رواية الخادمة الفصل 15

 



(15)


لم أكن في العادة كثيرة الخروج من الكلية إذ كنتُ أقضي وقت فراغي برفقه ماري داخلها. ومرتين كل شهر كنتُ أذهب للقاء إرنست خارجاً.

لهذا ولأن خروجي كثُرَ في الأيام الماضيةِ أبدت المعلمة إنزعاجها عندما ذهبنا لأخذ إذن للخروج.
إضطررنا للكذب عليها وإخبارها بأنني ذاهبة لزيارة إرنست لأنه متعب بعض الشيء. ولكون المعلمة تعلم أنه أخي التوأم المقرب أعطتنا الإذن مستسلمة في النهاية.

1

كان الشعور بالذنب يغمرني ونحن في العربة متجهين إلى منزل اللورد أغسطس.
آنا هادئه للغاية عكسي إذ كنتُ متوترة وخائفة ونادمة قليلاً.. كدتُ لمرةٍ واحدة أن أطلب من بيتر العودة بنا إلى الكلية حتى لا أضطر لمقابلة اللورد أغسطس مجدداً ووحدي!
لكن فور تذكري لإلمر وآللورا تراجعت فوراً.

14

كان المطر ينهمر بغزارة عندما وصلنا إلى المنزل وكان بيتر في إنتظارنا وهو يحمل مظلة مفتوحة بيد وواحده أخرى مغلقة باليد الأخرى.

2

توقفت العربة أمامه فأسرع يفتح الباب لنا وهو يمد المظلة لي لكي أخرج تحتها وقد أدى ذلك بالطبع لإبتلاله.

إبتسمت ونزلت ثم أخذت مظلتي من آنّا التي كانت تقف على وشك النزول. قلت له:
" لدي مظلتي لكن آنّا نسيت خاصتها "

8

بالطبع كنت أمزح فقط وقد علم بيتر ذلك لأن آنّا كانت ممسكة بخاصتها في يدها الأخرى وإندهاش برئ يظهر على وجهها بسبب كلامي. لكنه تظاهر بالعكس ومد يده كرجل نبيل لها لكي يساعدها على النزول وسط حُمرة غزت ملامحها فوراً وهي تتجنب النظر إلي بينما تنزل بمساعدته لتستقر قربه تحت مظلته. إلتفت بيتر ناحيتي قائلاً بمهنية:
" إن سيدي بإنتظارك في الداخل أنستي "
أخذتُ نفساً وأطلقته ثم تقدمتهما إلى السُلم.

15

فُتح الباب قبل أن يُقدم بيتر على ذلك وظهر وجه اللورد أغسطس عبره مُرحباً وقد فتحه على مصراعيه.

52

رؤية وجهه بالفعل جعلتني اتأكد أن الهرب غير ممكن بعد الأن. فها أنا ذا أقوم بزيارة رجل لا يقرب لي وحدي في منزله دون علم والديّ.... لكن ليس الوقت مناسباً لهذا التفكير.

20

دخلت ووجدت بينيبرا تقف قرب سيدها بإبتسامة مرحبه. جعلني رؤيه وجهها المألوف أرتاح قليلاً، إذ قالت وهي تأخذ المظلة مني:
" مرحباً بكِ أنسة إزابيل "
" اهلاً بينيبرا. كيف حالك؟ وكيف والدتك؟ "

" نحن بخير وسعيدون بمجئيك "
إبتسمت بتلاعبٍ فكدت أن أتنهد، فالجميع أصبح يعرف قصتي مع سيد المنزل.

11

" أنسة إزابيل، يمكننا الذهاب والحديث في غرفة المكتبة "
تحدث اللورد بنبره هادئة وعملية جعلتني أنظر إليه بإستغراب لحظي قبل أن أهز رأسي قائله:
" نعم بالطبع. "

6

طلب اللورد من بيتر إحضار بعض العصير ليذهب مع أخته ليلبي الأمر بينما تبعتنا آنّا.

1

كانت الأفكار تتزاحم في رأسي أثناء طريقنا عن كيفية طرحي لما أريده منه، وإن كان سيرفض طلبي للسبب الذي ذكرته آنّا قبل حضورنا أو سيستمع لأمنيتي.
وبسبب ذلك لم أنتبه أين ومتى وصلنا إلى غرفة المكتبة إلا عندما لفتتني – كالعادة – الرفوف الكبيرة والملئية بالكتب والتي غطت ثلاث حوائط من الغرفة الواسعة.

5

تلفت من حولي متوقفه أمام الباب وقد همستُ قائلة بأعين متسعة:
" هل لديكَ مكتبة كهذه في أي منزل؟ "

" بالتأكيد. إن الكتب بكل أنواعها واحدة من إستثماراتي. أحاول مساعدة كل من يريد نشر كتاب وأقتني كتبهم لتشجيع المبدعين. لهذا أمتلك الكثير منها "

18

أجابني اللورد وقد إنتبهت للتو أنه كان يقف غير بعيدٍ مني لذلك سمع همسي. إحمرت وجنتي ولم أركز حقاً فيما قاله لكني هززت رأسي على أي حال.

ضمت المكتبة طاولة كبيرة للعمل إمتلأت ببعض الكتب والملفات الورقية وظروف الرسائل، و خلفها كرسي وثير مصنوع من الجلد. لابد أنه المكان الذي يمارس فيه عمله إذ ذكرني بمكتب والدي في منزلنا.
تقدم اللورد أغسطس بنفس هدوئه إلى خلف تلك الطاوله وقبل أن يجلس أشار لي أن أجلس على أحد الكرسيين المخصصين للضيوف.
إلتفت من خلفي قبل الذهاب لأتأكد أن آنّا تقف قرب الباب المفتوح ثم جلست.

1

" ليس عليكِ الخوف لهذه الدرجة، أنا لن أكلك "
فجأة قال اللورد بنبرة ضاحكة ليجعلني أجفل وأعض على شفتي خجلة من تصرفاتي المفضوحة وقد وصلت دقات قلبي أعلاها. أمر إعتادت فعله عند حضوره.

29

لاحظتُ حينها أنني كنتُ فعلياً أرتجف لأقوم بأخذ نفسٍ طويلٍ وأخرجته ببطء بينما إمتدت راحه يدي لجهه قلبي متلمسه نبضاته التي عادت لطبيعتها.

بعد دقائق تحدث اللورد الذي لم تفارقني عيناه طوال الوقت:
" هل أنتِ بخير الأن؟ "
" نـ نعم.. أنا بخير "

15

فقط. لم أقل شيئاً وقد نظرتُ إليه مباشرةً دون تردد لأول مرة منذ دخولنا لألاحظ شبح الإبتسامة المستمتعة على وجهه والتي سرعان ما تغيرت إلى ملامح جادة ثم قام برفع حاجبه مشيراً برأسه كأنه ينتظر مني الحديث لأقول بسرعة:

" آه.. أنا.. ممم.. أنا أسفة أولاً على الحضور بهذه الطريقة لكن الأمر طارئ. وأشكر لك إستقبالي سيدي اللورد بسرعة. أقدر ذلك حقاً "

" الأمر لا يحتاج لكل هذا أنسة إزابيل. تعلمين رأيي بخصوص رؤيتك، لا أمانع ذلك في أي وقتٍ كان "

32

بكل صراحة قالها لأتذكر على الفور أخر ما دار بيننا في تلك الزيارة. ليعود وجهي ويحمر ولأنظر بعيداً عنه رغم ما عانيته قبل قليل لأستطيع النظر في عينيه.
فضحك هو. قهقه وهو يرى رده فعلي:
" أنا أسف ما كان علي قول هذا. لكنها حقيقة على أي حال.. لكن.. هذا ليس موضوعنا، فأنتِ لم تأتي إلى هنا بسبب أنكِ تريدين رؤيتي، أليس كذلك؟ "

16

أضاف ببعض جديه بعد نبرته المرحة، ليساعدني ذلك على محاربة إحمرار وجهي وإستجمعت أنفاسي وهززت رأسي بنعم.

لم انظر إليه بل إلى يدي المتشابكتين فوق فستاني الرمادي بزينة ورديه باهته وقد تساقطت بعض الخصلات من شعري بالقرب من يدي بسبب إنحنائي.

" نعم. في الحقيقة لقد جئت لكي أطلب منك طلباً سيدي اللورد "
" طلب؟ "

8

رفعت بصري إليه:
" أتذكر حينما كنا في ضيافتك سيدي؟ وعندما قمت بتلك المنافسة في أول ليلة لنا هناك؟ "

31

نظر بعيداً بعينيه ليتذكر وسرعان ما قال:
" نعم بالتأكيد. عندما أجبتي على ذلك اللغز "
" هذا صحيح، ولقد قلت حينها أنك ستقوم بتنفيذ أي أمنيه أطلبها أليس كذلك؟"
" صحيح لقد ذكرتني، أنتِ حتى الأن لم تطلبي مني شأي شيء.. جيد أنكِ قد ذكرتي الأمر، هل.. هل علمتي ما تريدينه؟ "

16

سأل بإهتمام وهو يستند بمرفقيه على الطاولة.
مرة أخرى هززت رأسي وقلت:
" نعم، أمنيتي هي الطلب الذي جئيت إليك من أجله.
هو طلب اناني في الحقيقة. وربما يكون صعباً خاصة أنه في وقت قريب للحدث. وربما لديك بالفعل... لديك شخصٌ ما تريد أخذه.
لكني مع ذلك أرجوك أن تحققه لي "

2

بالكثير من القلق استطعت إكمال الجملة، بدا الفضول على وجهه وقد حثني على قول ما أريد:
" تحدثي أنسة إزابيل. لا تقلقي سأنفذ كلما تريدينه "

بللت شفتي ثم قلت:
" أريد منك أن تأخذني معك إلى حفل الدوق جونسون نهاية هذا الإسبوع "

25

صمت.
ساد صمت تبادلنا فيه النظرات فقط. بدا وكأنه كان يحاول التأكد مما سمعه مني، ليعلق أخيراً وببطء قائلاً:
" تريدين مني.. أنتِ أنسة إزابيل، أخذكِ معي.. كرفيقة إلى حفل جونسون؟ "
لم أجب بل هززت رأسي فقط مترقبه بقيه كلامه.

32

مد اللورد قبضته ليغطي فمه بينما لم تفارقني عيناه. فكر لثوانٍ قال بعدها:
" هذا ليس طلباً أنانياً منكِ، بل هي جائزة أتلقاها أنا بلا سبب، فلقد كنتُ بالفعل أتمنى مرافقتكِ لي يوماً ما "

137

كالعادة كانت ردة فعلي أن إحمر وجهي لأعيد نظري إلى يدي وأضيف قبل أن يظن شيئاً أخر:
" ليس هذا فقط سيدي. أرغب أيضاً بإحضار شخص معي.
آللورا.. الفتاة التي جاءت معنا أخر مرة "
" ترغبين بإحضارها معنا إلى الحفل؟ "
" نعم "

7

عندما لم يقل أي شيء رفعت بصري إليه فوجدته يفكر بعمق وقد تشابكت يداه فوق الطاوله. ليقول فجأة:
" ألهذا علاقة بـ علاقتها مع أخيكِ إلمر؟ "
" مهـ... كيف عرفت؟! "
هتفت بسرعة وبإستغراب شديد، لأضيف ببعض شك:
" هل اخبرك إرنست؟ "

1

مط شفتيه قائلاً:
" كلا.. لقد علمت بنفسي بعد رؤيتهما سوياً. وأظن أن هاري لاحظ أيضاً فقد كان من الواضح أنهما... يحبان بعضهما "
" كيف؟ "

سألتُ بإستغراب أخر ليجيب وهو ينظر إلى داخل عيني:
" من أعينهما. الأعين تقول الكثير أنسة إزابيل "

44

رمشت بعيني فوراً وحولتهما بعيداً عنه وقد إبتلعت غصة في حلقي. لكني عدت ونظرت إليه محاولة تجاهل المعاني الخفية في كلامه:
" حسناً هذا صحيح في الحقيقة. وذهاب آللورا للحفل له علاقة بالأمر أيضاً "
" وماذا عن إلمر؟ "

" أخي ليس مدعواً وهو.. وهو لا يعرف عن طلبي هذا وأُفضّل أن لا يعلم. لا هو ولا إرنست. يجب ان لا يعلما على الأقل حتى يوم الحفل.. وهذا جزء مهم من طلبي إن لم يكن لديكَ مانع "

1

عقد حاجبيه وإعتدل في جلسته:
" إذاً، تريدين الذهاب معي إلى واحدة من أكبر الحفلات هذا الخريف وتريدين إصطحاب حبيبة أخيكِ معنا دون علمه ولسبب يبدو.. أنك لا تريدين إخباري به؟ "
" أعلم أن طلبي مجنون سيدي وصعب أيضاً، لكن.. أرجوك. إن ذهابها مهم للغاية بل أهم من ذهابي أنا "

برجاءٍ قلت فرد بسرعة:
" لا بأس لدي، رغم كوني لا أحبذ أن تكوني انتِ من يدعوني لأول حفل لنا سوياً لكني سأضعه كإستثناء"

12

كنتُ أنا من عقد حاجبيه هذه المرة مستغربة موافقته السريعة.

" آه.. هذا.. هذا.. شكراً لك سيدي. أنا ممتنه لك حقاً... أنت تقوم بفعل شيء سيساعـ.. "
" لكني أريد أن اعرف الأسباب "

13

قال بسرعة يقاطعني. لأطبق شفتي بقوة متحاشية النظر إليه بسبب طلبه بينما أكمل قائلاً بهدوء:

" شخصياً لا أمانع فعل ما تريدينه أنسة إزابيل أياً كان، لكن في هذه الحالة.. الذهاب مع التيار دون سؤال ربما قد يؤدي لأمور غير مرغوبة.

فنحن سنذهب إلى واحد من أكبر الحفلات التي يقيمها من هم تحت العائلة المالكة مباشرة في الرتبة. ومن معرفتي لكِ أنسة إزابيل لابد أن سبب ذهابكما.. مممم.. كيف أصفه؟ .. "

14

تسائل وهو يهمهم بينما ينظر بعيداً ليكمل عندما وجد المصطلح المناسب:
".. يتضمن عملاً ' متهوراً '.
وبما أنكِ تطلبين عدم معرفة إلمر وإرنست شقيقك التوأم الذي لا تخفين شيئاً منه تقريباً، إذاً... لابد أنه ليس متهوراً فقط بل سيغضبهما إن علما به.

24

وبما أنني شريك لكِ في الجريمة لابد أنني سأتحمل بعض اللوم إن لم يسر الأمر على ما يرام. لذلك على الأقل .. اود أن أعرف فيما أدخلت نفسي ووافقت عليه "

41

كنت أستمع له فقط وهو يتحدث بكل هدوء ومنطقٍ جعلني لا أقوى أن أرفض طلبه الصغير مقارنة مع ما أطلبه منه. هذا وقد تجاهلت وصفه لي بالتهور.. فهي حقيقة للأسف.

وبعد أن إنتهى رفع حاجباً وهو ينتظر إجابتي. والتي تأخرت عندما دخلت بينيبرا وهي تحمل كوبي عصير وضعتهما أمام كل منا ثم إبتسمت لي قبل أن تذهب.

ما إن عاد الهدوء إلى الغرفة وأصبحنا وحدنا حتى قلت:
" لقد أقنعتني، ومن حقك أن تعلم. لكن كما هو واضح لك كما أظن، هذا الموضوع يجب أن يبقى سراً بيننا.. فلا أحد يعلم به حتى والديّ و... "

قاطعني قائلاً بينما يهز كتفيه:
" وكأنني سأخبر والديكِ أنك أتيتي إلي في يوم وحدكِ وجلسنا بهذه الطريقة نتحدث سوياً...
لا تقلقي حتى هاري لن يعلم شيئاً "
كان يتحدث ليطمئنني وإبتسم أخيراً.

27

اليوم بدا اللورد أغسطس مختلفاً. أكثر هدوءً ورشداً، ويبدو أنه كان يعلم أن حضوري فجأة بهذه الطريقة يحمل وراءه موضوعاً مهماً لذلك هو يتصرف معي بكل جديه محاولاً فهمي ومساعدتي بما يستطيع.
إبتسمت شاكرة، ثم اخبرته بكل شيء.

2

إستغرق إخباري له بقصة آللورا وأخي إلمر وعائلة ماركلين الكثير من الوقت، إذ لم نعد نسمع صوت المطر الذي يهطل في الخارج.

وقبل فترة جاء بيتر ليتفقدنا ثم سمعته يتحدث مع آنّا بالقرب من الباب الذي لا يزال مفتوحاً.

وطوال فترة حديثي كان اللورد أغسطس يستمع بإنصات شديد لم يقاطعني إلا لأوضح له بعض الأمور، بقي كذلك حتى أنهيت كل القصة وأخذت نفساً عميقاً ليشير لي مبتسماً إلى كوب العصير نصف الممتلئ فأخذ رشفه منه أبلل حلقي الجاف به.

أثناء ذلك كان ينظر إلى سطح مكتبه بنظرة شارده كأنه يفكر في كل ما قلته وما إن وضعت الكوب جانباً حتى أخرج نفساً وعاد ينظر إلي قائلاً:
" أعترف أنني لم أتوقع كل هذا "
" نعم أفهم تماماً شعورك هذا. فهو ما راودني عندما سمعت به أول مرة "

" كأنني أتابع نسخة أخرى من رواية ( في مانشيستر ) بأبطال مختلفين، وكم هو غريب أن تكون الأنسة آللورا هي نفسها الكاتب الأصلي لها "
" صحيح، بذكر للأمر. قصتهم تشابه نوعاً ما قصة الرواية "

19

قلت باسمة وقد تسائلت ان كانت ألفتها وهي تفكر في والدتها، وافقني ثم أضاف:
" إذاً تريدان الذهاب إلى الحفل حتى تستطيع الأنسة آللورا مقابلة والدها والذي هو الدوق فريد ماركلين. بعيداً عن زوجته الحالية الدوقة أماندا "
" تماماً "

" إرنست لا يوافق على ذلك؟ "
سأل بإهتمام فأجبت:
" نعم. هو وإلمر يظنان أن تنفيذ ما تطلبه السيدة ماركلين هو الخيار الصحيح، حتى لا تقوم بنشر أي إشاعات عن عائلتنا.. وشخصياً أشك أنها بدأت بالفعل فما حصل مع ليديا إبنتها ومع أوليفيا أختي أمر غريب "

" في الحقيقة هو غريب بالفعل، لكن ليس مؤكداً.. لا أعلم كيف تسير الأمور في عالم النساء على أي حال. لذلك لا أستطيع أن احكم "

3

" بالقدر الذي اعرفه. لا أستبعد ما قلته فهذه الأشياء كثيرة جداً بين النساء. لن تصدق الكم الهائل من الأقاويل التي يتم تداولها بينهن. ولهذا أخشى وصول شيء إلى أمي. "

5

لوهله لم يقل شيئاً وهو يفكر ليقول أخيراً:
" أنا أظن أن لدى الأنسة آللورا بعض الحق في معرفة القصة الحقيقة من والدها. ولابد أن لقائه سيساعد ولو قليلاً في موضوع الدوقة أماندا وهذا أمر مؤكد. فمن معرفتي للرجل.. هو شخص طيب للغاية، مع الناس من حوله ومع من يعملون معه.. لن يسمح بأن يجري امر كهذا بسبب زوجته "

4

إبتهجت قليلاً وأنا أسمع ما يقول، سألته إن كان متأكداً ليجيب:
" بالتأكيد، لدي علاقة جيدة مع الدوق ماركلين، كان من قبل أحد أصدقاء والدي ولدينا بعض الأعمال المشتركة هنا وهناك "

أطلقت نفساً مرتاحه وقلت ببعض إنفعال:
" هذا جيد حقاً. نوعاً ما أشعر بالراحة.. إن نجحت خطتي فهذا يعني أن آللورا لن تضطر أن تترك الكلية، وقد تكتسب مكانة أكبر ولن يتم النظر إليها كمجرد فتاة كانت تعمل خادمة من قبل. وقد تغير الدوقة رأيها فيها أيضاً...  "
" لكنها ليست مجرد فتاة "

فجأة قال اللورد مقاطعاً حماستي لأنظر إليه مستفهمه. ليكمل بينما يبتسم إبتسامة واسعة:
" ألم تقولي أنها من كتب في مانشيستر ولديها رواية أخرى أيضاً؟ "

تكور فمي وأنا أفهم ما يقصده لأقول:
" لكن لا أحد يعلم ذلك. الجميع يظن أن الكاتب إسمه نوا "
" وهو أمر أردت مناقشتك فيه ... "

قالها وهو يعتدل من جلسته ويشابك يديه فوق الطاولة وعلى وجهه نظره جاده بينما أكمل:
" يؤسفني أن أقول أن الأنسة آللورا يتم إستغلالها "
" إستغلالها! كيف؟ "

" أنا مدرك للقوانين التي تحكم النشر بحكم عملي المتعلق به. ولا شيء يمنع من أن تنشر إمرأة عملها الأدبي، ففي هذا الزمن أصبحت الاعمال النسائية تؤخذ بجدية وحرية أكثر من الماضي. وهناك أمثلة كثيرة أظنك تعرفينها لمثل هؤلاء النساء إشتهرن منذ تولي الملكة فيكتوريا الحكم خاصةً.

قد تكون المشكلة كونها من أصل هندي لكن أيضاً.. هناك الكثير من الاعمال لسيدات أمريكيات وأوربيات إشتهرت كثيراً هنا. لذلك كل ما يمكنني قوله أن عقد الأنسة آللورا مع دار النشر تلك إستغلال لها.
وأنا متأكد انه يتم الدفع لها أقل بكثير مما يفترض إذ أنه قد تم بإسم مزيف وشروط مجحفه في حقها، ولا شيء يضمن إلتزامهم به ولا يمكنها المطالبة بحقها لأنهم من يمسكون زمام الأمور بينما لا تمتلك هي ما تستند عليه "

7

إستمعت له بإهتمام كبير وأنا اهز رأسي متفهمة. ثم سألت:
" لكن ماذا يمكننا ان نفعل بعد الأن؟ فهي فعلاً نُشِر لها روايتان بإسم أخر "
" هذا يقودنا إلى ماري آن إيفانس.. هل سمعتي بهذا الإسم من قبل أنسة إزابيل؟ "

5

سألني بمرح وقد بدا أنه متأكد أنني لا أعرف الإجابة. ولكم أردت إثبات عكس ثقته هذه لكن للأسف لم أسمع بها.
" كلا.. هذه أول مرة أسمع بها، هل هي كاتبة جديدة؟"

2

إتسعت إبتسامته لجهلي كما يبدو ثم أجابني:
" كلا.. العكس تماماً، هي كاتبة مخضرمة. نُشر أول عمل لها قبل عدة عقود. وأنا متأكد أنك سمعتي بها أو قرأتي لها عملاً واحداً على الأقل فهي من المشهورين حقاً "
بدأ الفضول يغزوني:
" ماري آن؟ لا أظن أنني سمعت بها "
" أنتِ وغيرك من الناس لا تعرفونها بهذا الإسم. بل بإسم جورج إليوت "

ما إن نطق بذلك الإسم حتى إتسعت عيناي. فأنا بالتأكيد أعلم من هو جورج إليوت. فلقد قرأت رواية (مِدِل مارش) كغيري من الناس.

2

" لكن.. كيف؟ هل تقصد أن جورج إليوت وماري آن إيفينز شخص واحد؟ "
مبتسماً أجاب:
" نعم. لقد فَضلت نشر أعمالها بإسم رجل حتى يتم النظر إليها بنظرة موضوعية وليس فقط كروايات رومانسية عادية. كما أنها أرادت إخفاء حياتها الشخصية عن الناس. لذلك نشرت أعمالها بإسم رجل.
للأسف لقد توفيت قبل عشر سنوات. ولا يزال هناك الكثيرون لا يعلمون عن حقيقتها. لكن المهم... أن نشر سيدة لأعمالها بإسم رجل لن يخلق مشكلة "
" حقاً؟ "

2

قلته بإندهاش كبير ليقهقه لرده فعلي ويهز رأسه بـ نعم.
" هذا.. هذا رائع حقاً، لطالما ظننت أن وجود نوا سينهي أحلامها "

" نعم. لكن يجب أولاً ضمان عملها مع دار نشر مضمونة. يجب ان يذهب أحد إلى مقر الدار الأولى ويتأكد من العقد وصلاحيته. ويُفضّل لو حولنا أعمالها لدار أخرى أكثر ضماناً. يمكنني إقتراح الكثير من الأماكن التي سترحب بكاتِبة في مانشيستر "

تراجعت قليلاً وقلت:
" لكن تلك الشركة تقع في سكوتلندا. لن يكون بإمكاننا الذهاب إلى هناك دون أن نكشف عن كل هذا لوالديّ "

6

هنا إتسعت إبتسامة اللورد أكثر وهو يقول بينما يفرد يديه في الهواء:
" يمكنني حل هذه المشكلة. فلقد صدف أنني ذاهب إلى هناك غداً "

10

لحظة صمت نظرت إليه فيها دون رد فعل بينما لم يسحب إبتسامته وقد أخفض يديه واتكأ بذقنه على راحه يده اليمنى ينظر إلي كأنه ينتظر رده فعلي.
بللت شفتي ثم قلت ببطء:
" هذا لطف كبير منك سيدي. لكن ليس عليك الإبتعاد عن طريقك وتغير جدولك وفعل شيء كهذا من أجلنا"

1

دون أن يغير جلسته تحدث:
" الأمر ليس هكذا، تعلمين أنني معجب بتلك الرواية. وعندما علمت أنها من كتبها إزدادت رغبتي في مساعدتها. كما أنني سأفعل أي شيء من أجل مساعدتك أنسة إزابيل "

3

نعم. ها هو ذا يفعلها من جديد.. يتحدث بما يجعل صدري يؤلمني وقلبي لا يتوقف عن تحطيم أرقامه القياسية.
فقط اخشى أن يتعب في لحظة ما ويتوقف.
أخذت نفساً وهززت رأسي له موافقة فقط.

6

" إذاً.. إن ذهابي إلى هناك يتطلب أن أعرف العنوان لتلك الشركة وأن أحصل على إعتراف خطي من الأنسة آللورا يخولني أن أتحدث بإسمها أيضاً، هل يمكنكِ توفير هذا لي اليوم؟ "

بسرعة أجبت: " نعم بالتأكيد.. يمكنني ذلك "
" وأيضاً، لقد قلتي أنها ستنهي كتابة رواية جديدة؟ "
" أجل. كانت تعمل عليها منذ ان جئنا إلى لندن. وقالت أنها ستنهيها هذا اليوم "
" أرغب في الحصول عليها.. "

رفعت حاجباً متسائله فوضح:
" أرغب في أن اتبنى نشرها. أخبرتك أنني أشجع الكُتّاب على نشر اعمالهم. والأنسة آللورا تحتاج إلى ذلك.. سأقدم عملها لمحررين أثق بهم. ليتم تحريرها بالشكل المناسب وسأجعلهم يتواصلون معها قبل أن نشرف على أمر نشرها... بالطبع هذا بعد أن أسوي الأمر مع ناشرها الأول وسأتولى جميع الأمور المالية المتعلقة بها بنفسي "

25

" هل حقاً ستفعل كل هذا سيدي!؟ "
كان الإندهاش واضحاً في صوتي. ليجيب وهو يفتح أحد أدراج مكتبه ويخرج ورقة أخذ يكتب فيها بسرعة:
" بالتأكيد. أخبرتك أنني من معجبيها وسأفعل ذلك بكل سرور. سأرسل معكِ هذه الرسالة لها لأوضح لها فكرتي وأسماء المحررين الذين أعرفهم. إن كانت ترغب في أحدهم فعليها الإختيار فقط. وأرسلي لي إجابتها في رسالتك "

كان يتحدث بسرعة وهو يكتب كأنه يقوم بصفقة ما أو عمل مهم بينما كنت أنظر إليه بإعجاب كبير!
لم أره من قبل هكذا. ولا يزال يستطيع مفاجأتي حقاً..

جئت إليه أطلب منه أن يأخذنا إلى حفل فإنتهى بي الأمر أحصل على موافقه سهله. دعم معنوي. وحل لواحدة من مشاكلنا.

7

وجدت نفسي أقول بإمتنان كبير:
" لا أعرف حقاً كيف أشكرك سيدي اللورد.. هذا أكثر مما أردته منك. كيف سأرد لك جميلك هذا!؟ "

31

توقف عن الكتابة ورفع عينيه من الرسالة إلي، ثم وضع القلم جانباً قائلاً:
" لقد كنتِ الشخص الذي كشف ما فعله أخي ستيفينز.
من إستطاع حرفياً معرفة سبب تدهور صحتي ولولا ذلك لكنت قد مت ميته بطئية ومؤلمة.
لقد واجهتي خطراً كبيراً بسبب ذلك وكدتِ أن تفقدي حياتك.
أنسة إزابيل.. أنتِ بالتأكيد لا تحتاجين أن تشكريني بل العكس. أنا من لن يستطيع أن يرد لكِ جمائلك إلي ولو قضيت بقيه عمري احاول ذلك.. لهذا لا داعي لشكري "

18

قال كل ذلك ثم عاد ببساطة يكمل كتابه رسالته تاركاً إياي أتخبط في مشاعري.

17

تبادلنا بعض الحديث بعد ذلك ونحن نتفق على تفاصيل إلتقائنا نهاية هذا الإسبوع ثم وبعدها نهضت فقد حان وقت الذهاب.

1

إلتف اللورد حول مكتبه ليسير معي ناحيه باب الغرفة. كنت سعيدة حقاً فقد كانت زيارتي مثمرة وجيدة للغاية وكم أردت أن أخبر آنّا الواقفه قرب الباب عن كل ما حصل بسرعة.

لكن فجأة قام اللورد أغسطس بإغلاق الباب حاجباً آنّا عني وليقف أمامي حاجباً الباب أيضاً عني.

76

تبدلت إبتسامتي بسرعة إلى توتر وأنا أرى ملامحه التي إختلفت لتشبه تلك التي كانت تغمره في الممر ذلك اليوم مع.

إبتسم عندما رأى توتري وقال:
" أردتُ أن اعلم... متى سنكمل ما قاطعه إرنست الوغد ذلك اليوم؟ "

206

بالتأكيد إزداد إحمراري وأنا أرى إبتسامة جانبية تزين وجهه بينما إقترب خطوة مني.

12

فغرت فمي غير مصدقة أنه جلب ذلك بنفسه بهذه الجرأة..
توقف أمامي على بعد خطوة واحدة وهو ينظر إلي من عُليه بينما تشابكت يداه خلف ظهره. وقد تجمدت أنا في مكاني ويداي تُحكمان الإمساك بالرسالة حتى تجعدت.

وفجأة إمتدت يده من خلف ظهره ناحيه وجهي لأغمض عيني بشدة وبسرعة في انتظار لمسته، لكن يده توجهت ناحيه شعري وليس وجهي.
فتحت عيني مجدداً أنظر إليه بينما أشعر بيده تبعد خصلات هاربة خلف أذني.

تغيرت إبتسامته الجانبية تلك إلى أخرى حانيه ليقول عندما إلتقت عينانا:
" أنسة إزابيل، لتعلمي أنني أعي تماماً أن مشاعرك بدأت تتغير ناحيتي ولو قليلاً.. فأنتِ غير جيدة في إخفائها... "

86

قضمتُ على شفتي خجلة من وضوح مشاعري بينما أنظر بعيداً قبل أن يكمل:
" ..لكنني أيضاً أعي أنكِ لستِ مستعدة بعد للإعتراف بذلك التغيير. وأن مجئيك اليوم لابد كان شجاعة منك رغم ما قد يسببه ذهابنا معاً إلى ذلك الحفل وأنكِ لم تفعليه إلا لكي تساعدي أخاكِ وحبيبته..

8

ومن الأساس أفعالك هذه كانت ما جعلني أهتم بكِ وأتعمق في حبي لكِ.. لذلك لا أمانع حقاً إستغلالك لي، لكن في نفس الوقت لا يعني هذا أنني لن أستمتع بوجودنا معاً في ذلك الحفل "
" ما الذي... تقصده؟ "

24

إستطعت سؤاله بصعوبة بالغة وقد خرج صوتي متقهقراً وضعيفاً للغاية وبالتأكيد حمرة وجهي تقول المزيد. ليجيب:
" لن يكون الأمر مثل رقصتنا في أخر حفل لنا سوياً. فأنا لن أدعك تتركين جانبي مهما حاولتي.. وسيكون عليك الرقص معي فقط، ولحسن حظي لن يكون إرنست موجوداً من الأساس "

51

أطبقت على شفتي وأنا أهز رأسي موافقة على ما يريده. لتتسع إبتسامته لرضاي الذي يكشف الكثير من تلك المشاعر التي تحدث عنها قبل قليل.

لم أرد جداله ففي الحقيقة أنا عكس ما قال.. أنا لم أطلب منه الذهاب معه لكي استغله وأساعد إلمر وحسب، بل أردتُ أن أذهب معه لأنني أريد ذلك. لكنني لن أعترف - كما قال - لذلك لن أجادله فقط.

4

كان قد عمق وجود يده داخل شعري وهو يتحدث..
إحساس كان جميلاً ومريحاً وكدتُ أن أغمض عيني مستمتعة به إلا أنهما إتسعتا عندما وفجأة إقترب بوجهه ناحيتي..

لم أكن منتبه ولم أكن مستعدة.. لكنه ولحسن حظي توجه بشفتيه إلى أذني ليهمس قائلاً:
" أردت إكمال ما بدأناه من قبل لكني أشعر أن إرنست سيعلم بطريقة ما وسيقتلني بسببه.
لهذا سأوجلها إلى وقت تكونين قد إعتدتِ فيه علي أكثر "
ثم إبتعد قليلاً لينظر في عيني.

73

هل تذكرون عندما قلت أنني اخشى أن يتوقف قلبي؟

1

لقد حصل. أشعر به قد توقف عن النبض وأنا أرى وجهه لاول مرة بهذا القرب بعد كلماته تلك.
لم استطع النطق فقد توقف عقلي عن التفكير. وتلك النظرة الجادة على وجهه وعيناه اللتين أصبح لونهما داكناً. جعلتا السخونة في وجهي لا تحتمل، أردت الإبتعاد عنه لكني لم أستطع وقد توقف جسدي هو الثالث عن الحركة.

7

وأبى اللورد أغسطس إلا أن يترك هدية صغيرة وهو يطبع قبلة على خدي الأيسر ثم يبتعد قائلاً:
" لأنني مسافر. احتاج لما يؤنسني في سفري، أظن أني أستحقها على الأقل "

138

وقبل أن يتحرى أي ردة فعل مني قام بفتح باب الغرفة كأنه لم يفعل شيئاً وخرج ليستقبله بيتر وآنّا المنتظرين امامه.

حياهما وتحدث مع بيتر بينما دخلت آنّا والإستغراب على وجهها وهي تراني أقف في مكاني دون أن أتحرك.

" انستي. هل أنتِ بخير؟ "

1

من فوق كتفها رأيته ينظر إلي ويبتسم. لأقول لها دون أن أبعد نظري عنه وقد استعد أخيراً قدرتي على النطق:
" آنّا.. أعتقد أن قلبي قد توقف عن النبض "

15

كنتُ جادة لكنها لم تعي ذلك وهي تضحك. نظرتْ إلى حيث انظر ثم عادت إلي قائلة:
" هل أنتِ نادمة على المجئ إليه؟ "
" كلا.. بل سعيدة لأنني جئت إليه. وفي نفس الوقت.. أنا خائفة. "

تابعت التحديق فيّ منتظرة بقيه كلامي فأوضحت:
" خائفة لأنني شيئاً فشيئاً، تزداد مشاعري تجاهه. وأنا أخشى من ذلك. أخشى من تبعاته ومن أن يتأذى قلبي بطريقة ما "

4

إبتسمت ثم ربتت على ساعدي قائلة بنبرتها الهادئة والطيبة:
" هذا أمر عادي. لن تكوني حقاً تحبينه لو لم تشعري بذلك.. فهذا هو الحب، ان تثق ثقه عمياء بشخص غريب عنك.. تعطيه قلبك. مشاعرك. وكل تركيزك وأنتِ تثقين أنه سيبادلك ويهتم بكِ جيداً وبقلبك. لذلك الخوف أمر إعتيادي. وحله أن يكون هذا الشخص يستحق، ويمكن الوثوق به.. "

10

كنت أنظر إليها بينما تتحدث وقد إستوعبت تماماً ما تريد قوله. أطلقت نفساً عميقاً.

أبعدت آنّا يديها عن ساعدي وقالت ببعض مرح:
" والان لنخرج، فلابد أن السيد اللورد يؤنب نفسه الأن على أي كان ما فعله ويظن أنه قد أغضبكِ "

عاد وجهي ليحمر وقد قلت كاذبة:
" هو لم يفعل أي شيء "
" نعم صحيح، لقد صدقتكِ أنسة إزابيل "

17

قالتها وهي تدير عينيها ثم تساعدني على الخروج.

..........


الانتقال إلى الفصل التالي