رواية حدث ذات مرة في ويلفيرتون الفصل 12

 



(12)


كان من المستحيل أن لا يصل صوت إنفعال اللورد كاريت إلى من جلسن في الغرفة المجاورة بعيدات عن كل ما يحصل، ذعرت السيدات وهن يستمعن لصدى كلامه المنفعل كأن مسًا قد أصابه.

توقفت الكونتيسة إليزابيث عن تحريك مروحتها وقالت بفضول كبير:

-ما الذي يحدث هناك بحق رب السماء هل قتل أحد أخر؟

-أوه يا إلهي أرجو أن يكون زوجي وإبني بخير.

علقت الليدي هاريسون بقلق لتطمئنها إستر قائلة:

-لا تقلقي لن يصيبهم مكروه وهم هنا.

-من يدري عزيزتي، هناك قاتل بيننا ولا أحد يعرف ماذا قد يفعل إن إقترب أحد من كشفه!

قالت الكونتسة بإبتسامة جانبية لتتسع عينا الليدي هاريسون في خوف فتدخلت الليدي جانيت قائلة بنبرة حاولت جعلها قوية بما تسمح لها طاقتها:

-أرجوكِ لا تتحدثي بكلام لا معنى له. لا فائدة من إدخال الذعر في أنفسنا.

عبست الكونتسة قليلًا بينما إبتسمت سارا براحة فهي قد تعبت خلال الساعة الماضية بينما تحاول تهدئة الكونتسة والتي حاولت كثيرًا التلصص على ما يحصل في الغرفة المجاورة بحجة أنها تريد الإطمئنان على إبنها ألبرت، لكن راحتها لم تطل فقد عاد صوت اللورد كاريت ليعلو مرة أخرى وكانت هذه القاسمة إذ نهضت الكونتسة قائلة بحماس لا يشبه سنها:

-حسنًا هذا يكفي! يجب أن نعرف ما الذي يحدث هناك، ولا تحاولي إيقافي يا فتاة.

ختمت وهي تشير ناحية سارا بمروحتها ثم أسرعت وهي ترفع أطراف ثوبها ناحية الباب لتطاردها سارا وهي تقول بإصرار:

-كلا، لن أسمح لكِ بهذا.

-ليدي سارا، لماذا تمنعيننا من الإستماع لهم!

قالت الكونتسة بحيرة عندما توقفت سارا أمام الباب مانعة إياها من الإقتراب منه.

-لأنك لن تستفيدي أي شيء إن إستمعت لهم الآن، ستعرفين ما يهمك لاحقًا لذا لم العجلة.!

-لأنهم لن يخبرونا بكل شيء لاحقًا بالتأكيد!! هذه هي الطريقة الوحيدة لنعرف كل التفاصيل.

-كلا، لن أسمح لك..

عادت لتكرر بإصرار فإنزعجت الكونتسة أكثر بينما ومرة أخرى تعالى صوت صراخ اللورد وهذه المرة حتى الليدي هاريسون غزاها الفضول فنهضت تتبعها ساشا إبنتها مقتربات من الباب الكبير فقامت الكونتيسة متسلحة بمساندتهما بإبعاد سارا عن أمامها ووقف ثلاثتهن أمام الباب يتلصصن دون أن يفتحنه.

بغيظ نظرت سارا إلى والدتها الليدي جانيت وقد إنضمت لها إستر لتجلس قربها وغيظ مماثل علا ملامحها، لكن الليدي جانيت وبعد كل ما حصل اليوم كان التعب قد غزاها وجعلها لا تستطيع النهوض من مكانها ولو إستطاعت لكانت تريد الإستلقاء لكنها لا تستطيع فعل ذلك أمام ضيوفها وفي هذه الأجواء.

4

فجأة علا صوت الكونتيسة وهي تلتفت ناحية الأم وإبنتيها قائلة بإستنكار:

-خادمتكم هذه مجنونة! لقد إتهمت اللورد كاريت بالتحرش بها!!..

-ماذا؟

هتفت الليدي وهي تحاول النهوض لكنها عادت جالسة عندما لم تحملها ساقاها لتساعدها إستر بينما أسرعت سارا ناحيتها قائلة:

-أمي، هل أنت بخير!؟

-نعم نعم لا تقلقا، من.. من هي التي فعلت ذلك!

أجابتهما بسرعة ثم عادت تسأل الكونتسة لكن الأخيرة كانت مركزة على الإستماع للمزيد فأجابتها ساشا:

-إنها الأنسة مورغن! لقد قالت أن اللورد كاريت قد تحرش بها هي وثلاث مرات أيضًا.

علت الصدمة ملامح النساء الثلاثة ولثوانٍ لم تستطع أي منهن قول شيء إلى أن همست سارا:

-صوفيّا.. قالت ذلك؟

-نعم، وهذا سبب غضبًا كبيرًا.

تدخلت الليدي هاريسون قائلة بإستنكار:

-كيف تجرؤ فتاة كهذه على الكذب هكذا.

-هذا ما يحصل عندما تُحسن للخدم، فهم دائمًا ما يعضون يدك في النهاية.

ردت عليها الكونتسة ليسبب كلامهما إنزعاجًا ظهر في ملامح سارا بوضوح لتهمس لها إستر قائلة:

-سارا إياك والتعليق، هي لا تستحق.

لكن سارا لم تستمع، صحيح أنها لا تعلم تفاصيل ما يحدث هناك لكنها متأكدة أن صوفيّا لن تقول أي كذبة كهذه لأي سبب كان، لكن وقبل أن تنفعل بكل مكنوناتها فيهن كانت والدتها هي من تحدثت وقالت بنبرة قوية جعلتهن يلتفتن ناحيتها بإندهاش:

-إعذرنني لكنني لن أسمح لكم بالتطاول على مرافقتي، صوفيّا لم ولن تكذب في أمر كهذا لهذا إن كان هناك من قام بعض يدٍ فهو اللورد كاريت الذي مد يده ناحية عاملي منزلنا بعد أن قمنا بدعوته إليه.

8

حتى سارا لم تتوقع أن تقول والدتها هذا وبهذه النبرة التي جعلت السيدات يخجلن فجأة من الحديث هكذا أمام الليدي دون إعتبار لوجودها. وحينما ساد صمت مربك بينهن نهضت سارا قائلة بإصرار غاضب:

-والآن أرجوكن يا سيداتي أن تعدن وتجلسن للوقت الحالي فهذا سيكون أفضل للجميع.

ورغم عدم رغبتهن بذلك نفذن الأمر لكن هذه المرة عادت السيدتان وجلستا قرب بعضهما وهما تناقشان فيما سمعنه وجلست ساشا بقربهما تستمع. لم يزعج ذلك سارا وهي تبقى بالقرب من أمها وتمسد لها ظهرها بينما أغمضت الليدي عينيها بألم كبير..

............

سمح هدوء العاصفة بوصول رجال الشرطة في وقت أسرع. فجأة أقتحم قصر غرين هول من قبل العشرات من الشرطة المحلية وهم يحيطون المكان من الداخل بينما دخل قائدهم بنظرات صارمة ملأت ملامحه.

كان اللورد ويلفيرتون وإبنه غاري في إستقبالهم وبرفقتهم بقية الضيوف والذين تجمعوا بشكل ملحوظ في مجموعة إبتعدت عن كاريت ليتسبب ذلك في إزعاجه أكثر وأكثر.

كان ويلفيرتون وقُبيل وصول رجال الشرطة قد إتفق مع سبستيان أن يخبرا رجال الشرطة بكل ما حدث في الساعات الماضية وعن إمكانية كون دواء المعدة هو المسبب لتسممهما وكذا كل ما يخص كاريت فلقد آمن أن هذه المشكلة ورغم ما ستسببه له من مشاكل جمة إلا أن الإفصاح عنها كاملة هو الحل الوحيد.

لكن وما إن رحب اللورد ويلفيرتون بحضورهم حتى قال قائد الفرقة بصرامة كبيرة:

-سنبدأ بتفتيش غرفتيّ السير هاثواي والسيد كارفين فورًا فلقد بلغنا أن دواءًا هو المتسبب بعملية التسمم.

-كيف عرفتم؟

همس اللورد غير مصدق ومثله الجميع ليجيبه القائد قائلًا:

-لقد أخبر المحقق كارفين بذلك عندما إستعاد وعيه لبعض الوقت أن الدواء كان هو الشيء الوحيد المشترك الذي تناوله هو والسير. والآن إسمحوا لنا يا سادة و...

2

قاطع كلامه اللورد كاريت قائلًا:

-يجب أن تسرعوا وتعتقلوا الخادمين المسؤولين عن خدمتهما فهما المتسببان بلا شك. وهذه هي حقيقة ما حصل رغم الكذب الذي ستسمعونه من قِبل البعض هنا.

لم يتلق اللورد نظرات مرحبة بعد الذي قاله ممن هم حوله لكنه لم يهتم فهو قد إعتبر كل المتواجدين هنا ضده حتى اللورد ويلفيرتون. ليقول قائد الشرطة بنبرة قاسية لم تحمل أي إحترام في داخلها:

-هذا ما سنحدده نحن ولسنا بحاجتك لتحدد لنا ما هو كذب وما هو غيره. والآن إفسحوا لنا المجال للغرف وسيأخذكم مساعدي ليبدأ التحقيق معكم. سيكون علينا الإنتهاء بسرعة لأن سكوتلانديارد في طريقها إلى هنا.

وفي ثوانٍ إمتلأ القصر الضخم وممراته بأصوات قرع كعوب أحذية رجال الشرطة المبتلة بأرضيته، تفاجأ آنسون وألبرت حينما كانا يتحدثان بمرح أثناء مراقبتهما الغرف برفقة جاسبر بوصول رجال الشرطة ولتصرفهم غير اللبق أبدًا عندما أزاحوهما عن الباب. بينما إقتحم رجال الشرطة أيضًا منطقة الخدم وبدأوا بالفور تفتيش حاجياتهم بحثًا عن من قد يمتلك السم.

تم جمع جميع الضيوف في البهو الكبير حيث جلست النساء المذعورات ومن حولهن الرجال بينما كان يتم إدخالهم واحدًا واحدًا ليتم التحقيق معهم في غرفة قريبة.

إقترب آنسون من غاري ولوغان وسبستيان وقال بنبرة لم ينجح في إخفاء توتره منها:

-لماذا هم عنيفون هكذا معنا، إن المجرم شخص واحد وليس الجميع!

أجابه لوغان ببساطة:

-لأن المقتول ليس رجلًا عاديًا..

أضاف سبستيان وهو ينظر من حوله باحثًا:

-كما أن رجال سكوتلانديارد قادمون في أي لحظة لذلك توقع ما هو أكثر من هذا.

إرتبك آنسون لكنه سرعان ما قال:

-لكنهم يعرفون أن الدواء هو المستعمل في الجريمة.

-قد يحتاج الأمر وقتًا ليتم تحديد الحقيقة ففي العادة يتم فحص هذا النوع من السموم الذي ليس له لون ولا رائحة ولا طعم بأن يتم إعطاوه للفئران ورؤية ماذا سيحل بهم للتأكد من كون هذه المادة هي ما إستعملت في القتل.

قال سبستيان ليسأله آنسون بحماس فجائي:

-هل جلبوا معهم بعض الفئران؟

-لا أدري لهذا قلت قد يحتاج، وربما سيقوم رجال سكوتلانديارد بالأمر بأنفسهم. من يدري.

ختم عندما وجد ضالته، دخلت صوفيّا البهو بإستقامتها المعتادة، كأن تواجد كل رجال الشرطة هؤلاء لا يؤثر بها لتتجه ناحية الليدي جانيت والتي كان التعب قد نال منها وظهر في ملامحها.

ساعدتها سارا برفع الليدي بينما إقترب غاري وهو يقود النساء الثلاثة عبر البهو، لابد أن صوفيّا حصلت على إذن لأخذ السيدة لغرفتها. تساءل سبستيان إن كان قد تم إستجوابها بالفعل وعن ما يحصل مع الخدم الذين يتم إستجوابهم في مكان أخر. تمنى فقط أن لا ينتهي الأمر بأحدهم ضحية لنفوذ الرجل الواقف هناك كأن كل ما يحصل ليس له دخل به.

فجأة دخل أحد ضباط الشرطة متجهًا ناحية القائد الذي كان يحادث اللورد ويلفيرتون وهمس شيئًا في أذنه، كان من الواضح أنهم إكتشفوا شيئًا إذ أن القائد ذهب فورًا برفقة الشرطي وبعد دقائق تم إستدعاء سبستيان للتحقيق معه.

.............

أشاد سبستيان برجال الشرطة وإمكانيتهم لتحويل أي مكان مهما كان رقيه إلى معقل لهم يشبههم تمامًا، كان هذا ما فكر به وهو يدخل إلى الغرفة التي أصبحت تشبه غرفة تحقيق في أحد مراكز الشرطة التي إعتاد على دخولها.

وعلى عكس بقية من تم إستجوابهم كان القائد متواجدًا في دوره مما جعله يعلم أن بإنتظاره شيئًا ما.

كان القائد هو من تولى الحديث وجلس في الجهة المقابلة من الطاولة الوحيدة في المكان مشيرًا لسبستيان أن يجلس مرتاحًا. حاول سبستيان ذلك وهو يتجاهل الضباط الثلاثة الأخرين المحملقين فيه بأعين كالصقور.

-سيد فينسنت، لقد سمعت عنك كثيرًا وفوجئت أنك أحد الحضور هنا.

-لقد كان اللورد ويلفيرتون كريمًا بدعوتي أنا بدلًا عن والدي المريض.

علق سبستيان بأريحية فهز القائد رأسه متفهمًا ليقول بعد ثوانٍ:

-لقد قمنا بالتحقيق مع الكثيرين حتى الآن، من الخدم والضيوف ولقد سمعنا قصصًا كثيرة علمنا عبرها أن الوضع هنا كان حاميًا بينك وبين اللورد كاريت. ما الذي حصل؟

توقع سبستيان أن يتم سؤاله عن هذا لذلك أجاب بصراحة:

-لا شيء مهم، لقد أطلق أحدهم طلقة خاطئة أثناء الصيد يوم البارحة وكادت تصيب اللورد وكنت أنا أول من إتهمهم...

قاطعه: ولم ذلك. لماذا أنت أول من إتهمهم؟

-لأنني أعمل الآن على قضية رفعتها عائلة خادم كان يعمل معه قتل قبل شهرين تقريبًا ولأنني أظن أنه من قتل ذلك الخادم.

لم تتغير ملامح القائد كأنه يعرف عن كل هذا بل أضاف بسرعة:

-إذًا دعوتك للمجيئ إلى هنا كانت في صالحك فأنت تستطيع إستجوابه بسهولة.

هز كتفيه قائلًا:

-هذا ما ظننته بادئ الأمر لكن الأمر ليس بهذه السهولة فهو شخص.. كتوم للغاية.

صمت القائد لثوانٍ نظر فيها مليًا إلى سبستيان ليقول أخيرًا وهو يشابك يديه فوق الطاولة:

-سيد فينسنت لقد وصل إلى علمنا أنك كنت أول من إتهم اللورد بكونه المتسبب في قتل السير هاثواي وبعيدًا عن صحة هذا الإتهام أم خطأه، كل ما جال في بالي عندما سمعت بالأمر أنه ربما هذا الرجل - أنت - يريد فقط إيجاد ما يساعده على إتهام اللورد بتهمة قتل أخرى حتى يربح قضيته.

وافقه سبستيان: هذا ما كنت سأظنه أنا أيضًا في الحقيقة إن كنت في مكانك لكني لم أستطع منع نفسي بعدم قول أي شيء وأنا أرى هذه الخيوط تتجمع وتقود للورد بهذه البساطة، فإن كان هو القاتل بالفعل أكون قد ضربت عصفورين بحجر واحد وإن لم يكن هو.. فهذه ليست أول مرة أخطئ فيها.

حدق فيه القائد وهو يمسد لحيته الشقراء بأصابعه ليقول أخيرًا:

4

-لحسن حظك لا يبدو أنك ستخطئ هذه المرة فلقد وجدنا في غرفة اللورد بقية الدواء الذي أعطي للضحيتين وكان الزرنيخ متواجدًا فيه فلقد ماتت كل الفئران التي أعطيناها إياه.

إتسعت عينا سبستيان للحظة ثم سرعان ما هز رأسه دون تعليق ليقول القائد:

-لماذا لا تبدو سعيدًا فلقد كان كلامك صحيحًا؟

زفر سبستيان ثم أجاب:

-أعلم هذا، وأعلم أنها ليست أول مرة يقوم فيها اللورد بقتل أحدهم لكن مع ذلك هناك شيء في داخلي يقول أن كل هذا جرى ببساطة، بساطة كبيرة!

10

بدا أن القائد يوافقه لكنه لم يظهر ذلك بل قال وهو ينهض ليخرج:

-الدلائل هي ما تقودنا في عملنا وليس الظنون سيد فينسنت، سيعاود مساعدي التحقيق معك بشكل رسمي وحتى وصول سكوتلانديارد لا يجب لأحد أن يعرف بما وجدنا، نريد التحقيق مع الضيوف دون علم مسبق بما لدينا.

-كما تريد سيدي.

............

بنهاية اليوم توقفت العاصفة تمامًا وعادت الشمس لتضئ السماء بألوان الغروب ليعود الظلام بعد دقائق معدودة ويسود مجددًا أرجاء ويلفيرتون الهادئة.

إنتهى رجال الشرطة من إستجواب الجميع مع وصول رجال سكوتلانديارد إلى القصر بدا مظهرهم مختلفًا بزيهم الأزرق الداكن وأزراره الدائرة المتراصة والقبعة الصلبة المستديرة. إجتمع قائد الشرطة المحلية مع المفتش هانز قائد الوحدة المكونة من سبعة أشخاص والذين وفور وصولهم بدأوا معاينة الأدلة وغرفتي الضحيتين بالإضافة إلى أماكن أخرى كان من بينها غرفة اللورد كاريت.

1

وبعد أن أنهى قائد الشرطة المحلية تقريره للمفتش هانز قام الأخير بطلب حضور اللوردات الثلاثة بالإضافة للسيد فينسنت إلى مكتب اللورد ويلفيرتون.

بدا المفتش هانز أقل صرامة من قائد الشرطة المحلية والذي لم يبد أي تعامل راقٍ مع سكان القصر منذ وصوله وخلال التحقيقات ليقوم الأول بالترحيب بالسادة وإعتذر عن البلبة التي حدث لهم خلال اليوم. لكن وقبل أن يخوض في حديثه قال اللورد كاريت وقد جلس في كرسي منفرد واضعًا ساقًا فوق الأخرى وبلهجة محذرة:

-أرجو فقط وبعد كل الإزعاج الذي قمتم به طوال اليوم أن تكونوا قد وصلتم إلى المجرم الحقيقي.

3

إبتسم له المفتش بدبلوماسية مجيبًا:

-لن تنتهي التحقيقات بهذه البساطة سيدي سيكون علينا إكمال ما بتم بدءه هنا في لندن وسيتوجب على بعض منكم مرافقتنا إلى هناك.

تدخل اللورد هاريسون قائلًا:

-لماذا، هل نحن متهمون!؟

-بل لأجل تسجيل شهاداتكم بشكل رسمي في سجلاتنا في المركز، لورد هاريسون كما هو واضح فهذه القضية تحمل وراءها تبعات كثيرة وسيتضرر الكثيرون من موت السير لذلك لا يمكننا التعجل في إتهام أي أحد.

وعندما لم يضف أحدهم شيئًا أكمل قائلًا:

-سيكون على اللورد ويلفيرتون واللورد هاريسون واللورد كاريت مرافقتنا إلى لندن هذه الليلة كما سيرافقنا أيضًا كبير الخدم الذي تطوع أن يذهب بدلًا عن مديرة المنزل وخادم يدعى هنري ستون بينما سيأتي البقية في اليوم التالي.

تدخل اللورد كاريت قائلًا بكبرياء:

-هذا مستحيل، أنا لن يتم أخذي في عربة الشرطة كمجرم أبدًا.

جعل كلامه سبستيان يبتسم بسخرية بينما بدا أن المفتش هانز لم يعجب بما سمعه إذ أن ملامحه تغيرت إلى جمود حينما قال:

-للأسف ليس عليك سوى فعل ذلك سيدي اللورد فأنت ودون شك متهمنا الأول في هذه القضية لذلك ليس عليك سو...

لم يكمل جملته إذ أن اللود إنتفض وهو يقول بغضب كبير:

-لا يمكنك أن تتهمني أنت أيضًا!! ماذا حل بهذا العالم ليظن الجميع أنني قتلت هاثواي!

1

لم يتحرك المفتش إنشًا رغم صراخ كاريت فيه بل قال بهدوء وقد وضع يدًا فوق الأخرى:

-إن سألتني فأنا أظن أنك الأقرب لذلك لسيدي، أنا كنت مقربًا من السير هاثواي وأعلم جيدًا عن خلافاتكما الكثيرة والمتجذرة لذلك ومهما حاولت الإنكار لن يفيدك هذا فكل الأدلة تقود إليك.

8

-هذا جنون، لقد جن الجميع - ثم قال وهو يشير لويلفيرتون - أخبرهم أنني لم أفعلها، وأنت هاريسون لماذا أنتما صامتان؟ هل تصدقان أنني قتلت هاثواي!!

1

أغمض اللورد ويلفيرتون عينيه بشدة ثم نهض وهو يقول بنبرة حازمة لا لبس فيها:

-كاريت أظن أن عليك الهدوء ومجاراة ما يحصل فإن كنت برئيًا بحق لن يصعب عليك إثبات ذلك.

لم يزد كلامه كاريت سوى غضبًا ليقول بعصبية وهو يشير إلى سبستيان المبتسم هناك:

-هذا كله بسببك، من تخطيتك أنت، أنت من أطلق علي النار وأنت من يتهمني بكل هذا، ألأنني قتلت ذلك الخادم الحقير! كل هذا من أجل خادم وضيع.!!!

9

رغم كونه كان يتحدث أثناء إنفعاله إلا أن كلامه كان إعترافًا جعل رجلي الشرطة ينظران لبعضهما بنظرات متفاهمة ليقول حينها سبستيان وهو يرفع كفه ليصمته قليلًا:

-أنصحك أن لا تقول المزيد لورد كاريت فأنت لا تعلم ماذا قد يستخدم لاحقًا من ما تقوله الآن ومن قد يشهد به ضدك.

1

ختم بإبتسامة جانبية لينتبه اللورد لتوه بما تفوه به وينظر من حوله إلى من يحملقون فيه بنظرات لا تحمل وراءها أي ود، أضاف سبستيان وهو يهز كتفيه:

2

-كما أنه لن يكون ممتعًا إن إعترفت بجرمك قبل أن أثبته عليك أنا، فهذا سيهدر كل مجهوداتي.

1

إبيضت مفاصل أصابع اللورد لكنه لم يستطع أن يرد عليه، لم يستطع قول شيء.
وفجأة إنهار العالم أمام اللورد أوليفر كاريت ووجد نفسه يقاد بين رجلي شرطة إلى عربتهم البالية كمجرم وضيع.

7

...........

حلت تلك الليلة بهدوء ثقيل ساد أرجاء القصر، تم إلغاء موسم الصيد الذي تم التجهيز له لأسابيع طويلة وفقد المكان روحه والبهجة التي كانت تغمره.

حدد الصباح الباكر الوقت الذي سيتحرك فيه الجميع ناحية لندن إذ وبعدما حصل لم يعد هناك داع لبقاء من تبقى من ضيوف في القصر بينما أصرت الليدي جانيت رغم تعبها باللحاق بزوجها إلى لندن لتكون معه أثناء التحقيق. وتحت حراسة رجال الشرطة قضى من تبقى من ضيوف وخدم أخر ليلة لهم فيه.

خرجت سارا من غرفة والدتها بعد أن تأكدت أنها قد نامت وطلبت من الخادمة أن تبقى بقربها طوال الليل، سارت بخطوات ثقيلة عبر الممرات الخالية والصامتة وملامح كئيبة تعلوها.

وبينما كانت في طريقها وجدت شقيقها غاري وبرفقته لوغان وسبستيان، أضيئت ملامح لوغان بإبتسامة فور رؤيته لها وأقبل ناحيتها بعد أن إستأذن رفيقيه لتتوقف سارا ودهشة برئية ملأت ملامحها فهو لم يبتسم هكذا لها من قبل.

2

قال بعد أن حياها:

-أرغب في أن أطمئنك لقد وصلت تلغرام قبل قليل ذكر فيه أن السيد كارفين قد أدخل إلى أكبر مستشفى في لندن وهو يتلقى أفضل علاج الآن.

1

إبتسمت سارا بإتساع هي الأخرى وقال بعد تنهيدة:

-أخيرًا خبر جيد بعد هذا اليوم الطويل.

علقت سارا متنهدة بإرتياح ثم سرعان ما عادت ملامحها لتتغير وقد قالت:

-لكن.. لم ينتهي الأمر حتى الآن، ولازالت صوفيّا متهمة والسيد جاسبر أيضًا. واللورد.. أوه يا إلهي لا أعلم ماذا أريد، أتمنى أن تمسك الشرطة بالمجرم لكن إن كان اللورد كاريت هو فعلًا من قتل السير وحاول قتل السيد كارفين فهذا يعني أن مشاكل كثيرة ستحصل وهذا سيؤذي والدي وعمله في الحزب لكن في نفس الوقت...

أنسة ويلفيرتون، إهدأي قليلًا....

تدخل لوغان مقاطعًا وبنبرة لطيفة بينما أمسك بكتفيها ليجعلها تنظر إليه، قال:

-لا تفكري في كل هذا، لا تتعبي نفسك بالتفكير فيه.. مهما كانت هوية المجرم فمعاقبته أمر محتوم مهما كانت شخصيته أو منصبه أو ما سيتسبب به ذلك من أذى، لذلك لا تفكري كثيرًا في ما وراء كل هذا.

-لكن ماذا عن صوفيّا؟

قالت بنبرة ملأها الخوف ليقول بثقة:

-الأنسة مورغن إمرأة قوية، أظن أنك تعلمين هذا أكثر من أي شخص أخر لذلك لا تقلقي عليها.

هزت رأسها ثم مسحت دمعة علقت بعينها ليبتسم لوغان ويقول:

-للأسف وفقط عندما قررنا أن نبدأ صفحة جديدة حصل كل هذا.

قهقه سارا قليلًا ثم قالت بتردد:

-ربما، ربما هي إشارة أن علاقتنا لن...

-بل هو إمتحان سنمر عبره بسلام فلا تقلقي.

3

قاطعها لوغان فطمأنتها ثقته وقبل أن تضيف شيئًا تدخل غاري قائلًا:

-أنا سعيد لأنكما تتحدثان معًا لكن علي مقاطعتكما فلقد حان الوقت لكي تنامي سارا، غدًا يوم طويل.

أبعد لوغان يديه عن كتفيها بينما إحمر وجه سارا. لم تستطع النظر إلى شقيقها عندما أخبرته بالإيجاب ثم إستأذنتهما لتذهب لغرفتها. نظر غاري إلى الدوق بحاجب مرفوع وإبتسامة جانبية ليشابك لوغان يديه خلف ظهره ويقول:

2

-أظن أنني أيضًا سأذهب لغرفتي فغدًا يوم طويل كما قلت. عمت مساءًا أيها اللورد.

-عمت مساءًا أيها الدوق.

قالها وهو يراقب هروبه.

...........

إستغل سبستيان إنشغال السيدين بالأنسة ويلفيرتون ليذهب في جولة حول القصر، ليس للمتعة بل للبحث عن صوفيّا.

كان لديه الكثير لقوله لكنه لم يعرف بماذا قد يبدأ إن رآها ليجد نفسه في النهاية يقف دون فعل شيء بعدما وجدها تحدث أحد الخدم بما بدا أوامر لما سيفعلونه للأيام المقبلة حينما ستكون هي وجاسبر بعيدين عن القصر.

أنهت صوفيّا حديثها ليذهب الخادم ثم فتحت هي دفترًا بيدها التي لا تمسك بالفانوس الذي أضاء ما حولها سجلت فيه الضروريات التي يجب أن تنجزها قبل الغد إلا أنها لمحت وقوف سبستيان في نهاية الممر فعلمت أنها لن تستطيع إكمال ما بدأته للوقت الحالي.

أغلقت دفترها ثم توجهت ناحيته قائلة:

-مساء الخير سيد فينسنت هل يمكنني مساعدتك في شيء ما؟

إبتسم سبستيان مجيبًا:

-أنا معجب حقًا بكفية إستطاعتك التصرف كأن شيئًا لم يكن رغم أن كل شيء قد كان.

لم ترد عليه بل تابعت تنظر إليه منتظرة أن يضيف المزيد فتقبل سبستيان صمتها ثم أخذ منها المصباح وقادها عبر الممر إلى حيث نافذة كبيرة مطلة على الحديقة والتي أضاء ضوء القمر أزهارها الجميلة.

وضع سبستيان المصباح في طرف النافذة ووضعت صوفيّا دفرتها بقربه ثم حدقت خارج النافذة، راقبها سبستيان لثوانٍ ثم قال:

-لا تبدين قلقة أبدًا.

-ولماذا أقلق؟

-لأنك لا تزالين متهمة بقتل السير هاثواي ومحاولة قتل السيد كارفين.

هزت كتفيها مجيبة دون أن تلتفت ناحيته:

-لكنني لم أفعلها لذلك ليس هناك داعٍ للقلق. كما أنني متأكدة أن رجال الشرطة ومهما حاولوا التحايل على الموضوع سيجدون أنفسهم في النهاية أمام نفس الحلول التي توصلتم إليها سابقًا.

-يعني أنك تثقين أن اللورد كاريت هو من فعلها.؟

هذه المرة نظرت إليه وأجابت:

-نعم، هو الذي قتل هاثواي ولا أحد غيره.

صمت لثوانٍ نظرا فيه لبعضهما ليقول سبستيان بعده:

-بالمناسبة، لقد أبلغنا السيد هانز أن السيد كارفين قد تجاوز مرحلة الخطر.

توقع سبستيان أن تبدي صوفيّا ملامح إرتياح لكنها قالت فقط وبحيادية:

-هذا جيد، حمدًا لله أنه لم يكن هناك ضحية أخرى.

-لقد قالوا أن سبب نجاته أنه ومنذ البداية لم يتناول الكثير من الدواء فهو لا يؤمن بالطب الشعبي وساعدت قوة جسده على مقاومة السم والإسراع من التخلص منه.

-هذا جيد.

-وقد كان هو من أخبر رجال الشرطة رغم ألمه عن شكوكه كون الدواء هو المستخدم في العملية...

قاطعته صوفيّا: سيد فينسنت، لماذا تخبرني بكل هذا؟

هز كتفيه قائلًا: ليس لسبب معين.

نظرت إليه بشك فبادلها بإبتسامة، إبتسامة لم تصل لعينيه. عبست صوفيّا وهي تبعد نظرها عنه إلى النافذة، أطلق سبستيان نفسًا ثم وهو يفعل مثلها:

-رغم البساطة التي تبدو عليها القضية إلا أن أمرها سيطول، فليس من السهولة إتهام ماركيز بقتل رجل وأنا أكثر من يعلم هذا لكن في نفس الوقت ما حصل هنا سيساعدني كثيرًا في عملي وهذا سيأتي بالنفع على هذه القضية.

-وكيف هذا؟ سألته بإستغراب فأجابها:

-ضحيته هذه المرة ليس مجرد خادم وإنما رجل مهم وهذا يعني أنها قضية ستنتشر وسيعلم عنها الجميع وربما هذا قد يدفع أولئك الذين رفضوا الحديث والشهادة من قبل خوفًا من اللورد ونفوذه أن يتحدثوا الآن وبهذا قد أستطيع إثبات الجرم عليه وهذا قد يساعد على إثبات هذه الجريمة عليه أيضًا.

-حقًا؟

-ربما.. لكن سيكون علي العمل كالمجنون لكي أحقق هذا.

-إذًا إفعلها.

قالت صوفيّا بإصرار غلفه الرجاء لينظر إليها سبستيان مليئًا ثم بصوت هامس وعميق:

-سيمر الكثير من الوقت قبل أن نلتقي هكذا مرة أخرى لكن وحتى ذلك الوقت حاولي الصمود أنسة مورغن إلى أن آتي أنا فهناك أمر لم ننهي الحديث فيه بعد.

1

مثله حدقته صوفيّا فيه مطولًا لتقول أخيرًا وهي تبعد نظرها عنه إلى النافذة وفي صوتها نبرة ندم:

-من يدري، ربما لن ترغب وقتها في رؤيتي من الأساس.

............


الانتقال إلى الفصل التالي