رواية حدث ذات مرة في ويلفيرتون الفصل 17
(17)
جلست صوفيّا في مقعد خشبي إستقر تحت ظل شجرة ظليلة في الحديقة الخلفية لقصر غرين هول، بدأ الجو يصبح أكثر برودة مما دفع بالخدم أن ينهوا أعمالهم في الخارج مبكرًا ليعودوا إلى القصر الدافئ مما ترك لصوفيّا المساحة والهدوء لترتاح قليلًا.
كانت قد غفت منذ بعض الوقت بسبب تعبها فهي ومنذ عودتها إلى ويلفيرتون لم تتلقى الكثير من الراحة بينما تشرف على الإستعدادات لعودة السادة إلى قصرهم قبل حلول الشتاء.
أيقظتها نسمة باردة جعلتها تجفل وهي تشد وشاحها حول ثوبها الأسود ثم ألقت نظرة إلى القصر الذي خلا من أصحابه خلال الأشهر الثلاث الماضية. مشاعر كثيرة تغمرها كلما نظرت إلى هذا المكان الذي إعتبرته كمنزل لها لسنين طويلة وهي تعلم أن وقت فراقها له قد إقترب.
وفجأة وعبر باب جانبي يستخدمه الخدم في العادة خرج رجل يرتدي بذلة بيضاء متجهًا ناحيتها ولبعد المسافة لم تستطع تبين هويته. إستغربت فهي لم تتلق أي برقية بوصول ضيف في غياب اللورد عن غرين هول إلا أنه وعندما إقترب أكثر وتعرّفت عليه علمت أنه شخص قد يأتي حتى في غياب سيد القصر.
2
نهضت صوفيّا من مجلسها عندما توقف هو أمامها ونظر إليها مليئًا ثم قال:
-هذا جيد، تبدين بخير.
-سيد فينسنت، إنها مفاجأة أن نراك هنا.
-لا يجب أن تتفاجأي كثيرًا فأنا قد أخبرتك أنني سأعود.
لم تعلق وهي تذكر تلك الأمسية حيث إلتقته آخر مرة، ومن بعدها ورغم كونهما كانا في نفس مركز الشرطة أثناء التحقيقات إلا أنه ولكونها متهمة كان يتم التحقيق معها في غرفة منفصلة عن الشهود لم تره أبدًا وبعد أن تم إطلاق سراحها كان جميع الشهود قد تفرقوا وبقيت هي وبرفقتها جاسبر، هنري وكاثلين.
طلب منها سبستيان أن تجلس وجلس هو بقربها واضعًا قبعته بقربه بينما يحدق في المكان حوله هامسًا أن لا شيء قد تغير في ويلفيرتون منذ حينها ليقول فجأة وهو يلتفت ناحيتها:
-ما الذي حل بمن كانوا متهمين معك؟
-جميعهم بخير، السيد جاسبر والسيد ستون لا يزالان يعملان لعائلة ويلفيرتون لكن الأنسة ديفان إستقالت وعادت إلى قريتها.
-أبسبب ما حدث؟
-نعم، لقد كان كل ذلك كثيرًا عليها لذلك فضلت العودة لمنزل والديها.
-لا بأس المهم أن الجميع بخير ولم يتأذى أحد.
هزت رأسها موافقة كلامه.
-لقد سمعتُ بكل ما قمتَ به وأنك كنت محوريًا في توجيه التهم إلى كاريت. شكرًا لك على ذلك سيد فينسنت.
نظر إليها مليئًا ثم قال:
-لا يبدو أنك قد سمعت كل شيء.
إنعقد حاجباها: وما الذي فاتني؟
-لقد أوصلني الشهود الذين قابلتهم إلى قضية مر عليها وقت طويل كانت من أوائل جرائم اللورد كاريت.
لم يبدو أنها تتابعه فأكمل:
-جريمة مات فيها رجلان، جون أوتمان وكينيث دوبلات.
الآن بدا أنها تتابعه وقد إرتفع حاجباها وهي تسمع إسم والدها وإسم صديقه المقرب من فم هذا الرجل.
-لقد زرت هاردفورد وحصلت على شهادات عديدة تثبت الجريمة التي إرتكبها اللورد في حق الرجلين وبسبب ذلك إستطعت الحصول على العدالة لهما.
فتحت صوفيّا فمها لتقول شيئًا لكنها لم تستطع ليكمل مرة أخرى وقد تغيرت نبرته هذه المرة لأخرى غمرها حزن عميق:
-لكنني قد تأخرت في فعل ذلك أليس كذلك؟
-مـ.. ما الذي...
-لقد قابلت ديريك قبل سفري إلى هنا وهو أخبرني بتفاصيل ما فعله.
شهقت صوفيّا وهي تغطي فمها بيدها بينما تابع:
-كنت أعلم على أي حال كل شيء إذ لم يكن من الصعب ربط التفاصيل سويًا بعد معرفة أن لأوتمان ودوبلات صبيًا وفتاة لايزالان على قيد الحياة في مكان ما، لكنني أردت سماع الحقيقة منه شخصيًا والآن أنا هنا.. أنا أريد سماع جانبك من القصة أنسة مور... أنسة دوبلات.
ختم بنبرة هادئة لكن ردها جاء مفاجئًا له حيث إمتدت يداها إلى ياقته ممسكة إياه بقوة وعنف لتجعله يتراجع في جلسته ثم قالت:
-ما الذي فعلته لديريك!! هل بلغت عنه؟ هل أخبرت عنه!!
أمسك سبستيان بقبضتيها الصغيرتين أمام يده وأبعدها مجيبًا:
-لم أفعل له أي شيء وأنا لست هنا للحديث عنه.. يجب أن تعلمي أنني لن أتركك إلا عندما تخبرينني ما الذي فعلته وحينها سيكون لكل حادث حديث.
كانت نبرته حازمة ويداه تحكمان على قبضتها لتعلم صوفيّا أنه لن يتراجع، لكن على الأقل لقد قال أنه لم يفعل أي شيء لديريك.. إن كان صادقًا.
هدأت قليلًا وعادت تشابك يديها في حجرها مفكرة ثم سألت:
-هل.. أخبرك بكل شيء؟
-أنه أراد قتل اللورد في الغابة لكنه فشل فنفذ الخطة الثانية حيث سمم السير وإتهم اللورد بذلك؟ نعم لقد أخبرني بكل شيء.
شهقت صوفيّا وهي تستمع لكل ذلك بصوت عالٍ من قِبل شخص غريب لتنظر من حولها كأنها تتأكد أن لا أحد قد سمعه ثم تنهدت مرتاحة لتقول بعدها وقد إستجمعت شتات نفسها:
-ما دمت تعرف كل هذا ما الذي تريد معرفته أيضًا؟
-أريد أن أعرف عن دورك في هذه الخطة وكيف بدأت من الأساس.
نظرت إليه صوفيّا بحاجبين معقودين قائلة:
-وما الذي ستفعله ما إن تعلم؟ هل ستخبر الشرطة؟
-من يدري؟ هذا يعتمد على إجابتك وعلى صدقك.
-أنت لا تشجعني هنا على الحديث.
-ليس لديك مفر من الحديث فأنا سأبقى هنا إلى أن تخبريني بكل شيء.
إزداد عبوسها مع كل رد لتقول بسخرية:
-لابد أن هذا ما شعر به كاريت وأنت تلاحقه في كل مكان للحصول على ما تريد، لست ألومه على كرهه لك.
كلامها جعله يقهقه ويقول:
-لقد قال ديريك شيئًا مماثلًا لهذا، لذا سأعتبرك كلامك إطراءًا أيضًا.
1
ثم سألها بعد صمت قصير:
-هل ظللتما متواصلين طوال السنوات الخمسة عشر الماضية؟
-ماذا؟ كلا!! أنا حتى لم أعلم إلى أين ذهب أو أين يعيش.
-إذًا كيف خططتما لكل هذا؟
1
شدت صوفيّا بيديها على ثوبها، الجانب المتعقل من عقلها نصحها بأن ترفض إجابته وتنكر كل ما قاله ثم تذهب وتتركه ينتظر إجابة إلى أن يتعفن، لكن الجانب المتعقل فيها لم يربح هذه المرة فهي أصبحت تعلم أن ديريك قد أخبره بكل شيء، أخبره بما لا يفترض أن يعلمه أحد غيرهما لهذا ستفعل هي بالمثل.
بعد صمت طويل أجابته أخيرًا:
-لقد قابلته صدفة في الحفل الذي أقامه الدوق ستاندفورد قبل أشهر، لم نخطط لذلك فقط فجأة وجدته برفقة الليدي سارا وعلمت أنه لم يقترب منها إلا لكونه يعلم أن كاريت مقرب لعائلتها.
قالت وهي تتذكر تلك اللحظة عندما رأته لأول مرة بعد خمسة عشر عامًا في أخر مكان توقعته. على الفور تعرفت عليه وكذا هو ورغم المشاعر المختلطة التي غمرتها لمقابلته بعد حادثها الصغير ذاك مع كاريت إلا أنها حاولت الحفاظ عليها في داخلها حتى لا ترتاب سارا. لقد ذكرها ظهوره وما حدث قبله بقسمهما الذي تناسته.
وفي تلك الليلة وقبل أن يذهب ديريك قام بمصافحتها، ليترك في يدها بطاقة كتب عليها عنوانه الذي يعيش فيه.
1
قال سبستيان وهو يضع يدًا فوق الأخرى:
-إذًا إتفقتما على مكان للقاء..
-نعم، إلتقينا في اليوم التالي في منزل ديريك الخاص وهناك خططنا لكل شيء.
-ودورك فيه كان؟
أخذت نفسًا عميقًا ثم أخرجته وقالت:
-لقد كنت أنا من أقنع اللورد ويلفيرتون بطريقة غير مباشرة بوضع كاريت وهاثواي في غرفتين متجاورتين بحجة أن ذلك سيساعد على الإصلاح بينهما، وأنا من إخترت الغرفتين بنفسي وقد حرصت على أن يكون هناك باب يصل بينهما، وكنت أنا من إخترت كاثلين الخادمة البريئة والجبانة لخدمتهم لأني أعلم أنها ستفسح المجال لكاريت ولن تبقى طويلًا برفقته خوفًا منه مما سيتركه من دون شهود على مكانه دائمًا وكنت أنا أيضًا من وفر لديريك السم ليستعمله فلقد كان من الصعب على رجل في منصبه الحصول عليه بنفسه.
2
مع كل كلمة كان وجه سبستيان يظلم شيئًا فشيئًا إلى أن قال أخيرًا:
-لكن وكما يبدو لم يخبرك ديريك بتناوله هو أيضًا للسم فلقد كنت متفاجئة مثل الجميع على مرضه ومن ثم تنتظرين بلهفة أي اخبار عنه.
علمت أنه قد لاحظ تصرفاتها وقتها لكنها شكت أنه قد يربط بينهما. لتجيبه:
-نعم، لم يخبرني بذلك. لابد أنه عمل بمقولة إخدع صديقك قبل عدوك، ولقد نجح في ذلك.
-لكن هذا لم يمنعك من مواصلة الخطة والعمل على تسليط الإتهامات إلى اللورد بكل ما إستطعت.
-ما كنت لأدع تضحيته تذهب سدى.
1
حل صمت بينهما فكر فيه سبستيان فيما قالته ليقول أخيرًا بنبرة حملت لومًا فيها:
-أما كان عليكما الصبر قليلًا، كنتُ، كنتُ سأجد عاجلًا غير أجل ما يثبت التهم على اللورد.. وما كان السير ليفلت مما سيحل باللورد فهو وراء الكثيـ...
قاطعته صوفيّا قائلة بنبرة هازئة:
-ولم قد نثق بشخص مثلك لفعل ذلك؟ لقد بقي كاريت وهاثواي طوال خمسة عشر عامًا طليقين أمام محامين ومحققين مثلك ولا أحد تجرأ على الوقوف ضدهما.
-لكنني فعلت! - قال مدافعًا عن نفسه لتقول بنفس السخرية المريرة:
-لست في وضع يسمح بالوثوق بك، أليس والدك هو نفسه الذي وقف مع السير بنجامين والذي يعلم الجميع أنه وراء مقتل الماركيز بلاك وود وزوجته! أليس هو من أعلن براءته رغم كون الأمر عكس ذلك! هذا والضحية نبيلان مثله فماذا إن كان مجرد شخص من الطبقة الفقيرة أو حتى الوسطى!!
3
إنعقد حاجبا سبستيان غيظًا وهي تعيد ذكر أخر قضية تولاها والده جوردن فينسنت قبل تقاعده والتي أحدثت جدلًا وقتها مثل قضية كاريت التي تولاها هو بنفسه ليهتف قائلًا:
1
-لكني لستُ كوالدي! لقد فعلت كل شيء حتى لا أصبح مثله ومن ثم... هذه القضية بالتحديد ليست فاصلًا فلم يوجد دليل فعلي لإتهام الرجل بالجريمة وكلها كانت مجرد نظريات يتداولها الناس حول طاولات اللعب و...
قاطعته بإستهزاء: أرأيت، ها أنت تدافع عنه!.
زفر سبستيان مخرجًا الغيظ الذي غمره ثم قال محذرًا:
-لا تحاولي ذلك، لا تحاولي شيطنتي فأنت تعلمين أنني فعلت كل ما بوسعي من أجل القبض على اللورد كاريت ولقد نجحت في ذلك.
صمت قالت بعده مستسلمة: نعم، لقد فعلت.
ليهز سبستيان رأسه موافقًا ثم تابع في موضوعهما الأول:
-أعلم أن تناول السم كان طريقة ديريك لعقاب نفسه لما فعله، لكن ماذا عنك؟
بدت متفاجئة للحظة لكنها ذكرت نفسها أن لا تتفاجأ بشيء يخرج من فم هذا الرجل لتقول وهي تبعد نظرها عنه:
-لا أظن أن هذا من شأنك.
-بل هو من شأني، يجب أن أعرف.
قالت صوفيّا بضيق:
-إن لم تكن تنوي إخبار الشرطة عنا فليس لديك أي علاقة به.
ليجيبها من فوره:
-أنا متواطئ معكما فكيف بإمكاني إخبار الشرطة؟
-ماذا؟
هتفت بإستغراب ليجيبها وهو يهز كتفيه:
-لقد تجنبت ذكر أي شيء عن كل هذا طوال المحاكمة رغم معرفتي به بل وأصررت حتى أخر لحظة أن اللورد كاريت هو من قتل السير هاثواي وكل هذا كافٍ ليكون مصيري مثلكما إن عرف أحد في يوم ما بالحقيقة، لكني أشك في ذلك.
علا وجه صوفيّا الإستنكار:
-هل أنت مجنون!؟ لم قد تفعل شيئًا كهذا!
-إذًا أنتِ تفضلين أن أذهب وأخبر الشرطة كل شيء؟
فتحت فمها لكن شيئًا لم يخرج فقهقه سبستيان على شكلها. كان كل ما قالته هو همس سمعه جيدًا: أنت بالفعل مجنون.
تنهد سبستيان وإعترف وهو يمرر يده داخل شعره:
-بالفعل أنا مجنون. مجنون لفعلي كل هذا من أجل إمرأة لا تعلم حتى أنني معجب بها.
11
ليضيف بعد ثوانٍ لم تعلق فيها:
-بل ربما هي تعلم لكن في قلبها رجلًا أخر.
9
نظرت صوفيّا إليه حينئذ وقالت بنبرة حملت وراءها الكثير:
-هذا لا يجعلك مجنونًا بل غبيًا فقط.
5
ثم نهضت وهي تشد وشاحها على كتفيها لتقول وقد عادت إلى طبيعتها:
-هذا الربيع وبعد حفل زواج الليدي سارا والدوق سكوت سأترك عملي في ويلفيرتون.
-وإلى أين ستذهبين؟
سألها سبستيان بفضول وهو ينهض أيضًا، فأجابته بعد أن رسمت إبتسامة صفراء كبيرة:
هذا سؤال ستجيب عليه بنفسك إن أردت ذلك، والآن سيد فينسنت إن لم يكن لديك المزيد من الأسئلة سأستأذنك فأنا لدي عمل كثير أُفضِل القيام به بدلًا من البقاء هنا والثرثرة معك.
8
وبإنحناءة صغيرة عادت صوفيّا ناحية القصر برأس مرفوع دون أن تلتفت وراءها، راقبها سبستيان إلى أن إختفت عبر الباب ثم قال بعد أن إرتدى قبعته:
-إلى أن نلتقي إذًا صوفيّا.
4
ثم ذهب هو الآخر.
..........
الانتقال إلى الفصل التالي