رواية الخادمة الفصل 12
(12)
تواجد إلمر وآللورا في نفس الغرفة التي استقبلنا فيها اللورد أغسطس يوم البارحة.
وقف إلمر أمام ذلك الباب الزجاجي الكبير والمطل على الحديقة الخلفية وهو يراقب في صمت تساقط قطرات المطر في تنافس كبير محدثه ضجة كبيرة.
1
بينما جلست آللورا على كرسي فردي وقد كانت تنظر ناحيه يديها المتشابكتين في حجرها بشرود إلى أن دخلتُ برفقه إرنست.
أغلق بيتر الباب خلفنا وقادني إرنست إلى مقعد ثنائي لأجلس أولاً ثم هو.
كانت آللورا تراقب فيّ وقد لاحظت إحمرار وجهي وإتساع عيني فسألت ببعض قلق:
" إزابيل، هل انتِ بخير؟ تبدين... غريبة "
نظرت وأخي إليها. إرنست مبتسم بخبث وأنا بهلع إذ لم أظن أن ملامحي مكشوفة لهذه الدرجة. لفت سؤالها إلمر الذي إلتفت إلينا قائلاً:
" ما الأمر؟ هل من مشكلة ما إزابيل؟ "
" آآه.. كلا، انا بخير تماماً. فقط.. أشعر.. بالحر "
أجبته بإرتباك دون أن أنظر لعينيه خَجِلة وبقربي إرنست يحاول كبح ضحكه من الخروج. حاولتُ تجاهله وأنا أرى إلمر يقترب ناحيه الطاولة حيث إناء ماء باردٍ قام بسكب بعضه وأعطاه لي قائلاً:
" خذي بعض الماء، سيساعدك "
6
بيد مرتجفه أخذت الكوب منه وأنا أشكره، بينما علق إرنست بقربي بهدوء حيث لم يسمعه أحد سواي:
" ربما سيساعدكِ اللورد أغسطس أكثر من الماء "
56
توقف الماء الذي كنتُ أشربه في منتصف حلقي بسبب ما قاله وبدأت اسعل بشدة، فذُعر كِلا إلمر وآللورا وهما يسألان إن كنتُ بخير بينما إرنست المجرم يقوم بمسح ظهري بيده ببطء قائلاً:
" إشربي الماء ببطء عزيزتي.. لن يأخذه أحدٌ منكِ "
47
رمقته بغيظ شديد فها قد بدأت أفعاله البغيضة هذه. مره أخرى أخبرت أخي وآللورا أنني بخير بينما وضعت الكوب على الطاولة قبل أن أتهور وأقوم برش بقيته على أخي التوأم الرائع هذا.
بعد أن تأكد إلمر أنني بخير ذهب وجلس على كرسي منفرد مقابل لآللورا وقد تنهد وهو يمرر يده داخل شعره.
نظرنا إليهما لوهله ثم إلى بعضنا قبل أن يقول إرنست:
" وإذاً.. إلى ماذا توصلتما؟ هل أنتما مستعدان لقول الحقيقة؟ "
لم يجبه إلمر بل هز رأسه إيجاباً فقط ثم قال بعد وهله بنبره هادئه:
" إرنست.. أيمكنني أن اسألك سؤالاً؟ "
" بالطبع.. اسأل ما تريد "
"... إزابيل تريد معرفة الحقيقة وهي تفكر في مساعدتنا.. لكن ماذا عنك أنت؟ ما الذي ستفعله بعد معرفتها؟ أنت .. لست موافقاً على فكرة زواجنا فهل.. ستخبر والدينا أم ماذا ستجني بعد أن تعرف؟ "
3
كلام إلمر كان جارحاً، كأنه يقول:
لماذا علي إخبارك وأنت لا توافق على زواجنا؟ ربما ستخونني وستخبر عنا لتنهي كل هذا وتحصل على ما يرضيك.!
2
ورغم كوني وإرنست غير متوافقين في هذا الموضوع منذ البداية إلا أنني غضبتُ من أجله. كدتُ أن أعترض و اؤنب إلمر إلا أن إرنست أجاب بكل هدوء ودون أن يبدو عليه الإنزعاج:
" لأنني أريد أن أعرف الحقيقة. ليس لأن أستعملها ضدك أو لأنني غير موافق على كل هذا.. بل أريد أن أعرف ما الذي حصل وجعل أخي الكبير الذي احترمه يكذب هكذا.
أما بالنسبة لما سأفعله بعدها فلا أدري... كل هذا أصبح مربكاً بحق ولم يعد شيئاً يمكنني فقط قول رأيي فيه، يجب أن نعلم كل التفاصيل لنعرف ماذا يمكن أن نفعل مستقبلاً "
تبادل الأخوان النظرات لوهله ثم هز إلمر رأسه متقبلاً الإجابة. مسح بيديه على وجهه ثم نظر ناحيه آللورا الهادئة وهي تراقب فيه ليقول:
" لقد كذبنا عليكما... لقد كذبنا على الجميع.. بل لقد كذبتُ على الجميع.
كل هذه الأمور كانت من إختلاقي أنا، آللورا لا ذنب لها فهي من كان يرفض الذهاب معي إلا أنني أخبرتها أن كل شيء سيسير على ما يرام ولن يتكرر الماضي لأنني سأضمن ذلك.
بدأت خطتي ذلك الوقت وبدأتُ الكذب، لأضمن أنها ستذهب معي، وتبقى معي..."
1
" إلمر.. لا تحاول إلقاء كل اللوم عليك. أنا مشتركة أيضاً "
قاطعته آللورا لكنه هز رأسه قائلاً:
" أنا من فعلتها. كنت اعلم أن زواجي منك أمر مستحيل لكنني لم أتقبل هذا، لماذا علي التخلي عن الفتاة التي أحببت من أجل تقاليد... باليه! "
2
قال كلمته الأخيرة وبنبرة شامته كأنه يعلم أن إلمر القديم ما كان ليقول هذا. لكنه لم يعد نفس الشخص.
تدخل إرنست:
" وإذاً، قمت بإخفاء حقيقة أن الأنسة آللورا كانت خادمة تعمل في الفندق الذي نزلتَ فيه خلال تلك الزيارة وقمتَ بإختلاق قصة عن عائلتها لتخفي حقيقة أن والدتها أيضاً تعمل هناك. كل هذا من أجل أن يتقبلها أهلنا "
" نعم.. فكرتُ وقتها أن الأمور ستسير على ما يرام. فلا أحد يعلم شيئاً عنها في مانشيستر على أي حال. سيتقبل والدي الفكرة ولو بعد وقت. وسيبارك زواجنا، كانت الأمور سهله وقتها وبدت خطه بسيطة ومتقنه.. فقط لا يجب أن يعلم أي أحد عن الحقيقة "
" لكن كل شيء تدمر بعد المجئ إلى لندن... فلم تكن الأمور فقط تتعلق بعمل آللورا أو والدتها، بل كانت أكبر من ذلك .. أليس كذلك؟ "
تحدثتُ وإلتفت الجميع ناحيتي. حولت بصري ناحيه آللورا وأكملت قائلة:
" أنتِ لم تكوني آللورا الشابة التي عملت خادمة في نزل. بل آللنور الشابة التي تمت ولادتها في منزل عائلة الدوق ماركلين عندما كانت والدتها تعمل هناك. والتي تم طردها ووالدتها من ذلك المنزل، والشابة التي إتضح أنها تحمل أسراراً أخرى لا تعد ولا تحصى.. "
صمتُ لوهله ثم أضفت:
"... إن إخفائكما للحقيقة كان لهذا السبب أليس كذلك؟ لم تتوقعا أن نلتقي بإبنة تلك العائلة وأن تسير الأمور بهذا السوء بعدها، لكن.. لماذا؟ لماذا أصبحت الأمور بهذا السوء؟ ما الذي يجمعك حقاً بتلك العائلة آللورا؟! "
1
كانت تستمع لي فقط والأسى يغمرها. وعندما أنهيت كلامي أخرجتْ نفساً حاراً مغمضة عينيها للحظة ثم فتحتهما وعادت تنظر إلى يديها المتشابكتين وهي تقول بصوت مبحوح كأنها كانت تبكي قبل وقت قصير:
" لقد فكرتُ كثيراً إن كان علي إخباركم، فلا أدري إن كنتم ستصدقونني بالفعل على اي حال..
كما أنه أمر ما كان يفترض أن يخرج من الأساس. لكن يبدو أن الحياة أرادت عقابي بأخر شيء كنت أفكر في إرتكابه نظيراً لكذبي عليكم "
صمتت لوهله ثم رفعت عينيها الدامعتين إليّ وأكملت:
" هذا صحيح.. إن الحقيقة تتعلق بعائلة الدوق فريد ماركلين. وكل ما حصل بيننا في منزلهم ذلك اليوم وهذا الصباح مع ليديا كله كان سبباً لما إرتكبته والدتي في منزلهم قبل سنوات طويلة. "
" أتعنين ما قالته الدوقة؟ أن والدتك انجبتك بعد علاقة غير شرعية وتم طردها بعدها؟ "
قلت فقهقهت بأسى وقد نزلت دموع عينيها بسرعة كأنها كانت تنتظر إذاً بذلك... قامت بترطيب شفتيها ثم أجابتني:
" هذه هي القصة التي تؤمن بها السيدة أماندا. لا أظن أنها تود التفكير بغيرها. ولا تريد تذكر الحقيقة فهذا يعني أنها تعترف بها... تعترف بي "
" وهذه الحقيقة هي؟ "
سأل إرنست وسط صمت إلمر لتجيب وهي تنظر إليه:
" الحقيقة أنني بالفعل تمت ولادتي في أحد منازل عائلة ماركلين. الذي يقع في الريف الشمالي بالتحديد. لكن قبل هذا يجب أن تعلما أن القصة حول جدي الذي جاء من الهند برفقه تاجر بريطاني صحيحة.
جدي والد أمي جاء برفقة الدوق جورج والد أب... والد السيد فريد، وقد كان قد بدأ تجارته بين الهند وبريطانيا. تجارته للبهارات تطلبت أن يأتي بشخص خبير معه لديه معرفه بطرق تخزينها وسحنها وتقديمها. فإختار جدي الذي لم يكن لديه في هذا الدنيا سوى أمي.. مادهوري لذلك جلبها معه.
6
كانت أمي صغيرة وقتها وعاشت مع جدي في منزلٍ صغير قريب من المنزل الريفي للعائلة أعطاه له الدوق جورج، والذي كان رجلاً عطوفاً ورائعاً كما تم إخباري كثيراً.
وقد حرص الدوق جورج ماركلين على العناية بأمي أيضاً، وفي وقت ما سمح لها بالعمل في منزله الكبير خادمة لتشغل وقتها جيداً.
وفي ذلك المنزل الذي عملت فيه أمي، تعرفت على الشخص الذي بسببه خرجتُ أنا لهذا العالم "
توقفت عن الحديث وهي تبتلع غصة في حلقها وتنظر بعينيها المبتلتين دموعاً إلى إناء الماء نصف الممتلئ. كدتُ أن أطالبها بالإسراع في الحديث لأعرف من هو والدها لكني إمتعنت وقد لاحظت الوجوم على وجهها.
تحدث إلمر قائلاً بحنان وقد نطق بإسمها الحقيقي بعفوية:
" آللنور... ليس عليك الحديث إن لم تكوني مستعـ.. "
" السيد فريد ماركلين هو والدي ... "
41
هكذا قالت آللورا مقاطعه إياه وبنبره حازمة كأنها أرادت أن لا تتقهقر وتعدِل عن قول الحقيقة إن سمح لها إلمر بذلك.
ثم رفعت بصرها إلينا لترى رده فعلنا وأضافت:
" فريد ماركلين الإبن الوحيد للدوق جورج والذي كان يقضي جل وقته في ذلك المنزل الريفي هو والدي "
أنا كنتُ مصدومة... للغاية، وقد كنتُ وحدي في ذلك إذ همس إرنست وهو يمرر يده في شعره:
" تباً، كنتُ اعلم هذا "
نعم تباً، فما تقوله الأن خيالي للغاية، ويعقد الأمور لدرجة غير مسبوقة كونه حقيقياً بالفعل! وفي نفس الوقت يجعل كلما حصل مع الدوقة أمراً منطقياً حقاً. ويجعلنا أيضاً في مشكلة كبيرة للغاية.
" أنتِ تقولين أنكِ إبنة للدوق ماركلين؟.. مهلاً.. هذا يعني أنكِ و ليديا... أن ليديا...أختك؟.. هذا يعني أن... "
قاطعت آللورا حديثي المشتت والمندهش قائلة:
" قد لا تصدقين فكل هذا غير معقول لكنها الحقيقة "
" كـيف؟ "
سألتُ بحاجبين معقودين فتنهدت مجيبه:
" بعد وفاة الدوق جورج تغيرت الأمور في تلك العائلة. توفي الدوق بينما كان يقيم في ذلك المنزل شتاءً، لم تستطع الدوقة البقاء في المنزل بعد وفاة زوجها لذلك وما إن إنتهى الشتاء حتى ذهبت لتعيش في وندسدور وحدها إذ وعلى عكسها لم يرد إبنها الوحيد ترك لمكان الذي توفي فيه والده. وقد ورث حب والده لذلك المنزل.
قضى السيد الجديد وقته بعيداً عن العالم فقد كان حزيناً للغاية لوفاة والده الذي كان كل شيء بالنسبة له. ولم يستطع أحد إخراجه من تلك الحاله سوى شخص واحد... تلك الخادمة الهندية الصغيرة التي كانت خادمته الشخصية منذ بعض الوقت.
أذكر أن أب.. أنه أخبرني ذات مرة، كيف استطاعت أن تجبره على استماع ثرثرتها بينما كانت تحضر له طعامه في غرفته وتنتظره إلى أن يأكله كله. ثم كيف أجبرته أن يتجاوب معها، وأن يبدأ هو أيضاً بإخبارها قصصاً عن نفسه.. كيف أنه في النهاية وجد نفسه ينتظر الصباح التالي حين يستيقظ على همسها الدافء حين تأتي لتوقظه.
وبسبب ذلك قويت علاقته مع أمي بشكل كبير.
في البداية كان الأمر سراً ولم يعلم أحد من سكان المنزل من خدم وغيرهم عن علاقتهما تلك. كان ذلك إلى أن إنتهى الأمر إلى بداية تكويني داخل رحم أمي. وأصبح من المستحيل إخفاء الأمر.
كان من المفترض أن يتم طرد والدتي وجدي بعد حمل أمي بي، لكن تدّخل السيد وإخباره الحقيقة الصادمة بأمر مشاعره تجاه أمي جعل كبيرة الخادمات تعدل عن ذلك. وبأوامر من سيدهم تم التكتم على حمل أمي ولم يصل الأمر إلى والدته.
وبعد مدة ليست بقصيرة إنضم سر أخر حَملته جدران ذلك المنزل وهو زواج سيده بالخادمة مادهوري. والذي تم من دون معرفة الدوقة به، ولم يعلم به سوى سكان المنزل من خدمٍ وأقرب أصدقاء الدوق "
توقفت لوهله عن الحديث وهي تلتقط كوب الماء وتأخذ رشفه بيدين متوترتين ودون أن تنظر ناحيتنا كأنها خائفة من ردة فعلنا. ثم بنفس التوتر تابعت حديثها:
" لم يعلم أحد غير القاطنين في المنزل بذلك الزواج وعمل السيد على إخفاء الأمر ببراعة. إذ كان يقضي كل مهامه كأن شيئاً لم يتغير. ويسافر من أجل زيارة والدته ويهتم بأمور النبالة وتجارته... لكن في النهاية كان يعود إلى ذلك المنزل دائماً حيث زوجته.
ولدتُ أنا وسط كل ذلك. وجدتُ نفسي في ذلك المنزل الكبير والجميل أكبرُ وأنا محاطه بالكثير من الخدم الذين كانوا يعاملونني بحب كبير كأنني إبنة جميعهم. وبين والدين أحباني بشكل كبير وعاملاني كأني أميرة تنحني لها الرؤوس.
لم أكن أفهم أن هناك الكثير من الإختلافات في تلك العائلة. وأن والديّ مختلفان عن بقية الأزواج الذين مروا بي.
ولم أركز وقتها لماذا كان عليّ وأمي الذهاب والبقاء في منزل جدي الصغير والبعيد عندما يزور المنزل أحد أصدقاء والدي من لندن أو عندما يقيم حفلاً كبيراً. ورغم كوني أردتُ العيش وسط كل ذلك الذي حرمتُ منه لكني كنت أيضاً سعيدة بتلك الحياة.
كنتُ طفلة مباركة.
لكن آلت الامور لمنحنى أخر بعد توفي شخص أخر.
هو جدي.. والد أمي.
في ذلك الوقت كانت الدوقة ماركلين تحاول حث إبنها العازب -بالنسبة لها- على الزواج. استدعته كثيراً إليها لتعرفه بالكثير من المرشحات ولكي يحضر معها حفلات المجتمع الراقي في لندن عله يجد من تروقه. لكنه كان دائماً يعود خالي الوفاض دون أن يختار أي فتاة. إلى أن فاض بها الأمر.
وفي يوم ما جاءت الدوقة لزيارة المنزل الذي رفضت العودة له لأكثر من ست سنوات وبرفقتها ظهرت المرشحة الجديدة للزواج من... والدي "
إبتلعت غصة في حلقها وقد توقفت عن الحديث بعد نطقها لكلمة والدي ثم نظرت ناحيتي أخيراً.
كنت اتابع بصمت مثل أخي وقد نسيت أي شيء كان في ذهني من قبل. قالت:
" أماندا ستيوارت. الإبنة الصغرى لعائلة غنية و واحدة من أجمل الفتيات في جيلها وأنسة من الطراز الرفيع.
كانت المرشحة الأمثل لشخص مثل الدوق فريد ماركلين والذي ظل عازباً لوقت طويل.
جاءت السيدة أماندا برفقة عائلتها ملبين دعوة الدوقة ماركلين لقضاء الخريف في منزلهم. و هنا بدأ كل شيء يتداعى "
أخرجت نفساً عميقاً وأكملت:
" لم يكن أمر اكتشاف الدوقة بزواج ابنها ليستغرق وقتاً وقد جاءت لتبقى في المنزل الذي اعتبرناه منزلاً خاصاً بنا. وبالفعل كُشف أمر زواج والدي...
وحصلت مشاكل كبيرة لا أزال أذكرها كأنها كانت البارحة.
صدمت الشابة التي جاءت لتقابل زوجها المستقبلي وقد وجدت أنه لديه بالفعل زوجة أجنبية وإبنة في الخامسة، وصدمت الأم التي إكتشفت للتو أن إبنها كان يستغفلها كل تلك السنين وأخفى عنها أمر زواجه.
أصيبت الدوقة بوعكه صحية بسبب ذلك وساءت حالتها. والشخص الذي تم لومه لكل هذا كنا انا وأمي.
1
بالتأكيد ورغم محاربه والد.. والدي من أجلنا لأن يقنع والدته بالقبول بنا وأنه لا يستطيع التخلي عن أمي ولديهما إبنة بالفعل، إلا أن مصير محاولاته كان الفشل..
ليس لانه لم يستطع إقناع والدته بل لأن والدتي كانت هي من تنازلت عن مكانها "
" والدتك هي من تنازلت؟.. لماذا؟! "
قاطعتها فجأة بإستنكار. فأجابت:
" لأن صحة الدوقة تدهورت أكثر، مرضت للغاية وبدا أنها قد تموت في أي لحظة.. في نفس المنزل الذي مات فيه زوجها قبل ست سنوات.
وكان الجميع يعلم أن فعله إبنها كانت السبب..
2
إستغلت السيدة أماندا ذلك، كانت شابة ذكية تعلم أنها لن تجد فرصة بالزواج من دوق مجدداً وكنا عائقها الوحيد. أذكر كيف كانت ترمقني بنظرات حاقدة كلما أتيت لزيارة والدي لألعب معه حيث لم يسمح لنا بالبقاء في المنزل فذهبنا لمنزل جدي الخالي لنبقى هناك..
وفي يوم ظهرت السيدة أماندا في بابنا لتقابل أمي. أخبرتها أن هذه العائلة تدمرت بسببها. وأن السيدة ماركلين تموت بسببها. وأخبرتها إن ماتت الدوقة فإن أكثر متضرر سيكون والدي لأنه سيلوم نفسه على ذلك.
أخبرتها بالكثير من الأشياء كنت أنا الشاهدة الوحيدة عليها. وختمت كلامها قائلة إن كنتِ فعلاً تهتمين لـ فريد وتحبينه فأنتِ لن تسببي له المزيد من المشاكل بوجوكِ الذي يشوه سمعته ويجعل الذنب يملأوه. وطالبتنا بالرحيل في صمت وأن ننسى كل شيء يتعلق بعائلة ماركين من أجل مصلحتنا ومن أجل والدي.
ولأن والدتي لم ترد أن تموت الدوقة ماركلين بسببها ولم ترد أن تتشوه سمعة زوجها بسببها وأن يتدمر إسم ماركلين بسببها.. إنصاعت لها.
وفي ليلة ما وفي غياب والدي وبعد أن تأكدت السيدة أماندا من جعل والدتي توقع أوراق طلاقها من والدي. رحلنا عن ذلك المنزل إلى الأبد "
3
ختمت كلامها ثم اطبقت على شفتيها ونظرت بعيداً بينما تحاول مسح دموعها.
أخرجتُ نفساً لم أكن أعلم أنني اكتمه، فتحت فمي لاتحدث لكن لا شيء خرج. كانت الأفكار تتضارب في عقلي ولم أعلم كيف ابدأ.
2
والان فقط بعد سماع القصة لاحظت لما كان واضحاً للغاية.
لاحظت إلى التشابهة الكبير بين آللورا وليديا. العينان وذلك الطول الفارع. الشخصية القوية والمحبة. وبدا واضحاً لي لماذا إستطاعتا الإندماج معاً بتلك السهولة.
" اوه يا إلهي.. "
كان كلما خرج مني وأنا اعود بظهري إلى الخلف في الكرسي.
ثوانٍ من الصمت كسرها إلمر حينما قال:
" والأن عرفتما، سبب ما حصل مع الدوقة ماركلين. ولماذا فعلت ذلك.. كانت تحاول حماية مكانتها وعائلتها من ظهور آللنور الذي قد يدمر حياتها... "
" لكن مهلاً.. هل يعلم الدوق ماركلين بأمرك؟ "
سأل إرنست مقاطعاً إلمر. لتجيبه آللورا:
" لم نسمع شيئاً منه منذ ذهابنا ذلك اليوم.
لا أعرف أي شيء عنه ولا أظن أنه يعلم، فلابد أن السيدة أماندا أخبرته قصة ما لتبرر ذهابنا، قصة لابد أنها أقنعته لأنه لم يبحث عنا "
" نعم بالتأكيد أستطيع تخيل العديد من السيناريوهات التي قد تكون انتهجتها في هذا الأمر بالفعل.. "
قلت ساخرة بينما أضاف إرنست وقد عقد يديه معاً:
" لابد أنها ظنت أنك قد عدتِ لتنتقمي أو... أو لتأخذي حقك في اللقب. فأنتِ الإبنة الكبرى وإبنة شرعية كذلك، والدوق ماركلين كما أعلم ليس لديه أبناء ذكور أليس كذلك؟ "
سأل إلمر فأجابه بالإيجاب قائلاً:
" نعم هذا صحيح، وليس لديه أقارب قد ينتقل اللقب لهم "
" رغم كوني انكرت الامر. لكنها لم تقتنع "
8
قالت آللورا بصوت خافت فتذكرتُ ما دار بينهما في ذلك اليوم. بينما علق إرنست:
" أستطيع تخيل ما تمر به الدوقة، لابد أنها فزعة حقاً وخائفة من أن يعلم الناس أنك إبنة زوجها من إمرأة أخرى كان زواجه بها شرعياً.. سيضر ذلك بهم للغاية ويدمر عائلتها المثالية تلك. لذلك قامت بكل ذلك.. لتضمن أنك لن تقولي شيئاً "
مسحت آللورا دموعها دون أن تعلق. بينما قال إلمر بتعب:
" هذا صحيح، لهذا فكرنا.. علينا جعلها تفهم أننا لا نفكر في هذا. قطع كل العلاقات مع إبنة ماركلين سيساعد على ذلك. أو ربما بإختصار يمكنها ترك الدراسة في الكلية لنبين لها ذلك "
عقدت حاجبي وأنا أنظر إليه مستنكرة ثم إليها واسأل:
" هل أنتِ موافقه على ما قاله؟ "
" إنه الحل الوحيد إزابيل "
" بل هو هرب فقط. لماذا عليك ترك الكلية فقط لأن سيدة مجنونة تختلق قصصاً من عندها وتصدقها ثم تتهمك بهذه الأشياء "
" إزابيلا ... "
هتف إلمر بإسمي بحزم فإلتفت إليه:
" نحن نفعل هذا من أجل أن لا تسوء الامور اكثر. ماذا لو بدأت إشاعات عن حقيقة آللورا. ماذا تظنين أنه سيحصل لها إن علمت زميلاتها بها؟ "
" كما أن عائلتنا ستكون المتضرر الأكبر إن كنتِ تذكرين أختي.. أنا أويد فكرة ترك الكلية... "
علق إرنست فرمقته بغيظ قبل ان أقول:
" يمكننا حل الأمور دون تنفيذ ما تقوله تلك الـ... "
قاطعني إرنست:
" وكيف سنفعل ذلك؟
مثلما نود حماية عائلتنا الدوقة ماركلين تود حماية عائلتها وستفعل كلما تستطيعه لفعل ذلك.. لهذا للوقت الحالي يجب تهدئتها وتنفيذ ما ترغب به "
" أوه فعلاً... لم أتوقع أن يصدر ذلك منك إرنست "
" وهل لديكِ حل أخر؟ "
سأل وهو يرفع حاجبيه منتظراً. زممت شفتي وحاجبي بينما أنظر إليه بكل ذلك الغيظ. ثم وفجأة هتفت:
" ماذا عن الدوق ماركلين؟ لابد أنه لا يعلم بحقيقة ترك والدتك له وربما إن ذهبنا إليه سيساعدنا فهو كما قلتي احب والدتك وأحبكِ أنتِ "
إنفرجت أساريري عند تذكري لامره ليمتقع وجه آللورا قائلة:
" لا أعرف.. أنا لم أقابله منذ ستة عشر عاماً. وهو قد تزوج من شخص أخر بالفعل ولديه أبناء غيري.. ربما لا يذكر أمري من الأساس "
2
" من يدري؟ ربما قامت زوجته بخداعه، يجب أن نقابله لنعرف ماذا رأيه بالموضوع "
" وماذا بعد ذلك؟ "
قال إرنست فنظرت إليه، اكمل:
" لنقل أنه ظل على حبه لزوجته الأولى وإبنته طوال هذه السنين وفجأة عادت إبنته الكبيرة إليه.. وعلم أن زوجته الثانية كانت تخدعه طوال الوقت.
ماذا تظنين أنه سيفعل؟ سيرحب بها ويخبر الجميع عنها وسينهي علاقته مع الدوقة والدة بناته وزوجته لأكثر من خمسة عشر عاماً؟!.. "
" إرنست لا أعني هذا.. ربما على الأقل يمنع زوجته من التصرف بتهور وقبول آللورا. "
" حتى ولو... "
" حتى ولو كان كلامك صحيحاً إزابيل، كيف ستجعلين آللورا تقابل والدها؟ "
4
قاطع إلمر كلام إرنست، ثم وافقته آللورا نفسها قائلة:
" هذا صحيح. مقابلته لن تكون سهلة، فأنا لن أستطيع الذهاب إلى الباب الامامي لمنزلهم وقول: هاي مرحباً أريد لقاء والدي!. لن تسمح السيدة أماندا بهذا.
بل وأظن أن في يوم الحفل ذاك كانت هي من طلبت منه الرحيل. أذكر جيداً أن ليديا... أن ليديا تحدثت عن رحيله الفجائي. ولابد أن السيدة أماندا منعت لقائي به بهذه الطريقة، أو ربما.. هو من رحل بنفسه "
قالت أخر جملة بنبره كئيبة لأهز رأسي نافية لكلامها ثم قلت:
" قد نجد طريقة ما.. ليس من الصعب مقابلة شخص ما في لندن "
تدخل إلمر قائلاً:
" لن يكون صعباً لو كان والدي مثلاً. لكن لا اظن أن الدوق قد يقابل أحدنا بهذه السهولة من دون دعوة "
4
أطبقت على شفتي بغيظ ولم يعد لدي ما أقترحه. ليقول إرنست:
" إذاً.. للوقت الحالي ستبتعدين عن إبنة ماركلين؟ "
" أليس الرحيل أفضل؟ "
سألتْ بنصف عزم كأنها ترغب في أن يقول لا.. وبالفعل قال إرنست لا:
" قد يكون الرحيل الحل الأمثل لكنه يحتوي على مخاطره أيضاً. فالرحيل الفجائي في منتصف الفصل الدراسي سيجلب العديد من الأسئلة، خاصة وأنك كنتِ ملفته للنظر في الفترة الماضية ولن يترك والدي الموضوع إلا أن يعرفا سببه.
وقد يؤدي هذا لمعرفتهما للحقيقة وهذا ليس الوقت المناسب لذلك..
لهذا أظن أنه على الأقل عليكِ البقاء حتى نهاية هذا الفصل.. فهو سينتهي بعد شهر ونيف فقط على أي حال "
دهشت وأنا أسمع كلامه، لكنه كان دائماً يفكر بمنطقية حتى وإن كان أمراً هو لا يحبذه. إبتسمت له. بينما قال إلمر مفكراً:
" كلامكَ صحيح. لم أفكر في ذلك "
رأيت آللورا وهي تطلق تنهيدة. أضاف إلمر:
" أرجو فقط أن لا يسبب بقائكِ مشكلة أخرى "
" سأعمل على أن أبقى بعيدة عن المشاكل إلمر. اعدك"
هتفت بسرعة فوافقتها:
" وسأكون معها أيضاً لذلك لا تقلق "
نظر ناحيتي كِلا إلمر وإرنست بحواجب مرفوعة وقد همس إرنست:
" المشكلة هي أنكِ معها.. لابد أن شيئاً ما سيحصل "
" أنت بغيض. أتعلم ذلك؟ "
7
همستُ أنا الأخرى. ثم نظرتُ ناحيه آللورا متجاهله محاولته للرد علي.
رغم الضيق على وجهها كانت مرتاحه بعض الشيء. ربما قول كل تلك الأشياء وإخراج الحقيقة التي أخفتها في الشهور الماضية له أثر جيد عليها.
لكن لا أحد يعلم ماذا قد يحصل مستقبلاً. لذلك كانت متضايقه.
رأيتها وهي تحول نظرها ناحيه إلمر. لتتحول ملامحها إلى حزن عميق.
طال إجتماعنا أكثر مما ظننت، وتحدث إلمر أننا قد بقينا في ضيافة اللورد بما يكفي، لذلك وعندما إنتهينا أخبر بيتر الذي كان واقفاً قرب الباب في حال إحتجنا لشيء ما أن يخبر سيده عن ذهابنا.
إلتقى بنا اللورد أغسطس في الصالة الأمامية قرب الباب. أقبل ناحيه إلمر وهو يطالبه بالبقاء وتناول الشاي معه ليعتذر أخي بأدب وهو يشكره على حُسن ضيافته.
2
كان إلمر وآللورا أول من خرج وكدتُ أن اتبعهما لولا أنني رأيت اللورد يتجه ناحيه إرنست وقد بدت ملامحه جادة. بقيت واقفه قرب إرنست.
3
قطع اللورد مجرى بصره فجأة منه إليّ، لأبعد نظري عنه وقد إحمّر وجهي بالكامل بعد تذكر ما كاد يحصل بيننا في ذلك الممر.
4
عاد اللورد لينظر إلى أخي وليسأله ببعض جديه:
" هل كل شيء على ما يرام إرنست؟ "
" نعم بالتأكيد، ليس هناك ما يستلزم قلقك أيها اللورد"
لم يبدو أنه اقتنع لكن لم يكن مكانه ليتدخل في أمور تخص عائلة أخرى لذلك تقبل الأمر.
سأله إرنست:
" أين هو هاري؟"
" لقد ذهب قبل مدة قائلاً أن لديه ما يفعله. لكنه طلب مني إخبارك أنه يرغب في دعوتك والأنسة إزابيل للغداء في منزلهم في وقت ما "
ابتسمت لطلبه بينما قال إرنست:
" سيكون ذلك من دواعي سرورنا بالتأكيد "
" وماذا عن المجئ لمنزلي إذاً لنفس الدعوة؟ "
2
أضاف اللورد وهو يجول ببصره بيننا. ليقوم إرنست بإمساكي من معصمي ليجذبني قربه أكثر و مُجيباً:
" هذه دعوة تحتاج إلى تفكير عميق قبل الإجابة "
20
كان يمزح. أعلم. لكن مع ذلك همستُ معاتبه:
" إرنست، عيب أن تقول هذا "
لكنه لم يهتم وكذلك اللورد الذي رد ممازحاً هو الأخر:
" لا بأس إن لم تتمكن من الحضور، سأكون سعيداً برفقة الأنسة إزابيل فقط ولن أكون متطلباً أكثر "
47
إزدادت حُمرة وجنتي واتساع عيني، ليقهقه إرنست بينما يجيب:
" سنرى في ذلك. فأنت لا تستطيع إحتكار أحد التوأمين بهذه السهولة سيدي "
4
لم يجبه اللورد لكنه أعاد بصره ناحيتي بإبتسامة رقيقة. كأنه يشكك في كلامه.
اطبقت على شفتي مشيحه ببصري بخجل لم استطع مداراته ابداً.
بينما أخيراً قرر إرنست أن يرحمني واتخذنا طريقنا إلى الخارج مودعين اللورد أغسطس.
..........
الانتقال إلى الفصل التالي