رواية حدث ذات مرة في ويلفيرتون الفصل 3
(3)
محافظة ويلفيرتون تعتبر من أقدم المناطق في المملكة المتحدة، حررها النبيل آرثر ويلفيرتون قبل قرن من الزمان من أيادي الإسكوتلنديين ولذلك سُميت بإسمه هي وغابتها القديمة الشاسعة والتي تحتوي على ثروات نباتية وحيوانية جعلتها تنافس غابتيّ وينسدور وشيروود العريقتين، مما جعل موسم صيدها الذي يمتد من بداية سبتمبر إلى أواخر أكتوبر من أهم المواسم في العام.
6
يتجمع فيه النبلاء من كل مكان من أجل ممارسة رياضاتهم المفضلة والمشاركة في المسابقات التي تقام خلال هذه الفترة وبالتأكيد حضور الإحتفالات الكبيرة التي تقام في نهاية الموسم في القرية وما جاورها.
يقع غرين هول وهو القصر الخاص بعائلة ويلفيرتون في أخر نقطة مفتوحة قبل الدخول في الغابة القديمة، قصر شاسع بني على طراز قصر وستمنستر " بيت البرلمان" بعمارة قوطية مميزة جعلته مُهابًا من قبل الجميع لكن في نفس الوقت ساعدت الخضرة المنشرة في المكان على إعطائه لمسة جمالية بهية.
3
إحتوى على قرابة مئة غرفة متنوعة مابين أجنحة النوم وغرف الطعام والألعاب وقاعات للإحتفالات بمختلف أنواعها، وفي أوقات الذروة يقترب عدد ساكنيه من الألف مابين أصحاب المنزل والضيوف وجيش الخدم الذي يستمر المنزل بسببهم في الوجود.
ومع إقتراب وصول أول وفد من الضيوف كان غرين هول في أوج نشاطه يستعد أولًا لإستقبال الماركيز ويلفيرتون وزوجته وإبنته الليدي سارا.
3
وفي إحدى الغرف الجانبية والتي يستعملها كبير الخدم في العادة للإجتماع بمرؤسيه جلست صوفيّا التي نالت لؤقت مؤقت لقب مديرة القصر برفقة اللورد غاري ويلفيرتون وزوجته الليدي إستر يراجعون آخر الترتيبات قبل حضور الماركيز لإعطائه التقرير النهائي.
إستمع غاري الذي أكمل عامه السادس والعشرين قبل أيام فقط لتقرير صوفيّا بإهتمام وهو يراجع في بعض الأوراق. على عكس أخته لم يرث غاري أيًا من ملامح والدته بل كان نسخة طبق الأصل عن والده الماركيز في شبابه، داكن الشعر كثيف الحاجبين، بأنف مستقيم وعينين حادتين، لكنه على الأقل أخذ عن والدتها الروح المرحة التي تختفي عندما يصبح جادًا وتظهر في كل الأوقات عداها.
بقربه جلست إستر بهدوء مصطنع وهي تراقب بأعين متسعة ما يجري، تزوجت إستر في سن العشرين من هذه العائلة العريقة ورغم كونها إبنة آيرل بنفسها لكن الفرق بين العائلتين كبير ومن المفترض منها أن تتعلم كل شيء عن هذه العائلة العريقة التي إنتمت لها وهذا كان يخيفها للغاية فهي في النهاية لا تزال في الواحدة والعشرين فقط!
-إذًا من سيصل أولًا؟
تساءل اللورد غاري لتجيبه صوفيّا وهي تأخذ ورقة سجلت فيها أسماء الحضور:
-وصلتنا حتى الأن خمسون رسالة رد من المدعوين. سبعة وعشرون منهم سيحضرون في النصف الأول من سبتمبر وأحد عشر منهم سيأتون في الإسبوع الأول منه وهم السادة الأتون - نظفت حلقها قليلًا ثم بدأت بتلاوة أسماءهم -
اللورد والليدي هاريسون وإبنهما اللورد آنسون وإبنتهما الليدي ساشا.
الكونتيسة إليزابيث وإبنها الكونت ألبرت.
اللورد أوليفر كاريت.
السير كريستوفر هاثواي.
الدوق لوغان سكوت.
السيد سبستيان فينسنت.
والسيد ديريك كارفين.
11
ختمت صوفيّا فعلقت إستر:
-هؤلاء سيبقون في الإسبوع الأول.
-نعم، ستمتد إقامتهم لإسبوع جميعهم ما عدا الكونتيسة إليزابيث وإبنها الكونت ألبرت حيث سيبقيان لمنتصف الشهر. ومن ثم هناك دفعة أخرى ستبقى من الإسبوع الثاني وحتى نهاية الشهر...
قاطع غاري حديثها قائلًا:
-لندع أمرهم حتى نهاية الإسبوع ولنركز على من سيصلون أولًا، جميع الغرف قد تم تجهيزها وترتيب تواجد أصحابها؟
-نعم، لقد جهزت أكبر جناح للورد والليدي هاريسون، والغرفة الجنوبية تم تجهيزها بطلب من الكونتيسة إليزابيث، أما اللوردات الشباب فقد جهزنا لهم الجناح الغربي الخاص بالعُزّاب جميعهم ما عدا السيد ديريك كارفين والذي جهزنا له غرفة بالقرب من جناح السير هاثواي..
1
قاطع غاري تقريها متسائلًأ: ولم ذلك؟
-لقد وصلتني رسالة من السير يطلب فيها أن يكون السيد كارفين قريبًا منه إذ أن لديهما بعض الأعمال يجب أن ينجزاها لذلك جهزت له هذه الغرفة.
1
-آه نعم لقد تذكرت هذا السيد كارفين، عرفني عليه الدوق ستاندفورد في حفله وهو يعمل في سكوتلانديارد.
-نعم هذا هو..
-إذًا لا بأس، وماذا أيضًا؟
-وأيضًا... لقد وضعنا اللورد كاريت في الجناح المتصل بجناح السير هاثواي بعد طلب من والدك سيدي.
إنعقد حاجبا غاري لهذا الخبر القريب وتساءل عن سببه:
-أليس لدى كليهما مشاكل يمران بها حاليًا! كيف يطلب والدي وضعهما معًا!
-بسبب هذه المشاكل سيدي، فالغرض من دعوتهما معًا في هذه الفترة هي إيجاد حل وسط لمشكلتهما لذلك وضعهما والدك قريبًا من بعضهما حتى يحاولا ذلك.
-هذا كأننا نضع الزيت بالقرب من النار.
هزت صوفيّا كتفيها بقلة حيلة لتتدخل إستر متسائلة:
-بالمناسبة عزيزي، ما سبب المشكلة بينهما؟
همهم غاري مفكرًا كيف يمكنه أن يجيبها ببساطة حتى تفهم أمورهم الحزبية المعقدة هذه ليقول أخيرًا:
3
-كما تعلمين إقتربت الإنتخابات العامة ويجب على مجلس اللوردات تقديم قائمته النهائية لمرشحيه، يريد السير هاثواي أن يكون إسمه وبعض مواليه في هذه القائمة إذ يرغب أن يرشح نفسه للرئاسة قريبًا بينما يعترض اللورد كاريت على ذلك بسبب مشاكل شخصية مع السير وبسبب أنه لا يريد لشخص رتبته أقل من آيرل أن يترشح لمثل هذا المنصب، وهذا سبب الكثير من الجدل في البرلمان.
إنقعد حاجبا إستر بدليل أنها لم تفهم أين المشكلة في كل هذا لكنها لم ترد أن تضييع المزيد من الوقت وقالت وهي تعود لتتابع ما أمامهم:
-ربما سيحل كل هذا إن ترك الأمر للتصويت العادل فيما بينهم، لكن من أنا لأفهم ذلك.
1
لم يعلق غاري لكن بدا أنه يفكر في رأيها بجدية بينما تركته صوفيّا يفكر لثوانٍ قبل أن تعاود إخباره عن بقية التفاصيل التي تخص موسم الصيد.
......
وقف غاري برفقة زوجته ومن خلفهما عشرة خدم وبضعة خادمات بقيادة صوفيّا في إستقبال الماركيز وزوجته وإبنتهما بعد صولهم أخيرًا. فتح رئيس الخدم باب العربة العالية لينزل أولًا الماركيز ثم ساعد زوجته على النزول ببطء وتقدما ناحية غاري وإستر الذين رحبا بهم برحابة صدر ثم ساعد السائس سارا على النزول وبعدها تقدم الجميع للداخل تاركين أمر إنزال الحقائب للخدم.
توجهت العائلة برفقة صوفيّا عبر صالات القصر الفخمة إلى غرفة المعيشة الخلفية والتي تقع مباشرة بالقرب من حديقة الليدي الخاصة في الخلف من القصر وقد إنتظرتهم كبيرة الخادمات بشاي الظهيرة والمقبلات وبعض الحلويات.
كان غاري يتلو على والده جميع التجهيزات التي إنتهت ويجيب هو وصوفيّا التي كانت تقف على مقربة من كرسي الليدي جانيت على تساؤلات اللورد.
وعندما إنتهت جميع أسئلته تدخلت الليدي قائلة بإبتسامة كبيرة:
-أنا سعيدة للغاية فهناك الكثير من الشبان العزاب سيحضرون خلال الإسبوع القادم ولقد سمعت أن الليدي ساشا تبحث عن زوج أيضًا وبذا قد تجد من يناسبها من بينهم!
-ها أنت تتدخلين في حياة شخص أخر بينما إبنتك لا تزال هنا.
1
علق اللورد وهو ينظر لها حيث جلست على يمينه وبقربها صاحبة الشأن وقد عبست فورًا لهذا الموضوع. تدخل غاري قائلًا:
-لا أظن أنها ستبقى طويلًا، أظن أن الدوق سكوت قد إتخذ قراره فلقد جاء لمقابلتي خلال حفل ستاندفورد وأخبرني عن سروره لقبول الدعوة وتشوقه لها.
إتسعت عينا والدته بحماس وتبسمت إستر قائلة:
-قد ينتهي موسم الصيد بخطوبتك من الدوق سكوت نفسه سارا، يا إلهي أنا متحمسة للغاية.
لم تزدد سارا إلا عبوسًا وهي تستمع لهم يتحدثون عن آخر ما تريده لكنها لم تعلق فقد لاحظت لصوفيّا وهي تشير لها بأن الوقت ليس مناسبًا لإبداء رأيها ولم تهتم هي كثيرًا لفعل ذلك فديريك كارفين قادم، والكونت ألبرت قادم وهناك أيضًا اللورد هانس والذي سيحضر نهاية الشهر، ثلاثتهم يعتبرون المرشحين الرئيسين الذين لا تمانع أن تتزوج أحدهم... وبالتالي قد تأتي نهاية الموسم وتكون مخطوبة بالفعل، لكن ليس للدوق سكوت.
1
-من سيصل أولًا؟
تساءل اللورد فأجابته صوفيّا:
-غدًا سيصل كل من اللورد كاريت والسيد فينسينت في الصباح الباكر. وخلال الظهر سيصل السير هاثواي والسيد كارفين وبحلول المساء ستصل عائلة السيد هاريسون برفقة الدوق سكوت. وحتى ظهر اليوم التالي سيصل بقية الضيوف.
-هذا جيد، إذًا سيكون علينا الإستيقاظ مبكرًا لإستقبال الدوق والسيد فينسنت.
-نعم والدي، لقد إنتهت بالفعل جميع تحضراتنا لإستقبالهم.
تساءلت سارا:
-ومتى ستذهبون للصيد؟
-بعد يومين، أي بعد أن يصل جميع الضيوف مباشرة.
أجابها غاري فعلقت الليدي جانيت:
-سيكون عليكِ وإستر التجهيز لمرافقة الرجال في اليوم الأول للصيد وربما ترافقكم الليدي هاريسون وإبنتها إن أرادتا لكن بالنسبة لي وللكونتيسة إليزابيث فنحن سنبقى هنا نتمتع بالراحة.
ختمت هي تبتسم بإتساع لتقول سارا:
-وماذا عن صوفيّا هل ستبقى معك أم ترافقنا؟
همهمت الليدي مفكرة ثم سألت صوفيّا قائلة:
-ماذا تريدين أنتِ صوفيّا؟ أظن أنك لم تذهبي للصيد من قبل فهل ترغبين لتجربته الآن؟
5
تأثرت صوفيّا لإقتراح سيدتها والذي يدل على إهتمامها بها ليس فقط كمرافقة ولكن كفرد مهم مقرب لها، لتقول بإبتسامة شاكرة:
-أخجلني كرمك سيدتي وبصراحة لطالما رغبت في ذلك لهذا سأقبل عرضك بكل سرور.
2
-إذًا قُرر الأمر ستذهب صوفيّا معكم.
همست سارا بحماس وكذا إستر التي سرعان ما أحبت صوفيّا أيضًا رغم كونها جديدة في القصر ولم تتعايش معها لسنوات طويلة مثل سارا لكن ولكونها أكبر منهما لكن ليس بالكثير جعل منها الأخت الكبيرة التي تنصحهما وتساعدهما على تجاوز الصعوبات التي قد تمر بها فتاة في بداية عشرينياتها.
وبعد أن إنتهى الجميع من تناول الشاي تفرقوا لغرفهم ليرتاحوا قبل اليوم الكبير.
.......
أبلغ جاسبر كبير الخدم أفراد عائلة ويلفيرتون عن وصول عربتين إلى داخل ممتلكات العائلة، إحداهما تخص اللورد كاريت.
1
إصطف الخدم في صفين متقابلين واحد للإناث والأخر للذكور توسطهم جاسبر وصوفيّا وقد إرتدى الجميع حلة جديدة عبارة عن زي أسود بالكامل مع صدرية بيضاء وربطة عنق وقفازات بنفس اللون للرجال وفستان أسود بمريلة بيضاء مزخرفة الجوانب مع غطاء شعر أبيض أيضًا للنساء. وأمامهم وقف أفراد العائلة جميعًا في ثيابهم النهارية بإنتظار توقف العربات.
3
نزل اللورد كاريت أولًا من عربته التي تليق برجل في مقامه، سوداء مزخرفة الجوانب بالذهب ويقودها أربعة أحصنة أصيلة لونها أسود داكن.
5
على وجهه إبتسامة مترفعة تغيرت لأخرى دبلوماسية وهو يصافح صاحب المنزل بحفاوة ثم قام بتقبيل أيادي النساء.
وفي أثناء الترحيبات وقع بصره على صوفيّا الخادمة التي قابلها في حفل ستاندفورد ليتذكر حينها أنه لا يعلم إسمها لكن ذلك لم يزعجه فهو كان قد وضع هدفًا أن يحظى بها شاءت أم أبت بعد تصرفها ذاك تجاهه في الحفل، ولذا لديه الكثير من الوقت ليعرف إسمها وكل ما يخصها.
31
تقدمت عربة للأمام اللورد لتحل مكانها العربة الأخرى والتي ربما لم تكن بمثل بهاء عربة اللورد إلا أنها كانت فاخرة بما يكفي لشخص من عامة الشعب.
فتح باب العربة وخرج سبستيان فينسنت بملامح مبتهجة. إرتدى المحامي الشاب بذلة بيضاء بصدرية وربطة عنق رماديتان ساعدت على عكس لون شعره الأسود الداكن وملامحه الهادئة، لم يكن وسيمًا بما للكلمة من معنى لكنه كان مليح الوجه. شخصيته المبتهجة حيرت الكثيرين الذين لم يظنوا أنها تانسب مهنته لكنها أضافت إليه لمسة فريدة.
4
إقترب سبستيان من اللورد مصافحًا إياه بحفاوه وقائلًا:
-أشكر لك دعوتي عوضًا عن والدي أيها اللورد، إنه شرف كبير لي أن أكون هنا.
-ولنا الشرف بأن يتواجد شاب مثلك لدينا. أتمنى أن تستمتع بتواجد في ويلفيرتون.
مثل زوجها رحبت الليدي بضيفهم الشاب وقد وضعت في رأسها قائمة بالفتيات اللاتي قد يناسبًا شابًا مميزًا مثله فهو كما تعلم في الثالثة والثلاثين ولم يتزوج من قبل.
7
وعلى عكس أصحاب المنزل السعيدين بقدوم سبستيان عبس اللورد كاريت منذ اللحظة التي رأه ينزل من العربة فهو لم ينس حتى الأن ما حصل عندما إجتمع به في حفل ستاندفورد وإن كان يعلم أنه سيكون من المدعوين لأختار وقتًا أخر للقدوم.
سبستيان الذي كان قد أنهى سلامه على غاري إنتبه لتلك الملامح التي علت وجه اللورد فإلتفت ناحيته بإبتسامة كبيرة ومتقصدة وسلم عليه بحفاوة قائلًا:
-لورد كاريت كم أنا محظوظ لأصادف تواجد هنا.
-همم نعم، أهلًا بك.
كانت نبرته باردة وغير مرحبة بتاتًا وقد لفت ذلك نظر الجميع لكن سبستيان لم يتأثر بها بل تابع حديثه المرح كأن شيئًا لم يكن، وبينما بدأ الخدم بإدخال الأمتعة دخل أفراد العائلة ومدعووهم إلى القصر.
تأخر سبستيان قليلًا وهو يتأمل في القصر من الخارج فتصادف دخوله مع صوفيّا وجاسبر، جاسبر تابع سيره بإستقامة دون أن يلتفت إلا أن صوفيّا إلتفتت تأخرت لتسمح له بالسير أمامها إلا أنه توقف بمحاذاتها.
1
إرتفع حاجباها لتوقفه ظانه أنه يحتاج شيئًا لكنه فقط نظر لها بتدقيق ولا تزال إبتسامته تعلو وجهه، تساءلت:
-هل يمكنني مساعدتك في أمر ما سيدي؟
3
-أرغب في معرفة إسمك أنستي.
فاجأها سؤاله فليس من العادة أن يسأل السادة عن أسماء الخدم لكنها أجابته على أي حال:
-صوفيّا سيدي، صوفيّا مورغن.
10
-صوفيّا.. - كرر إسمها الشخصي كأنه يجرب وقعه على شفتيه - .. إسم جميل.
2
-أشكرك سيدي.
وبعد نظرة أخرى لم تفهم معناها تابع سبستيان طريقه إلى داخل القصر.
.......
2
كان الوقت ظهرًا عندما قرر سبستيان فينسنت الخروج من غرفته. لكونه حاليًا الشاب الوحيد الذي يقطن في الجناح المخصص لغير المتزوجين من الرجال وجد نفسه يشعر بالملل لذلك قرر الخروج من غرفته للترحيب بمن وصل من الضيوف ومن ثم الخروج لنزهة بالأحصنة.
إرتدى بذلة بيضاء أخرى من مجموعته الكبيرة وحمل قبعته معه تحسبًا لنزهته، وبينما كان في طريقه إلى البهو الرئيسي ترامى إلى مسامعه أصوات محادثة قريبة منه. أسرع خطاه فإذا به يستقبل باللورد غاري وبرفقته السير هاثواي المدير العام لشرطة سكوتلانديارد والشاب الذي لفت الأنظار في حفل ستاندفورد ديريك كارفين.
4
بضعة خدم حملوا حقائب المذكورين متهجين ناحية سلم يقود إلى جهة أخرى من القصر الكبير بينما كان اللورد ويلفيرتون الشاب يخبر الرجلين عن الوقت الذي سيتناولون فيه طعام العشاء ويطلب منهما أن يرتاحا حتى ذلك الوقت.
رسم سبستيان إبتسامته المعتادة وهو يقترب معلنًا عن حضوره ومعرّفًا عن نفسه، أبدى السير هاثواي تفاجؤه وهو يرى سبستيان أمامه:
-هذه أول مرة تتواجد فيها هنا، هل قَدِم السيد جوردن أيضًا.
ببعض عبوس لم يشبه أجابه سبستيان:
-للأسف لا، بسبب تدهورت صحته فلم يستطع والدي المشاركة في موسم الصيد هذا العام.
-هل هي معدته مجددًا؟
علق السير بالكثير من التعاطف ليجيبه:
-نعم، يبدو أن الأدوية التي وصفها له الطبيب لم تفده كثيرًا فهو لا يزال يستيقظ كل ليلة بسبب الألام التي تصيبه مما أفقده قوته وأصبح طريح الفراش.
-أفهم ذلك، أفهم ذلك.
قال السير وهو يضع كفه على معدته التي برزت قليلًا وبنبرة متعاطفة للغاية:
-أصبحت أعاني من أعراض كهذه من فترة لأخرى ولم تنفعني أي أدوية تناولتها.. آه يا إلهي ما نفع الأطباء إن لم يستطيعوا علاجنا بأدويتهم هذه.
7
لم يعلق سبستيان وهو يلقي نظرة على الرجل أمامه. كان السير هاثواي أصغر من والده بكثير - في نهاية أربعينياته - لكنه يبدو أكبر منه بسبب الشيب الذي غزا شعره الأسود، والتجعدات التي ملأت ما تحت عينيه، ولم تزده زيادة وزنه سوى عمرًا لم يحتجه.
عُرف السير منذ بداياته في سكوتلانديارد حينما كان مجرد شرطي بسيط قادم من أسرة متوسطة لكنه لم يكن كغيره إذ برز بحله لقضايا صعبت على غيره وقبضه لعصابات الإجرام والتهريب وسارقي النبلاء الذين أزعجوا هذه الطبقة لفترة طويلة مما دفع بالملكة أن تتوج إنجازاته بمنحه لقب السير قبل عشر سنوات ليكسب لنفسه مكانة صَعُبت على غيره.
هذه كانت إنجازاته التي يعلم عنها الجميع لكن وكل من عرفه عن قرب يعلم أنه لم يصل إلى هناك بمجرد الموهبة، فطريقه للقب مليئ بالكثير من الدماء والخيانة، كان السير من النوع الذي قد يفعل أي شيء من أجل الوصول إلى هدفة كالتعاون مع المجرمين من أجل القبض على مجرم أكبر، أو تسهيل العقوبة على شاب نبيل من أجل كسب ود والده، أو حتى أن يترك نبيلًا يفلت من العقاب من أجل أن ترتفع مكانته.
16
إلتفت سبستيان ناحية مرافق السير، الشاب الذي قابله في حفل ستاندفورد لكنه لم يحظى بالتعرف عليه جيدًا.
إبتسم مادًا يده لمصافحته مجددًا وقائلًا:
-تقابلنا مجددًا سيد كارفين.
-سعيد لمقابلتك سيد فينسنت.
رد عليه بحيادية باسمة وشد على يده ليقطع غاري سلامهما وهو يقول:
-آه، ها هي الأنسة مورغن، هي ستأخذكم إلى غرفكم يا سادة.
إلتفت كلاهما بإتجاه قدومها، برفقتها خادمة شقراء إنحنت بعد إنحنائتها، لتقول صوفيّا دون أن ترفع بصرها:
-عذرًا لتأخرنا سيدي، لقد أدخل الخدم جميع أمتعتكم وقاموا بترتيبها، وكما طلبت سيدي لقد جهزنا غرفة السيد كارفين بالقرب من غرفتك.
-هذا جيد، أشكر لك ذلك.
قالها لغاري الذي إبتسم قائلًا: ليس عليك شكري سير، والآن سأترككم لترتاحوا قليلًا على أن أقابلكم لاحقًا يا سادة.
إنصرف اللورد تاركًا الرجال الثلاثة برفقة الخادمتين لتقول صوفيّا عندما تحول إنتباههم لها:
-قبل ذهابنا أرغب في تعريفكما على الأنسة كاثلين ديفان، هي ستكون المسؤولة عن خدمتكم خلال فترة إقامتكم، هناك جرس في غرفكم متصل بمهجعها فإن إحتتم إلى شيء في أي وقت ما عليكم إلا أن تقرعوه.
تقدمت كاثلين الشابة العشرينية الصغيرة وعرفت عن نفسها ثم طلبت منهم أن يذهبوا من خلفها. تقدم السير أولًا وعندما تأخر ديريك إلتفتت صوفيّا ناحيته فوجدته ينظر بإتجاه آخر، نظرت إلى حيث ينظر فوجدت الليدي سارا تراقب فيهم من بعيد.
سارا ومنذ أن علمت بحضور ديريك تسللت من غرفتها لتراقب دخوله لكنها لم تستطع الخروج لكونها قد إعتذرت برفقة والدتها لليوم من أجل الحصول على بعض الراحة قبل العشاء. ظنت أنها تخفت جيدًا ولم تتوقع أن يرصدها ديريك.
2
إخترقتها عيناه الزرقاوتان كأنها كانت تعرف مكان تواجدها ودون أن تسمح لنفسها كانت حمرة وجنتيها قد تسللت مرة أخرى عاليًا. إبتسم ديريك لذلك.
قطع لحظتهما تلك تجلية صوفيّا لحنجرتها بصوت عالٍ جعل ديريك ينظر إليها بملامح حيادية تكاد تكون منزعجة لتقول هي بينما رمقت سارا بنظرة مؤنبة:
2
-يجب أن تلحق بالسير هاثواي سيدي كارفين.
-صوفيّا...
فجأة نطق ديريك بإسمها مجردًا ليجعل سبستيان ينظر إليه بإستغراب لكن ملامحها هي لم تتغير، ليكمل قائلًا:
-هذا كان إسمك، أليس كذلك؟
-نعم سيدي، صوفيّا مورغن.
لم يضف شيئًا وهو يلتفت ناحية سبستيان ويستأذنه لكي يذهب. وما إن إختفى داخل الممر حتى قال سبستيان وهو يضع يدًا فوق الأخرى:
-هل لي أن أعلم لم هو ليس في جناح العزّاب؟
2
إنعقد حاجبا صوفيّا قليلًا لكنها أجابته على أي حال:
-كما سمعت سيدي، لقد طلب السير منا ذلك.
-لكن هذا غريب، إن كنت في مكانه لن أضع شريكي في العمل بقربي. يكفيني أن أراه كل يوم في العمل.
بإبتسامة صفراء أجابت إستغرابه: لن يكون غريبًا إن كان لديكما عمل لم تنجزانه.
مط شفتيها متقبلًا إجابتها.
استأذت بعدها لتعود وتباشر بقية عملها.
...........
الانتقال إلى الفصل التالي