رواية الخادمة الفصل 18
(18)
كان فريد ماركلين يشعرُ أنه في حلم. حلمٍ كان يزوره كل يوم تقريباً لستة عشر سنة ماضية، يلتقي فيه بإبنته التي أُبعِدتْ عنه فجأة دونما إنذارٍ أو وداع.
لكن هذه الفتاة التي في حضنه الأن، بدفئها وملمس جسدها الحقيقي تؤكد له أنه ليس بحلم.
بل هي حقيقة.
2
لم يتوقع أبداً عندما أخذه الماركيز بلاك وود وتلك الصبية إبنة غرين ليلتقي أحدهم أن تكون هي آللنور إبنته الأولى من زوجته وحبيبته مادهوري.
ولا يزال لا يستطيع إستيعاب علاقتها به وبإبنة غرين. لكنه لن يُتعبَ رأسه بالتفكير عن الأسباب الأن.
1
فعندما شعر أنه إكتفى قليلاً من وجودها في حضنه أبعدها ليتأمل وجهها المألوف قليلاً.. كانت عيناها المبتلتان بالدموع مدموجه بلونين.. أحدهما أخضر يشبه لون عينيه والأخر لون داكن ذكره بلون عيني مادهوري على الفور، وغير ذلك كانت نسخة تمامة عن والدتها عندما كانت في مثل سنها. تغيرت تماماً عن أخر مرة رأها فيها وهي طفلة في الخامسة.
إبتسم فريد ماركلين وهو يهمس:
" أصبحتِ تشبهين أمكِ كثيراً "
" نعم. لقد قال الجميع هذا "
" هل هي بخير؟ "
" في أحسن حال. إنها بخير وتعيش حياتها كما تريد"
جملتها تلك ورغم كونها لا تشفي غليلَ فضوله عن معرفة حقيقة ذهابهما قبل أكثر من عشر سنوات إلا أنها جعلت قلبه يهدأ قليلاً وهو يعرف أن مادهوري بخير.
هز رأسه مبتسماً بإنشراح وقد تجمعت بعض الدموع في مقلتيه هو الأخر لكنه لم يسمح لها بإفساد اللحظة وهو يمسكُ بيد آللورا ليأخذها إلى المعقد الكبير الذي توسط الجلسة في المكان.
1
لم يفلت يدها وهما يجلسان ولم يضيع الوقت وهو يسألها بالكثير من العتب في صوته:
" أخبريني آللنور.. أين كنتما وما الذي حصل؟ لماذا فجأة إختفيتما دون رسالة أو أي شيء ليخبرني عن مكانكما!.. ما الذي حصل في السنين الماضية؟ وكيف.. كيف عشتما؟ هل.. هل مادهوري.. هل أصبحت تكرهني؟ هل كرهتني لذلك تركتني؟ "
3
فجأة بدا صوته كسيراً في أخر جملته ليجعل الإستغراب يغزو آللورا فهي التي ظنت أن والدها ربما تمكنت منه السيدة ماركلين وغزت رأسه بأفكارٍ ولم يعد يحب والدتها. لذلك لم يبحث عنهما وتزوج بعد ذهابهما.
3
لكن ملامحه الأن وهو يسألُ عن والدتها بهذه النبرة جعلتها تتأكد أن السيدة أماندا كذبت في أمر ما.
أخذت نفساً ثم وببطء أخذت تحدثه عن كلما حصل.
عن حقيقة ما حصل تلك الليلة مع أماندا، وعن القرار الذي إتخذته والدتها من أجله ومن أجل عائلة ماركلين.
2
إستمع لها بصمت. والألم في صدره يزداد في كل لحظة. هو يعلم أن هناك امراً ما أخفي عنه وأن لابد أن أماندا قد فعلت شيئاً ما لكنه لم يستطع وقتها فعل شيء.
وما إن إنتهت آللورا من إخباره بقصتهما حتى إعتذر. وقام بإحتضانها مجدداً وهو يردد كلمات الإعتذار.
إبتعدت آللورا عنه قائله:
" لا أحتاج كلمات الإعتذار منك والدي. فهو لا يفيد بعد كل هذه السنين. بل لم يعد هناك حاجه له وقد.. وقد وجدتُ ووالدتي لأنفسنا مكانً جديد وحياة أخرى.. لم يعد الأمر مؤلماً لتعتذر من أجله "
" لكن.. لا يزال علي الإعتذار بُنيتي.. "
هزت رأسها وقالت:
" فقط أريد أن أعرف من لماذا لم تبحث عنا تلك الفترة إن كنت تهتم لأمرنا حقاً؟ لماذا تركت والدتي بتلك السهولة وتزوجت من بعدها؟ "
أطبق الدوق ماركلين على شفتيه وبدا عليه الحزن ليقول بعد هُيينه:
" لن تفهمي أللنور. لقد.. لقد واجهت الكثير من الضغط تلك الفترة. كانت أمي مريضة للغاية، وأخبرني الأطباء أن أيامها أصبحت معدودة.
لم أستطع فقط تركها خاصة بعد ان فقدت والدي، ومن ثم جاء إختفائكما، أخبرتني أماندا بسفركما إلى الهند. أن أمكِ قالت أنها لم تعد تريد العيش برفقتي.. أنها أخذت بعض المال وسافرت بعيداً.
لقد تحطمت، شعرتُ بأنه قد تمت خيانتي.. أنني أصبحت وحيداً، لقد فقدتكما.. وكنت سأفقد أمي وهي غير راضية عني.. لذلك.. "
" لقد فهمت "
7
هكذا قاطعت آللورا كلامه وهي تتخيل ما قد حصل. فلابد أن الدوقة الأم وقتها طلبت منه أن يتزوج بأماندا قبل وفاتها ولم تترك له أي خيار لكي يرفض. فلا شيء كان سيمنعه من تنفيذ أوامرها بعد إختفاء والدتها. وظنه أنها لم تعد تحبه.
2
" آللنور أعلم أنها مجرد أعذار واهيه. وأن لا شيء سيعوض لك تلك السنين التي قضيتها تعانين مع مادهوري و... "
قاطعته آللورا مرة أخرى وهي تقول بإبتسامة هادئه:
" لا بأس والدي، فهو أمر قد مضى عليه أكثر من خمسة عشر عاماً على أي حال. لن يعود بنا الوقت ولن يمكننا تغير شيء. أنا أصلاً لم أتي لتغير أي شيء. لستُ هنا من أجل ذلك "
1
إنعقد حاجبا الدوق فهو لم يتوقع ذلك لكنه لم يُعلق وإنتظرها لتقول ما لديها. لتأخذ آللورا نفساً ثم تتحدث:
" لأصدقكَ القول أبي، عندما جئت إلى هنا لم أكن أفكر في لقائكَ أو الحديث عنكَ لأي أحد. أردتُ إخفاء تلك الصفحة من حياتي فأنتَ في غنى عن ظهور إبنة لك من إمرأة أخرى في حياتك.
أعلم تماماً أنه قد أصبحت لك عائلة أخرى.. زوجة وأبناء ومكانة كبيرة. وظهوري كان سيهدم كل شيء. لذلك لم أرد فعلها ابداً..
لكن القدر أبى إلا وأن يجمعني بـ إبنتك ليديا... "
إتسعت عينا الدوق وهو يهمس:
" إلتقيتي بـ ليديا؟ "
هزت رأسها قائلة: " نعم. لقد إتضح أننا ندرس في نفس الكلية.. فجأةً وجدتُ نفسي أعيش في مكان واحد مع من هي أخت لي!
ولم أستطع منع نفسي من الإقتراب منها والتعرف عليها ومصادقتها. أردتُ رغماً عني أن أعرف عنها المزيد ربما بسبب العلاقة القوية التي بيننا شئنا أم أبينا، وربما فقط لأن ليديا فتاة رائعة وطيبة. وكانت دائماً تذكرني بك.. "
خرجت أخر كلماتها همساً بالكاد سمعه. ليتأثر الدوق بإبتسامتها المحبة وحديثها الطيب عن إبنته التي هي إبنة زوجة أبيها. المرأة التي حرمتها وأمها من الكثير.
" كان ليكون كل شيء مثالياً لو لم تفهم السيدة.. الدوقة أماندا أمر حضوري خطأً.. "
2
تغيرت نبرة صوتها وهي تبعد نظرها بحزن عنه بينما اتسعت عينا الدوق وهو يستمع لها بإنصات:
".. لقد إلتقيتها وإستطاعت التعرف عليّ.. وظنت حينها أنني قد أتيت وإقتربت من ليديا من أجل.. "
صمتت لوهلة تفكر ثم أكملت بنصف ضحكة:
".. من أجل الحصول على حقي في الإرث؟.. "
قاطعها الدوق قبل أن تكمل قصتها وهو يقول بإندهاش عظيم:
" مهلاً.. مهلاً.. أتعنين أن أماندا كانت تعلم بوجودك منذ وقت طويل؟ "
" نعم لكنها لم تخبرك للسبب الذي قلته كما يبدو..
أنا أسفة ولكن أظن أنني قد سببت لها الكثير من المشاكل بسبب ظنونها تلك لكنها لم ترضى الإستماع لي. كنتُ لأشرح لها لكن.. "
لم تكمل وقد إرتسم الألم على وجهها.
رغم كون آللورا كانت تتحدث عن نفسها كأنها المذنبة إلا أن الإنفعال بدا واضحاً على وجه والدها غضباً لما فعلته زوجته.
1
" أبي .. "
هتفت آللورا لتخرجه من أفكاره وقد امسكت بقبضته المعصورة بقوة داخل خاصته وهي تقول:
" أرجوك لا تغضب عليها. لا تغضب على السيدة أماندا فهي قد أخفت عنك هذا من أجل الحافظ على عائلتها فقط، لقد كانت مجرد أم وزوجة لا تريد أن تتشتت عائلتها. "
44
" ما كان عليها إخفاء أمر مقابلتك. ما كان عليها فعل ذلك، أنت لستِ إبنتها لكي تتحكم في أمر مقابلتي لكِ من عدمها. "
" أعلم ولكن لتغفر لها أرجوك، لستُ أبحث عن عدلٍ فيما يخص ما فعلته بي. فأنا لم أتي لذلك... "
2
كررت مجدداً فنظر إليها.. يبدو الإهتمام جلياً في وجهها. إهتمام بعائلة كان يفترض أن تكون عائلتها. علم تماماً أنها إبنة مادهوري بسبب صفتها هذه. أن تهتم للأخرين أكثر من نفسها.
2
عادت وقالت بعد أن لاحظت هدوءه:
" لست أهتم بهذا.. أنا لا اهتم حقاً لكن وبسبب سوء الفهم هذا تضرر أشخاص أخرون.. صديقتي.. إزابيلا غرين وعا... "
وقبل أن تكمل تدخل الدوق وقد تذكر أمرها:
" صحيح بما أنكِ ذكرتها. ما علاقتها هي والماركيز بكِ؟ لماذا كانا معكِ آللنور؟ "
إرتبكت وحولت نظرها إلى مكان أخر فهاقد جاء الأمر الأخر المُقعد والذي يجب عليه أن يعرفه. أجابت بعد أن إحمر وجهها قليلاً:
" هي قصة طويلة حقاً والدي.. لن يمكنني قولها هنا"
إجابتها المبهمة جعلته ينتبه أيضاً لوجودها في مثل هذا المكان. ودراستها في تلك الكلية التي تدرس فيها إبنته ليديا. هناك الكثير من الأمور التي لا يزال لا يعلمها بشأن تواجد آللنور إبنته.
ليقول وهو يشد على يديها مطمئناً:
" لا بأس لدينا الكثير من الوقت للحديث عن ذلك. إن أتيتي إلى المنزل سنتحدث براحة أكبر... "
قاطعته آللورا قائلة بإندفاع مُمانع:
" لا يمكنني الذهاب إلى منزلكم.. هكذا ستعرف بناتك علي. وقد تنتشر إشاعات ويعرف الجميع الحقيقة، هذا غير أن الدوقة لن تسمح بذلك!! "
إتسع فمه في خط مستقيم وهو يلاحظ إهتمامها الكبير لهذا الموضوع. هو الأن في حالة لا يهتم فيها بكل هذه التعقيدات، بل كاد قبل قليل أن يخرج ويخبر جميع من هم في ذلك الحفل أنه قد وجد إبنته اخيراً.
13
لكنه يعلم أنه مجرد حماس اللحظة وأن عليه التفكير مرتين في هذا الموضوع الذي قد يدمر عائلته وحياة بناته للأبد إن لم يتصرف بحكمة.
ولكل هذا يحتاج مقابلتها في مكان أكثر هدوءً ليتحدثا عن كل شيء.
" لا بأس أللنور.. سنتحدث عن كل هذا في وقت لاحق.. أنا الأن لا أهتم إلا لبقائك معي "
5
أدخل كلامه الدفء إلى قلبها واتسعت ابتسامتها. تمنت أن تطول هذه اللحظة التي طالما حَلُمتْ بها مع والدها. لكنها بالتأكيد لن تدوم وقد فُتح بابُ الغرفة عن زوجة والدها الدوقة أماندا المنفعلة للغاية.
كأنها رأت مشهد موتها أمام عينيها، إتسعت مقلتاها وشحب وجهها. لكنها استجمعت شتات نفسها بسرعة وهي تصفع الباب ورائها بقوة وقد عادت نظرتها الحارقة لملامحها. لتقول فور رؤيتهما مندهشين لدخولها:
" يا إلهي ما الذي تفعلينه مع زوجي أيتها الكاذبة!
ما الذي قُلتِه له؟ .ما الكِذبة الجديدة التي قلتها لتستجدي عطفه!! ما الذي تريدينه منا مجدداً بعد كل هذا الوقت!! "
25
كانت تقترب منهما بينما يخترق صوتها الغاضب طبلتي آللورا المذعورة، وقف كلاهما حينما وصلت إليهما لتقوم الدوقة أخيراً بإبعاد يد أللورا التي كانت مُحاطه بيد والدها وتبعدها عنه بعنف قائلة:
" لن أسمح لكِ بتدمير عائلتنا بسبب أنانيتك وطمعك.."
8
" أماندا !!! "
هتف بها الدوق ماركلين بصوت جهوري غاضب جعلها تجفل في مكانها بينهما وجعل الصمت يعود ليسود المكان.
2
ببطء إلتفتت الدوقة ناحية زوجها الذي قلما شَهِدتُه غاضباً وقد قامت بتهدئه نفسها ولتقول بنصف إبتسامة محاولة تبرير أفعالها:
" عزيزي أنتَ لا تفهم. لا تجعلها تخدعك بكلامها المعسول.. لقد جاءت للحصول على المال والجاه فقط.. هي لا تهتم لكونك والدها إلا لمنصبك وإلا لظهرت من قبل "
1
" اماندا توقفي عن الحديث هكذا.. هذه الفتاة التي تتحدثين عنها هي إبنتي، من لحمي ودمي. ولن أسمح لكِ بالحديث عنها هكذا "
إتسعت عيناها وعاد الإنفعال إلى ملامحها وهي تقول:
" إذاً فات الأوان وغسلت لكَ دماغك بكلامها وأكاذيبها؟ هي مجرد كاذبة عزيزي. لم لا تستطيع رؤية ذلك!. لقد كذبت على أفراد عائلة غرين من قبل و إستغلتهم لكي تصل إلينا، هل تُراها أخبرتك بذلك؟ بالتأكيد لا، هي لن تخبرك بأفعالها الوضيعة التي أوصلتها إلى حفل الطبقة النبيلة هذا، بل ستخبرك كم عانت في غيابك وكم كانت تشتاق لك.. وأنتَ صدقتها!!؟ "
2
هنا تدخلت آللورا وهي تقول ببعض تردد:
" ليس الأمر هكذا سيدتي.. أنا لم أكذب عليـ... أنا لم أفعلها لهذا السبب "
" ارأيت! لم تنكر أنها قد كذبت عليهم.. إنها كاذبة... "
" اماندا ! "
مرة أخرى هتف بغضب وقد أغمض عينيه بشدة كأنه يحاول إبعاد مظهر زوجته السيء من مجال بصره. أطبقت الدوقة على شفتيها ببعض خوف أن يفقد أعصابه مجدداً وقد تراجعت خطوة للوراء.
الدوقة أماندا التي بدت دائماً مهيبة ومخيفة تتقهقر الأن أمام زوجها.
علا القلق والخوف ملامحها وقد أبعدت عينيها عنه وهي تتمتم. لاحظ وقد عاد ليفتح عينيه إرتجاف يديها ومحاولاتها لكبح الدموع عن عينيها بكبرياء فهو لم يقم من قبل بالصراخ في وجهها بتاتاً.
19
شعر فوراً بالندم وأطلق نفساً عميقاً يبدد به غمامة الغضب التي كانت تجثم على صدره. ليقول لها بنبرة حانية معتذرة:
" أنا أسف للصراخ في وجهك لكنك تبالغين في ذعرك و.. "
21
لم تسمح له بالإكمال وهي تقول بصوت حاولت جعله متزناً بقدر الإمكان:
" وكيف لا تريد مني أن أذعر وقد جاءت إبنة تلك الهندية تحاول إفساد كلما بنيناه في السنين الماضية!؟ "
" سيدة ماركلين لقد اخبرتك أنني لا أريد ذلك "
من فورها دافعت آللورا عن نفسها لتنهرها الدوقة قائلة:
" وهل تريدين مني تصديق ذلك! إذاً لماذا إقتربتي من إبنتي؟ لماذا تصادقينها إن لم تكوني تريدين الوصول إلى عائلتنا وفرض نفسك للحصول على ما تريدين! "
4
" لقد أخبرتك سيدتي هذا لم يكن قصدي.. لم أُصادق ليديا من أجل هذا ولم أكن أفكر حتى أن أخبرها بالحقيقة. أرجوكِ صدقي هذا. "
وقبل أن ترد الدوقة مجدداً حسم زوجها الحديث قائلاً:
" أماندا، لن نصل إلى شيء إن بقيتي ترفضين كلما تقوله ولا تدعينها تدافع عن نفسها كما يجب.. "
لم تستجب له وقد أخذت ترمقه بالكثير من الغيظ المكتوم وقد إبيضت راحة يدها من شدة ضغط أصابعها عليها.
أطلق الدوق نفساً أخر والمرأتان تنظران إليه بترقب ليقول مجدداً وهو ينظر إلى زوجته:
" أماندا ألا يمكنك التساهل قليلاً؟ إن آللنور هي إبنتي.. كما ليديا وهيلينا وآنّا هن بناتي أيضاً.. لا يمكنني فقط تجاهلها كما تطلبين.. لا يمكنني تجاهل من هي جزء مني "
" فريد أنت من لا يفهم عزيزي.. لا يمكنك ترك خادمة تقترب من بناتنا هكذا، هي ليست كما تظن. أنا متأكدة من هذا.. "
10
أطلق الدوق نصف ضحكة للكلمة التي استعملتها. جعلتها ضحكته تعقد حاجبيها إستنكاراً فهو لم يكن موقفاً يضحك فيه. ليقول:
" عزيزتي.. هل نسيتي أنني الشخص الذي تزوج خادمة أول الأمر؟ أنا لا تهمني كل هذه الأمور. يهمني فقط أن إبنتي قد عادت إلي. وستحتاجين لأكثر من هذا الكلام لتبعديها عني مجدداً.
ولا تظني انني سأتجاهل كونكِ كنتِ سبب إبتعادها عني منذ البداية! "
أضاف أخر جزء بنبرة حازمة جعلتها تبتلع ما كانت تود قوله وهي ترى نظرة تهديد مبهمة في وجهه. ألقت نظرة خاطفة وممتعضة ناحية آللورا لتجعلها تجفل فقد علمت أنها أخبرته بالحقيقة.
ثم عادت تنظر لزوجها وتقول بتردد مدافعة عن نفسها:
" لقد.. لقد فعلت ذلك من أجلك، ألم تفهم هذا بعدُ عزيزي؟ لم تكن علاقتك بتلك المرأة لتستمر وتنجح. كان لابد وأن تأتي لحظة ينكشف فيها المستور ويعلم الجميع بتلك الزيجة، وما كان المجتمع ليتركك تعيش بسلام.!
كانت... كانت والدتك ستموت حزينة بسببك.. كان كل ما بناه والدك ليتدمر بسبب مشاعر لم تفعل شيئاً سوى أذيتك! .. أنا لم أخطئ في ما فعلت عزيزي فلقد فعلته لمصلحتك ومصلحة عائلة ماركلين! "
27
ختمت كلامها بالكثير من الثقة وهي ترى تغير ملامح زوجها. وبقربه وقفت آللورا حائرة وتنتظر ردة فعل والدها.
مرة أخرى أطلق الدوق فريد نفساً ليحرر نفسه من الضيق الذي داهمه.. فهو في داخله يعلم أن كلامها عن المستقبل الذي كان ينتظر زواجه من مادهوري صحيح.
ولهذا بالتحديد يتزايد شعوره بالذنب.
5
قال بعد فترة صمتٍ قصيرة:
" هذا ليس المكان المناسب لنتحدث عن كل هذا.. "
ثم اضاف وهو يوجه كلامه إلى آللورا:
" لنكمل حديثنا في المنزل، هناك ستخبرينني بكل شيء يتعلق بعائلة غرين وغيرها وبعدها سنستطيع إيجاد حلول ترضي جميع الأطراف "
1
لم تكن نبرته تقبل النقاش وهذا ما جعل الدوقة تهتف قائلة:
" لا يمكن أن تكون جاداً!! هل تريد إحضارها لمنزلنا!"
5
" لأنه منزلها هي أيضاً.. أخبرتكِ أنها إبنتي "
" ارأيت! أنت تحقق لها أهدافها دون أن تدرك!
ها هي ستدخل بيننا وتـ.. "
" أماندا ! "
أخرصها الدوق بغضب لعودتها مجدداً إلى هذا الحديث لتصمت كاتمه مشاعرها التي تثور بقوة في داخلها.
16
راقبت إقتراب زوجها من إبنته وهو يعتذر لها عن تصرفها لتبتسم وهي تطلب منه عدم الإعتذار.
لطفه وحديثه الهادئ معها. تلك النظرات المُحبة التي يغمرها بها جعلت الغَيرة تنفجر في داخل أماندا..
4
فهي لا ترى امامها آللنور.. بل ترى والدتها مادهوري، تلك التي لم يغب طيفها عن زوجها فريد لسنين طويلة ماضية وليكون الحاجز الأكبر الذي منع أن يبادلها زوجها مشاعرها العميقة تجاهه.
5
نعم لقد أحبت أماندا فريد ماركلين.
كان حباً من طرف واحد جعلها تعاني طوال سنين، حبٌ بدأ قبل أن تلتقيه حتى، حينما قابلتْ والدته الدوقة الأم لأول مرة في إحدى الحفلات ورأت الإعجاب مرسوماً في وجهها. ولم يمضي الكثير من الوقت حينما جاءت دوقة ماركلين لمنزلهم وتخبرها أنها تريدها زوجة لإبنها الوحيد.
4
أماندا الشابة الغضة في ذلك الوقت كانت قد تلقت الكثير من عروض الزواج بحكم جمالها لكن والدتها أرادت منها دائماً أن تنتظر حتى يأتيها عرض أكبر من شخص أكثر نُبلاً وثراءً، ومن أفضل من الدوق الشاب ليُرضي توقعات أمها؟
ظنت أماندا وقتها أنها قد وجدت سعادتها بعد عرض الدوقة الأم. وبدأت تتخيل في مستقبلها برفقة إبنها الشاب. والذي سمعت عنه وعن وسامته وحنكته كثيراً.. ولتبدأ وقتها مشاعرها بالتبلور تجاهه، دون أن تقابله.
ولكل هذا كانت صدمتها كبيرة عندما علمت بزواجه الذي طال سنوات قبل وصولها. أنها أتت متأخرةً
وقد استحوذت غيرها على قلبه وتملكته للأبد.
لكنها مع ذلك لم تستسلم وقررت أنها حتى وإن لم تستحوذ على قلبه فلن تترك اللقب لأخرى أبداً.
ظنت أماندا أنها قد نجحت ونالت سعادتها بعد أن صارت دوقة عائلة ماركلين، لكن حبها لم يموت.. واستمر ليكون أكثر إيلاماً لكونها تعلم أنه لن يكون متبادلاً مهما طال بها الوقت.
سيظل زوجها مخلصاً لتلك الهندية كما تُطلق عليها. ولن يكون لديها فرصة في الحصول على قلبه الذي ظنت أنها تخلت عنه أبداً.
18
لذلك وعندما ظهرت آللورا مجدداً عاد الذعر ليسيطر عليها.. وخوفها الكبير من عودة مادهوري لتسرق زوجها جعلها تفعل ما فعلت..
1
لم تكن لتخاطر بأن تتفكك أسرتها.. بناتها اللاتي كن رابطها الوحيد والقوي بـ فريد كن اخر امل لها بأن تبقى معه.
لكن آللورا أيضاً إبنته. ومادهوري هي من تملك قلبه. وماذا تملك هي؟
لا شيء قد يجعله يختارها هي بدلاً عنها.
ولكل هذا رفضت أماندا أن تنصاع لما يحدث أمامها.. فهي لن تستسلم بسهولة بعد أن خسرت قلبه لن تخسر اللقب. وقررت حينها أن تعلب بالنار، بذلك الخيار الذي لا تمتلكه.
قالت بحزم جاذبة أنظارهما إليها:
" إن ذهبت هي إلى المنزل لن أعود أنا إليه.. "
44
إلتفت الإثنان إليها بإندهاش، إندهاش تحول إلى إنزعاجٍ واضح على وجه زوجها الدوق:
" أماندا هل أنتِ واعية لما تقولين؟ "
" نعم واعية تماماً.. إما انا أو هي "
حاولت إخراج صوتها متزناً لتخفي خوفها من الإجابة التي خشيت أن ينطق بها، لكنها قررت أن تثق بنفسها. فهي الأن ليس مجرد تلك الشابة التي تم جلبها لتكون زوجته المستقبلية. بل زوجته الشرعية ولديه منها ثلاثة بنات وهي الشخص الذي يعرفه جميع من هم حولهم كسيدة عائلة ماركلين.
تنهد الدوق ولم يطل إنتظارها وهو يجيبها:
" يمكنكِ البقاء في فندق ريثما تصفين عقلك أماندا "
170
كانت ضربه قاسية لها. لم تتوقع أن يحسم أمره بهذه السرعة ودون تردد في شأنها.. وبكل الصدمة التي حطمتها لأشلاء أخذت تررد:
" أتختارها هي فريد؟ "
" انا لم أختر أحداً أماندا. أنتِ من وضعتني في هذا الموقف. أخبرتكِ أن علينا الحديث عن كل هذا سوياً لكنكِ من ترفضين النقاش..
لذلك إذهبي واقضي هذه الليلة في فندق.... وغداً صباحاً بعد أن تهدأي قليلاً عودي إلى المنزل "
3
أضاف مؤكداً لها أنه لا يتخلى عنها لكنها لم تقتنع رغم عدم قولها أي شيء من ما تشعر به.
3
فقط رمقت آللورا بكره شديد قبل أن تخرج من الغرفة دون أي كلمة. وقد رفعت رأسها بكبرياء وشموخ محاولة أن لا تبدي تأثرها بما حصل قبل قليل.
2
ما حصل جعل آللورا تشعر بذنب كبير وهي تراقب في صمت شجار الزوجين بسببها..
هي لم ترد أن تفسد بين والدها وزوجته. فقط أرادت منها ان تتوقف عن نشر الحقيقة عنها وأن تتوقف عن تهديد عائلة غرين.
وهو أمر ما عادت أماندا تستطيع فعل شيء تجاهه بعد تدخل زوجها.. حصلت آللورا على ما تريد لكن يبدو أن الأمور لم تنتهي بعد..
5
أكد الدوق وهو ينظر إليها:
" ستعودين معي إلى المنزل آللنور، ستقابلين بناتي.. وسنخبرهم بالحقيقة. وستخبرينني أنتِ بكامل القصة.. وبعلاقة عائلة غرين بكِ أيضاً "
6
حاولت الإبتسام وهي تقول:
" حسناً، كما تريد أبي "
3
ثم أضافت ببعض قلق:
" لكن.. ماذا عن ليديا وأختيها؟ "
" لا تقلقي بشأنهن، أستطيع تدبر أمرهن فهن فتياتي الرائعات وسيتفهمن جيداً "
28
مبتسماً قالها لتتسع ابتسامة على وجهها.
ربت على كتفها مشجعاً ثم قادها إلى الخارج.
..........
الانتقال إلى الفصل التالي