رواية حدث ذات مرة في ويلفيرتون الفصل 1

 



(1)


لم تكن المسافة التي تفصل المنزل من حديقته الزجاجية كبيرة إلا أن صوفِيّا قطعتها بخطوات مسرعة وهي تمسك بأطراف ثوبها الأسود حتى لا تتعثر به، ورغم كونها تعمل هنا منذ أكثر من عشر سنوات إلا أن المنظر التي يستقبلك حالما تخرج عبر الباب الخلفي ناحية الحديقة لا يزال يرسل قشعريرة إلى جسدها.

31

المهندس الذي صمم هذا المنزل في الخمسينيات، أي قبل بضعة وثلاثين عامًا كان يعلم عن هواية الليدي جورجيّا في العناية بالنباتات والأزهار بمختلف أنواعها لذلك ركز في تصميمه ليس على المنزل نفسه بل حديقته الزجاجية التي كانت الليدي تقضي جل وقتها فيها.

4

مبنى زجاجي كبير أحيط تمامًا بالنباتات المتسلقة والأشجار لتخفي ما بداخله عن الأعين، وقد أحاطته من الخارج أيضًا نباتات وأزهار متنوعة جعلته يبدو كجزء من غابة الأمازون.

20

ومثل الليدي جورجيّا إعتنقت سيدة المنزل الحالية ليدي جانيت ويلفيرتون نفس هواية والدة زوجها وبذلك كانت تقضي جل وقتها هنا أيضّا. صوفيّا نفسها إعتادت القدوم إلى الحديقة الزجاجية برفقة سيدتها حيث تعمل كمرافقة خاصة لها، لكنها اليوم ومن بين كل الأيام تركت جانبها لتذهب لبعض شأنها وتركت الليدي برفقة إبنتها الوحيدة ليدي سارا حيث جمعهما حديث خاص، لتفاجأ الآن بالليدي تطلب قدومها، لذلك حثت خطاها عائدة بسرعة إلى البيت الزجاجي لتقف للحظة أمام الباب الكبير مستجمعة أنفاسها.

عدلت صوفيّا من طيات ثوبها ذو اللون الموحد والخالي تمامّا من أي تعرجات أو مظاهر للزينة ثم تأكدت من أن ربطة شعرها البني الداكن لا تزال مشدودة للخلف بإحكام وبخطوات هادئة دخلت عبر الممر المؤدي إلى منتصف البيت الزجاجي حيث تقع فسحة خالية تسع لبضعة طاولات كانت الليدي تقيم فيها حفلات شاي صغيرة لصديقاتها.

4

تنوعت النباتات في المكان وإمتلأت الأجواء برائحة الزهور العطرة التي كانت تمثل تسعين في المئة من محتويات الحديقة، وفي نهاية الممر ظهرت الطاولة التي انصفت المكان ومن حولها جلس ثلاثة أشخاص.
فوجئت صوفيّا بوجود اللورد ويلفيرتون برفقة زوجته وإبنته لكنها لم تظهر ذلك وهي تنحني في هدوء قائلة:

1

-هل طلبتي رؤيتي سيدتي؟
-آه نعم، صوفيّا تعالي إلى هنا رجاءً.

تحدثت الليدي بنبرة باسمة فإقتربت صوفيّا من الطاولة التي جمعت أفراد العائلة معًا، عليها تواجدت لوازم شاي ما بعد الظهر التي أشرفت صوفيّا على ترتيبها بنفسها قبل نصف ساعة وقد زادت الآن كوبًا استعمله سيد المنزل.

على الطاولة بانت إبتسامة على وجه الليدي سارا وهي ترى إقتراب صوفيّا وتعدلت في جلستها كأنها تنتظر ما سيقال بعد قليل.

أخذت ليدي سارا جميع ملامح والدتها والتي كانت لا تزال تحتفظ بجمال طلتها رغم دخولها العقد الخامس من حياتها، أصبح لون شعرها الأشقر داكنًا مع تقدمها في السن وقد سَلم حتى الآن من غزو الشعر الأبيض له، تعرجات كانت تظهر على جوانب عينيها كلما ابتسمت لكنها لم تخفي جمال عينيها الخضراوتين، ورغم كونها كانت دائمًا تعاني من الكثير من الأمراض التي حدت من حياتها الإجتماعية إلا أن الليدي جانيت حافظت على روحها الباسمة والتي ورثتها إبنتها سارا منها أيضًا.

-لقد تحدثت مع زوجي ومع سارا ووصلنا إلى أنني لن أكون من سترافقها إلى حفل الدوق ستاندفورد الليلة بل أنتِ صوفيّا. ما رأيك بذلك؟

-سأكون سعيدة بفعل ذلك سيدتي، لكن إن سمحتِ لي بالسؤال لماذا لن تذهبي إلى الحفل بنفسك، هل أنتِ متعبة؟

-أوه كلا لا تقلقي صحتي بخير اليوم لكني أخشى أن أتعب بعد حضور الحفل لذلك أفضل عدم الذهاب فكما تعلمين علي أن أكون حاضرة للتجهيز لإستقبال ضيوفنا بعد إسبوع لذلك سأحتفظ بطاقتي لذلك.

ختمت الليدي بإبتسامة واسعة وهي تنظر ناحية زوجها الذي وضع كوبه على الطاولة بينما يهز رأسه موافقًا. كان اللورد جاك ويلفيرتون أكبر من زوجته بعقد كامل وهو يختلف عنها أيضًا في ملامحه الجادة الصارمة وشخصيته القوية التي تُعرف عنه  في المحاغل الإجتماعية والسياسية، بينما كان طيبًا ورقيقًا مع أفراد عائلته خاصة زوجته المريضة ويكاد يفعل أي شيء من أجل راحتها.

2

شابك اللورد يديه فوق الطاولة ونظر ناحية صوفيّا التي تنظر للأسفل وقال بنبرته العميقة:

-كما العادة ستكون الأسابيع القادمة ضاغطة ومتعبة للغاية لكن وبعد المرض الذي عانت منه الليدي خلال الربيع لا أرغب منها أن تكون المسؤولة الكاملة عن الإشراف على كل شيء.

-بالتأكيد سيدي لقد إقترحت على الليدي ذلك لكنها رفضت.

علقت صوفيّا فوافقها اللورد قائلًا:
-لقد علمت عن ذلك وهذا ما دفعني لأن أطلب منها ذلك بنفسي.

-تقصد أمرتني! ما كنت لأستمع لك لو طلبت مني كرجل نبيل.

5

تدخلت الليدي بنبرة أبدت فيها بعض الضيق المتلاعب وهي ترمق زوجها بطرف عينها إلا أن اللورد لم يعرها إنتباهًا وهو يتابع:

1

-ستساعدين الليدي في الإشراف على راحة ضيوفنا وسيكون من الأفضل أن تتدبري أمر كل شيء بنفسك، كما أرجو منكِ أنسة مورغن أن تشركي إستر وتعلميها عن كيفية تدبير الأمور هنا.

-بالتأكيد سيدي.
-الآن وبعد سماع كل هذا أجد أننا نطلب منك الكثير صوفيّا، وهذا جعلني أشعر ببعض الذنب.

4

رسم ذلك إبتسامة على ملامح صوفيّا لتقول وهي ترفع بصرها قليلًا ناحية الليدي:
-ولم تشعرين بالذنب سيدتي! أنا بالفعل أشعر بالكثير من الفخر لكونكما تثقان بي لأشرف بدلًا عنك على حدث كهذا، كما أنه سيكون من دواع سروري مرافقة الليدي سارا إلى الحفل الليلة.

هنا تدخلت سارا مبتهجة وهي تقول:
-أليس كذلك! أي شخص سيحب أن يحضر حفلًا كبيرًا كحفل الليلة، كما أنني أشعر أن تواجدك معي صوفيّا سيكون فألًا جيدًا لي.

4

أضافت وهي تنظر ناحية والدتها لتقول هي:
-دائمًا ما تقولين هذا سارا لكنك ومع أي حفل تحضرينه تعودين خالية الوفاض.

عبست سارا لكن والدها تدخل قبل أن ترد وقال:
-لا يهم حقًا ما سيحصل الليلة فهي أخر حفلة لكِ هذا الموسم هنا في لندن، لذلك وكما إتفقنا سأقوم بدعوة من أراه مناسبًا لكِ ليحضر موسم الصيد لدينا وبنهايته ستكونين مخطوبة له.

8

إزداد عبوس سارا مع كلمات والدها فهي تعلم من يقصد بكلامه لكنها لم تستطع الإعتراض فهي بنفسها إتفقت مع والدها بداية هذا الموسم أنها فرصتها الأخيرة في المحاولة وإيجاد من يعجبها، لكنها دائمًا ما كانت تحاط برجال ممن يريدون فقط إستغلال كونها إبنة الماركيز ويلفيرتون الوحيدة ليحظوا بإرتباطهم بها على المال والجاه الذي يرافقها.

4

ورغم كون فرصها الليلة شبه معدومة إلا أن سارا تفائلت بذهاب صوفيّا معها بدلًا عن والدتها فهي الآن ستستطيع التحرك بحرية والرقص مع من تريد دون أن تسمع رفض والدتها وتعليقاتها على من توافق عليه.

-حسنًا، كما تريد والدي – نهضت سارا وهي تستأذن بتهذيب – والآن عن إذنكما والداي إذ يجب علي الإستعداد للحفل.

-أرجو منك أن تمري على إستر وتخبريها أن تساعدك في إختيار ثوب للحفل.
-كما تريدين أمي.

وبإنحناءه أخيرة خرجت سارا من البيت الزجاجي، وما إن أصبح ثلاثتهم لوحدهم حتى قال اللورد مخاطبًا صوفيّا:

-هناك أمر آخر، تعلمين أنني أريد دعوة كل من اللورد كاريت والسير هاثواي للصيد في محاولة لإعادة الصلح بينهما قبل الإنتخابات القادمة، لذلك أريد منك التركيز على راحتهما. ومن أجل ذلك أتمنى منك أن تسبقينا إلى ويلفيرتون نهاية هذا الإسبوع وتشرفي على ترتيب الغرف والمسلتزمات اللازمة لحضورهما.

1

-كما تريد سيدي، لكن وخلال فترة غيابي من سيعتني بالسيدة! فبعد زواج ليزي ليس هناك خادمة معتادة على العناية بسيدتي.

ردت عليها الليدي قائلة:
-لا تهم هوية الخادمة فأنا كما أخبرتك أشعر أنني أفضل ولن أحتاج للكثير لذلك عيني أي واحدة تعجبك.

-كما تريدين سيدتي. هل من أوامر أخرى؟
-كلا.. يمكنك الذهاب الآن.

قالها اللورد وهو يصب لنفسه ولزوجته بعض الشاي لتضيف الليدي بنبرة متقصدة:
-عليك أنتِ أيضًا الإستعداد للحفل صوفيّا وإختيار ثوب يليق به فمن يدري ماذا قد يخبئ لك القدر هنا، ربما قد تلتقين أخيرًا الرجل الذي سيخرجك من صومعتك هذه.

18

ختمت وهي تغمز لصوفيّا ليرسم ذلك إبتسامة على وجه زوجها الذي لم يتدخل وواحدة أخرى على وجه صوفيّا التي ردت:

-هل تريد سيدتي التخلص مني بتزويجي لأحد ما؟
-أوه كلا لا أقصد ذلك! – ردت الليدي بإعتراض لتضيف صوفيّا بنفس الإبتسامة:

1

-إذا سيكون من الأفضل أن لا أقابل أحدًا الليلة فأنا أيضًا لا أريد الإبتعاد عن هذا المنزل.

زمت الليدي جانيت شفتيها بغير رضى من إجابة صوفيّا لتُصر قائلة:
-لا أعلم لماذا تصرين على عدم الزواج رغم كونك جميلة للغاية ولا تزالين صغيرة أيضًا.. أليس كذلك عزيزي؟

إلتفتت ناحية زوجها لتشركه في الحديث فإرتبك حيث لم يكن يريد ذلك ليقول موافقًا زوجته بدون إهتمام حقيقي:
-نعم نعم، هو كذلك.

1

عادت الليدي لتنظر إلى صوفيّا والتي قالت وهي تنحني قليلًا:
-أشكر مجاملتك سيدتي لكني لستُ صغيرة كما تقولين فقريبًا سأكمل الثلاثين ومن هن في سني يعتبرن عانسات بالفعل.

4

أصدرت الليدي إعتراضًا على اللفظ الذي استعملته صوفيّا ثم قالت بإصرار:
-حسنًا، ورغم أنني لستُ راضية عنما إنتهى به حديثنا لكني سأرحمك الآن، يمكنك الذهاب ومساعدة سارا في الإستعداد للحفل على أن نكمل حديثنا في وقت لاحق.

-أمرك سيدتي. عن إذنكما.
تراجعت صوفيّا إلى الخلف دون أن ترفع بصرها إلى أن وصلت إلى بداية الممر ثم إلتفتت وتابعت مسيرها إلى خارج البيت الزجاجي.

ما إن إختفت حتى قال اللورد ويلفيرتون لزوجته:
-عزيزتي، لماذا تصرين على التدخل في شؤون الفتاة رغم كونك من تستفيدين منها أكثر من أي شخص آخر.

-لأني أستفيد منها أكثر من شخص آخر أنا أتدخل في شؤونها.

1

قالت الليدي وهي تأخذ قطعة من كعكة فيكتوريا الإسفنجية من حامل الوجبات الخفيفة وتضعها في صحن حلويات وتقدمه لزوجها ثم وضعت واحدة أخرى لنفسها وأكملت بعد أن رمقها اللورد بنظرات مستفهمة:

23

-صوفيّا تعتبر الآن أقدم من يعمل معنا رغم كونها لا تزال في التاسعة والعشرين فهي هنا منذ أن كانت في السابعة عشرة، ورغم كونها قادمة من عائلة محترمة وتلقت تعليمًا جيدًا إلا أنها رضيت طوال سنين أن تعمل كمعلمة للطفلين بدلًا من أن تبحث عن عمل أخر أفضل خاصة وأنها تجيد الفرنسية وتعرف الكثير عن التاريخ والجغرافيا. ولأني لم أرغب في الإستغناء عنها كما تعلم جعلتها مرافقتي الخاصة ورضت هي بذلك أيضًا...

3

لكن يا عزيزي فتاة بمثل جمالها وموهبتها لا يجب أن تضيع سنين عمرها وهي تخدم في إمرأة عجوز مثلي بينما بإمكانها أن تصبح سيدة لمنزل خاص بها إن تزوجت.

هز اللورد رأسها متفهمًا منطق زوجته ليمد يده ويمسك بكفها المرتاح على الطاولة ويقول:
-أولًا لستِ بسيدة عجوز فأنتِ بالكاد أكبر منها بإثني عشر عامًا، وثانيًا هناك الكثيرات ممن هن في وضعها فالفتيات من الطبقة المتوسطة والفقيرة قد يخترن حياة بلا زواج في سبيل أن يكتسبن دخلًا خاصًا ومنزلًا يحترم وجودهن بدلًا من الزواج برجل قد يكون أسوأ مما هن فيه.

2

-لكن صوفيّا بإمكانها الحصول على رجل جيد بل ربما نبيل إن أرادت.

-ربما – وافقها بمضض ثم أكمل – لكن كما يبدو هي إختارت هذه الحياة فلا تجبريها على شيء لا تريده، فربما قد يأتي يوم وتخبرك هي بنفسها أن ستتركك لتتزوج بأحد ما.

ختم كلامه وهو يشد على يدها ثم أخذ كوبه ليرتشف منه، زفرت الليدي نفسًا ثم قررت تغيير الموضوع.

........

فتح السائس باب العربة ومد يده ليساعد الليدي سارا ويلفيرتون على النزول بحذر وما إن استقرت بسلام على الأرض حتى لفتت أنظار الجميع من حولها.

7

تأنقت الليدي الشابة في ثوب ذهبي أظهر كتفيها وإنسدل بسلاسة ليتدرج من الخصر وحتى الأسفل بتدرجات تصبح داكنة أكثر حتى تلامس الأرض بلون أسود مذّهب، بين يديها حملت مروحتها المفضلة والتي ماثلت تفاصيلها الزينة التي تناثرت على شعرها الأشقر المرفوع عاليًا مظهرًا رقبتها حيث إستقر عِقد ذهبي. وحول كتفيها تهادى وشاح من الفرو الأصلي مع نسمات الريح التي لسعتها.

ورغم سعادتها لردة الفعل التي لاقتها إلا أنها لم ترد أن تقف كثيرًا في هذا الجو فإلتفتت ناحية مرافقتها التي ساعدها السائس على النزول فلم تلق نفس نظرات الإعجاب التي تلقتها سارا، فهي بالكاد إرتدت ثوبًا إختلف عن ما كانت ترتديه صباحًا، ثوب بلون كحلي داكن وياقة بيضاء وبأكمام طويلة أيضًا، وقد زينت رقبتها بعقد صغير أعطته لها والدتها قبل رحيلها. شعرها البني الداكن إلتف في عقدة مشدودة دون زينة وبين يديها حملت حقيبة صغيرة فيها مستلزمات الزينة التي قد تحتاجها الليدي لتعدل زينتها، حثتها سارا على الدخول فتوجهتا ناحية الباب الكبير لقاعة الحفل.

9

عشرات المدعوين بدأوا بالوصول وإمتلأت الساحة أمام القاعة بالعربات المنتظرة والمتأهبة. شتى الأحاديث المتشوقة تعالت في المكان فالجميع متحمس لحفل الدوق ستاندفورد المنتظر والذي يتم فيه دعوة أغلب المنازل النبيلة وأصحاب الثروات، لذلك يمثل وجهة مهمة للشباب والشابات الراغبين في الزواج ليبحثوا عن شركاء لهم هنا.

1

توجهت الشابتان ناحية غرفة التبديل حيث أخذت منهن خادمة وشاح سارا ومعطف صوفيّا ثم توجهتا من بين المدعوات المتحمسات إلى الباب المؤدي إلى قاعة الحفل والتي صدر منها أصوات الأحاديث والعزف الهادئ ما قبل بداية الحفل.

1

وصلتا أخيرًا إلى الخادم الذي يستلم بطاقات الدعوة فمدت له صوفيّا بطاقتهما قائلة:
-الليدي سارا ويلفيرتون وأنا مرافقتها صوفيّا مورغن.
أخذ الخادم الدعوة مرحبّا ثم فسح لهما المجال للدخول.

3

بإبتسامة واسعة ألقت سارا نظرة القاعة التي زينت بإحترافية، الكثير من الشموع والأضواء عملت على أن يبدو المكان كأنه في وضح النهار وقد توزع الكثير من الخدم عبر المدعويين يقدمون المقبلات والمشروبات، وفي الزاوية البعيدة من دائرة الرقص الفسيحة إتخذت الفرقة الموسيقية مكانها بإنتظار أن يبدأ الحفل.

إلتفتت سارا ناحية صوفيّا وقالت بنبرة مرتفعة حتى تسمعها بشكل جيد:
-المكان رائع أليس كذلك!

-هو كذلك أنستي.
-أتمنى أن لا يتأخر غاري وإستر كثيرًا حتى لا يفوتهما الكثير.

1

-اللورد غاري والليدي إستر سيكونان هنا في الثامنة والنصف كما أُخبِرت قبل تحركنا.

-هذا جيد... أوه أليس هذا الدوق وزوجته!
أضافت وهي ترى إقترابهما بعد أن قاما بتحية من دخلوا قبلهما بقليل، جلت سارا حنجرتها ثم رسمت إبتسامة رقيقة وقد توقف الدوق ستاندفورد وزوجته أمامها. قالت الدوقة مرحبة:

-أهلًا بك ليدي سارا، نحن سعيدون بحضورك إلى حفلنا المتواضع.

-بل أنا السعيدة لحصولي على دعوة مرة أخرى لحفلكم الأكثر من متواضع سيدتي، هذا شرف لي.
أضافت وهي تمسك أطراف ثوبها بإحترام وكذا فعلت صوفيّا. تساءلت الدوقة:

-إن سمحت لي بالسؤال، أين هي والدتك؟ أرجو أن لا تكون متعبة.

-إن أمي بخير لكنها تعتذر عن قدومها لكي ترتاح أكثر بعد الوعكة التي أصابتها خلال الربيع وقبل العودة للمنزل لموسم الصيد.

-أوه هذا صحيح، يجب أن ترتاح أكثر حتى لا تمرض مجددًا.

تدخل الدوق قائلًا:
-سيكون موسم الصيد هذا العام مثيرًا فالطرائد وفيرة وسمينة، لو لم أكن ملتزمًا بدعوة أخرى في سكوتلندا لكنت لبيت دعوة اللورد ويلفيرتون حتمًا.
-حزن والدي عندما علم بعدم قدرتك على الحضور لكنه متفهم لإلتزاماتك سيدي الدوق، سيكون عليك فقط أن تقبل دعوتنا الشتاء القادم.

قهقه الدوق وتبسمت زوجته قائلة:
-بالطبع سنفعل عزيزتي، أما عن اليوم فأتركي الأمر لي سأقوم بتقديم شبان جيدين لكِ.
-هذا لطف منك سيدتي.

وبعد كلمات أخرى مجاملة ذهب الزوجان لإستقبال وافدين جدد تاركين ليدي سارا مع مرافقتها والتي سرعان ما قالت بإبتسامة فخورة:

-أحسنت أنستي لقد تصرفتي بشكل جيد معهما.

-بالتأكيد وماذا تظنين أنني سأفعل غير ذلك!

أجابتها بينما كانت تنظر من حولها عن أي شخص تعرفه.،سرعان ما إلتقت سارا بصديقات لها ثم تلقت أول طلب لها للرقص هذه الليلة من الإبن الثاني لعائلة نبيلة مقربة لهم كانت قد رقصت معه من قبل كثيرًا فوافقت أن تعطيه أول رقصة لها لاحقًا ومن بعده أقبل إليها إثنان أخران وافقت أيضًا على مراقصتهم. وما إن ذهب ثالثهم حتى إلتفتت سارا ناحية صوفيّا وقالت ببعض همسٍ حتى لا تسمع رفيقاتها:

-ألم أخبرك أنني متفائلة بك، لم يبدأ الحفل بعد وها أنا ذا حظيت بثلاثة طلبات مرة واحدة.

-هنيئًا لك أنستي لكن ليس المقصد في العدد الذي ستراقصينه بل في أن تجدي شخصًا واحدًا يغنيك عن البقية!

8

عقدت سارا حاجبيها وقالت:
-أصبحت تتحدثين مثل أمي كثيرًا هذه الأيام صوفيّا، لم أشعر أنك توافقينها الرأي؟.

-ربما لأني أقضي وقتًا طويلًا برفقة الليدي لذلك بدأت أفكر مثلها.

-ربما هذا صحيح، علينا العمل على تقليل ذلك.

قالت وهي تنظر من حولها باحثة مرة أخرى لتتوقف فجأة ثم تلتفت عن الحضور ناحية صوفيّا بينما همست بجزع وعيناها متسعتان:
-ما الذي يفعله هذا هنا!!

1

-من هو هذا؟
سألتها صوفيّا بهمس مستغرب لتصرفها لتشير سارا من فوق كتفها دون أن تلتفت:
-هذا.. هذا الشخص الذي لا أود رؤيته!

من فوق كتف سارا إستقرت نظرات صوفيّا على من تقصده سارا إذ لم يكن من الصعب تمييزه وسط الجموع فهو كان مختلفًا عن الجميع. لوغان سكوت كان الإبن الكبير للدوق سكوت إبن عم الملكة فيكتوريا. إمتاز بطول فارع وبنية قوية، شعره داكن ومقصوص بعناية ووجهه حليق وملامحه حادة وبارزة. برز اللورد لوغان من بين أقرانه إذ كان بارعًا في الرياضة وركوب الخيل وذكيًا تخرج من أكسفورد بدرجة في الحقوق كما أنه يمتاز بأسلوب راقٍ في الحديث وبلهجة أكسفوردية مميزة إكتسبها من الملكة نفسها حيث كان يقضي طفولته برفقة أبناءها في قصر باكنغهام.

17

ومن بين جميع الأشخاص كان لوغان هو الرجل الذي يريد اللورد ويلفيرتون تزويجه لإبنته الوحيدة إذ جمعت صداقة بينه وبين الدوق سكوت أثناء خدمتهما في الجيش قبل سنين طويلة وإتفقا حينها أن تجمعهما قرابة في يوم ما، لكن ولأن الدوق لم يمتلك إبنة لم يتزوج إبن اللورد ويلفيرتون غاري من عندهم بل من أسرة أخرى وهذا جعل سارا هي من ستحقق إتفاقهما.

5

لكنها أرادت دومًا أن تتزوج بمن تريده هي وسبب ذلك رفضها للورد لوغان وقد قوبل قرارها هذا بالرفض أيضًا إذ أصر الجميع أنها لن تجد مثل اللورد لوغان في أي مكان والآن وبعد أن أكملت الحادية والعشرين لم يعد لديها الكثير من الوقت قبل أن تجد نفسها فجأة تسير في ممر الكنسية متجهة ناحية لوغان ومع ذلك لا تزال مصرة وتبحث عن شخص أخر!

إبتسمت صوفيّا وعادت تنظر لسارا وتجيب تساؤلها قائلة:
-وماذا تظنين أنه يفعل! بالطبع هو هنا لأنه قد تم توجيه دعوة له فهو واحد من أشهر عُزاب لندن كما تعلمين.

1

إشمأزت ملامح سارا قليلًا لكنها سرعان ما عادت لطبيعتها وقد قالت:
-لا يهمني، ليس وكأنه سيتحدث معي فهذه ليست أول مرة لكني فقط لا أحب رؤيته فهو يؤذي عيني.
بصعوبة إستطاعت صوفيّا كتم إبتسامتها ثم عادت تنظر ناحية الدوق الشاب والذي كان يسحر كل من يمر به بحديثه اللبق وإبتسامته الجميلة لكن وعلى عكس ما ظنته سارا بدا لصوفيّا أن الدوق لن يتجاهلها هذه المرة فخط سيره كان يتجه ناحيتها وإن كان يتوقف كثيرًا ليتحدث مع من يتعرفون عليه.

1

لم تكن صوفيّا الوحيدة التي لاحظت لذلك إذ سرعان ما عادت سارا وإلتفتت ناحيتها قائلة بجزع:
-لماذا هو يقترب من هنا!!

7

-ليس لدي علم أنستي.
-لا يهم. لنذهب من هنا قبل أن يصل.

قالت بإصرار لكنها قوطعت بإحدى رفيقاتها والتي قالت بإنبهار:
-هل أنا الوحيدة التي تظن أن الدوق سكوت قادم ناحيتنا أم ماذا؟

-نعم نعم، لقد لاحظت لذلك!
نظرت الفتاتان ناحية سارا والتي وجدت نفسها مجبرة أن تبتسم وتقول:
-ولم قد يأتي إلى هنا!

-أجمل ثلاث فتيات في الحفل يقفن هنا، وماذا قد يكون غير ذلك!

1

أجابت إحداهن  لتبتسم لها سارا بلباقة ثم تعاود النظر لصوفيّا بجزع أكبر فرفعت صوفيّا كتفيها بقلة حيلة.

-مساء الخير أنساتي.
هكذا قال الدوق لوغان وهو يرحب بالفتيات الثلاث لتتخذ الفتاتان الفرصة ويتحدثن معه سامحات لسارا أن تكون طرفًا زائدًا في المحادثة. أمر لم يعجب صوفيّا وظنت أن الدوق لن يطلب من سيدتها الرقص معها إلا أنه فاجأها وفاجأ سارا عندما قال للفتاتين:

-عذرًا أنستيّ لكن إن سمحتما لي أرغب في الحديث مع الليدي ويلفيرتون هنا لدقائق وحدنا.
تبادلت الفتاتان نظرات الإستغراب وبعض الخيبة إذ لم يطلب من إحداهما الرقص معها لكنهما لم تجدا بدًا من أن تنفذا طلبه وتذهبا ناحية الجموع التي بدأت تستعد لعزف أول مقطوعة.

1

وما إن ذهبت الفتاتان حتى إلتفت لوغان ناحية سارا المرتبكة للغاية وصوفيّا التي كادت أن تهنئه على ما فعله إلا أنه قال لها بلباقته المعتادة:

-أعتذر على وقاحتي أنستي لكن إن سمحتِ أيمكنني الحديث مع الأنسة وحدنا؟

1

-أوه، بالتأكيد سيدي الدوق أعتذر لأنني لم أفهمك منذ البداية...

-مهلًا، لماذا يجب على صوفيّا الذهاب أيضًا؟
إعترضت سارا لكن صوفيّا كانت قد ذهبت بالفعل لترمقها سارا بغيظ وهي تتوعد لها في داخلها. ورغمًا عنها عادت ببصرها ناحية لوغان الذي نظر إليها من عليائه بصمت لتقول محاولة عدم إبداء إرتباكها:

-والآن وبعد أن طردت الجميع، أخبرني ما الذي تريد قوله سيدي الدوق!

-وماذا تظنين، أريد أن أطلب منك مرافقتي للرقصة الأولى بالتأكيد.

2

أجابها ببساطة حتى ظنت أنها لم تسمعه جيدًا، إذ أن هذه المرة الأولى خلال ثلاثة أعوام التي يطلب فيها لوغان منها مراقصتها دون تدخل من أحد والديهما.
-أسرعت في إبعاد تفاجوئها ثم نظفت حلقها وقالت:
-يؤسفني أن أخبرك أن رقصتي الأولى قد حددت بالفعل.

-إذا الثانية.
-هي أيضًا وقبل أن تسأل الثالثة أيضًا قد حُددت.

1

مط لوغان شفتيه ثم شابك يديه خلف ظهره وقد تغيرت ملامحه الهادئة كأن شيء ما في داخله قد حُفز وقال:

-لا بأس إذًا، الرقصة الرابعة سأكون أنا رفيقك فيها.
لكم أرادت أن تخبره أنها أيضًا محجوزة لكنها لم تستطع الكذب وبدلًا عن ذلك سألته قائلة:

-أيمكنني أن أعرف لماذا تريد فجأة مراقصتي رغم كونك لم تكن متحمسًا لذلك خلال السنوات الماضية؟ والغريب أنك تتوقع مني أن أوافق على ذلك ببساطة!

حدق لوغان فيها لثوانٍ أربكتها ثم أجابها أخيرًا:
-لنقل أنني رضخت للأمر الواقع وقررت التعرف على من يريد أبي تزويجي إياها.

إرتفع حاجبا سارا ثم نظرت ليمينها ويسارها لتتأكد أن لا أحد قد سمع قوله هذا.
-وما الذي تغير فجأة لترضخ لهذا الأمر!

-ليس لحسنكِ بالتأكيد لكن لأنني لا أهتم لأمر الزواج من الأساس ولن يهمني من سأتزوجها.

6

فغرت سارا فمها بسبب إهانته التي لم تتوقع أن تخرج من شخص مؤدب وراقٍ مثله مما أغضبها أكثر وجعلها تقول:
-إذا يؤسفني أن أخبرك أنني لم أرضخ بعد وأنني سأجد شخصًا غيرك لأتزوجه فأنا لا أريد أن أنتهي مع شخص مثلك.

4

إنحنت شفتاه في إستهزاء واضح وقال:
-يبدو أن والدك لا يشاركك هذا التفكير إذ وصلتني ظهر هذا اليوم دعوة منه لحضور موسم الصيد.

اتسعت عيناها وغمرها حزن أن والدها لم ينتظر حتى إنتهاء الحفل على الأقل ليفعل ذلك. لم تستطع الرد عليه فإتخذ ذلك فرصة وقال بنبرة حيادية:

-بسبب ذلك قررت أن أراقصك اليوم لنعتاد على بعضنا قبل التوجه لويلفيرتون الإسبوع القادم. أعلم أن الأمر سيكون صعبًا عليك مثلما هو علي لكني على الأقل أرجو أن نحاول تقبل بعضنا والتعامل بحيادية ريثما نجد نقطة وسط تجمعنا.

أخذت سارا نفسًا عميقًا ثم أخرجته. رفعت بصرها إليه وقالت:
-لا تتعب نفسك فأنا سأريحك من الزواج مني، سأجد شخصًا لأتزوجه وأعد بذلك.

نبرتها كانت مصرة وجادة مما أزعجه قليلًا فهو لم يظن أنه سيء لهذه الدرجة حتى تبين له دائمًا رفضها له ولفكرة الزواج منه. لكن الآن لم يعد الأمر مجرد حديث جانبي بينهما خلال رقصة أجبرا عليها بل واقع يجب أن يفكر فيه بجدية فهو يكاد يكمل عامه الثامن والعشرين ويجب أن ينجب بعض الورثة ليضمن بهم إستمرار نسل عائلته، حتى وإن كانت هي ترفض ذلك.. ومع هذا لن يسمح له ضميره بإجبارها أبدًا.

1

وقبل أن يقول أي شيء إقترب أحد الشبان وحياه بإبتسامة كبيرة ليكتشف حينها أنه الرجل الذي سيرافق سارا في رقصتها الأولى حينما أخبرها أن الموسيقى ستبدأ بعد قليل وعليهما الذهاب إلى حلبة الرقص.

إنزعج وهو يرى إبتسامتها له ثم نظرتها إليه وقولها:
-إعذرني الآن سيدي الدوق لقد كانت محادثتنا لطيفة.

ثم ذهبت برفقة الشاب دونما سماع رد منه.

..........


الانتقال إلى الفصل التالي