماً أم أنه يؤجل التعليق لوقت أخر لكني لم أكن لأمانع وهززت رأسي بـ نعم وانا أسير برفقته محاوله تهدئه نفسي وذلك النابض على يساري الذي كسر أرقامه القياسية للتو.
3
فجأة توقف إرنست وهو يلتفت خلفه ناحيه اللورد الذي كان يتبعنا وليقول بينما يشير ناحيته بسبابته:
" أنتَ لن تذهب برفقتنا. هيا عد إلى حيث كنت "
" أوه . لابد أنك تمزح إرنست "
تذمر اللورد ضاحكاً ليقول إرنست:
" لستُ أمزح يا صديقي ... هيا بيلا "
29
أضاف بها ونحن نعاود السير. ومن فوق كتفي رأيت اللورد وهو يتوقف في مكانه مبتسماً بمرح. إلتقت عينانا فأشار لي بيده، عدت ونظرت أمامي بسرعة.
قابلنا هاري وهو عائد لكننا لم نتوقف وسرنا مبتعدين عنه. لاحظ لملامحي وهو يمر بنا ثم سمعته يقول من على البعد محدثاً اللورد كما يبدو:
" لماذا تبدو إزابيل وكأنها رأت شبحاً؟
ولماذا تبدو وكأنك خسرت جائزة للتو! "
80
لم اعلم بما أجابه اللورد فقد كنا قد إبتعدنا. ولا أظن انني أريد معرفه ما قاله. إذ يكفيني الإحراج الذي أشعر به. خاصة مع أخي التوأم الذي قهقه مع نفسه دون ان ينظر إلي ليجعلني أشعر بالخجل أكثر وأكثر.
دقات قلبي في أوجها. بل أكاد أقسم أن إرنست يستطيع سماعها. وبعد كل محاولاتي لأن أصفي ذهني من أجل ما هو قادم.. اتى اللورد أغسطس ليقلب أفكاري رأساً على عقب.
..........
الانتقال إلى الفصل التالي