رواية الخادمة الفصل 16

 



(16)


هل جَربتَ ذلك الشعور من قبل؟
عندما تواجهكَ معضلةٌ كبيرة تقف أمامها حائراً وكأن جداراً عصياً يحيل بينك وما تريد. لا تعرف كيف ستتصرف وكيف ستتسلق ذلك الجدار.
عندما تكون في أمس الحاجه للمساعدة. لشخصٍ يمسك بيدك ويقودك الى ما خلف الجدار. لكن الجميع يخشى من عقبات ما سيحدث خلفه. ويبتعدون عنك. فيملأوك الإحباط!

1

ووسط كل ذلك.. تجده، ذلك الذي سيفعل أي شيء ليساعدك، ويأخذكَ خلف الجدران.

لا أظن أن كلمةَ إمتنانٍ بسيطة ستكفي لإعطاء من ساعدك حقه.. وهذا الشعور هو ما أتحدث عنه.

فأنا الأن لا أعرف كيف أعبر عن ما في داخلي من إمتنانٍ ومشاعر جياشة تجاه ما أخبرني اللورد أغسطس أنه سيفعله من أجل لـ آللورا.

3

أخبرتُ آنّا أثناء طريق عودتنا عن ما حدث إذ لم استطع الانتظار حتى عودتنا وإخبارها سوياً مع آللورا، وكانت إبتسامتها تتسع مع كل كلمة أنطق بها وعندما إنتهيت علقت برضاً كبير:
" أنا سعيدة لأن مَنْ أحببته أنستي رجل رائع حقاً ويستحق مشاعرك هذه "

3

إحمر وجهي بالطبع وقد بدأتُ اعتاد فضح ملامحي لما يتبادر داخلي من مشاعر، هززت رأسي لها موافقة حديثها.. لقد تجاوزت حاله الإنكار في هذه المرحلة.

7

وفكرت أنه بدلاً من شكره على مساعدتنا، يجب أن أشكره أولاً لأنه وقع في حبي من الأساس.

إقتربت العربة من الكلية وإزداد حماسي لأخبر آللورا كل شيء.. وبينما نظرتُ عبر النافذة لأسوار الكلية لمحت تلك العربة متوقفة قرب الزاوية...
عربة إلمر.!

1

إتسعت عيناي وإلتفت ناحيه آنّا قائلة:
" إن إلمر موجود هنا!!.. "

3

أبدت الإستغراب وقبل أن تسأل عن سبب ذُعري أكملت:
" لابد أنه قد جاء للزيارة لكن ولأنني غير موجودة لم يُسمح له بالدخول. والأن سيسأل أين كنت! "

1

كورت فمها وقد فهمت سبب ذعري الكبير.
ثم توقفت العربة.
لم أنزل وسألتُ آنّا عن ما يجب ان أقوله له. فهو لا يجب ان يعلم عن زيارتي للـ لورد قبل نهاية هذا الإسبوع وإلا فسيمنعنا من الذهاب.

أخذنا نفكر لبعض الوقت لكن لم نستطع أن نتوصل لحلٍ إذ سرعان ما فتح باب العربة عن إلمر غرين.

نظرنا إليه لوهله وقد رأيتُ الإنزعاج في ملامحه. قبل أن أبتسم قائلة بأكثر نبرة بريئة أتقنها:

" مرحباً إلمر.. ما الذي تفعله هنا؟ "
" إزابيل.. لقد كنتُ بإنتظارك منذ وقت طويل.. إلى أين كنتِ؟!
لقد قالت المشرفة أن إرنست متعب وذهبتِ لرؤيته، والغريب أنني كنتُ برفقته قبل حضوري إلى هنا... ولم يكن متعباً أبداً "

2

قال كل ذلك وقد وضع يداً فوق الأخرى وهو ينظر إلي بحاجبين معقودين ولا يزال يقف أمام الباب منتظراً اجابتي.
توترتُ وأخذت أتمتم دون أن يخرج اي شيء مفيد، وفجأة تدخلت آنّا قائلة:
" إنها غلطتي سيدي "

إلتفت كلانا ناحيتها وقد إتسع حاجبانا.
حولت آنّا جلستها ناحيه إلمر وإنحنت برأسها قليلاً بينما أكملت:
" لقد أردتُ الذهاب لزيارة قريبٍ لي جاء لزيارة لندن ولم أستطع الخروج وحدي إلا برفقه الأنسة إزابيل. لذلك إضطررنا لقول هذه الكذبة حتى يُسمح لنا بالخروج "

" حقاً؟ "
" نعم سيدي إنها الحقيقة، لم افعل الأنسة إزابيل شيئاً سوى عطفها علي ومساعدتها لي. وأنا أسفة لذلك "

بسرعة قال إلمر:
" كلا.. لا داعي للإعتذار آنّا. أنا أسف لغضبي.. يمكنك بالطبع زيارة من يقربون لكِ دون الحاجة للكذب. سأعلم مكتب الإشراف أن يسمحوا لكِ بالخروج مرة كل فترة إن لزم الأمر "
" شكراً للطفك سيدي.. سيساعدني ذلك حقاً "

5

إبتسم لها. ثم إلتفت إلي قائلاً قبل ان يذهب:
" والأن لندخل. أود الحديث مع آللورا "
" حا.. حاضر "

ما إن إختفى من أمامي حتى أطلقت كلانا تنهيده مرتاحه وقد أضافت آنّا وهي تضع يدها في جهة قلبها وتقول بجزع كبير:
" يا إلهي لقد كذبت على السيد إلمر لتوي!.. يا إلهي يا إلهي "

كنت أنظر إليها وهي تتململ خوفاً وتعض على شفتها توتراً وتسألني إن كان يسكتشف امر كذبتها ويطردها.. لم أكن أهتم حقاً بما تقوله من هراء. بل وكانت إبتسامة تزين وجهي.

طوال معرفتي لآنّا كانت دائماً فتاة جادة وملتزمة ومثالية بشكل كان يجعل والدتي تطلب مني أن أكون مثلها.

وكان من النادر أن تفقد أعصابها في أي شيء، بل كانت أول مرة أراها تبكي في الصيف الماضي في ذلك الصباح حينما أخبرتني عن تلك الإشاعات عن بيتر وعندما عدت بعد إختطافي.

أغلب تصرفاتها تلك نجمت عن قلقها من أجلي. بسبب شيء فعلته. أو لتساعدني في أمر ما.. أو من أجل شخص أخر. فهي دائماً تفضل الأخرين على نفسها. ولا أدري فعلاً ماذا كنت لأفعل لو لم تكن آنّا هي خادمتي.

وإختصاراً لكل تلك المشاعر نهضت من مقعدي ولففت يدي حول رقبتها لأضمها إلي قائلة:

" لو أرادوا طردك فهذا يعني أنهم يريدون التخلي عني أنا أيضاً فأنا لن اتخلى عنكِ صديقتي.. لذلك لا تقلقي، وشكراً لكِ "

2

إبتعدت عنها فإبتسمت لي بإمتنانٍ وقد ترقرقت عيناها بالدموع. وقبل أن تقول أي شيء ظهر إلمر من جديد وهو يقول ينفاذ صبر:
" إزابيلا جانيت دايزي جورجيت غرين ما الذي تفعلينه! "
" لا تنادني بإسمي الكامل!! "
" تحركي.. الأن! "
زفرت بغيظ بينما أنفذ أمره وقد كتمت آنّا ضحكتها ونزلنا.

6

بدا من الواضح أن إلمر ليس في أحسن أحواله لذلك وعندما إفترقنا عن آنّا لتذهب وتنادي آللورا بينما إتخذنا طريقنا إلى صالة إستقبال الزوار سألته:
" ما الأمر إلمر؟ "

نظر إلي بطرف عينيه ثم أطلق نفساً وهو يفتح الباب لي لادخل ثم إتخذنا طريقنا إلى أبعد طاولة عن الزوار وجلسنا ليجيب وهو يهز كتفيه:

" فقط أشعر بالقلق.. سأعود غداً إلى مانشيستر وأنا قلق من ترك آللورا في مثل هذه الظروف "

تذكرت عندها أن مجئيه إلى لندن كان من أجل ذلك الإجتماع السنوي فقط، قلت:
" إذاً أنت هنا من أجل وداع آللورا.. "
" نعم.... ومن أجلك أيضاً "

عقدت حاجبي فلم أتوقع ذلك.. أكمل:
" أريد وداعك أيضاً وأن أطلب منك الصبر قليلاً فقط مع آللورا.. ففي الشتاء سأتي وأخذها و... "

قاطعته قائلة:
" إلمر، لطالما أردت سؤالك، بعد أن ينتهي كل هذا ما الذي تنوي فعله؟ أعني بشأن الزواج.. هل ستقوم به رغم رفض والدي حتى الان؟ "
أضفت: " حتى إرنست رغم مساعدته لنا وبقائه معنا الأن لكنه لم يغير رأيه من الموضوع وأخشى ان يكون أشد معارضة له بعد أن تنتهي هذه المشكلة نظراً لكل ما حصل "

" نعم أعلم إزابيل. ونعم لا أزال مُصِراً.. لن أتزوج غير آللورا وهذا أمر نهائي "
أطبقت على شفتي والكثير من السيناريوهات حول ردة فعل والدي كتبت في مخيلتي. يبدو مستقبل عائلة غرين مشوشاً للغاية في الوقت الحالي.
أخذت ألعب بشراشف الطاولة في إنتظار مجئ آللورا وقد ساد صمت بيننا.

لم تتأخر وجاءت بعد دقائق لأذهب وأجلس على مبعده وأتركهما يتحدثان سوياً.

خلال الإسبوع إلتقيت وإرنست مع أوليفيا وزوجها أرثر حيث قاما بدعوتنا إلى غداءٍ متأخر في مطعم الفندق الذي ينزلان فيه.

وكما توقعت تماماً أخبرتني أوليفيا أنها لم تتلقى أي دعوة من الليدي كاميليا والكونتيسة ماريا للزيارة. وعندما قررت أن تزورهما هي بنفسها دون دعوة وأرسلت للـ ليدي قبل زيارتها تم إخطارها أن الليدي قد خرجت ولن تعود مبكرة ولم يطلب منها الحضور في يوم أخر.

أخبرها أرثر أن لا شيء يدعوا للقلق ووافقته هي في ذلك لكني تبادلتُ وإرنست النظرات حيث أن هذه بداية سيئة ولا أحد يعلم ماذا قد يحدث لو إلتقت بهم في حفل جونسون بعد أيام. وقد بدا لي وكأن إرنست كان يفكر في ذلك ايضاً.

وفي اليوم التالي ذهبت مع آللورا وآنّا إلى السوق لنشتري ثوبين يليقان بالحفل الذي أجبرنا نفسنا فيه لنبدأ استعداداتنا مبكراً. وبدأتُ بإعطاء آللورا دروساً في كيفية التصرف في الحفلات.. فهذه بالتأكيد أول حفله ليلية تحضرها في حياتها.

جهزتها في الأيام القليلة المتبقية بشكل مُكثف. كيفيه تحيه الناس. كيفيه الوقوف والإبتسام. دروس مكثفة في الرقص إن أضطرت إليه. وكل تلك البروتوكولات التي تخص الحفلات و التي تصدّع الرأس.
ورغم كونها كانت أموراً مزعجة بالنسبة لي إلا أن آللورا كانت متعلمة جيدة وكانت تسجل كلما أقوله للإستفادة منه مستقبلاً في رواياتها. مما اسعدني.

كان الوقت في مساء يوم الجمعة. الليلة التي تسبق الحفل.
كنت قد أرسلت في وقت مبكر من اليوم رسالة إلى والديّ أخبرهما بذهابي إلى الحفل برفقه اللورد. وأرسلت برقية إلى إرنست أيضاً. لم يعد بإمكانهم منعي من الذهاب فالحفل غداً على أي حال.

وصلتني أيضاً برقية أوصلها السائق الشخصي للـ لورد أغسطس يخبرني بعودته من السفر وأن لديه أخباراً طيبة لـ آللورا.

لكن وقبل الدخول في كل ذلك.. وبينما كنا عائدتين من تناول عشائنا المتأخر كما العادة حتى لا نلتقي بـ ليديا لو تناولناه مع بقية الفتيات.. إلتقينا بها.

كانت برفقه كلوديا وسارا التي لم تفارق سيدتها أبداً حتى تمنعها من اي تواصل مع آللورا بل وكانت تمنعني أيضاً من الحديث إلى ليديا مما جعلني أرسل ما أريد قوله لها عبر كلوديا فقط.

مررنا بهما ونظرت إلى ليديا بطرف عيني.
غداً سنلتقي بوالدها ولا أحد يعلم ماذا سيغير ذلك اللقاء. المؤكد أن نتائجه ستكون صدمة بالنسبة لها ولأخواتها.

قلت لـ آللورا ما إن إبتعدن:
" هل أنتِ متأكدة انكِ لا تريدين الحديث معها؟ "
" نعم إزابيل. ليس من حقي قول أي شيء لها. يجب أن أقابل... والدي.. أولاً وهو من ثم سيقرر.
إن كان على ليديا وأخواتها أن يعلمن الحقيقة عني أم لا "

1

هززت رأسي متفهمه ثم تابعنا طريقنا لنحصل على إذن خروج مساء يوم غدٍ لحضور الحفل.

" تبدوان جميلتين لدرجةٍ جعلتني أنسى غضبي عليكما لعدم إخباري بذهابكما إلى حفل جونسون "
قالتها كلوديا الجالسه على مقعد جلستنا بينما تنظر إلينا بذهول.

1

كنت وآللورا قد إنتهينا من تجهيزاتٍ أخذتْ وقتاً طويلاً لأنه لم يوجد غير آنّا ليساعدنا على ذلك.

إرتدت آللورا ثوباً بلون ذهبي داكن عانق أعلاها وحتى حواف التنورة حيث يصبح منفوشاً من هناك بتعرجات وتداخلات كثيرة. أبزر الثوب قوامها الممشوق مع قفازات بلوب البيج. وقد رفعت لها آنّا شعرها الأسود الداكن بضفيرة ملتفه ومشبك ذهبي وأقراط بنفس اللون.
بدت جميلة للغاية ولافته وقد اعطاها هذا ثقة كبيرة بنفسها قبل الذهاب إلى مكان مليئ بأفراد الطبقة النبيلة.

4

بينما كان ثوبي أبيض بطبقة وردية داخلية، وبظهر مفتوح وربع كمٍ ارتديت معه قفازاتٍ قصيرة بينما تركت آنّا شعري ينسدل ليغطي الجزء المكشوف من جسدي.

27

إبتسمنا لـ كلوديا والتي كانت تنظر إلينا بفخر أم تنظر إلى إبنتيها. بينما قلت لها مقتربة:
" أسفه على إخفاء الأمر عنكِ كلوديا. "
" لا بأس. بما أنكِ ستذهبين برفقه من تحبين فهذا سينسيني بعض غضبي، المهم فقط أن تخبرني بالتفصيل لاحقاً كيف جرى الأمر "

3

أكملت كلاهما وهي تغمز لي لأهز رأسي ضاحكة بينما قررت هي أن تذهب إلى آللورا لتعلق على ثوبها. أقبلت آنّا إلي متسائلة:
" هل أنتِ مستعدة؟ "
" همممم نعم أظن ذلك "

حاولت الإقتناع بإجابتي قبل قولها فربتت على كتفي مساندة لي.

كان قد وصلنا رد من والديّ قبل ساعة فقط يتحدثان عن صدمتهما لهذا الخبر. لكن في نفس الوقت لم يعارضا وقد طلبا مني إخبارهما مستقبلاً بمثل هذه التصرفات في وقت مبكر.

2

بالتأكيد لم أخبرهما بشأن ذهاب آللورا معي وإلا لما إنتهى الموضوع بهذه البساطة دونما شرح مفصل لهما عن سبب اصطحابها لهكذا حفل برفقة الماركيز.

2

بينما لم يصلني أي رد من إرنست بعد. وهو ما أخافني.. فهو الموجود هنا في لندن وهو من يستطيع مقابلتنا ومنعنا إن أراد.

14

إلمر من جهة أخرى أرسل رسالة إلى آللورا لم تقم بإخباري ما ورد فيها لكن لا يبدو أنه قد منعها من الذهاب فهي لم تغير رأيها بل بدت أكثر عزماً على الذهاب.

ليس بوقت طويل عندما جاءت إحدى العاملات في الكلية لتخبرنا بوصول عربة اللورد.

أمام بوابة الكلية. ومضاءة بأضواء الشارع العالية وقفت عربته التي يقودهما حصانان جديدان.. فكرت أنني أود معرفه إسميهما ووضعت ملحوظة أن اسأل اللورد لاحقاً.

5

بقربي أمسكت آللورا بساعدي وقد بدأت تشعر بالخوف كما يبدو. شددت على يدها مطمئنه فنحن لن نكون وحدنا هناك على الأقل.

خرجنا عبر البوابة وإلى العربة التي فُتح بابها قبل وصولنا. توقعت خروج اللورد أغسطس... ولم أتوقع أبداً أن يخرج إلينا إرنست غرين.

123

توقفت كلانا عن السير مندهشتين وإرنست ينزل من العربة وقد بدت ملامحه جامدة للغاية.
همست بحيث لم يسمعني سوا آللورا بقربي:
" يا إلهي نحن في ورطة "

2

أقبل إلينا إرنست وتوقف أمامي مباشرة بملامحه تلك بينما ينظر الي من عُليه وقد اعاد يديه إلى خلف ظهره كأنه ينتظر مني تفسيراً.  إبتسمت محاولة أن أبدو طبيعية:
" إرنست.. ما الذي تفعله هنا؟ "

3

رفع حاجباً بعد سؤالي ثم أطلق ضحكة بدون أي فكاهه فيها ثم قال بجمود كبير:
" بل أنا من يجب أن يسألك... ما الذي تفعلينه إزابيلا؟"
" ... إرنست، أسفة لعدم إخبارك لكن يجب أن نقوم بهذا قبل أن... "

" إذاً كان عليكِ إخباري! "
قاطعني بغيظ فقلت:
" لكنك كنتَ ستمنعني! "
" لن أمنعكِ إن أقنعتني بأسبابكِ إزابيل... "

3

هتف بها بغضب ممزوج بخيبة أمل وبعض رجاء. ليجعل آللورا تجفل وتترك ساعدي. لكني لم أتحرك وأنا أستمع إليه يكمل قائلاً:
".. لو كنتِ أخبرتني بكلما يجول في رأسك لكنت استمعت اليك أكثر. ألا أفعل ذلك دوماً أختي!
لكنك كالعادة لا تضعين هذا في الإحتمال من الأساس. أنتِ فقط تفعلين ما تريدين ولا تهتمين لما قد أشعر به من قلق عليكِ ومن.. غيظ لتركي جانباً بينما انتِ تقومين بكل شيء "

8

سقط فمي مندهشة و لم أدري ماذا أقول لكنه لم يترك لي مجالاً للحديث وهو يكمل بنفس غيظه:

" ... ومن ثم لماذا إنزعجتي مني عندما لم أخبرك بما دار بيننا واللورد في الصيف!؟ أنتِ لا يحق لكِ الإنزعاج مني لإخفائي الأمور عنكِ.. فأنتِ أكثر من يفعل ذلك، ليس لي فقط بل للجميع..
توقفي عن فعلها قبل أن تعاتبيني إزابيلا. "

3

ختم كلامه الذي وكما يبدو كان يكتمه منذ وقتٍ طويل ثم إلتفت عائداً إلى العربة دون أن يلقي نظرة ناحيتي أو يساعدني على الركوب كما اعتدت منه بعد أن تركني أتخبط في مشاعري.

للحظة لم أتحرك والصدمة تجتاحني فلقد جرحت مشاعري أخي التوأم بقوة كما يبدو.
أخيراً سألتني آللورا بصوت خافت:
" إزابيل هل أنتِ بخير؟ "

1

أغمضت عيني وقلت كأنني اطمئن نفسي وليس كإجابة على سؤالها:
" لا تقلقي. لن يبقى غاضباً علي لوقت طويل. "
وقبل أن ترد نزل شخص أخر من العربة، اللورد أغسطس.

4

متألقاً في بذلة سوداء كاملة بذيل طويل وإبتسامة كبيرة تزين وجهه. ورغم الشعور السيء الذي يغمرني تجاه إرنست إلا أنني لم استطع سوى أن أظهر إبتسامة عندما إقترب منا وحيانا بأدب معلقاً على شكلنا.. قلت:
" شكراً على لطفك سيدي، ومرحباً بعودتك "
" لا داعي للشكر أنسة إزابيل. هيا لندخل إلى العربة أرجوكما "

اقترب الحوذي ليمسك الباب بينما كانت آللورا تصعد أولاً. بقربي وقت اللورد أغسطس وقد علمت أنه سيعلق على ما دار بيني وأخي قبل قليل. وبالفعل همس لي قائلاً:

" لا أريد التدخل بينكما. لكن لا تغضبي عليه. فهو فقط يقلق عليك كثيراً، أكثر من نفسه حتى "
نظرت إليه بشبح إبتسامة ثم إلى العربة وقلت:
" لا تحتاج لأن تخبرني بذلك. أفهم سبب غضبه وأظنه محقاً.. لقد بالغت كثيراً في الآونة الأخيرة لذلك استحق غضبه علي "

3

لابد أن نبرتي كانت حزينة إذ فوجئت وأنا أشعر بيده تمسك براحتي بينما يمرر ابهامه عليها في شكل دائرة ويقول مبتسماً:
" وكما تفهمين سبب غضبه لابد أنك تعلمين أنه لا يستطيع أن يظل غاضباً عليك للأبد.. فهو يحبك كثيراً. أكثر من نفسه حتى "

3

غير جملته قليلاً فكان وقعها اكبر في داخلي. مما جعلني ابتسم ابتسامة كبيرة امتدت اليه ايضاً، لم يمهلني لأعلق وقد سحب يدي ليساعدني بنفسه على الصعود.

وبينما كنت أرفع نفسي لأدخل همس اللورد في أذني قبل أن أفلت يده:
" بالمناسبة.. تبدين فاتنه للغاية "

23

لم أستطع إبداء رده فعل على كلامه فلقد وقع إرنست امام عيني فور دخولي وهو يجلس واضعاً يداً فوق الاخرى وساقاً فوق الاخرى بينما ينظر إلى الشارع بالنافذة المقابلة.

ذهبتُ وجلست قرب آللورا ثم جاء اللورد وجلس مقابلاً لي مغلقاً الباب وقد طلب من السائق أن يتحرك.

ساد صمت مربك أجواء العربة وقد كان اللورد هو الشخص الوحيد المبتسم بيننا. إذ ارتبكت عندما رأيت مقدار غضب ارنست والذي منعه حتى من أن يبدي آدابه.

25

كسر اللورد أغسطس الصمت وقد قال قاصداً آللورا:
" انسة آللورا.. أنا سعيد بمقابلتك مجدداً "
بإرتباك نظرت إليه وقد بدت مستغربة توجهه الحديث إليها.

" ها؟.. آآه انا أيضاً. سعيدة مقابلتك سيدي... و أود شكرك على مساعدتنا وإعطائنا هذه الفرصة "
" لا داعي للشكر أنسة آللورا إنه أمر بسيط ولا يستحق "

ثم قام بأخذ شيء كان موجود قربه وقال وقد مده إليها بنبرته العملية التي أحببتها:
" لقد قمت بملاقاه صاحب الدار التي كنت تتعاملين معها لنشر اعمالك، ودار الكثير من الجدل. لكن في النهاية إستطعت إيجاد حل "
أخذتْ منه مظروفاً وقد تسائلتْ:
" ما هذا؟ "

2

" وضعتُ لك نتائج كلما مررتُ به هنا. لأنه لا اظن أننا سنجد وقتاً لمناقشة التفاصيل سوياً. وضعت نسخة أيضاً من رسالة فسخ العقد من الدار القديمة. والعقد الجديد مع دار النشر التي إختَرتِها.
يمكنك قرائته بتمعن عندما تعودين. لقد وافقوا على نشر عملك الجديد. ونريد توقيعك على الاوراق الموجودة في الداخل إن كان جميع التفاصيل المذكورة جيدة معكِ، وإن احتجتي لفهم اي شيء استصعب عليكِ يمكنك مراسلتي وسأحضر محاميّ الخاص ليشرح لك شروط العقد بشكل مبسط. "

إتسعت عيناها سعيدة بينما هَمَست:
" هل حقاً إستطعت فعل كل هذا؟ "
" نعم. لم يكن الأمر صعباً في الحقيقة فلقد كان عقدها الأول مجحفاً كما أخبرتكِ من قبل. لم يبقى فقط سوى الحصول على موافقتها والبدء في تحرير أخر أعمالها من أجل نشره "
" سأفعل.. سأوقع وأرسل لك موافقتي "

هتفت آللورا بسرعة ما إن أنهى جملته فإبتسمنا.
خبر سعيد قبل مواجهة والدها يعطيها دفعه ثقة أخرى.

" هل يمكنني ان أعرف ما الذي تتحدثون عنه؟ "
تدخل إرنست فجأة فإلتفتنا إليه ولأنتبه أنه لا يعلم شيئاً عن كون آللورا كاتبة. وليزداد إرتباكي. فها هو أمر اخر أخفيته عنه واكتشفه بعد أن تصرفت في شأنه لوحدي.

لكن وقبل أن أقول أي شيء تطوعت آللورا وشرحت له الموضوع بنفسها ومركزة على أنها أجبرتني ان لا تخبر أي أحد.

وما إن إنتهت حتى قال إرنست:
" إذاً انتِ من كتب تلك الرواية!!
لقد أجبرتني إزابيل على قراءتها من شدة ما أعجبت بها. وأعترف انها كانت جيدة للغاية "
" أليس كذلك؟ أنا أيضاً لم أستطع التصديق أنها نفس الشخص في البداية، لقد كنتُ طوال الوقت اعيش برفقة كاتبة موهوبة دون أن أعل... "

بدأت حديثي بسرعة وبحماس لأتراجع من فوري ولا أكمله وقد تذكرت كونه غاضباً علي، وسط نظراتهم التفتُ بعيداً عنه دون أن أضيف اي شيء.

1

أطلق إرنست تنهيده وقد رأى تراجعي أمامه ثم قال:
" لا يجب عليك التصرف معي هكذا إزابيلا. أنا أسف لغضبي عليكِ لكن لقد... "

1

توقف للحظة وهو يرمق اللورد الباسم بطرف عينيه ثم يكمل قائلاً:
" لقد أزعجني كونك ذهبتي إليه ليساعدك ولم تأتي إلي. "

47

لحظة إندهاش. ثم تفهم. بينما رسم اللورد إبتسامة جانبية أزعجت إرنست بينما يكمل:
" رغم كوني كنتُ أشجع على علاقتكما في البداية لكن وبعد أن بدأ الأمر بالفعل...  يا إلهي تباً "

16

همس بها بغيظ شديد وهو يعود بظهره في المقعد الوسيع... من دون أن أدرك وجدتُ نفسي أضحك..
لينظر إلي بغيظ ليرافقني اللورد وهو يضحك أيضاً بينما غطت آللورا فمها بيدها لكي لا تظهر إبتسامتها مراعية لمشاعره.

قلت أخيراً وأنا أتوقف عن الضحك:
" أخي الحبيب ليس عليك الشعور بالغيرة تجاه أي شخص. فلا أحد سيأخذ مكانك بالتأكيد "
" هه نعم صحيح "
بلامبالاة ناكرة قالها بينما تحدث اللورد قائلاً:

" لقد جائني هذا الصباح وهو منزعج بعد أن علم بذهابنا سوياً للحفل. وإنزعج أكثر عندما علم كامل الخطة. لقد كاد أن يمنعنا من الذهاب لكني أقنعته "

" بالتأكيد سأنزعج. لا يمكنكم التخطيط للذهاب إلى الحفل هكذا دونما إخبار كل المعنيين بالأمر "
" آللورا أهم هؤلاء المعنيين ويكفي أنها تعلم "

قلت فرمقني بغيظ:
" إزابيل أنتِ تتهورين. ذهابكما سيجلب مشاكل فقط. أوليفيا ستتسائل والسيدة ماركلين ستغضب وربما يُفسد كل شيء و... "

1

" لا تتحدث وكأن ذهابنا هو المشكلة الوحيدة!. ماذا سنفعل لو أخبرت الدوقة أوليفيا بالحقيقة؟! "
" لقد تحدثنا في هذا من قبل. هي لن تقوم بفعل شيء كهذا في حفل كهذا ويم.. "

كان جدالنا سيستمر لو لم يتدخل اللورد قائلاً:
" حسناً حسناً. ليس هناك داعٍ لكل هذا. لا تقلق إرنست فأنا سأكون معهما ولن أسمح لأي شيء سيء بأن يحصل "
" يجب عليك هذا "

بحدة ومتناسياً أمر كون اللورد أغسطس ذو مكانة عالية قالها. ليطبق اللورد على شفتيه يمنع إبتسامته من أن تتسع أكثر غير منزعج من معاملة إرنست.

7

مما أزعجه وهو يلتفت لينظر عبر النافذة.
أنا أيضاً كنتُ منزعجة من تصرفات إرنست ورغم كوني أعلم أنني مخطئة في إخفاء ما نود فعله عنه إلا أنه يبالغ قليلاً في ردة فعله.

آللورا بقربي كانت متوترة وهي تنظر لكلينا ولابد أنها تشعر بالذنب أكثر لشجارنا الجديد بسببها.
وفي وسط ذلك الصمت جلى اللورد حنجرته ليلفتنا ناحيته قائلاً:

" حسناً بما أن الجو متوتر بينكما أود تغييره بعض الشيء "
وضع إرنست يداً فوق الأخرى قائلاً:
" وما الذي قد تقوله ويغير الجو بيننا؟ "

ضيقت عيني وأنا أنظر إليه بغيظ عله يغير من نبرته مع اللورد، بينما تجاهله وهو يقول:

" هو خبر سيسعدكما في الحقيقة. لقد أخبرني به هاري هذا الصباح "
لفت إنتباهي دخول هاري في الموضوع. سألت بسرعة:
" ماذا به هاري؟ "

أجاب: " أخبرني أنه سيذهب نهاية الإسبوع المقبل إلى مدينة مانشيستر لخطبة فتاة ما يحبها تعيش هناك "

لوهله لم نعلق وقد أخذنا بعض الوقت لنستوعب ما قاله. ليسأله إرنست:
" أتعني أن هاري سيذهب لخطبة إليزابيث؟ "
" نعم. هذا ما يعنيه كلامي "

15

كورت فمي مندهشة ورفعت يدي لأغطيه قائلة:
" مستحيل! متى قرر ذلك. لم تخبرني إليزابيث بهذا "
" هذا في الحقيقة لأنه قد أرسل إليها هذا الصباح فقط ليعلمها بالأمر. لقد أراد تجهيز بعض الأمور قبل الإقدام على هذه الخطوة. وكان هذا هو سبب عودته مجدداً في إجازة "

" يا إلهي.. يا إلهي هذا حقيقي!!. هاري يريد خطبة إليزابيث!
آللورا إليزابيث ستتزوج! "
قلتها بإنفعال سعيدةً وأنا أمسك بيد آللورا التي كانت مبتسمة ملء وجهها وهي تقول:
" نعم. كم هذا رائع "

2

إلتفت بسرعة وأنا اسأل اللورد عن تفاصيل أخرى وكذلك فعل إرنست. وشتتنا ذلك بنجاح حتى وصلنا إلى قاعة الحفل.

توقفت العربة أمام القاعة التي يقام فيها الحفل. ثم أقبل أحد الخدم وهو يفتح الباب من أجلنا.

أخذتُ وآللورا نفساً لنهدء من أعصابنا بعد كل ذلك الإنفعال. لقد حان أخيراً الوقت.

خرجت هي اولاً ثم اللورد الذي قام هو بمساعدتي على النزول.

وقبل أن يُغلق الباب خرج إرنست برأسه من داخل العربة قائلاً لنا بتحذير:
" لن تقوما بأي عمل ما لم يوافق عليه اللورد. ولا تغضبا السيدة ماركلين بأي وسيلة كانت.
وبالنسبة لكَ سيدي اللورد... من غير المسموح لك تجاوز الخطوط مع أختي.. لن اكون موجوداً لكني سأعرف إن فعلت لها أي شيء "
لم تتغير الجدية في صوته وهو يشير ناحيه اللورد بسبابته.

20

" إرنست!! "
هتفت صوت خافت وأنا انظر من حولي خشيه أن يكون أي أحد سمعه. بينما قهقه اللورد قائلاً:
" لا تقلق عزيزي. أختك بأمان معي "
" أرجو ذلك "

5

قالها بنصف عين ثم أردف قبل أن يدخل ويغلق الباب:
" سأتي مرة أخرى في طريق العودة لأصطحبكم. "
أغلق الباب. وتحركت العربة.

فجأة تحول إرنست من الأخ الذي كان يدفعني لتحسين علاقتي مع اللورد. إلى الأخ الذي يفرط في حمايته لي من نفس ذلك اللورد الذي كان يريد مني تحسين علاقتي معه.

9

همست معتذرة له. لكنه هز رأسه قائلاً:
" أنا أتفهم رغبته في حمايتك. "
ثم مد ساعده لي:
" هل نذهب الأن؟ "

أخذت نفساً وأخرجته. أدخلت يدي في ساعده ثم نظرت إلى آللورا التي كانت متماسكة وقلت:
" لنذهب ".

..........


الانتقال إلى الفصل التالي