رواية حدث ذات مرة في ويلفيرتون الفصل 2
(2)
رغمًا عنها لم تستطع سارا ويلفيرتون الإستمتاع برقصتيها الأولتين إذ كلما حاولت ذلك وجدت نفسها تتذكر ما حصل قبل قليل برفقة الدوق سكوت ولتنزعج أكثر وأكثر من والدها الذي لم ينتظر حتى نهاية اليوم ليرسل دعوة للوغان.
وفي النهاية وجدت نفسها تطلب من مرافقها الثاني أن يأخذها لمجلسها لترتاح قليلًا قبل أن تبدأ الرقصة الثالثة ليقوم هو بطلب كأس من الشراب لها قبل أن يستأذنها بالذهاب.
من حولها جلست سيدات متزوجات كن يثرثرن عن أحد ما ولم تنتبه لهن إلا عندما همست إحداهن قائلة:
-أليست هذه سارا ويلفيرتون!
ميزت سارا الصوت مباشرة وإلتفتت ناحية مصدره لتجد صديقتها القديمة إيميليا قد نهضت من مجلسها عندما تأكدت من هويتها وإقتربت منها، نهضت سارا هي الأخرى وقد إرتسمت إبتسامة كبيرة على شفتيها وحيت صديقتها قائلة:
5
-إنها بالفعل أنتِ إيميليا! لم أرك منذ حفل زواجك!!
-للأسف فرقت بيننا الأيام والظروف عزيزتي، لطالما تساءلت إن كنت بخير ويبدو أنك على خير حال.
أكملت وهي تنظر لسارا المتأنقة لأقصى حد وشدت على يدها ببهجة.
-وأنت أيضًا تبدين بخير عزيزتي، يبدو أن اللورد بلاك وود يحسن معاملتك.
57
إحمرت وجنتا إيميليا عند ذكر إسم زوجها لكنها أكدت كلام صديقتها، سرعان ما تحولت إبتسامتها لأخرى حزينة بينما قالت:
-رغم ما مر بنا خلال السنة الماضية إلا أننا نكافح ونحاول الخروج من دائرة الحزن التي ألمت بنا.
عبست سارا وهي تتذكر أن والديّ اللورد أغسطس زوج إيميليا قد توفيا بسبب حادث عربة خلال السنة الماضية وقد سبب ذلك حزنًا كبيرًا فهما كانا من نخبة الطبقة النبيلة، شدت سارا على يد إيميليا وقالت:
20
-هل زوجك بخير؟
-نعم هو كذلك، صحيح أننا قضينا الشهور الماضية كلها في برمنغهام دون إختلاط بأحد إلا أننا قررنا وللوقت الحالي العودة للمجتمع لبضعة أشهر، لا يزال أغسطس يريد متابعة التحقيق في ما جرى لوالديه لكن الأمر صعب.
2
-هل تم إيجاد أي دليل أن الحادث كان بفعل فاعل؟
-كلا.. لقد نجح المحامي السيد فينسنت بإغلاق القضية بعد أن قدم أدلته للشرطة لكن أغسطس يريد المحاولة مجددًا.
-أوه عزيزتي، لا أدري ماذا أقول.
علقت سارا بحزن لتعود إيميليا وتبتسم قائلة:
-ليس عليك قول شيء، بل في الحقيقة يجب أن أعتذر لك إذ أننا لن نستطيع تلببية دعوتكم لحضور موسم الصيد في ويلفيرتون إذ يجب علينا العودة لبرمنغهام قريبًا.
-ولم العودة بهذه السرعة، أظن أن البقاء في لندن سيفيدكما.
عادت وجنتا إيميليا لتحمر وهي تجيبها بهمس:
-كنا لنفعل ذلك لكني أفضل أن أبقى في الريف بعيدًا عن تلوث لندن حتى لا يتأثر طفلي به.
20
إتسعت عينا سارا وإرتسمت البهجة على وجهها لكن إيميليا السعيدة طلبت منها أن لا تصدر صوتًا حتى لا يعلم أحد بعد. هنأتها سارا بحرارة ثم قالت:
-من الجيد إذا أنك قد عدت للندن، يجب أن تستمتعي بإرتداء ما تريدين من ثياب قبل أن تكبر بطنك.
-ولماذا تظنين أنني هنا.. سأمتع نفسي جيدًا وأرقص مع الجميع.
-فقط لا تتعبي نفسك.
قال سارا ضاحكة، لتضيف إيميليا فجأة وقد لفت نظرها أحد ما:
-أوه أنظري لهذا الرجل، أليس وسيمًا للغاية!
إلتفتت سارا باحثة عن من تقصد ولم يكن من الصعب العثور عليه إذ وكما قالت كان الرجل وسيمًا للغاية حتى لفت أنظار الجميع.
-أوه يا إلهي من هذا يا ترى؟
-لا أدري، هذه أول مرة أراه فيها.
أجابت إيميليا على تساؤلها بينما لا تزالان تتابعانه.
وقف هو بين ثلاث أنسات كن يتحدثن بالكثير من الأشياء التي لم يكن يفهمها لكنه تظاهر بالإستماع وهو يبتسم لهن. لم يكن معتادًا على مثل هذه الأجواء ولم يحضر في حياته سوى القليل من الحفلات معظهما كان متعلقًا بعمله كمحقق في سكوتلانديارد وبالتالي لم تحتوي على مثل هذا العدد من النساء.
12
تنفس ديريك كارفين الصعداء حينما إستطاع التملص من مرافقاته دون أن يضطر أن يطلب من إحداهن مراقصته فهو لم يأتي إلى هنا من أجل الرقص... على الأقل ليس برفقة أي فتاة بل برفقة واحدة فقط. ولذا أخذ ينظر من بين الجموع بحثًا عن من يريد لكنه تضايق عبر الإهتمام الذي جذبه لنفسه دون أن يقصد. الكثيرون بدأوا بالتساؤل عن ماهية هذا الشاب الذي لا يبدو نبيلًا لكنه أيضًا لم يبدو شخصًا عاديًا.
7
في عامه الواحد والثلاثين كان ديريك قد إكتسب بنية يحسده عليها الكثيرون والتي نالها عبر عمله الشاق في الشرطة لما يقرب لخمسة عشر عامًا، وقد ساعدت هذه السنون على إعطاءه ملامح حادة إزدادت حدتها مع ذلك الجرح الغائر الذي قطع جبينه من اليسار وحتى بداية جفن عينه اليسرى مارًا بحاجبه الأشقر الكثيف والذي إنشق لشطرين ليعطيه نظرة ظن أنها ستخيف الأنسات لكنها زادته جاذبية فقط. وعلى عكس الموضة الرائجة بجعل الشعر قصيرًا إحتفظ ديريك بشعره الأشقر طويلًا وربطه إلى الخلف بربطه مرتخية.
21
أقبل الدوق ستاندفورد إليه بعد وهلة كان حائرًا فيها ليستقبله بحفاوة فهو كان المشرف على قضية رفعها الدوق ضد أحد العاملين لديه قام بإختلاس أمواله وإستطاع القبض عليه بعد أن جمع الأدلة الكافية لإدانته، وهذا أكسبه حق الحصول على دعوة لحفل الدوق الكبير.
أخذه الدوق ليعرفه على الحضور كما يقتضي العرف ليأخذ ذلك وقتًا طويلًا خشي ديريك خلاله أن تخرج ضالته من الحفل لكنه لم يتوقع أن يجدها أمامه فجأة عندما كان الدوق يعرفه على أحد اللوردات وزوجته وقد كانت هي برفقتهما!
20
رسم ديريك إبتسامة دبلوماسية وإنحنى قليلًا واضعًا يده جهه قلبه وهو يُعرّف عن نفسه قائلًا:
-ديريك كارفين في خدمتك سيدي..
-لا يخدعك مظهره أيها اللورد بلاك وود فهذا الشاب هو أمهر محققي سكوتلانديارد الحاليين وقد تدرج في سلم الترقيات حتى أصبح النائب الأول للسير هاثواي!
هكذا علق الدوق بفخر كأنه يتحدث عن إبنه ليبدي اللورد بلاك وود الشاب إعجابه بأن قال:
-من المريح معرفة أن هناك شخص مثلك يسهر على أمن سكان لندن.
10
-شكرًا لمجاملتك سيدي.
عاد ليقول وهو ينحني قليلًا ليرفع بصره هذه المرة ليس على اللورد الشاب بل الفتاة التي ترافق زوجته.
سارا ويليفرتون كانت تقف مرتبكة وقد إنشغلت إيميليا برفقة زوجها بحديث مع الدوق لتجد نفسها فجأة تقف برفقة ديريك، لم تعرف إن كان عليها قول شيء أم الإستئذان والعودة لمجلسها بإنتظار الرقصة القادمة وفي خضم إرتباكها تذكرت أمر صوفيّا التي لم تعد بعد وتساءلت أين تراها تكون وأنها كانت ستخبرها ماذا لتفعل في موقف كهذا.
4
أخرجها من أفكارها صوت ديريك الرخيم والذي قال باسمًا:
-إسمحي لي بتعريف نفسي مجددًا أنستي، ديريك كارفين.
-أوه، أممم سررت بمقابلتك سيد كارفين، أنا سارا، سارا ويلفيرتون.
-لقد عرفني الدوق قبل قليل على شقيقك اللورد ويلفيرتون ولي الشرف أن أتعرف عليك أيضًا أنستي الجميلة.
رغمًا عنها إحمرت وجنتا سارا فهي لم تتوقع أن تتحدث معه بعد دقائق فقط من حديثها عنه مع إيميليا لذلك لم تعرف ماذا تقول ردًا على مجاملته ليفاجئها أكثر عندما طلب منها:
-هل يمكنك أن تعطيني شرف مرافقتك في رقصة أنسة ويلفيرتون؟
2
للحظة لم تفهم ما قاله لكنها سرعان قالت محاولة إخفاء إرتباكها:
-بالتأكيد.. أعني.. نعم! يمكنني الرقص معك.
عدلت من جملتها بسرعة بعد أن نظفت حلقها وهي تنظر بعيدًا عنه بترفع فشلت في تمثيله وجعله فقط يبتسم بإستمتاع.
6
-لكن سيكون عليك الإنتظار لمقطوعتين أخريتين.
-يمكنني الإنتظار طوال الليل إن أردتِ.
2
نظرت إليه بإندهاش لم تخفه فغمز لها بعينه باسمًا فإزداد إحمرار وجنتيها. لم تكن هذه أول مرة يغازلها أحدما لكن تلقي مغازلة من ديريك كارفين كان مختلفًا لسبب لم تعرفه وجعلتها مغازلته تشعر بفراشات تتصادم داخل معدتها.
3
استأذن الدوق برفقة اللورد بلاك وود وزوجته إيميليا التي لم تنس أن تهمس لسارا بأن تستمتع بمراقصة ديريك قبل ذاهبها ليتم ترك سارا لوحدها تمامًا برفقته لكن ليس لوقت طويل إذ سرعان ما عادت صوفيّا.
أطلقت سارا نفسًا وهي ترى عودة مرافقتها في الوقت المناسب لتلاحظ حينها أن ملامحها كانت حادة كأنها غاضبة من شيء ما وقبل أن تسألها سارا عن حالها كانت صوفيّا قد إنتبهت لمن يرافق سارا وهنا... تغيرت ملامحها من حدة غاضبة لتفاجؤ ثم صدمة.
-أوه، أهذه صديقة لكِ أنسة ويلفيرتون؟ يبدو أن جميع صديقاتك فاتنات مثلك تمامًا.
هكذا قال ديريك وهو ينقل نظره من صوفيّا إلى سارا وإبتسامة واثقة على وجهه.
9
........
قبل ذلك بعشرين دقيقة كانت صوفيّا قد إتخذت طريقها عائدة من غرفة الزينة، نظرت من حولها فوجدت سارا تراقص ثاني مرافقيها لليلة لتقرر حينها إنتظارها من على مبعدة فهي قد علمت أن سارا ستكون منزعجة بعد الذي حصل مع اللورد سكوت وستمنحها بعض الوقت لتهدأ قليلًا وتستمع بالرقص.
إتكأت صوفيّا على الحائط بعيدًا عن وسط الحفل وشابكت بين يديها وهي تنظر إلى المحتفلين من حولها. تمايلت الأثواب البراقة أثناء الرقص على مقطوعة فالس بعنوان (مابعد الحفلة )، كانت صوفيّا تحب هذه المقطوعة فلقد رقصتها كثيرًا برفقة اللورد غاري عندما كان صغيرًا يتدرب على الرقص ولقد علمتها لسارا أيضًا قبل بضعة سنوات، لكنها لم ترقص عليها من قبل في حفل وبرفقة رجل ما.
2
ورغم إنكارها للأمر لكنها لطالما شعرت بغيرة دفينة تجاه الفتيات اللاتي يستطعن حضور هذه الحفلات بغرض الإستمتاع والرقص.. والبحث عن زوج، أمور لم تعد جزءًا من حياتها منذ وقت طويل.
عادت كلمات الليدي جانيت إليها هذا الظهر لبالها فكادت أن تضحك هازئه إذ من المستحيل فتاة في سنها أن تجد رجلًا يقبل الزواج بها، ليس وكأنها تريد ذلك على أي حال.
10
وبينما عادت لتنظر لمن حولها توقفت عيناها في رجل نسيت أنها قد تلاقيه في مثل هذا المكان وتلقائيًا تراجعت صوفيّا بضعة خطوات لكن الحائط خلفها لم يسمح لها بالكثير، تمالكت نفسها وقد قررت العودة لمكان تواجد سارا لكنها لم تستطع تحديده بعد أن إنتهت الرقصة وتفرق الجمع.
3
وبينما كانت تبحث بعينيها عنها تحدث أحد ما إليها قائلًا:
-ألست أنتِ مرافقة الليدي ويلفيرتون؟
إنقطعت أنفاس صوفيّا لوهلة ثم عادت متسارعة، إقترب الرجل وإلتف من خلفها ليقف أمامها ويقول عندما تأكد أنها هي:
-إنها أنتِ بالفعل، إذا أهذا يعني أن اللورد ويلفيرتون وزوجته هنا؟
تساءل وهو ينظر من حولهما باحثًا لتجيب صوفيّا على تساؤله بعد أن إبتلعت صوفيّا غصة كبيرة في حلقها:
-كلا، اليوم أنا هنا كمرافقة لليدي سارا فلقد إعتذر الماركيز وزوجته عن القدوم أيها اللورد كاريت.
3
إنحنت شفتاه وهز رأسه متفهمًا، في نهاية خمسيناته كان اللورد أوليفر كاريت لا يزال يحتفظ برشاقته بل ربما يمكن أن يسمى بالنحيل فقد كان طويلًا وهزيلًا الجسد، وجهه كان مطاولًا ينتهي بذقن مدببة صهباء كلون شعره الذي غزاه بعض الشيب، ملامحه لم تكن بارزة فقد كان ذا بشرة شاحبة غزاها النمش ليغطي ما تحت عينيه وحتى بداية عارضه. وفي حين لم يكن شكله محببًا إلا أنه كان من أصحاب النفوذ في البلاط الملكي إذ أنه أحد أبرز أعضاء مجلس اللوردات الذي لديه تأثير كبير على الملكة فيكتوريا.
حدق اللورد كاريت في صوفيّا مطولًا حتى تضايقت لكنها لم تظهر ذلك وهي تقول بإحترام كبير:
-هل من خدمة أقدمها لك أيها اللورد؟
2
رمش بعينيه كأن صوتها قد أخرجه من ما كان يفكر فيه وقد زينت وجهه إبتسامة جانبية بينما إمتدت أصابعه لتلعب بأطراف لحيته، أجابها قائلًا:
-كلا، كنت أرغب في الحديث إلى جاك فقط.
أزعجها ذكره لإسم سيدها بدون أي تشريفات لكنها لم تظهر ذلك أيضًا بل إتخذت الفرصة لتستأذن قائلة:
-إذًا إسمح لي سيدي فلقد تأخرت على الأنـ...
-أخبريني يا فتاة، كم عمرك؟
إرتفع حاجبا صوفيّا إستنكارًا لسؤاله الذي لم تعرف له سببًا لكنها تمالكت نفسها وأجابت:
-أنا في التاسعة والعشرين سيدي.
-التاسعة والعشرين، لست كبيرة للغاية ولا صغيرة أيضًا..
4
لم تفهم إن كان عليها التعليق أم أنه يتحدث مع نفسه وعندما طال صمته أرادت الإستئذان مرة أخرى إلا أنه سبقها قائلًا بما صدمها للغاية:
-ما رأيك أن توقعي عقدًا معي؟
11
-عـ عقد! ما الذي تقصده سيدي؟
-لا تتظاهري بالبراءة، أقصد قصد عقدًا لتصيري عشيقة لي، أم ربما لديك واحد مع جاك لم ينتهي بعد؟
8
صدمتها تلك تحولت إلى غضب لم تستطع كتمه لتحتك أسنانها ببعضها بعد أن ألجمت نفسها من قول شيء كان سيسبب نهايتها. لتقول أخيرًا بعد أن هدأت قليلًا:
-كلا، ليس لدي أي عقد مع اللورد ويلفيرتون فهو رجل مخلص لزوجته فقط.
أطلق اللورد كاريت ضحكة هازئة لكلامها مما أغضبها أكثر لتضيف وهي تحول بصرها عنه بكبرياء:
-كما أنني لم ولن أصير عشيقة لأحدهم، أنا سعيدة بحياتي هكذا.
هذه المرة تحولت الضحكة الهازئة لأخرى مستمتعة جذبت أنظار بعض من كانوا متواجدين في المكان وجعلت صوفيّا تتوتر من أن يسمع أحدهم حديثهما هذا، إلا أن هذا الوضع لم يمنعه من متابعة التحدث قائلًا:
-أنت لا تفهمين ما تقولين يا فتاة، أن تصبحي عشيقة لأحد النبلاء يعني أن تحظي بكل ما تريدين.. مال، مجوهرات وثياب، عربات وحتى المنازل.. يمكنك أن تحظي بما تريدين وبما أنك في العمر المناسب ولديك المظهر أيضًا يمكنك أن تحظي بمن تريدين.. نصف الرجال في هذه القاعة قد يدفعون الألاف من أجل ليلة واحدة معكِ، وتخبرينني أنك تفضلين حياتك هكذا؟
4
ختم حديثه هازئًا لتجيبه بثقة:
-أنا أفضل قضاء ليلتي لوحدي، لست بحاجة لرفقة أي شخص.. كما أنني يا سيدي وإن أردت أن أصبح عشيقة لأحدهم فلن يكون أي أحد، فأنا كما قلت لدي الإمكانيات أن أختار الأفضل.. من ناحية المنصب والشكل أيضًا.
لم تعرف صوفيّا كيف تجرأت وقالت ما قالت وشعرت للحظة بندم لقولها هذا فاللورد كاريت في النهاية أحد الضيوف المعتادين لدى اللورد ويلفيرتون وهذا يعني أنها ستقابله مجددًا ومن يعلم ماذا سيخبر سيدها عندما يلتقيه.
لكنه فاجأها مرة أخرى عندما تعالت ضحكته في المكان لتعود وتجذب أنظار وفضول من حولهم لهذا الحديث الممتع الذي يجمع اللورد كاريت مع مجرد مرافقة.
-إذًا أنت لست مجرد صدفة ملونة بل في داخلك لؤلؤ أيضًا.
هكذا علق بهمس خبيث فلم ترد عليه ليعود ويرمقها بنظرة لم تعجبها وفقط عندما أراد قول شيء ما قاطعه أحدهم قائلًا:
-ها أنت ذا أيها اللورد كاريت، لقد بحثت عنك في جميع أنحاء القاعة!
إلتفت كلاهما ناحية الوافد الجديد وقد خشيت صوفيا أن يكون قد سمع ما قالت، إنعقد حاجبا اللورد وهو يرى شابًا في بذلة رمادية يقف أمامه.
-ومن أنت؟
-هل نسيتني بهذه السرعة! لقد إلتقينا الإسبوع الماضي في مكتب المدعي العام. أنا سبستيان فينسينت المحامي.
1
هكذا عرّف الشاب عن نفسه وهو يمد يده لمصافحة اللورد والذي تعرف عليه.
-آه نعم أنت إبن جوردن.. أهلا بك.
-أنا محظوظ لمقابلتك سيدي إذ لدي بعض الأسئلة لأطرحها عليك.
-هل يجب أن يكون ذلك الآن؟
تساءل اللورد ببرود ليقول سبستيان بنبره متقصده:
-بالتأكيد، إنه يختص بالخادم الذي مات في قصرك سيدي!
1
إنقبضت ملامح اللورد وشعر أن ما سيجلبه هذا الشاب لن يعجبه أبدًا لكنه مع ذلك وافق، وقبل أن يذهبا إلتفت اللورد ناحية صوفيّا ليجد أنها قد إختفت، أخبره سبستيان قائلًا:
-لقد ذهبت الفتاة التي كنت تحدثها قبل قليل، أسف ولكن.. هل قاطعت أمرًا مهمًا؟
-كلا.. لا تقلق.
هكذا رد ببرود ثم ذهب برفقته ناحية غرفة التدخين.
........
هذه المرة وجدت صوفيّا سارا بسرعة فذهبت ناحيتها قبل أن تستطيع إعادة ترتيب دواخلها والتي إرتبكت أكثر عندما رأت من يرافق سارا.
-أوه، أهذه صديقة لكِ أنسة ويلفيرتون؟ يبدو أن جميع صديقاتك فاتنات مثلك تمامًا.
هكذا قال ديريك لتحمر وجنتا سارا مجددًا وتقول بنبرة خجلة:
-سيد كارفين هل يمكنك التوقف عن مجاملاتك هذه إنها تخجلني.
1
-لكنني لا أجامل، هل أبدو لكِ كأنني أجامل؟ لأن هذه ستكون مشكلة بالفعل.
ومع إزدياد حمرة وجهها تدخلت صوفيّا وقد رسمت إبتسامة صفراء على وجهها وهي تقول:
-عذرًا أنستي لكني لم أتعرف على هذا الرجل النبيل هنا.
-آه نعم، سأعرفك عليه، إنه ديريك كارفين، إنه يعمل في سكوتلانديارد وهو النائب الأول للسير هاثواي كما يبدو. - ثم إلتفتت ناحية ديريك وأكملت - أما هذه فنعم إنها صديقتي وإسمها صوفيّا.. صوفيّا مورغن.
توسعت إبتسامة صوفيّا الصفراء وهي تمسك بأطراف ثوبها وتقول:
-إنها مجاملة منك أنستي لكني في الحقيقة أعمل لدى عائلتها وأنا هنا كمرافقة لها. تشرفت بمقابلتك... سيد كارفين.
-أنا أيضًا تشرفت بمقابلتك أنسة مورغن.
وبعد أن إنتهت الرسميات تساءلت سارا:
-بالمناسبة صوفيّا أين كنتِ طوال هذا الوقت؟
-أوه، أسفة أنستي تأخرت عليك لكني قابلت اللورد كاريت في طريقي وهو يسأل عن والدك.
-لا بأس إذًا.
تدخل ديريك حينها وقال بنبرة باسمة:
-اللورد كاريت هنا! كم أنا محظوظ فأنا أرغب في مقابلته..
جملة بسيطة لكنها نجحت في إبعاد كل التعابير عن وجه صوفيّا، ثم أضاف بعد أن فكر لثوانٍ: لكن مع الأسف فهو لديك الكثير من المشاكل هذه الفترة مع مديري السير هاثواي.
وافقته سارا:
-هذا صحيح لقد سمعت بما يحصل داخل مجلس اللوردات هذه الفترة من والدي، لكنه أمر معتاد يحصل كلما إقتربت الإنتخابات على أي حال.
هز ديريك رأسه موافقًا وهو يدخل يده في جيب بنطاله.
-بالفعل، كما أنني سمعت أن اللورد ويلفيرتون.. والدكِ.. يحاول المصالحة بينهما لذلك تمت دعوتهما لموسم الصيد لديكم.
-نعم، أرجو أن ينجح في ذلك.
-أرجو ذلك، ومع هذا يال للأسف فأنا لن أكون موجودًا لأشهده.
أضاف ببعض خيبة وقبل أن تعلق سارا قال وهو ينظر من حوله:
-يبدو أن الرقصة الثالثة ستبدأ بعد قليل، أظن أن علي البحث عن من أقضي معه الوقت حتى تحين رقصتنا.
ختم وهو يغمز لها مجددًا فكتمت إبتسامتها وهي تنظر بعيدًا عن صوفيّا التي شهدت ما لم تردها أن تشهد.
إلتفت ديريك فجأة ناحية صوفيّا وقال وهو يخرج يده من جيبه ويمدها لها:
-تشرفت بمقابلتك حقًا أنسة مورغن.
-وأنا أيضًا سيد كارفين.
وبعد أن إنتهت المصافحة ذهب ديريك في سبيله وفور أن إختفى إلتفتت صوفيّا ناحية سارا الباسمة وقالت بإستنكار:
-ستراقصينه!!
-بالتأكيد، وكيف يمكنني أن أرفض رقصة من رجل كهذا!
-لكنه.. لكن ليس بنبيل..
1
بإستغراب نظرت لها سارا.
-الدرجة الإجتماعية ليست بذلك القدر من الأهمية بالنسبة لي إن كان الرجل مبهرًا بما فيه الكفاية دونها.
أرادت صوفيّا الإعتراض مجددًا لكن مرافق الليدي الثالث كان قد أقبل إليها فذهبت سارا لتكمل رقصاتها لهذه الليلة.
......
كان طريق العودة هادئًا. إخترقت العربة شوارع لندن النائمة بسلاسة ورغم عدم وجود أي مناظر لرؤيتها خارج نافذة العربة إلا أن صوفيّا ظلت تحدق خارجها بينما سرحت في أفكارها.
أخرجها منها قول سارا التي كانت قد أخرجت قفازيها وبدأت تدلك ساقها التي ألمتها بعد مراقصتها لقرابة عشرة أشخاص لتقول وقد لاحظت وجه صوفيّا المهموم:
-لماذا تبدين وكأن العام قد إنتهى صوفيّا؟
1
-أنستي... أسفة أنا بخير، لقد سرحت قليلًا فقط.
هكذا قالت وهي تحول إنتباهها لساق سارا لترفعها إليها وتقوم بتدليكها لها. جلست سارا في الجهة المقابلة متنهدة براحة وهي تستمتع بتدليك صوفيّا ثم قالت:
-ألم تعجبك الحفلة؟
-بالتأكيد لا، لقد كان حفلًا رائعًا ومثمرًا، فلقد راقصتي الدوق سكوت مرتين فيه!
عبست ملامح سارا بعد تذكرها لإجباره لها على الرقص معه لرقصتين متتاليتين مما أدى لتأخر رقصتها مع ديريك.
3
-أرجوك لا تذكريني به، لقد كانت أكثر رقصة مملة في حياتي.
-ما الذي تحدثتما عنه خلالها؟
-لقد ظل يسألني عن نفسي وعن صديقاتي وما درسته في المدرسة.
-كان يتعرف عليك..
-لا يهم مقصده فأنا على أي حال قررت دعوة السيد كارفين لحضور موسم الصيد.
توقفت أصابع صوفيّا عن التدليك وإرتفع بصرها ناحية سارا بإستنكار. كانت العربة شبه مظلمة فالمصابح الذي علق بالقرب من الخارج أنارها جزئيًا فلم ترى سارا ملامحها هذه. نظفت صوفيّا حنجرتها ثم قالت:
-هل أنت متأكدة أنك تريدين دعوته؟ ربما سيرفض والدك فهو كما أخبرتك من قبل.. ليس نبيلًا.
1
-فكرت في الأمر لكن هو في النهاية نائب السيد هاثواي ولن يعترض أحد أن يحضر معه، كما أنني شعرت أنه يريد القدوم أيضًا لذلك سأدعوه.. ومن يدري ماذا يحصل ربما يقوم بسحر والديّ بوسامته وأسلوبه الراقي هذا وتنتهي الأمور كما لن يتصور أحد!
1
ختمت مبتسمة بإتساع لكن صوفيّا لم ترد وهي تعاود تدليك ساق سارا. تثاءبت الأخيرة وقالت وهي تحاول أن تجد وضعًا مناسبًا لترتاح عليه بعد أن أنزلت ساقها على الأرض:
-متشوقة للعودة للمنزل والنوم فأنا متعبة للغاية.
-يمكنك النوم لوقت متأخر غدًا فليس لديك أي مواعيد.
-هذا جيد، لكن أحرصي على إيقاظي في العاشرة فأنا أريد لقاء إستر قبل ذهابها لحفل الشاي في منزل صديقتها.. لم نتحدث كثيرًا خلال الحفل وهناك الكثير لقوله.
-سأخبر خادمتك بذلك فأنا سأخذ يوم غدٍ إجازة ولن أكون متواجدة حتى المساء.
فاجأ ذلك سارا وتساءلت عن السبب إذ أن صوفيّا نادرًا ما تأخذ إجازة لتجيبها قائلة:
-هذا لأني ونهاية الإسبوع سأسافر إلى ويلفيرتون لأشرف على الإستعدادات ولن يكون لدي أي يوم للراحة حتى نهاية موسم الصيد الذي يبدو أنه سيطول هذا العام.
-آه صحيح، إذًا لا بأس.. فقط لا تتأخري في العودة.
هكذا قالت ثم أغمضت عينيها لتنال بعض الراحة قبل وصول العربة لمنزلهم.
وبينما غاصت سارا في أحلامها بدا أن صوفيّا لن تنال أي قسط من الراحة هذه الليلة.
..........
الانتقال إلى الفصل التالي