رواية الخادمة الفصل 19

 



(19)


يمكنني القول بكل تأكيدٍ أن خطتي قد فشلت بشكلٍ كبير.

1

كان من المفترضِ أن نضرب عصفورين بحجر واحد بمجئينا إلى هذا الحفل.
أن نبعد أوليفيا عن ملاقاهِ الدوقة ماركلين وبالتالي إبعادُ إحتمال معرفة والديّ لحقيقة آللورا قبل الأوان المناسب لها.
وأن تلتقي آللورا بوالدها الدوق ماركلين و تطلب منه إيقاف زوجته عن إفساد سمعة أسرتنا.
تحقق الجزء الثاني، لكن فشل تحقيق الجزء الأول قلب الطاولة علينا بشدة

2

أخبرتني لورا بهمسٍ معتذرٍ بعد أن إختفت الدوقة داخل الغرفة التي تحوي زوجها وابنته أنها لم تستطع تمييز أوليفيا عندما إقتربت منها هي والدوقة ماركلين بينما كانتا برفقة والدتها إلا بعد أن عرّفت عن نفسها، وبالتالي فات الأوان لكي تمنعها من الحديث مع السيدة أماندا.
وهذا ما قاد لما حصل قبل قليل.

دخلتْ الدوقة إلى الغرفة غاضبة لإستغفالنا لها ولابد أنها الأن تقلب الدنيا على رأس آللورا، لكن على الأقل سيكون الدوق ماركلين برفقتها لذلك لن أقلق عليها.

علي الإهتمام بهذه الغاضبة أمامي، أوليفيا التي بقيت وهي تنظر إلي بعينين حارقتين ومتعطشتين لتعرف سبب الذل الذي لابد أنها لاقته على يدي الدوقة أماندا. كلامها السيء عن أسرتنا وحقيقة كون آللورا كانت خادمة، واخيراً.. علاقتها بعائلة ماركلين.

1

معرفتُها ستؤدي لمعرفة أبي وأمي لما أخفاه إلمر، وحينها لا أدري هل علي أن أخشى من ما سيفعلانه. أم علي ان أخشى ما سيفعله أخواي إلمر وإرنست لمخالفتي أوامرها والذي أدى لإفساد كل شيء. وإن كانت نيتي صافية عندما قمتُ به.

6

تراجعت لورا قليلاً بإرتباك وهي تلاحظ نظرات أوليفيا وقد قررتْ أن لا تتدخل. بينما ثَبَتَ اللورد أغسطس بقربي وقد كان هذا أول لقاء له بـ أوليفيا كبيرة أبناء عائلة غرين والتي في الحقيقة تماثله في العمر!

7

إبتلعتُ غصة في حلقي وحاولتُ أن أكون هادئةً وأنا أقول:
" اوليفيا.. لا أظن أن هذا مكان مناسب لهذا الحديث، يكفي ما حصل قبل قليل وجَذبَ أنظار بعض الناس... "

قاطعتني وهي تتحدث بجمود بينما تنظر للفراغ:
" إذاً.. فسبب عدم دعوة الليدي كاميليا والكونتيسة ماريا لي هذه المرة وسبب إمتناعهما عن الحديث معي الليلة وكل تلك النظرات التي تلقيتها من نساء لندن... كان بسبب آللورا؟ "

4

ختمت حديثها وهي تعود لتنظر إلي.
" أوليفيا كلا.. أعني نعم.. لكن إن الأمر ليس هكذا. لقد قامت الدوقة ماركلين بتكيبر الإشاعة ونشرها بقصد.. بقصد إخافة آللورا و... "

لم أستطع ان أشرح لها والإرتباك على محياي وقد تشنجت يداي اللتين كنت أحركهما هنا وهناك بينما أحاول أن أشرح لها بدون فائدةٍ تذكر، ليقوم اللورد أغسطس فجأة بإحاطه كلتا يدي بيده اليسرى الكبيرة وإنزالها لأسفل ليجعلني أرفع نظري إليه مندهشة فإبتسم لي مطمئناً ثم حول بصره إلى أوليفيا التي تبدو وكأنها إنتبهت لتوها من يكون هذا الرجل:

4

" مساء الخير سيدة أوليفيا. "
" أوه.. مساء الخير أيها الماركيز.. إنه لشرف مقابلتك أخيراً.. عذراً على هذا الموقف الذي جمعنا "

1

قالت بسرعة بإحترام كبير ثم سرعان ما أضافت وقد تنبهت لأمر بعد أن ألقت نظرةً خاطةً ناحيتي:

" أنا أسفة لأن أختي قد أدخلتك في أمر هكذا.. لابد أنـ.. "
" لا داعي للإعتذار سيدة أوليفيا فأنا هنا بملء إرادتي لكنه ليس موضوعنا الأن. بما يخص الأنسة آللورا أتفق مع الأنسة إزابيل أن الموضوع أكبر من أن يُناقش هنا و هو موضوع مهم للغاية. وبما أنه ليس هناك داعٍ لإخفاء الحقيقة بعد الأن فستسمعين القصة بأكملها من أصحابها. "

عقدت اوليفيا حاجبيها للحظة كأنها تستنكر معرفته هو للحقيقة التي أُخفِيت عنها وعن الجميع. ثم عادت تنظر إلي وقد نبهها كلامها لأمر بعيد:

" إلمر!.. هو من أخفى كل شيء من أول لحظة، هل.. هل هو يعلم عن مجئيكما بهذه الطريقة إلى الحفل؟"

بسرعة هززت رأسي: " كلا.. لا أحد يعلم. حتى إرنست. أنا من خطط لكل هذا وليس لهما أي علاقة بمجئينا إلى الحفل "

تنهدت وقد وضعت يداً فوق الأخرى وهمست:
" إذاً حتى إرنست يعلم!.. بالتأكيد ماذا أتوقع من توأمك المماثل؟.. ثلاثتكم كنتم تخفون أمراً مهماً كهذا عنا، بل أن المشكلة ورغم معرفتكِ لهذه الحقيقة كنتِ تساندين زواجهما.. "

أطلقت ضحكة قصيرة بلا مرح فيها وهي تهز رأسها كأنها لا تصدق الفعلة الشنيعة التي اقترفناها، بدا الإستياء عليّ فهي مُصِرة على الحديث عن هذا الموضوع هنا والأن.. أمام لورا وأمام اللورد أغسطس! لكني لم أستطع قول شيء فموقفي لا يسمح. أكملت أوليفيا عتابها:

" وماذا عن ما حصل مع الدوقة ماركلين؟ ما علاقة آللورا بالدوق؟ لماذا بدت الدوقة غاضبة هكذا؟ "

تدخل اللورد مجدداً قائلاً بإصرار:
" كما اخبرتكِ سيدة أوليفيا من الأفضل سماعُ القصة من أصحابها وفي وضعٍ أفضل "

إستمعت له أوليفيا وهي تحافظ على رباطة جأشها لكن غضبها كان أكبر إذ سرعان ما ابتعدت بنظرها عنه وهمست ببعض قسوة خافته:
" سأجعل إلمر الـ.. سأجعله يأتي بأقصى سرعة لكي يرى مقدار المشاكل التي أدخلنا فيها. "

أنهت همسها وعادت تنظر إلي قائلة:
"... وبالتأكيد سيعلم أبي وأمي بكل ما حصل إزابيلا.. ولن يعجبهما بتاتاً جلبكِ لآللورا لحفل كهذا بهذه الطريقة وإدخال الماركيز في الموضوع ايضاً.. سيكون عليك الصلاة طويلاً إن أردتِ النحاة دون عقاب قاسٍ "

21

مرة أخرى إبتلعتُ غصة أذت حلقي. ليس خوفاً من تهديدها الصريح والمُحق بل لأنني أشعر بالخجل لأني أتلقى هذا التأنيب القاسي والوعيد المميت أمام اللورد أغسطس والذي لم ينفك يتدخل ليدافع عني وهو يخبر أوليفيا بنبرته الهادئة أن كل شيء سيكون على ما يرام ولا داعي أن يَكبُر الموضوع.
جعلني ذلك أمسك بطرف كم بذلته لأوصل له الإمتنان الكبير الذي أشعر به.

11

فجأة وبينما كانا يتحدثان فُتح باب الغرفة التي دخل إليها أفراد عائلة ماركلين لتخرج الدوقة أماندا وقد علا ملامحها غيظ وغضب شديد حاولت إخفائهما وهي ترفع ذقنها بعلو وكبرياء.

لم تنظر ناحيتنا ولم تتوقف للحظة وهي تخترق طريقها بعيداً عن الضيوف والحفل لتتجنبهم ناحيه الباب الخارجي..

بتوتر رفعت بصري ناحية اللورد وقد خشيت أن تكون مشكلة قد حصلت في الداخل. هز كتفيه لأعلى والإستغراب يعلوه هو أيضاً.
ثم وبعد دقائق خرج الدوق ماركلين وآللورا..

إبتسامة زينت وجهي الأب وإبنته.
إبتسامة جعلت كل القلق والتوتر الذي كان يغمرني يختفي في لحظة، فعلى الأقل نجحنا في شيء ما هنا ولم يكن مجيئنا بدون فائدة.

توجه الدوق ناحيتنا، لم أتوقعه أن يتوجه بكلامه إلي عندما قال ممتناً:
" أنسة إزبيلا. لا أزال لا أعلم كل التفاصيل لكني أعلم بما يكفي أنك كنتِ طيبة مع إبنتي وسبباً في لقائنا.. لا اعرف كيف أعبر عن شكري لكِ "

1

مشاعره الصادقة التي كانت تزين وجهه وجعلتني أحمّرُ خجلاً:
" لا داعي لأن تشكرني سيدي.. آللنور أكثر من صديقة بالنسبة لي "

بينما بقربي أبدت أوليفيا إستغرابها للإسم الذي عرّف به الدوق آللورا والتي كانت ترسم ملامح شبيه لوالدها.

5

تابع حديثه قائلاً:
" لقد تحدثنا قليلاً ولايزال هناك الكثير لنخوض فيه..  لذا لبعض الوقت ستعود آللنور معي الليلة إلى المنزل، أظن أن علي إعلامكما بهذا "

رفعت حاجبي إستغراباً فلم اتوقع ذلك بينما بقربي صرّح اللورد أغسطس موافقاً أنها فكرة جيدة. لكني قلت بسرعة:
" لكن ماذا عن الكلية؟ لا يمكنني العودة بدونها فسوف يسألون عن مكان تواجدها! "

بدا أن آللورا قد إنتبهت للأمر للتو لكن والدها أجاب من فوره:
"سأتصرف. سأرسل أحد رجالي ليأخذ إذناً بخروجها وفي نفس الوقت سيحضر ليديا معه. فلا تقلقي. "
" آه حسناً. لا بأس بذلك.. "

إرتحت قليلاً ثم إقتربت من آللورا اسألها بصوت خافت:
" هل ستكونين بخير؟ هل كل شيء بخير!؟ "
" نعم.. لا تقلقي إزابيل عندما أعود سأخبرك بكل شيء "

كانت مبتسمة بينما تجيب ليُدخلَ ذلك الكثير من الراحة إلى داخلي المتوتر بشدة لأهز رأسي لها متفهمه فالمهم فقط أنها سعيدة قبل أن يلفتني الدوق عندما قال شاكراً لأوليفيا:
" شكراً لكم للإعتناء بـ آللنور هذه الفترة "

عضدت على شفتي السفلى بإرتباك وقد نسيت أنه لا يعلم أن بقيه أسرتي لا تعلم حقيقة إبنته لكن أوليفيا لم تسأل كثيراً وتظاهرت بأنها تعلم بينما قالت بإحترام كبير:
" ليس هناك داعٍ للشكر أيها الدوق "

16

ثم ودون تأخير استأذن ليذهب ويُحيي السيد جونسون وزوجته قبل خروجه ومن خلفه سارت آللورا التي ودعتني بتلوحيه من يدها ولم يفتني إرتباك قليل ساد ملامحها إذ ستكون هذه أول ليلة تقضيها بعيداً عني منذ قرابة ثلاثة أشهر..

1

ينتظرني الكثير لأعرفه عن ما حصل بينهما في تلك الغرفة.

ما إن إختفيا عن ناظرنا حتى قالت أوليفيا وهي تضيق عينيها ناحيتي:
" سيكون حديثنا طويلاً للغاية "

5

نعم. وهذا أيضاً..
إبتسمت لها بإرتباك فتجاهلتني وهي تلتفت لتبتسم بدبلوماسية ناحيه اللورد وتقول:

2

" أسفة جداً أيها اللورد لأن لقائنا سار بهذه الطريقة المخجلة. سيكون من الرائع لو قابلت زوجي أرثر لامبارت إنه في مكان ما وسط هذا الحفل "
" بالتأكيد سيدة أوليفيا يسرني ذلك. لقد سمعت لطالما وددتُ مقابلة الإبن الأكبر لعائلة لامبارت .. "

5

ابتسمت بحبور وقالت:
" حسناً. سأذهب لأبحث عنه.. عن إذنكم "

ودون أن تنظر ناحيتي.. ذهبت.
تنفستُ الصعداء فور ذهابها وشعرت بالسوء لذلك، لكني عدتُ و إضطررت لإظهار الإبتسامة عندما إقتربت لورا التي كانت تقف بعيداً بعض الشيء منا وهي تقول بإندهاش مُعجب:

" هل حياتك ملئية بالدراما هكذا دائماً إزابيلا؟ "

41

رغماً عني ضحكت لتعليقها ورأيت اللورد بطرف عيني يغطي إبتسامته بيده ايضاً. لأجيبها:
" صدقيني لم تكن بهذا السوء من قبل، لكن ومنذ الصيف الماضي لم يعد كل شيء كما كان "

2

" أرجو فقط أن تنتهي الأمور بسلام. لا أريد أن أسمع عن مشكلة أخرى تحصل لكِ إزابيل "
أردفت أخر جمله بقلق وهي تمسك بيدي لأشد على يدها مطمئنه لها.

7

إستأذنت هي الأخرى بعد ذلك لكي تعود لوالدتها واخبرتها أنني سآتي لإلقاء التحية عليها بعد قليل.

أخيراً عاد الهدوء. لوحدي مع اللورد في مكاننا البعيد عن مركز الحفل.
على مبعدة بعض الرجال يتحدثون بجدية عن أعمالهم. وسيدات جلسن في أحد المقاعد يرتحن قليلاً. وأمامنا في القاعة لا يزال الحفل مستمراً ببهجته وكل إنفعالاته. لا أحد منهم يعلم شيئاً عن كلمل حصل قبل قليل هنا وفي الغرفة المجاورة.

" أنتِ بخير أنسة إزابيل؟ "
سألني مخرجاً إياي من دوامة أفكاري فنظرتُ إليه.. ثوانٍ أجبت بعدها:
" نعم بخير، فقط.. انا أسفة لأنـ.. "

" أرجوكِ لا أريد أن أسمع إعتذاراً منكِ فلم يحصل أي شيء لتعتذري عليه "
إبتسمت. أردف بعد تفكير قليل:
" لابد أنكِ ستكونين مشغولة للغاية في الأيام القادمة. لا أظن أن الأمور ستهدأ قريباً "

1

عبست قليلاً وأنا أتذكر ذلك لأقول:
" أرجو فقط أن لا يتأثر أمر زواج إلمر وآللورا بكل هذا. لن أسامح نفسي لو لم يتزوجا "
" أنتِ تعلمين أن لا ذنب لكِ بما حصل "

2

" بل كل الذنب ذنبي فهي فكرتي وأنا من أجبرت آللورا على المجئ. وأنا من أخفى الأمر عن إلمر وإرنست "

كنتُ اتحدث بعبوس شديد وقد أبعدت نظري عنه ليقول بنبرته الهادئة والمتمكنه التي بدأت أعتاد عليها:

" ربما.. ربما يكون كلامك صحيحاً لكن لا تنسي ايضاً أنه وبسبب مغامرتك المتهورة هذه اجتمعت الأنسة آللورا مع والدها بعد غياب لستة عشر عاماً! لا تنظري لا إلى الجانب الخالي من الكوب.. "

9

كان يقترب مني بينما يتحدث إلى أن وقف أمامي مباشرة ثم أكمل قائلاً:
" كما أنني أثق أن الأمور ستسير على ما يرام. سترضى كل الاطراف بالواقع مهما كانت نهاية هذه المشكلة أنا متأكد من هذا.
ولا احد سيقوم بلومكِ على أي شيء أنسة إزابيل "

18

حديثه الواثق كأنه يعلم ما سيحدث مستقبلاً جعلني أشعر بشعور أفضل لأخذ نفساً وأطلقه ببطء وأنا أقول:
" أتمنى ذلك بالفعل "

ثم وفجأة أمسك بيدي ليقول بنبرته المرحه التي لم أعتدها حتى الأن:

" إذاً وبما أننا إنتهينا من هذا. لنذهب ونرقص قليلاً. لقد ضيعنا الكثير من الوقت وإقترب الحفل من نهايته.. كما أن علينا الذهاب وتحية المزيد من الناس وأنا لم اكتفي منكِ بعد! "

38

بالتأكيد يجب أن ينهي الحديث بشيء يجعل قلبي يعود لجنونه.
لكني لم أناقشه وأحكمت يدي على خاصته مدارية خجلي الواضح وذهبت برفقته لنرقص سوياً.

8

لم أدري ماذا حصل مع آللورا في منزل ماركلين. وقد كان الفضول يقلتني بعد أن عدت من الحفل ليلة البارحة ورغم التعب الكبير الذي شعرت به بعد تلك الأمسية الطويلة إلا أنني قضيتُ أغلب الليل
أخبر آنّا بما حصل في الحفل.

27

بينما أخبرتني هي عن ما حصل في غيابنا.. عن خروج ليديا فجأة وسط استغراب الجميع بعد أن تم استدعائها إلى المنزل في ذلك الوقت المتأخر.

لكن من جهة أخرى أعلم تماماً ما يحصل في جهتي.
إذ قامت أوليفيا في اليوم التالي للحفل بإرسال رسالة طويلة لوالدي فيها القليل الذي تعرفه عن الحقيقة والذي سيجعلهما يثوران بكل تأكيد، وسيضع إلمر في موقف سيء كونه معهما هناك.

4

وبالطبع تلقيتُ رسالةً منه بالبريد السريع في صباح ذلك اليوم يسألني عن ما حصل في الحفل.. ولأن الإجابة كانت ستأتيه مع برقية أوليفيا لم أتعب نفسي بإرسال رد له.

6

يكفيني ما حصل مع إرنست ليلة البارحة حينما جاء لإصطحابنا من الحفل وعلم بما حصل فيه.

كلا... لم يصرخ في وجهي أو يعاتبني أو يتهمني بتخريب كل شيء، لقد فعل ما هو اسوأ..

لم يقل أي شيء!
إستمع لكل ما قلته ولم تتغير ملامحه، ثم وبكل بساطة إلتفت ناحيه النافذة يراقب الطريق المظلم طوال رحلة العودة.

8

طبعاً وماذا سيقول وهو منذ البداية كان ضد علاقة إلمر وآللورا. وضد ذهابنا إلى الحفل وضد كل شيء.!  لكني أنا من أصر على فعل كل ذلك دونما رضى منه وأوقعتُ نفسي وأخي الأكبر في ورطة..
لهذا لم يعاتبني فهو يعلم أنني سأتلقى الكثير لاحقاً على أي حال.
  وأيضاً ليخبرني بكل وضوح أن لا دخل له بما سيحصل لي!

2

لم يطل ترقبي لمعرفة نتائج مغامرتنا تلك.. تحديداً إلى ما بعد ظهر اليوم الثاني من الحفل. إذ تم إخباري أن إرنست جاء لزيارتي.

نزلت بتوتر لأجد برفقته آللورا والتي يبدو أنها وصلت معه في نفس الوقت فذهبت برفقته لأن الموضوع يمسها على أي حال.ومثلي بدت متوترة للغاية وقد ساد بينهما الصمت.

كان إرنست هادئاً وآللورا الجالسة أمامه قلقه لهدوءه هذا.. وكذلك أنا.جلست معها في مقعدنا المعتاد وأنا لا أعرف إلى أيهما أنظر.. فكلاهما يحمل أخباراً أريد معرفتها بشدة لكن سرعان ما ابتدأ إرنست:

" لقد تواصلت أوليفيا مع أهلنا وأخبرتهم بكل الإشاعات التي سمعتها وبما قالته لها الدوقة أماندا ايضاً عنك ِ أنسة آللورا.. وهناك اضطر إلمر أخيراً لإخبارهم بالحقيقة. كاملة. "

هززت رأسي له ليكمل.. فقال:
" إنهما غاضبان.. للغاية، بل أكثر من تلك المرة عند وصول إلمر "

إمتقع وجهي بسرعة ولمحت يد آللورا ترتجف تحت الطاولة. بينما اكمل إرنست:
" لم تخبرني أوليفيا بالكثير. فقط قالت أن إلمر سيأتي خلال يومين وسنتحدث عن نتائج ما حصل بينهم وعن ما سيحدث منذ الأن وصاعداً برفقتك.. أنسة آللورا "

" بالتأكيد.. بالتأكيد سأفعل "
قالت بسرعة وبإرتباك. بينما قلت:
" ألم تخبرك أي شيء عن ردة فعلهما عندما علما أن آللورا إبنة الدوق ماركلين؟ "

نظر إلي وهز رأسه قائلاً:
" كلا. لم تقل أي شيء... لكني لا أظن أن ردة فعلهما ستكون ذات أهمية "

إنعقد حاجبي مستفهمة فشرح:
" الأنسة آللورا بالفعل إبنة للدوق. لا يمكننا تكذيب ذلك. لكنها معلومة لن تفيد لأنها يستحيل أن تخرج للناس. فهي ستضر عائلة ماركلين كثيراً إن فعلت. وأفترض أنكِ قد تحدثي عن هذا مع والدكِ أنسة آللورا.. ؟"

سألها فهزت رأسها قائلة:
" نعم.. لقد فعلنا "
" بالنسبة للناس وحتى وإن كانت الأنسة آللورا إبنته من زواج رسمي لكن ولأنه لم يتم الإعلان عليه وكان مع إمرأة من طبقة أخرى فلا أحد سيتعرف به، وستكون الأنسة آللورا في نظرهم إبنة غير شرعية فقط.. ولهذا لن تغير حقيقة أنها إبنته شيئاً كما أظن "

1

بغيظ عضدت على شفتي وقد تنبهت لهذا:
" إذاً هما لا يزالان رافضين للزواج؟ "
" لا أعلم إزابيل. ولن أكون مستغرباً لو كان الأمر كذلك.. لقد كَذبَ إلمر كثيراً. ولقد سبب ذلك بمشكلة مع الدوقة أماندا وبعض معارف أوليفيا.. ولا أحد يدري ماذا كان سيحصل لو لم يتدخل الدوق ماركلين لإنهاء ذلك.
إن علاقتكِ بإلمر في خطر أنسة آللورا. هذا ما أنا متأكد منه "

1

بكل صراحة قال فنهرته. لكنه تجاهلني وهو ينظر بعيداً بجمود واضح.
نظرتُ إليها وأمسكت بيدها قائلة:
" لا تقلقي آللورا.. يستطيع إلمر تدبر الأمر "
" لا بأس إزابيل. شكراً لكِ "

لم أستطع قراءة ملامحها وهي تقول ذلك ولم استطع التدقيق فيها إذ أن إرنست نهض مستأذناً ليذهب لأوقفه قائلة:
" مهلاً.."

نظر إلي بحاجب مرفوع منتظراً ما أود قوله. لتستأذن آللورا هذه المرة وقد لمّحت لها أنني أريد الحديث معه لوحدي.
وما إن ذهبت حتى قال إرنست بجموده ذاك بعد أن عاد وجلس:
" هل هناك مشكلة ما إزابيلا؟ "

2

نظرتُ إليه ببعض تردد..
الشجار الذي بدأ بيننا قبل قرابة شهرين طال كثيراً وتعقد أكثر في أخر يومين. لكني لم أعد أريده أن يستمر أكثر.
يكفيني ما قد ألاقيه في الأيام القادمة ولا أريد أن يكون إرنست ضدي أيضاً. وأريد أن نعود كما كنا.

3

أن أشتاق وأفرح لرؤيته دون تردد، وأن أحدثه بكل ما لدي وأن يفعل المثل بكل أريحيه. أن نختلف.. لكن نعود بسرعة لنتفق في الموضوع التالي..
أريد لكل ذلك أن يعود.

فتحت فمي بعد أن فكرت كثيراً وقررت أنني أود الإعتذار إليه.. لكوني دائماً أسبب له القلق بينما جل ما يريده هو أن أبقى سالمة معه.

لكن وقبل أن أنطق أسرع إرنست قائلاً:
" لا تعتذري! "

بحاجبين معقودين قلت: " كيف عرفـ... بل لماذا؟
أنا أريد أن أنهي الشجار الذي بيننا إرنست "
أضفتُ بجدية وأنا أنظر إليه بحده ورجاء.

أطلق إرنست تنهيدة وهو ينظر إلي غير مصدقٍ لما قلته:
" إزابيل. إن الأمر لا يتعلق بشجار بسيط وإختلاف رأي.. أنا لستُ غاضباً لهذا السبب "
" إذاً أنتَ غاضبٌ لأنني لم أستمع إليك؟ "

"كلا ليس هذا أيضاً، كما أنها ليست أول مرة تفعلينها على أي حال.. لقد إعتدت تجاوز أفعالكِ هذه أختي.. لكن هذه المرة الامر مختلف، فما فعلتِه لم يؤثر عليكِ أنتِ بل على أشخاص أخرين.
هل تعلمين ما يمر به إلمر الأن بسبب إضطراره لإخبار الحقيقة بهذه الطريقة؟ لابد أنه كان يريد تمهيد الأمر لوالدي قبل اخبارهما، لكن أن يعلما هكذا...
لا أستطيع حتى تخيل ما يمر به "

4

كان يبدو متألماً حقاً عندما ختم حديثه، لأشعر بالكثير من الخجل. ثم أضاف:

" ولا تنسي الأنسة آللورا التي تأثرت أيضاً بهذا.. رغم كونها شريكه لكِ لكن لا ينفي تضررها..
وأيضاً إدخالكِ للـ لورد... ماذا تظنين أن والدي سيقولان عنه بعد مساعدته لكِ في أمر كهذا؟
ربما سغيران رأيهما عنه!"

" مستحيل!! "
بجزع قلتها ليهز كتفيه قائلاً:
" لا أحد يعلم ماذا يمكن أن يحدث. "

14

غمرني إحساس بالذنب وأخذت أقول بنبرة خافته:
" تباً.. ما كان يفترض أن ينتهي الأمر هكذا "

راقبني إرنست لوهلة قبل أن يقول بعد تنهيدة متعبة:
" أنا أيضاً ملام لكل هذا.. فأنا كنتُ أعلم عن الحقيقة. وأعلم عن سبب ذهابكما للحفل ومخاطره أيضاً ومع ذلك تركتكما تذهبان..
أنا من كان متواجداً هنا معكما ومع ذلك لم أمنعكما وتركت كل هذا يحصل.. لذلك أنا مذنب بقدرك أختي. وسأتحمل معكِ المسؤولية أياً كانت رده فعل والدينا"

" إرنست.. كلا أنت لست مذنباً، لقد اجبرتـ.. "
" تعلمين انكِ لا تجبرينني على شيء بيلا، أنا من يتركك تفعلين ما تريدين. إعتدت فعل ذلك ولم أستطع قول لا.. لهذا أنا مذنب "

8

لم يعجبني قوله لكنه ما كان ليغير رأيه.. في نفس الوقت علمت أنها طريقته ليبين لي أنه معي.. ولن يتركني وحدي كما تصورت.

" إرنست.. شكراً لوجودكَ معي "
هكذا قلت فإبتسم.

1

" لقد كانت ليلة غريبة حقاً "

هكذا كان تعليق آللورا عندما جلستُ برفقه آنّا معها في غرفتنا لتخبرنا بما حصل في منزل ماركلين. سألت من فوري:
" غريبة من أي ناحية؟ وماذا حصل مع ليديا؟ هل عادت معكِ؟ "

" كلا.. لم تعد معي، بقيت لتتحدث مع والدتها أكثر. أما عن ما حصل..
ففي الحقيقة توقعت صدمة كبيرة من ليديا وأختيها. لقد صدمن بالفعل، وبدا كأنهن لم يستطعن استيعاب الخبر عندما اخبرهن والدي به.

ظننتُ أن أختيّ ليديا ستنفران مني فهذا أول لقاء لنا. لكن ليس كما توقعت إذ يبدو أن ليديا كانت تحدثهن عني من قبل.
أخبرهن والدي ليلة عودتنا بقصة زواجه من أمي وتبعاته وكيف انتهى، استمعن له بأعين متسعة كأنه يتحدث الفرنسية. "

22

هنا ضحكت قليلاً ثم أكملت:

" كما أخبرهن عن سبب عدم عودة السيدة أماندا معنا.. لقد كن مستاءات للغاية في البداية لأن والدتهن غير موجودة. وأخذن ينظرن إلي بحدة كوني السبب في غضب والدتهن.
وكن يتحدث بتحفظ كبير في وجودي.. حتى ليديا!"

بدا بعض الإنزعاج على وجهها بينما تتذكر ذلك. لم نقاطعها وقد عادت لتكمل:

5

" ثم وبعد مدة ذهبن سوياً وهن يتهامسن ويتناقشن حول ما قد قيل فقضيت أغلب تلك الليلة مع والدي نتحدث سوياً في انتظار قرارهن.
حتى صباح يوم البارحة.. "

صمتت لوهلة وقد بللت شفتيها ثم إبتسمت لنا وهي تقول:
" عادت ليديا لتتحدث معي، بتحفظ نعم. لكنها تحدثت معي. بدت كأنها لا تستطيع التصديق لكنها لا تنكر الأمر أيضاً.. وساعد في تقبلها اقبال والدي للحديث معنا طوال اليوم حديثاً ودياً أخبرها فيه بالكثير الذي لم تكن تعلمه وشيئاً فشيئا ً عادت لتتحدث معي بأريحية "

أطلقت آنّا تنهيدة طويلة مرتاحه لهذه النهاية. لكن آللورا أضافت:
" عادت ليديا لتتحدث معي لكن أختيها لم تفعلا.. أظن أن تقبلهما لهذا الأمر الذي أغضب والدتهن وجعلها تترك المنزل لن يكون سهلاً. لكن لا بأس. فوالدي أخبرني أنهما ستتفهمان قريباً. "

إبتسمتُ إبتسامة واسعة لما قالته. لكنها سرعان ما أكملت:
" وقبل ذهابي ببعض الوقت عادت السيدة أماندا.. وبدت مستاءةً لقضائي ليلتين مع بناتها في منزل واحد ورفضت الحديث إلي أو حتى النظر ناحيتي. لكن أبي أخبرني أنه سيتحدث معها وكذلك قالت ليديا.. ولهذا عدتُ وحدي إلى الكلية. "

" أرجو أن يُفهمها أنكِ لم تأتي لفعل ما تظنه. وأرجو أن تصدقه! "
" أنا أيضاً أرجو ذلك فأنا لا أريد أن تكون علاقتي سيئة معها فهي أم ليديا وزوجة أبي، لم أرد أبداً أن أكون سبباً في تشتت تلك العائلة وأرجو أن لا يحصل ذلك "
" سيكون كل شيء على ما يرام.. أنا أثق بالدوق ماركلين فهو يبدو شخصاً متمكناً "
" هذا صحيح "
ربت على يدها فأمسكت بها معها. ثم أضفت متسائلة بفضول:
" وماذا عن موضوع الإعتراف بكِ كإبنته؟ هل ما قاله إرنست صحيح؟ "

3

" بخصوص هذا الموضوع .. في الحقيقة لقد أخبرتُ والدي أنني لا أفكر في إخبار أحدٍ غير عائلة غرين كوني إبنته. فكما قلت سابقاً لا أريد أن أسبب مشاكل لهم.
رحب بذلك للأسباب التي قالها إرنست رغم كونه أبدى بعض الإستياء لإضطراره لفعل ذلك "
إبتسمت في هذا الجزء ثم أكملت:
" لقد إتفقنا أنني سأتظاهر بكوني إبنة أحد أصدقاء والدي من التُجّار الهنود والذي تربطه به علاقة قوية. وهذا ما سنقوله أمام الناس "

1

" هل أنتِ متأكدة كونك تريدين العيش بكذبة كهذه مجدداً؟ "
سألتها آنّا بالكثير من الإستنكار ففكرت لبعض الوقت ثم أجابت بإبتسامة حانية:

" في الحقيقة ولأكون صريحة معكما. هذه المرة لا أشعر بالأمر كأنه كذبة.. عندما جئنا انا وإلمر بكل تلك الأشياء كنت أشعر بالضيق في داخلي والخوف أيضاً من أن نكشف أمام الجميع. لكن هذه المرة لا أشعر بذلك.. بل يملأوني الإحساس أن هماً كبيراً إنزاح عن كاهلي وأنني لا أمانع العيش بهذه الهوية فهذه المرة أنا أفعلها لمساعدة والدي وأسرته "

3

لم يسعني وآنّا سوى الإبتسام سعيدتين لها. لأقول مرتاحة:
" تبقى فقط أن يُحسم موضوعكِ مع إلمر...
بالمناسبة، هل قال الدوق ماركلين أي شيء عن علاقتكما هذه بعد معرفته عنها؟ "

إحمر وجهها بسرعة وهزت رأسها مجيبه:
" نعم.. لقد كان من المحرج إخباره بكل ذلك.. والغريب انه ضحك عندما علم بعلاقتنا ولم يقم بالحكم علي أبداً بل وأخبرني بعدها أنه يشجعني ويريد مقابلة إلمر إن كان جاداً في رغبته الزواج بي"

" اوه هذا جيد إذاً "
" أتمنى فقط أن لا يتأخر إلمر في المجئ. وأن يكون كل شيء بخير عندما يأتي "
قالت متنهدة ثم أردفت بسرعة وهي تنهض:
" أود إرسال رسالة إلى أمي "

3

راقبتها وهي تذهب مسرعة ناحية غرفة النوم وقد بدت متحمسة لإخبارها بكل هذه المستجدات حتى أنها لم تهتم بإخباري بالمزيد من التفاصيل.

إلتفت بعد ذهابها ناحيه آنّا الهادئة وسألتها ببعض همس:
" آنّا.. هل تظنين أن علاقتهما ستنجح بعد كل هذه المصائب؟ "

بدا واضحاً الرجاء في ملامحي وأنني أريدها أن تقول أي شيء يجعلني أشعر بشعور أفضل.
أردت فقط أن أسمع كلاماً إيجابياً من شخص ما بعدما قاله إرنست.
لتجيبني هي بكل صراحة:

" أود أن أكون متفائلة وأقول نعم. فهذه ليست أول علاقة بين إثنين مع عرقين مختلفين. ونجاح بعضها سبب للتفاؤل بنجاح أخرى، لذلك نعم. أنا متفائلة أنستي وسأدعو لهما بالتوفيق "

2

ابتسمت شاكرة لها وهززت رأسي موافقه لكلامها. وتمنيت في داخلي أن يأتي إلمر بأخبار جيدة له ولـ آللورا.

..........


الانتقال إلى الفصل التالي