رواية حدث ذات مرة في ويلفيرتون الفصل 16
(16)
لم تمطر السماء في جنازة جون أوتمان وكينث دوبلات، لم تظلم على الأقل أو حجبت أشعة شمسها التي كانت مشعة أنارت الدنيا بحبور إنعكس على الأزهار والأشجار التي إستغلت كل شعاع ضوء لتتفتح بأبهى حلة. لكن وعلى رغم أن الكون الذي لم يبدي أي تعازيه لوفاه الرجلين إلا أن سكان القرية كانوا في حداد.
أغلقت جميع المحال وخلت جميع البيوت والطرقات وفي مقبرة القرية إمتلأ العشب الأخضر بمن يتوشحون السواد وصوت أنينهم يكاد يزعج الموتى من حولهم، إستمع الجميع لمحاضرة القس التي تحدث عن الموت وسنة الحياة بينما جميعهم يعلم في داخله أن الحياة كانت تنتظر هذين الرجلين، حياة طويلة وناجحة لو لم يلتقيا بالشيطان فجأة في منتصفها.
وفي أخر المراسم كان على أصدقاء وعائلة الميتين إلقاء كلمات قصيرة عنهما ليتصدر المتحدثون بضعة أسماء جاءت من خارج القرية كانوا من معارف الرجلين الكثيرين إلى أن دُفع بفتى أشقر في السابعة عشرة كان يقف شامخًا يحدق في التابوتين الأسودين أمامه دون أن يرف له جفن، دُفع به ليلقي كلمة عن والده.
2
ديريك أوتمان كان إبن والده المميز، منذ صغره إمتاز بصحة جيدة وبنية قوية جعلته الساعد الأيمن لوالده في مهامه الشاقة داخل الغابة، هذا غير سرعة بديهته وذكائه الذي أشاد بهما معلمه الأول والأخير كينيث دوبلات حيث كان من الطلبة الأوائل في المدرسة التي أنشاءها ليتعلم منه الكثير من العلوم التي كان ديريك يتسائل دائمًا متى قد يستفيد منها لكنه تابع مع ذلك التعلم منه فقط لكونه يحترم الرجل.
4
والآن وجد ديريك نفسه أمام هذه الفاجعة، لم يخسر فقط والده بل معلمه أيضًا.
ملامحه البرئية إكتسبت ظلمة لم يلحظها أحد بينما أخذ نفسًا وهو لا يزال يحدق بالتابوتين أمامه وقال بعد هيينة بنبرة هادئة وعميقة:
-فلترقد يا والدي بسلام وطمأنينة فأنا من تركت خلفك وأعدك أنني لن أخيب ظنك فيّ يومًا.
كلماته البسيطة أثارت المزيد من النحيب من قِبل السيدات اللاتي ظنن أن ديريك لم يستطع قول المزيد أو أن يذرف أي دمعة لأنه لم يستوعب حتى الآن أن والده لن يعود أبدًا، لكنه كان العكس تمامًا.
وبعد أن إنتهى ديريك من كلمته سأل القس السيدة دوبلات إن كانت ترغب في إلقاء كلمة لزوجها لكن السيدة كانت بالكاد تستطيع الوقوف بمساعدة إبنيها الصغيرين والذين لا يبدو أنهما يستوعبان كل ما يحصل أمامها، وفقط عندما ظن القس أن لا أحد سيتكلم خطت هي من خلف والدتها قائلة:
-أرغب في قول شيء عن والدي.
فوجئ المتواجدون من تطوع صوفيّا لذلك. فقد كانت صوفيّا دوبلات دائمًا الفتاة الهادئة المثالية، تجيد كل الأعمال الخاصة بالنساء من تطريز وترتيب وطبخ هذا غير كونها التلميذة التي تحولت لمعلمة في مدرسة والدها وهي لا تزال في الخامسة عشرة ليجعلها ذلك الفتاة الواعدة والتي يحلم كل الشباب بكلمة منها، لكن الجميع ظن أنها بجمالها وذكائها يمكنها أن تحصل على رجل أفضل من شباب القرية، نبيل ربما!
لكن كل ذلك قد تغير وقد أصبحت الآن بدون والد ولديها إخوة يصغرونها، لقد تغير عالمها فجأة لكنها وياللغرابة ورغم ذلك لم تبدي الكثير من الضعف، سال دمع عينيها بغزارة لكن وجهها ظل جامدًا وعيناها ثابتتان تحدقان بشجاعة إلى التابوت الذي حوى والدها.
أذن لها القس بالحديث فقالت دون تردد:
-بسبب كل الخير الذي قمت به يا والدي أنا متأكدة أنه وفي يوم ما ستتحقق العدالة وسيلحق بذلك الذي قتلك عقاب لن يستطيع تخيله أبدًا.
1
حدق الجميع لبعضهم برعب وهمست والدتها بإسمها بضعف بينما ورغم كل ذلك لم ينطق أحد بكلمة عكس ما قالت فهذا ما يتمنونه جميعًا في دواخلهم.
وعلى مرأى من عينيها وبينما تمسك بشدة بثوبها الأسود قام الرجال ومن بينهم ديريك بإنزال التابوتين وغمرهما بالتراب.
عاد الجميع إلى القرية حيث يقام العزاء في باحة المكتبة التي ساعد دوبلات في إنشائها لكي يتسع المكان للجميع، كل التركيز كان على الأرملة التي سيكون بإنتظارها الكثير من الأوقات الصعبة هي وولداها الصغيران لذلك لم ينتبه أحد أن الإبنة الكبرى والتي كانت تساعد في مرحلة ما على تقديم المشروبات للحاضرين قد إختفت فجأة.
سارت صوفيّا اليافعة بحزم بين طرقات القرية الحجرية الخالية متجة ناحية القصر أخر الطريق، في عينيها حزم وفي جسدها قوة إكتسبتها من غضبها العميق. أمسكت قبضتها بقوة بفستانها كأنها تحمي شيئًا إلى أن صدر صوت أوقفها قائلًا:
-إلى أين ستذهبين صوفيّا؟
إلتفتت بسرعة ناحية ديريك الذي لم تتوقع وجوده هنا، كان يجلس في حافه مدرج وقد خلع بذلته السوداء ليبقى بالقميص الأبيض وبنطاله الأسود وقد كان منزلًا رأسه بحيث لم ترى عينيه بسبب شعره الذي إنسدل تجاهها، لكن نبرة صوته كانت متحشرجة فعلمت أن ديريك كان يبكي.
فجأة تسارع تنفس صوفيّا وكادت أن تبكي هي أيضًا فهي لم ترى ديريك يبكي من قبل لولا تماسكها وهي تقضم شفتها ثم أخيرًا أجابت تساؤله:
1
-أنا.. أتمشى.. فقط.
نظف ديريك أنفه ثم وبباطن كفه مسح وجهه ونظر ناحيتها دون أن يتحرك من مكانه:
-تتمشين ناحية القصر؟
أبعدت صوفيّا نظرها عنه دون إجابة فعلم أن ظنه كان صحيحًا ليلفت نظره قبضتها التي تمسك بشيء تواجد في جيب فستانها بقوة، عاد ينظر إليها قائلًا:
-ما هذا الذي في جيب ثوبك؟
شهقت وهي تنظر إليه برعب لكنها سرعان ما قالت وهي تتراجع خطوة:
-ليس هناك أي شيء.
-كاذبة.
قال بسرعة وهو ينهض متجهًا ناحيتها بسرعة لم تمهلها أن تتحرك بعيدًا ليقف أمامها مباشرة ويدخل يده داخل جيب فستانها فشهقت بعنف حينما أخرج تلك السكين ويرفعها بين وجهيهما.
إرتبكت صوفيّا ولم تعرف أين تنظر ليقول لها:
-هل تظنين أنك ستستطيعين قتله؟
-نعم - قالت بإصرار فقال بسخرية:
-ستهاجمين رجلًا في عقر داره بهذه السكين! لن تستطيعي دخول البهو من الأساس فالخدم سيمنعونك.
-لن يمنعوني، فجميعهم كانوا يحبون والدي وجميعهم يكرهون اللورد.
إبتسم ديريك بسخرية ثم قال:
-لنقل أن ذلك صحيح، أفسح لك الخدم الطريق ووجدتي نفسك أمام اللورد، هل تظنين أنك تستطيعين قتل رجل في قوته بيديك اللتين لا تجيدان سوى الخياطة والكتابة بالقلم؟ حتى والدانا لم ينجحا في ذلك.
الحقيقة التي ذكرها جعلت الدموع تتفجر في عينيها فهي تعلم ذلك، تعلم تمامًا ذلك لكنها لم تستطع البقاء دون فعل شيء لتقول بينما تنهمر دموعها:
-إذًا سأموت وأنا أحاول ذلك، فهذا أفضل من البقاء في عالم يعيش فيه قاتل أبي بحرية. - ثم أضافت بعد أن نظفت أنفها - وموتي سيسهل الحياة على أمي، لن يكون عليها القلق على فتاة في سن الزواج بعد الآن.
مرة أخرى ضحك ديريك بسخرية وأنزل السكين القابع بينهما بينما إرتفعت يده الآخرى لشعره وقال:
-يالك من ساذجة صغيرة. - ثم أضاف بعد تنهيدة وهو يقوم بمسح دمع عينيها بأصابعه - لكنك لا تحتاجين لفعل ذلك وحدك. فأنا ساذج مثلك تمامًا.
حدقت صوفيّا فيه بإندهاش ليبتسم إبتسامة لم يتصور أنه قد يخرجها بعد الآن ويربت على خدها قائلًا:
-لنذهب.
أدخل ديريك السكين بين حزامه وبنطاله من الخلف ثم أمسك بيد صوفيّا وقادها إلى القصر.
1
...........
رغم الثبات الذي يبديه اللورد كاريت إلا أن دواخله كانت مضطربة للغاية فهذه المرة هو لم يضرب خادمًا حتى أدماه أو تحرش بخادمة دون إرادتها بل لقد قتل شخصًا... شخصين!! لذلك كان مضطربًا بل وخائفًا من أن ينتهي به الأمر في السجن لكن وبعد مجيئ كريستوفر هاثواي الضابط المسؤول في الشرطة المحلية لهاردفورد وجد أن القدر يقف في صفه.
تفهم هاثواي الشاب قصته وما حصل ثم أكد للورد الشاب أن لا ضرر سيصيبه ما دام يستطيع إبقاء خدمه صامتين عما حصل فهو سيستطيع جعل ما حصل يبدو كشجار وقع ضحيته المتشاجران.
وها هو يفي بوعده، جاءه هاثواي هذا الظهر ليخبره أنه قد أنهى تقريره عن الحادثة ورفعه إلى رؤسائه دونما مشكلة وأن لا أحد الآن سيستطيع إتهامه بشيء فالحقائق قد سجلت في التقرير كما يريدها.. وإن تجرأ سكان القرية على تحديه فهو يعلم كيف يمكنه إسكاتهم.
ملات وجه اللورد إبتسامة مرتاحة وهو يخرج مرافقًا الضابط إلى الحديقة الخارجية حيث أوقف حصانه وبرفقته خادم يرتجف لم يرفع عينيه عن الآرض. قال اللورد بنبرة مبتهجة:
-أنا سعيد أن الرئاسة أصبحت ترسل ضباطًا واعدين مثلك فهذا سيساعدني في الكثير.
بإبتسامة جانبية رد هاثواي وهو ينحني قليلًا:
-وأنا سأكون في خدمتك دائمًا سيدي.
-أخبر المدير أن يتوقع زيارة مني في الأيام المقبلة وسأحدثه عنك عله يكافئك بترقية تستحقها.
توسعت إبتسامة هاثواي هو الأخر بينما يشكر في اللورد ليتابعا طريقهما إلى حيث الحصان، أعطاه الخادم اللجام ثم إبتعد بسرعة دونما أن ينظر ناحيتهما. إرتدى هاثواي قبعة زيه وقفازيه ثم أمسك بسوطه بينما يستعد لإمتطأ حصانه ليتوقف فجأة ويسأل اللورد:
-بالمناسبة سيدي، لقد مررت بالقرية في طريقي وقد كانت خالية تمامًا، أين هم القروييون؟
بإستهزاء أجابه:
-لابد أنهم في جنازة أوتمان ودوبلات، هؤلاء القروييون الحمقى.. يوقفون أعمالهم من أجل جنازة لهذين الإثنين!
رغم تواطء هاثواي معه إلا أنه وفي داخله تفاجأ من رده هذا، حتى الجنازة أمر يراه كثيرًا عليهما، ليهز رأسه وهو يذكر نفسه أن كل هؤلاء النبلاء هكذا.. كائنات ترى كل العالم قد خلق من أجل خدمتها لكنه لم يكن ينوي البقاء لوقت طويل يخدم في أمثاله فهو سيشق طريقه وسيصبح شخصًا عظيمًا يجعل النبلاء ينحنون له إحترامًا.
فجأة إنتبه الرجلان إلى شاب وفتاة يرتديان الأسود ويقفان أمامهما.
تلفت كاريت من حوله باحثًا عن خادم يسأله عن سبب دخول هاذين إلى هنا وعندما لم يجد أحدًا قال ناهرًا:
-من أنتما وكيف دخلتما إلى هنا!!
رد عليه ديريك: إسمي ديريك.. ديريك أوتمان. وهذه يا سيدي تكون صوفيّا دوبلات.
أمسكت صوفيّا بأطراف فستانها بإحترام ليعقد اللورد حاجبيه بإستفهام بينما أكمل ديريك:
2
-ولقد دخلنا عبر البوابة، كانت مفتوحة ودون حارس يقف عليها لذلك ظننا أنه يمكننا الدخول علك تشاركنا الحال الذي نحن عليه.
إزداد إستفهامه وبقربه وقف هاثواي مراقبًا دون تدخل. هتف اللورد:
-ما الذي تتحدث عنه أيها الفتى؟
إبتسم ديريك دون رد ثم وفجأة ترك يد صوفيّا وأمسك بالسكين بينما أسرعت خطواته ناحية اللورد بعد أن تغيرت ملامحه إلى أخرى غاضبة، قاسية وحاقدة أخافت اللورد وجعلته يصرخ متراجعًا للخلف وهو يرى تلك السكين موجهة ناحيته.
ظن ديريك أن الأمر سيكون سهلًا فاللورد لن يتوقع أن يهاجمه فتى بسكين أبدًا وسيستطيع إصابته إصابة بليغة على الأقل تذكره بما فعله للأبد، لكنه لم يضع في باله تواجد هاثواي.
فجأة قطع هاثواي تقدمه وهو يمسك باليد التي تحمل السكين ويدفع به إلى الخلف بعيدًا عن اللورد المرعوب لكن ديريك تماسك وقد حاول تخليص يده ليرفع حينها هاثواي السوط الذي يستخدمه على حصانه ويضرب به ديريك على جسده.
ضربة كان وقع صوتها قويًا كقوتها التي جعلته يتراجع وهو يصرخ متألمًا وجعلت صوفيّا تغطي فمها متفاجئة، ثم ضرب أخرى كانت أقوى لكنها لم تتجه إلى جسده بل إلى رأسه بعد ان إنحنى متألمًا من الضربة الأولى لتنجح في جرحه جرحًا عميقًا في جبينه إمتد من اعلى جبهته وحتى حاجبه الذي تمزق إلى نصفين.
1
تراجع ديريك مرة أخرى لكنه لم يستطع التخلص من هاثواي والذي كان لا يزال يمسك بيده التي تمسك بالسكين ضاغطًا عليها بقوة حتى أفلتها لكن هاثواي لم يوقف هجومه بل تابع يضرب ديريك بسوطه رغم صرخات الفتى حتى تعثر وسقط جسده أرضًا إلا يده التي يحكم عليها هاثواي.
وتحت ناظري اللورد متسارع الأنفاس كان ذلك المشهد الذي إنضمت له صوفيّا وهي ترمي جسدها على ديريك لتحميه من ضربة سوط قادمة إستقرت على ظهرها فجعلتها تصرخ بألم عظيم لم تمر به من قبل.
1
توقف هاثواي فجأة وهو يرى هذه الفتاة تحمي الفتى ليفلت يد ديريك فتستقر فورًا على ظهر صوفيّا وقد قال لها معاتبًا:
-لماذا فعلتي هذا يا غبية.
لتجيبه بينما كانت لازالت ترتجف من شدة الألم ويداها تحكمان على عنقه:
-إصمت، ليس وقتًا للعتاب الآن.
ظل هاثواي ينظر إليهما لثوانٍ ثم قرر أن هذا يكفي فهو لم يرد التسبب بالكثير من الأذى لمجرد طفلين، أراد البحث عن خادم ليطردهما لكن صوت كاريت الغاضب جعله يجفل حيث قال:
-تابع ضربهما، لماذا توقفت!
1
نظر هاثواي إليه بإستنكار قائلًا:
-لكنهما طفلان!
-إنها ولدا ذلكما المعتوهين، من غيرهما سيتجرأ على أن يخطو داخل قصري! ستندمان على ذلك أيها الوقحان.
كان يتحدث وقد إستجمع قوته أخيرًا ونهض متجهًا ناحية حصان هاثواي حيث تم تعليق هراوة تستخدمها الشرطة ضد المشاغبين والسكارى ليأخذها ويتجه ناحيتهما.
ديريك ومن فوق كتف صوفيّا رأى إقتراب اللورد بالهراوة فقال لها وهو يحاول إبعادها عنه:
-إبتعدي، سيضربنا بالعصا، إبتعدي صوفيّا.
لكنها أصرت وهي تحكم إحتضانه: لن أفعل.
لو لم يكن ديريك نفسه متألمًا بشدة من ضربات السوط قبل قليل لكان إستطاع إبعادها لكن جسده كله كان يئن ألمًا، كله ما عدا يده التي تحيط بظهرها ليقوم حينئذ بأخذها من خصرها وجعلها تستلقي على الأرض بجانبه مقابلة له وليتلقى كلاهما الضربات سواسية.
إستمر كاريت يضرب فيهما بقسوة تحت ناظري هاثواي الذي لم يستطع فعل شيء وتجمع الخدم ليصدموا من المنظر الذي غاب عنهم لكن أحدًا لم يستطع التدخل ومساعدتهما فهذا سيسبب فقط المزيد من غضب اللورد.
1
وفقط عندما إنقطعت أنفاسه توقف كاريت عن ضربهما ليقول وهو يرمي العصا جانبًا:
-هذا لكي لا تحاولا فعلًا غبيًا كهذا مرة أخرى.
2
ثم تفل عليهما مضيفًا: المرة القادمة لن تخرجا حيين من هنا.
1
إلتفت اللورد ناحية خدمه المرتعبين ليهتف بشدة:
-أين كنتم أيها الحمقى عديموا الفائدة! أنظروا ماذا حدث بسبب عدم قيامكم بعملكم!! لن ينتهي هذا اليوم على خير لكم أبدًا... هيا أرموهما في الخارج فورًا.
ختم صراخه ثم ذهب ليدخل إلى قصره بخطوات طبعت على الأرض. وفور دخوله إقترب الخدم من الجسدين الملقيين على الأرض وهم يتسألون عن حالهما بينما راقب هاثواي ذلك المنظر بحسرة وسخرية فهو لم يشفق عليهما أبدًا فتصرفهما كان غبيًا ويستحقان ما حصل لهما برأيه، ودون نظرة أخرى خرج هاثواي من القصر متمنيًا أن لا يعود إليه قريبًا.
...........
لم يغضب أحد من سكان القرية على فعلة ديريك وصوفيّا بل كان كل ما فعلوه هو تضميد جراحهما والتأكد من أنهما بخير.. حتى والدة صوفيّا كل ما فعلته كان ضمها إليها بالقوة التي تسمح كدماتها لها ثم تركتها لترتاح.
وحدهما جلسا، بينهما شمعة أضاءت ظلام الغرفة بعد أن غابت الشمس، إحتاج تضميد جرح جبين ديريك ساعتين والعديد من الغرز لذلك يبدو وجهه الآن كأنه خرج من مباراة مصارعة للتو. الدم المتخثر وتورمات ملأت كل جسده الذي تمت تغطيته بملاءة كبيرة وبقربه كان نفس حال صوفيّا لكن أحدًا منهما لم يشتكي.
1
تراقصت الشعلة محدثة ظلالاً في كل أرجاء الغرفة وساعد الصمت المطبق على جعلها تبدو كقصة حزينة صامته، ليقول ديريك فجأة وعيناه لم تفارقا الشمعة:
-لم يبق لي شيء في هذه القرية يا صوفيّا، لم يبق شيء... لذلك سأتركها قريبًا.
نظرت إليه صوفيّا وقالت: ترحل؟ لكن إلى أين.. أنت لا تمتلك أقارب خارجها.
-لا أدري، ولا يهمني حقًا. المهم أن لا أبقى في نفس المكان مع ذلك الوغد.
عيناه اللتين تنظران للشمعة غشاهما حزن عميق وغضب أيضًا، ولكونها تفهم ما يمر به قالت صوفيّا:
-لا بأس، لا أستطيع منعك فأنا أفهمك. - ثم أضافت بتردد - لكن.. لكن ماذا عن..
ليقاطعها ديريك قبل أن تكمل:
-لن أنسى، لن أنسى ما حصل لوالدينا ولن أنسى ما حصل اليوم.. سأبقى أذكره في كل لحظة وحين.
ثم مد يده إلى تلك الشمعة وأحاطها بكفه مكملًا:
-بل أقسم أنني سأجعلهما يدفعان ثمن كل شيء، أقسم أنني سأقتلهما بنفسي.
1
ملامحه أخبرتها أنه جاد وأنه سيفعلها مهما تطلب الأمر لتعقد عزمها هي أيضًا وتمد يدها ناحية الشمعة وتحيطها بكفها فبدا كأنهما يتصافحان بعد صفقة ختمتها النار وتقول:
-أنا أيضًا.. أقسم بذلك، يجب أن يدفع اللورد الثمن وسيدفعه غاليًا.
ثم أضافت بعد ثوانٍ: سأرحل أنا أيضًا لكن ليس الآن بل حتى يستطيع أخواي الإعتماد على أنفسهما.
عاد ديريك ليجلس مستقيمًا ويقول:
-إذًا أينا يفعلها أولًا فليتأكد من أن يكون الآمر مؤلمًا وقاسيًا لهما.
إستقامت هي الأخرى مؤكدة، وفي ظلام تلك الليلة عُقد قسم طال أمده لسنين طويلة.
............
في ليلة مثلها وبعد وقت ليس بطويل ترك ديريك القرية متوجهًا إلى لندن ليبحث عن عمل. لم يكن وقتها قد فكر كثيرًا في كيفية تنفيذ إنتقامه بل كان يجاهد لكي يبقى حيًا في عالم قاسٍ ترك فيه وحيدًا، ليجد نفسه في إختبار لقبول مجندين جدد لشرطة العاصة سكوتلانديارد، أمر لم يخطط له لكنه كان خيارًا يفتح له الكثير من الفرص مستقبلًا لذلك قرر ديريك الإستمرار فيه والعيش في لندن كديريك كارفين الشرطي والمحقق في سكوتلانديارد.
أما صوفيّا فبقيت في قريتها لسنتين تعمل وتساعد والدتها في شؤون المنزل حتى أكمل شقيقها الخامسة عشرة وأصبح بإمكانه العمل ليكفل نفسه وأخاه الصغير، حينها ورغم صعوبة الأمر تركت صوفيّا أيضًا قريتها دون رجعة.
كانت تعلم أن مقابلتها لكاريت مرة أخرى ستكون صعبة بالطرق العادية فلقد تم منعها وديريك من الإقتراب من قصر اللورد أو المشاركة في أي تجمع يقيمه مهما كان السبب أو الحوجة للناس، لذلك كان قرار ترك القرية صائبًا وقررت حينها أن تبحث عن عمل في منزل إحدى العائلات النبيلة والتي لديها علاقة بكاريت علها بذلك تستطيع الوصول إليه ولتحاول بعدها التقرب منه بكل الطرق حتى وإن إضطرت إلى إستخدام جسدها لذلك.
إنتهى بها الأمر تعمل معلمة لعائلة عريقة، ويلفيرتون، حيث تولت تعليم الإبنة الصغرى ذات السنوات الثمان اللغات والتاريخ وكان وريث لقب العائلة ذو السنوات الإثني عشر ينضم إليهما كثيرًا فلقد أحباها لكونها صغيرة في السن وتجيد التعامل معهما كأخوين حظيت بهما.
لم تتوقع صوفيّا التي دخلت إلى تلك العائلة وفي نيتها إستخدامها للوصول إلى إنتقامها أنها وفي وقت ما ستحب التواجد هناك، بل وستحب أفراد تلك العائلة كأنهم عائلة لها. وبمرور السنين وهي تكبر بينهم وجدت صوفيّا نفسها تؤجل أمر إنتقامها مرة تلو الأخرى، حتى يكبر غاري، حتى تعقل سارا، حتى تشفى الليدي جانيت، حتى ينجح مشروع اللورد ويلفيرتون، حتى يتزوج غاري، حتى تتزوج سارا... إستمر التأجيل وإستمر حتى إلتقت ديريك مرة أخرى.
..........
الانتقال إلى الفصل التالي