رواية حدث ذات مرة في ويلفيرتون الفصل 14
(14)
إنتهت جلسة ساخنة أخرى من جلسات مجلس اللوردات الكثيرة والتي لم تنقطع منذ أن تم سجن أحد أبرز أعضاءه - اللورد أوليفر كاريت - بتهمة القتل العمد وتهم أخرى مالبث أن ظهرت فور دخوله السجن.
إنقلب المجلس رأسًا على عقب في وقت حساس للغاية إذ أن الإنتخابات البرلمانية على مقربة وأغلب المرشحين فيها كانوا من أتباع القتيل السير هاثواي ليسبب ذلك العديد من المشاكل داخل المجلس وينقسم أفراده لقسمين متضادين، جزء يتهم أعضاء المجلس القديمين بالفساد ويطالب بأن تسحب أسمائهم من الترشيحات وجزء أخر يطالب بإبعاد جميع من عاون السير هاثواي من الإنتخابات.
ووسط كل ذلك كان الماركيز ويلفيرتون في موقف عصيب فهو الرجل الذي كان يفترض به أن يصالح بين كاريت وهاثواي لينتهي الأمر بأحدهما ميتًا والآخر متهمًا بذلك ومسرح الجريمة هو قصره الخاص.
4
ليتسبب كل ما حصل في معاناة أسرته من التهميش الإجتماعي لأسابيع لم تنتهي إلا بفضل أصدقائهم الذين نجحوا في تبديد كل الشائعات عنهم. لكن كان لا يزال يفترض منه أن يعمل على ثبات المجلس أمام ما يواجهه من مشاكل حتى بدء الإنتخابات، ليكون أول ما وضعه في لائحته هو التأكد من أن اللورد كاريت سيلاقي الجزاء الذي يستحق وبهذا يثبت أن الحزب بريئ من كل ما يحيط بكاريت من أفعال.
3
وفور إنتهاء الجلسة في مبنى البرلمان حتى إستقل ويلفيرتون والبعض الآخر من أعضاء مجلس اللوردات المهتمين عرباتهم في إتجاه بمنى المحكمة العليا حيث سيتم اليوم النطق بالحكم النهائي في قضة كاريت.
.............
إمتلأت القاعة رغم وسعها بالناس، نبلاء وأثرياء لندن والكثير من الصحفيين والسياسيين، بعضهم جاء شامتًا والبعض جاء مضطرًا والبعض ترى في ملامحهم خوفًا من أن يكون هذا مصيرهم يومًا.
وفي وسط ضجيج القاعة الكبيرة جلس غاري ويلفيرتون بالقرب من لوغان سكوت في مقاعد تقع بالقرب من باب القاعة الخشبي الكبير والذي يحرسه فردان من شرطة العاصمة قاما بعد أن تلقيا الأوامر بإقفال باب القاعة مانعين المتفرجين في الخارج والذين لم تتسع القاعة لهم من أن يشهدوا ما سيحصل بعد قليل.
راقب لوغان من حوله، نساء إرتدين أفضل ثيابهن ورجال بدو وكأنهم جاؤوا ليعطوا أراءهم في سباق الخيل، لكن كان من الواضح إستبيان الحذر في تصرفاتهم والخوف في نظراتهم. جلس الجميع في المقاعد الطولية وهم يثرثون بإنتظار وصول المتهم ومحامي الدفاع، القاضي ومساعديه والمحامي الذي قاد القضية لهذه المرحلة، ليخرج غاري لوغان من تحديقه قائلًا:
-الجميع يتحدث عن السيد فينسنت، لكني لا أدري حقًا إن كان بإعجاب أم خوف منه.
وضع لوغان يدًا فوق الأخرى معلقًا:
-هذه هي لعنة فينسنت، هو رجل لا تستطيع الصد عنه وتجبر على الترحيب به لكنك في نفس الوقت تخاف أن يكشر أنيابه عليك.
9
-نعم، أفهم ذلك الآن.
دخل سبستيان في تلك اللحظة من باب جانبي متوجهًا من فوره ناحية طاولته، تعالت التعليقات فور دخوله وقد كان في الجلسات السابقة يلقي نظرة متمتعة بما يلقاه من إهتمام بشتى أنواعه لكنه اليوم لم يلقي نظرة واحدة إلى الجمهور الغفير الذي إجتمع وقد بدت ملامحه جامدة للغاية، علق غاري:
-هل رأيت كيف يبدو؟ حتى عندما مارس دور المحقق في بيتنا لم يبدي هكذا ملامح.
-لابد أن أمرًا قد حصل.
1
-أمر غير حصوله على المزيد من الأدلة على الجرائم التي إرتكبها اللورد كاريت في السنين الماضية والذي سيتسبب في تعفنه في السجن لسنين طويلة للغاية؟
إبتسم لوغان لقوله ثم هز كتفيه قائلًا:
-أحيانًا تسبب معرفة مثل هذه الأشياء الحزن والإكتئاب حتى وإن لم يكن لك علاقة بها.
-لا أظن أن السيد فينسنت من النوع الذي يتأثر من معرفة هذه الأشياء.
-نعم، هو كذلك لكن أنظر مثلًا.. والدك أيضًا لا يبدو سعيدًا رغم كونه سيتخلص من عبء كبير.
قال وهو يشير إلى مقدمة القاعة حيث جلس كبارات مجلس اللوردات ووسطهم جلس اللورد ويلفيرتون وبرفقته اللورد هاريسون أيضًا ليقول غاري بإستنكار:
-بالتأكيد لن يبدو سعيدًا، ألا تعلم عن المشاكل التي سببتها هذه المحاكمـ..
-بالتأكيد أعلم - قاطعه – لكن تصرف والدك بشكل جيد تجاهها وبإنتهاء هذه الجلسة اليوم سيتخلص ومجلس اللوردات من عبء المتهم الذي كان عضوءً بينهم وسيفتحون صفحة جديدة قبل الإنتخابات.
-لن يكون الأمر بهذه السهولة.
-لا شيء يأتي بسهولة.
أكد لوغان ثم عاد ينظر إلى حيث فتح باب جانبي آخر خرج عبره رجلا شرطة توسطهما اللورد كاريت.
إختلف الرجل كثيرًا، كان هذا واضحًا من الشهقات التي ملأت القاعة فور دخوله، كان كاريت نحيلًا لكنه إزداد نحولًا حتى برز عظمه، وجهه أصبح شاحبًا وبرز النمش الذي يغطي ملامحه أكثر وقد طال شعره ولحيته وتبعثرا من قلة الإهتمام، لكن ورغم كل ذلك كان يحافظ على مشيته مستقيمة ورأسه عاليًا.
3
لم يتحرك له جفن بينما تم إقتياده أمام من كانوا من قبل يكنون له الإحترام وكان واحدًا منهم ليصبح الآن مجرد حثالة يتحدثون عنه وعن أفعاله في جلسات الشاي بينهم. لكنه وما إن أُجلس في كرسيه مقابلًا لسبستيان فينسنت حتى خسر كل الثبات الذي أبداه، إذ سرعان ما عاد واقفًا وهو يشير بيديه المكبلتين ناحية سبستيان قائلًا:
-أنت أيها الوغد الحقير، أنظر إلى أين أوصلتني أكاذيبك التي إختلقت، أنت من قتل هاثواي أنت من قتله!
تعالت الشهقات والجميع يعلق ويتحدث عن ما قاله اللورد بدهشة وأعينهم تقود إلى سبستيان الذي لم يحرك قيد أنملة بل كان يقرأ في أوراقه في هدوء، أمسك الشرطيان بكاريت الذي تابع إتهاماته:
-هل تظن أنك ستفلت بذلك! بإتهامي أنا الماركيز كاريت!! لن تفعل، لقد أرسلت للملكة أخبرتها بالظلم الذي أعيشه، بكل ما فعلته أيها الوغد.
ذكره للملكة كسب بعض التعليقات الإيجابية من الحضور الذين علقوا على علاقته القوية بالقصر الملكي ليقول سبستيان حينها لمراقب القاعة والذي كان محتارًا إن كان إمكانه إيقاف حديث كاريت أم إحترام كونه نبيلًا وإن كان سيفقد اللقب عاجلًا أم أجلًا:
-هل يمكنك إسكاته قليلًا؟ إنه يسبب التوتر لضيوف المحكمة.
نفذ المراقب الأمر على الفور وهو يتجه إلى الشرطيين ويأمرهما بإيقافه، وبعد دقائق أعلن عن وصول القاضي ليقف الجميع فور دخوله ويسود صمت أرجاء القاعة.
أنهى القاضي إفتتاحيته ثم قال بنبرة رخيمة وهادئة مشيرًا إلى محامي كاريت:
-تفضل بتلاوة خطابك النهائي.
بتوتر مما تسبب به موكله قبل قليل نهض المحامي وبدأ بتلاوة خطابه الذي كان يركز على براءة كاريت من تهمة قتل هاثواي ومن تلفيق التهم عليه فهو ما كان ليقتل رجلًا يفيد مجلس اللوردات أبدًا، لكنه في نفس الوقت قلل من التهم الآخرى الموجه إلى اللورد وتحدث عن كون كل الأدلة والشهود الذين تحدثوا للمحكمة في الأسابيع الماضية كانوا من أفراد الطبقة الدنيا والذين تشكك المحكمة في شهاداتهم.
بالتأكيد كسب خطابه بعض المتواجدين الذين يتبنون نفس وجهة النظر والذين يرون أن كاريت لا يجب أن يحاسب على أفعاله في السنين الماضية، لكن القاضي لم يهتم بالثرثرة التي سادت بعد خطابه وبالصيحات التي تطالب بإطلاق سراح اللورد بل طرق بمطرقته ثلاثًا طالبًا الصمت ثم إلتفت ناحية سبستيان قائلًا:
-إنه دورك في تلاوة خطابك.
شكره سبستيان ثم نهض وهو يحمل بين يديه أوراقه ليقرأ منها، ووسط الصمت المترقب من حوله لم ينطق بحرف لثوانٍ طالت إلى أن تدخل القاضي:
-سيد فينسنت، هل ستتلو خطابًا أم نعلق الجلسة حتى صدور القرار؟
-آه، بلى سيدي، أسف لقد شردت قليلًا.
1
إعتذر ثم عاد لأوراقه زافرًا، نظر نظرة شاملة إلى ما قضى الليلة الماضية يكتبه ثم أخيرًا رمى الأوراق على الطاولة الخشبية ونظر من حوله.
القاضي ومساعدوه، كاتب الجلسة والحراس، المتهم ومحاميه، الحضور الذين يستطيع تمييز بعض الوجوه من بينهم، بعضها يعلم أنه يكرهه والبعض الآخر ليس متأكدًا بعد من علاقته به.
-بدأت قصة اللورد كاريت مع السير هاثواي قبل خمسة عشر عامًا، عندما ساعده هاثواي على تغطية جريمة قتل مزدوجة إرتكبها لتكون تلك أول لطخة في سجل كاريت والتي إستمرت بالتوسع خلال السنين الماضية، إستحواذ غير مشروع، سرقة ممتلكات، التهديد والخطف، الإغتصاب والقتل، جميعها جرائم إرتكبها اللورد كاريت في السنين الماضية محتميًا بلقبه وبالنفوذ الذي يأتي وراءه ليتسبب بذلك بتشويه سمعة الطبقة النبيلة التي يجب أن نعترف أن هناك الكثير من الطيبين فيها. لكن كاريت لم يكن أحدهم.
شخص بسجل كهذا وإن كان يستطيع دائمًا الإفلات بما يفعله إلا أنه سيعيش في قلق دائم أن يكشف في يوم ما، أن يسير أمر ما خاطئًا ويهدد حياته الرغيدة، وقد حدث ذلك للورد كاريت في صورة ماضية الذي يعلم به هاثواي.
هاثواي الذي أراد الترشح في الإنتخابات وأعلن أنه سيحارب الفساد داخل الطبقة النبيلة شكل خطرًا للورد كاريت وبالتالي وجب التخلص منه.
وفي أول أيام موسم الصيد في محافظة ويلفيرتون وبعد تعرضه لإطلاق نار لا نعرف حتى الأن إن كان عرضيًا أو متقصدًا عاد كاريت إلى قصر غرين هول وحده ليجد الوقت الكافي ويزرع سم خطته.
كان كاريت هو الرجل الوحيد الذي يستطيع الوصول إلى غرفة السير هاثواي والذي لم يكن لديه حجة غياب في وقت غياب السير مما جعله المتهم الآول ليكتشف رجال الشرطة حينئذ بقايا السم الذي استخدم وسط أدوية كان اللورد قد جلبها برفقته وكان ذلك كل ما يحتاجه رجال الشرطة لتثبيت التهمة فيه.
والآن وبعد كل ما حصل أجد أنه من الغريب أنه لا يزال هناك من يظن ببراءة هذا الرجل لذلك أرجو منك سيادة القاضي أن تدع أمر الألقاب جانبًا وتحاسب هذا الرجل الذي تسبب بالكثير للناس من حوله بما يستحق. شكرًا لك سيدي القاضي.
1
أنهى سبستيان خطابه ثم جلس ليطرق القاضي بمطرقته ويعلن تعليق الجلسة لربع ساعة يتحدد فيها القرار ثم خرج برفقة مساعديه.
1
............
تدافعت الحشود خارجة من مبنى المحكمة العليا، من بينهم صحفيون وصبيان أسرعوا خطاهم إلى مباني عملهم حتى يتم تسجيل تفاصيل المحاكمة التي إنتهت للتو لتصدر في طبعة خاصة سيتواصل توزيعها لوقت متأخر من تلك الليلة.
حكم بالسجن لعشرين عامًا مع سحب اللقب والإستحواذ على ممتلكات مشبوهة وتوزيع أخرى. ورغم قسوة الحكم إلا أن اللورد كاريت لم يبد غضبًا خاصًا تجاهه، حافظ كاريت على جمود ملامحه وثبات عزيمته خلال لحظات النطق بالحكم لكي لا يظهر ضعفه أمام الحضور الغفير، لكنه وقُبيل إخراجه من قاعة المحكمة لم ينسى أن يذكر سبستيان أن ما بينهما لم ينتهي بعد، في حين بدا أن سبستيان أراد أن يكون في أي مكان أخر سوى قاعة المحكمة تلك ليكون أول من خطى خارجها فور إنتهاء الجلسة دون أن يلقي بالًا للتهنئات من الحضور.
2
الحضور الذين تباينت ردود فعلهم تجاه ما حصل بين مرحب ورافض لتستمر الأحاديث والمناقشات فيما بينهم وهم ينتشرون جزء إلى عرباتهم وجزء فضل السير في ذلك اليوم المشمس على غير العادة.
من بينهم ودع اللورد ويلفيرتون إبنه ولوغان وهو يتجه عائدًا إلى قصر وستمنستر حيث سيعقد البرلمان جلسة على الفور، ليقول غاري بعد أن عاد من حيث إنطلقت عربة والده:
-أتعلم ما هو الغريب سيدي الدوق، أكثر المتضررين الحاليين مما فعله اللورد.. أقصد كاريت، لم يحضر! توقعت حضور السيد كارفين اليوم على الأقل.
وضع لوغان يديه خلف ظهر وهو يسير في محاذاة غاري مجيبًا:
-لست متفاجئًا فهو مشغول بمنصبه الجديد، إن كنت مكانه لن أضيع وقتي في حضور جلسة يعرف الجميع مآلاتها.
3
-ومع ذلك، أردت على الأقل رؤيته فمنذ أخر مرة زرناه في المشفى لم نجد وقتًا لذلك.
وصل الإثنان إلى عربة لوغان التي أقلتهما حيث فتح الخادم الباب وصعد لوغان وتبعه غاري ليقول بعد أن أغلق الباب عليهما:
1
-لا تقلق، سأقوم بدعوته إلى الأمسية التي سأقيمها.
-حقًا؟ ربما سيكون هذا أول ظهور له كرئيس شرطة شكوتلانديارد.
1
قال غاري بحماس فهز لوغان رأسه قائلًا:
-هذا ما أتمناه، أرغب في أن أكون أنا من يُعرّفه كرئيس سكوتلانديارد أمام الناس.
قالها وهو ينظر عبر النافذة إلى شوارع لندن الملئية بالحياة، تابع الإثنان حديثهما وقد تحمس غاري للأمسية التي ستجمعه برفقة آنسون وألبرت أيضًا فلقد حرص لوغان على دعوة جميع من تواجد في موسم الصيد إليها.
وصلت العربة إلى منزل عائلة ويلفيرتون وفي الداخل وبينما مرر غاري قبعته ومعطفه للخادم إمتنع لوغان عن ذلك فنظر إليه غاري متسائلًا:
-لن تبقى لتناول العشاء معنا أيها الدوق؟
-آه، نعم سأفعل لكني دعوت أختك لنزهة قصيرة قبل العشاء لذلك سأنتظرها هنا.
1
علا الفهم ملامح غاري وإبتسم بخبث أراد أن يرفقه بتعليق إلا أن لوغان أوقفه قائلًا:
-أرجوك إحتفظ بتعليقاتك لنفسك أيها اللورد وإلا فسأخبر أختك وهي تعلم كيف تتصرف معك.
1
إمتعض غاري: منذ متى وهناك تفاهم بينكما؟ ألم تكونا كالماء والنار قبل أسابيع فقط؟
1
هز لوغان كتفيه دون إجابة فإبتسم غاري رغم ذلك، هو سعيد أن الأجواء بين أخته ولوغان تسير على ما يرام بل جميع من في المنزل سعيدون أن سارا قد تخلت عن عنادها وقررت إعطاء الدوق سكوت فرصة.
1
فرصة كانت كافية كما يبدو إذ ما لبث أن بدأت سارا تذكر في قصصها إسم الدوق لوغان دون أن تدرك، ومن ثم بدأت بمراسلته أثناء إقامتهم في برمنغهام، وها هما الآن في مرحلة النزهات التي ما لبث أن بدأت منذ عودتهم إلى لندن ليعلم الجميع أن لوغان نجح في كسب إهتمام سارا بعد كل شيء.
1
دخلت محور حديثهما في تلك اللحظة وبرفقتها الليدي جانيت إلى بهو المنزل وكلاهما مبتسمتان بإتساع ليبدو الشبهة بينهما واضحًا.
1
كانت صحة الليدي جانيت قد تحسنت بعد بقائهم في برمنغهام بعيدًا عن كل ما يحصل لكنها عادت لما كانت عليه بعد أن علمت أن إبنتها تراسل الدوق سكوت ليزرع ذلك حماسًا في داخلها ونشاطًا ساعدا لإخراجها من حالة الحزن التي دخلت إليها بسبب ما حصل في غرين هول.
رحبت الليدي بكليهما بينما بدا واضحًا أن سارا تركز نظراتها المتحمسة ناحية الدوق في إنتظار أن يذهبا لنزهتهما إلا أن ذلك كان عليه أن يتأخر إذ سرعان ما سألت الليدي بالكثير من الإهتمام الحذر:
1
-إذًا.. كيف كانت الجلسة؟
-لقد سارت كما هو متوقع يا والدتي، حكم على اللورد بعشرين عامًا وسحب اللقب منه.
-حمدًا لله لقد كنت أنتظر ذلك – همست الليدي بإرتياح ثم أضافت – رغم كونه أمرًا محزنًا في نفس الوقت، لقد كان الرجل صديقًا للعائلة منذ.. أمد بعيد!
هنا تدخل لوغان قائلًا:
-بالفعل، الكثير ممن يعارضون هذا الحكم ينسبون رأيهم لعلاقتهم الطويلة باللورد وأنهم لا يستطيعون تقبل ما يحصل له.
-هذا لأنهم لم يكونوا وسط كل ما حصل، لا أزال وليدي هاريسون وكونتسة إليزابيث متأثرات بما شهدناه.!
علقت ليدي جانيت بنبرة ألم ثم أضافت:
-على أي حال أتمنى فقط أن لا يؤثر كل هذا على عمل لورد ويلفيرتون.
أضافت وهي تسأل غاري بحذر:
-كيف كانت ردة فعله بعد النطق بالحكم؟
نظر كِلا غاري ولوغان لبعضهما وهما يذكران الجلبة التي حدثت حول اللورد ويلفيرتون واللورد هاريسون فور إنتهاء الجلسة. الكثيرون تحملقوا حولهما وأسئلة عن علاقتهما باللورد وعن تفاصيل ما حدث في غرين هول عادت مرة أخرى.
ورغم ذلك لم يبد اللورد ويلفيرتون أي ضعف وهو يتخذ طريقه بثبات إلى خارج قاعة المحكمة وإلى مبنى البرلمان ليكمل يومًا أخر من العمل.
أجاب غاري تسؤلها مطمئنًا:
-تعلمين أبي، لقد خرج من القاعة دون حديث كثير، قال أن ليس لديه وقتًا للحديث عن أمر إنتهى وأن هناك الكثير مما يجب فعله.
ثم أضاف وهو يهز كتفيه بقلة حيلة: لكن هذا يعني أنه سينشغل أكثر في الأيام المقبلة.
-لا بأس، لا بأس بذلك فالعمل سيفيده.
قالت وهي تبدي إرتياحًا فلقد كانت قلقه مما قد يسببه حكم بالسجن على اللورد كاريت على زوجها لكنها في نفس الوقت تعلم أنه لن يتزحزح بسهولة وسيحمي ما بناه بكل ما لديه.
وفي وسط كل ذلك كانت سارا تراقب حديثهم ببعض إهتمام لتقول أخيرًا وهي تضرب كفًا بكف:
-المهم أننا أخيرًا إنتهينا من هذه الجلبة التي طال وقتها – ثم أضافت وهي تلتفت لوالدتها – أتعلمين. يجب أن نقيم حفلًا لصوفيّا وجاسبر والخادمين الأخرين فلقد تأكدت أخيرًا براءتهم جميعًا مما إتهموا به.
وافقها غاري لكن الليدي عبست قليلًا وهي تذكرها:
-لكن صوفيّا عادت إلى ويلفيرتون، سيكون من الصعب حضورها إلى هنا رغم أنني أفضل بقائها معي عوضًا عن الإهتمام بالقصر الخالي.
1
أكملت بإبتسامة فلقد كانت رافضة عودة صوفيّا إلى ويلفيرتون من هذا الوقت المبكر إلا أن الأخيرة أقنعتها بضرورة تواجدها أثناء التجهيزات لفصل الشتاء فسمحت لها بذلك.
عبست سارا قليلًا وقد علقت:
-آه صحيح لقد نسيت، لكن لا بأس سأرسل لها هدية عوضًا عن ذلك فهي على أي حال كانت سترفض إقامة حفل لهم إن كانت هنا.
إبتسمت والدتها وغاري موافقين لتضيف سارا وهي تسرق نظرات للطرف الصامت في المحادثة قائلة:
-المهم الآن، ماذا عن نزهتنا أيها الدوق؟
تغيرت نبرتها لتصبح أكثر رقة بينما تحدثه ليرسم لوغان إبتسامة ويقول:
1
-لم أنسها بالتأكيد ليدي ويلفيرتون.
تدخل غاري حينئذ قائلًا بنبرة متلاعبة:
-أتعلمان، أظن أنني سأرافقكما في النزهة فالجو جميل اليوم و....
-غاري!! – هتفت سارا بإنزعاج فنظر إليها غاري محذرًا من رفع صوتها لتزفر بغيظ بينما كتمت والدتها ضحكة ثم قالت وهي تدخل يدها في ساعد غاري لتسحبه قربها:
-أنت يا فتى عليك ترك عصفوري الحب لشأنهما فلديك ما يشغلك عن أمور الُعزاب هذه أيها الرجل المتزوج.
عقد غاري حاجبيه سائلًا والدته:
-ماذا تقصدين؟
لتجيبه سارا وهي تضع يدًا فوق الأخرى:
-إستر.. إذهب إليها فلقد تقييأت ثلاثة مرات منذ أن خرجت صباحًا وهي الآن متعبة للغاية.
7
تغيرت ملامح غاري فور ذكر إسم زوجته ليقول بقلق وقد تفز جسده:
-وهل هي بخير الآن!؟
-يجب ان تذهب إليها لتعرف بنفسك.
قالت الليدي وهي تشد على يده وإبتسامتها التي حاولت إخفائها ظهرت بوضوح ليحدق فيها غاري بإنزعاج فلقد إستطاعت تشتيت إنتباهه عنهما بسهولة لينظر ناحية لوغان ليستأذنه فوجده يكتم بصعوبة ضحكة من الخروج، قال هازًا كتفيه:
-أظن أن وجودي غير مرغوب فيه لذلك سأنسحب. عن إذنكم فزوجتي تحتاجني.
وبإنحناءة صغيرة ذهب غاري بخطوات بدا واضحًا أنها كانت متعجلة لتقول الليدي جانيت فور إختفاءه داخل المنزل وهي تغمز لسارا ولوغان:
-عفوًا.
كادت سارا أن تضحك بينما هز لوغان رأسه شاكرًا لها لتنسحب هي الأخرى وتترك المساحة لهما بكل سعادة.
وما إن أصبحا وحدهما حتى سألها لوغان:
-هل الليدي إستر بخير؟
-إنها بخير لا تقلق، جميع الحوامل يعانين من هذه الأعراض.
قالت بلا إهتمام وهي تتجه ناحية الباب حيث فتحه الخادم لهما، ليقول لوغان بإستغراب وهو يتبعها:
-هل أنا وحدي من يظن أنك اليوم متحمسة للغاية من أجل النزهة؟
1
-ليس لتواجدك فيها بالتأكيد، بل لأنني أرغب في زيارة معرض الأزهار الذي يقام في الحديقة القريبة.
4
قالت سارا بنبرة متقصدة وقد أبطأت خطواتها لتسير بمحاذاة لوغان وتنظر بطرف عينيها إليه، لوهلة لم يفهم لوغان شيئًا وقد لاحظ أنها تنتظر منه رد فعل ليقول بعد أن فشل في إستنباط ذلك:
-هل يفترض بي أن أقول شيئًا؟
توقفت سارا فجأة عاقدة حاجبيها:
-ألم يؤثر فيك ما قلته؟
1
-وما الذي قلته؟
-لقد قلت أنني لست متحمسة للنزهة بسببك بل بسبب معرض الزهور، ألم يؤثر ذلك فيك؟
1
إرتبك لوغان خشية إغضابها لكنه أجابها بصراحة:
-لا أستطيع لومك فنحن لا نزال نتعرف على بعضنا ولا أطلب منك أن تتحمسي لمرافقتي بهذه السرعة، بل أنا سعيد لأنني سأرافقك إلى مكان تحبين و...
3
-حسنًا حسنًا، هذا يكفي.
قاطعته بإنزعاج وتابعت المسير وهي تمسك بأطراف قبعتها وتنزلها أكثر لتغطي عينيها.
1
لقد أغضبها، وهو بالتأكيد لا يعلم السبب لكن ولأنه ذكي قرر لوغان الإعتذار على أي حال. مرة أخرى توقفت سارا فجأة وهي تحدق إليه بغيظ، لتقول وهي تضع يدًا فوق الأخرى:
-أتعلم ما يغيظني أكثر أيها الدوق؟ أنك وعندما قلت جملة مشابهة لي إنزعجت كثيرًا رغم أنه لم يكن هناك أي شيء بيننا وقتها لكن الآن ورغم أن هناك الكثير بيننا إلا أنك لم تنزعج لقولي شيئًا شبيهًا.
1
إستنكر لوغان بشدة: أنا قلت شيئًا كهذا لك من قبل!
أدارت عينيها مجيبة: تخيل!
-أوه، أنا أسف إذًا، لا أعلم أين ذهبت أدابي وقتها.
2
إعتذر بصدق فتنهدت سارا وقالت بينما تابعا السير:
-لا عليك، ما كان علي ذكر أمر عفى عليه الزمن على أي حال.
همهم لوغان مفكرًا وساد صمت إلى أن وصلا إلى الحديقة التي إمتلأت بالزوار من كل الأعمار. توزعت العديد من الأكشاك في المكان تعرض زهور الموسم بألوانها المختلفة وعطورها البديعة ليرسم ذلك إبتسامة كبيرة على وجه سارا وهي تقود لوغان من كشك إلى أخر بينما تعلق على ما تراه جميلًا.
إنتهى بها الأمر بأن إشترى لها لوغان باقة من الأزهار سعدت سارا بها كثيرًا وأخبرته أنها ستضعها في غرفتها وتعتني بها لأطول وقت. وبينما إستقرا تحت ظل شجرة في صمت مريح قال لوغان بعد أن أخذ نفسًا:
-سأكون صادقًا معك أنسة ويلفيرتون... قاطعته سارا هامسة بريبة:
-لا أرتاح لمثل هذه المقدمات.
1
فتابع على أي حال:
-بسبب ما حصل بيننا في الماضي كنت رافضًا للغاية فكرة أن أتزوجك فأنا لم أستطع نسيان ما فعلته لي لكني في نفس الوقت لا أستطيع معارضة طلب والدي، بالتأكيد أصبحت الآن أرغب في متابعة علاقتنا ليس فقط لهذا السبب بل لأنني بدأت أكتشف في مالم أعرفه عنك والذي يثير إهتمامي ورغبتي في أن أكون معك أنسة ويلفيرتون، ولهذا كنت قد قررت أن أتصرف كالرجل العاقل وأنسى كل ما حصل كأنه لم يحصل.. لكن.. لن يكون النسيان يومًا سببًا لبناء زواج ناجح.
عبست سارا قائلة:
-وماذا يعني كلامك؟ ألن تنسى أبدًا أنني قد رميت بك في حظيرة الخنازير؟؟
1
إبتسم لوغان للذكرى وقال:
-كلا، لن أنسى.. – عبست أكثر بينما تابع - .. بل سأبقى أذكرها إلى أن تصير شيئًا نضحك عليه مستقبلًا ونخبر به أطفالنا.
1
زال عبوس سارا فجأة.
-وكذلك بالنسبة لك، إن فعلت لك أي شيء أغضبك في الماضي وما سأفعله وسيغضبك مستقبلًا، لا أريد منك تجاهله فقط أو عدم الحديث فيه معي. إغضبي وأصرخي فيّ.. وأخبريني لماذا كرهتي ما فعلته وذكريني به كل لحظة حتى لا أكرره وسأفعل أنا المثل حتى لا أكرره...
2
أخذ لوغان نفسًا ثم تابع:
-المهم أن لا نترك إختلافاتنا – الكثيرة للغاية – تقف في طريق حياتنا معًا بل نجعلها سببًا لترابطنا بمعرفة كيفية تجاوزها دون أن تسبب الكثير من الأذى.
همست سارا وهي تلعب بوريقة زهرة: أنت تجيد مثل هذا الحديث المنمق.
2
كاد لوغان أن يضحك لرد فعلها لكل ما قاله لكنه كبح نفسه وقال:
-ما أريد قوله في النهاية أننا لا يجب أن نترك مثل هذه الأخطاء الصغيرة تعكر صفو حياتنا، وأؤكد لك منذ الآن أنني ومهما فعلت مستقبلًا أحبك.
11
توقفت سارا عن ملاعبتها للزهرة وساد صمت بينهما للحظات إلى أن رفعت بصرها إلى لوغان الباسم والمنتظر، لتقول أخيرًا متفهمة:
-إذًا هذه طريقتك في الإعتراف بمشاعرك؟ كما هو متوقع من دوق.
4
توسعت إبتسامة لوغان فهي ورغم كلماتها إلا أن وجهها كان محمرًا للغاية ليمسك بيدها ويطبع قبلة في باطنها ويقول:
-أرجو أن تكون ناجحة فقط.
بكبرياء لم يشابه خجلها الواضح همهمت ثم قالت:
-أظن ذلك..
-آه نعم، سأعتبر أنني سمعت إجابتك إذًا.
عاود الإثنان السير في صمت لم يستمر طويلًا إذ سرعان ما سألت سارا بفضول:
-وإذًا، ماذا سنفعل بعد هذا؟
-أفكر في إعلان خطوبتنا مرة أخرى في الأمسية نهاية الإسبوع فبعض أهل لندن لم يسمعوا بها بعد وفي نفس الوقت نحدد وقتًا لزواجنا إن لم يكن لديك مانع.
موافقة قالت: سيكون هذا مثاليًا، لكن سيكون علينا تأخير الزواج كثيرًا حتى بعد نهاية الإنتخابات حتى يكون والدي متفرغًا.
-هذا ما فكرت به، أظن أن الربيع القادم سيكون أفضل وقت لإقامة الحفل.
إبتسمت سارا بحماس: لطالما تمنيت أن أقيم زواجي في الربيع.
-إذًا.. سيتحصلين على ما تتمنين.
1
أكد لوغان مبتسمًا فإزداد حماس سارا وبدأت فورًا إخباره بما تتخيله لحفل زواجها وهو يستمع لها دون تعليق.
..........
الانتقال إلى الفصل التالي