رواية الخادمة الفصل 1

 



(1)


وجدت نسمة صيفية طريقها إلي عبر باب غرفة المكتبة الخشبي والمفتوح على مصراعيه لتقوم بتحريك أطراف ثوبي المتدليه وتدغدغ جسدي الذي يتوق لمثل هذه النسمات. وعندما توقف الكرسي الذي أجلس عليه عن التحرك قمت بإنزال ساقي لأقوم بدفعه مجدداً ويبدأ بالإهتزاز جئيه وذهاباً ولأعود أنا مندمجه في قراءه ذلك الخبر الذي تصدر جريده التايمز التي بين يدي لأكثر من يومين:


فضيحه في منزل نبيل


لم تنفك الجرائد تتحدث عن ما حصل قبل اسبوع في المنزل الصيفي الخاص بـ أغسطس بلاك وود والذي يحمل رتبه ماركيز.


تحدثوا عن شقيقه السيد ستيفينز بلاك وود والذي أحضرته شرطة سكوتنلنديار بقيادة تشالز واتسون المفتش العام بعد القبض عليه بتهمه محاولة قتل شقيقه الأكبر أغسطس وقتل كبير الخدم السابق وأيضاً بتهمه الإختطاف، إذ أنه قام بإختطاف إحدى القاطنات في المنزل وقتها أو( أمر بذلك ). وكان ينتوي قتلها أيضاً لولم يتم إنقاذها في الوقت المناسب. بحسب ما جاء في الخبر.


بالطبع لم تتحدث الصحف عن هوية تلك الفتاة فلقد تم التعتيم على شخصيتها حتى لا تتأثر أسرتها النبيلة بكل هذه الفوضى.


كان الخبر يناقش هذا الحادث وكيف أنه اعادنا لعقود طويله للوراء حينما كانت الخيانه والقتل أمراً إعتيادياً بين أفراد الأسرة الواحدة في سبيل الحصول على السلطة والمال، وتحدث الخبر أيضاً عن كون هذه الحادثه ستحمل مآلات سيئة لعائلة بلاك وود النبيلة.
وقد تحدث بعضهم وتنبأ أنها قد تؤدي إلى إفلاس العائلة وخسارتها ممتلكاتها لمنافسيها في المنزل النبيل.


كورتُ قبضتي بغيظ فتجعدت أطراف الجريدة، وجذب ذلك نظر آنّا خادمتي الخاصة والتي كانت تحيك في قفاز وردي بقربي. توقفت عن حياكتها ورسمت إبتسامة بينما سألتني:
" أنستي، هل يزعجك أمر ما؟ "

 

أنزلت ساقيّ عن الكرسي والجريدة معهما ثم وضعتها جانباً على الطاولة وأجبتها دون أن أنظر إليها:
" يغضبني حقاً كيف أنهم يتحدثون عن عائلة بلاك وود كأنها قد خسرت كل شيء فعلاً، من هم حتى يتنبأوا بذلك؟ "


" أستطيع تفهم ما تقولينه، لكن هؤلاء لا يعرفون القصة كما نعرفها نحن، لذلك هم يطلقون التصريحات التي يظنونها وأحياناً... التي يتمنون أن تحصل "
" هذا صحيح، وهذا سخيف أيضاً "

أطلقت آنّا نفساً ولم تعلق وتركت الصمت يجمعنا لكن ليس لوقت طويل إذ فتح الباب الداخلي لغرفة المكتبة عن إرنست أخي التوأم.


كنتُ قد تركته قبل بعض الوقت برفقه والديّ وأختنا الكبرى أوليفيا لذلك إستغربت مجئيه بهذه السرعة فهو في العادة يقضي معهم وقتاً طويلاً.

" مساء الخير بيلا .. وآنّا "
" مساء الخير سيدي إرنست "
" ما الأمر؟ لم خرجت مبكراً؟ "


نهضت آنّا من الكرسي الذي كانت تجلس عليه لتسمح لإرنست بالجلوس عليه وذهبت إلى الركن الأكثر هدوءً لتتابع عملها ولتتركنا نتحدث بخصوصية.

" ليس لسبب معين... تقرأين عن اللورد مجدداً ؟"
" ليس وكأنهم يتحدثون عن أي شيء أخر في هذه الأيام. كل الصحف تتحدث عن هذا الموضوع، كأن الملكة فيكتوريا قد ذهبت في إجازة وليس لديهم أي شخص أخر ليفسدوا حياته عليه "


قهقه إرنست وشعرت أنه يريد قول تعليق لكنه أطبق فمه ورمقني بنظرة عارفه، نظرة ظل يرمقني بها طوال اليومين السابقين بعد عودتنا من برمنغهام.
تجاهلته وسألته عن شيء اخر يؤرقني:
" هل قال والدي أي شيء؟ "

مط إرنست شفتيه لثوانٍ كأنه يفكر هل يخبرني أم لا، ليقول اخيراً وببطء غريب:
" ليـس بعد "
لم أفهم ما يلمح له لكن مع ذلك قلت بقلق وبصوت خافت:
" أنا غير مرتاحه لكل هذا "

إقترب إرنست عبر الكرسي ليسمعني بشكل أفضل وهمس هو الأخر رغم كون الموضوع ليس سراً فآنّا تعلمه على أي حال:
" ولم أنتِ غير مرتاحه؟ "
" فكر في الأمر!.. تقدم رجل برتبة ماركيز لطلب يد إبنتك، ماذا ستكون رده فعلك؟"
ثانيتان فكر فيها إرنست ثم أجاب:
" سأكون فرحاً وسأنشر الخبر للجميع حتى يعلموا أن إبنتي قد تم اخذها، أو هذا ما قد سيفعله أي رجل أخر "
" أليس كذلك؟ لكن والدي لم يقل أي شيء، لم ينطق بأي حرف لي، لم يسألني عن رأي ولم يتحدث عن الموضوع في العشاء في اليومين السابقين، ولم ينظر إلي من الأساس! كان يتجنب النظر إلي ويبدو كأنه يفكر في شيء ما بعمق "


كان إرنست يهز رأسه مع كل كلمه أنطقها ليقول أخيراً وقد وضع يداً فوق الأخرى:
" أظن أن هذا غريب بالفعل.. ظننت ذلك لوهله فقط، لكن الأن أرى الأمر طبيعي"

عقدت حاجبي مستفهمه فأشار بيده ناحيه الصحيفة على الطاولة بقربي. ثوانٍ لم أفهم فيها مقصده قبل أن أهتف قائلة بإستنكار:
" مستحيل! إن والدي ليس شخصاً يفكر بهذه الطريقة"
" إزابيلا .. لتفكري بمنطقية وليس بمشاعرك، تخيلي معي .. "


قالها وهو يعدل من كرسيه ليجلبه أمامي مباشرة ويمسك بيدي بين يديه وينظر في عيني كأنه يحادث طفله ويكمل:
" أنتِ الأن رجل نبيل تحملين رتبه آيرل. لديك عائلة كبيرة وإلتزامات إجتماعية ومظهر يجب أن تحافظي عليه أمام الناس. وفجأة رجل نبيل أخر لديه مشاكل جمه تواجهه كنبيل وإشاعات تدور حوله وأعداء كُثر يظهرون في كل مكان، تقدم ليطلب يد إبنتك! .. بالتأكيد في ظروف أخرى كان ليكون مرحباً بهذا الرجل، لكن في مثل هذه الظروف حتى وإن كانت علاقته جيده به، فهو سيفكر مرتين قبل أن يتحدث بالأمر، ليس تنفراً منه ولكن لمستقبل إبنته التي هي محور الموضوع "


دخل كلامه إلى رأسي وفهمته بشكل جيد لكن مع ذلك قلت:
" أعلم هذا، لكن .. فقط .. لم اتوقع أنه بعد كل تلك المحاولات لعقد صداقة مع منزل بلاك وود قد يتقهقر والدي هكذا. "
ظننت أن إرنست سيوافقني إلا أنه ظل يحدق فيّ لبعض الوقت قبل أن يقول بريبه:
" إزابيلا، ألا تظنين معي انكِ مهتمه بشكل غريب بهذا الموضوع؟ بالنسبة لشخص لم يوافق أصلاً على طلب اللورد أغسطس للزواج وظل ينكر ذلك لأسابيع . أنتِ مهتمه للغاية بما يظنه الناس به "


مجبره تراجعت عنه وأبعدت يدي عن خاصته، نظرت بعيني بعيداً ريثما أفكر في رد وبالتأكيد لم يفت إرنست تلك الحمره التي ورّدت خدي المكتنزين.
" ليس الأمر كذلك، أنت تعلم أنني أهتم بـ اللورد كما تهتم أنت وهاري له. لقد كان ذلك هو السبب الذي جعلني أفعل كل ذلك من أجله، وليس مجرد مشاعر سخيفه "
" نعم صحيح "


كلا .. لم يقنتع وهو يهز رأسه وإبتسامة جانبيه على وجهه تخبرني أنه يعلم تماماً ما بداخلي من مشاعر أنا لا أستطيع فهمها. إستفزني ذلك فقمت بدعس ساقه فتراجع متألماً وهو يتحدث عن مدى قسوتي.


ظل إرنست طوال اليومين السابقين يحاول التلميح لي وإجباري على الإعتراف بكل تلك الأفكار والمشاعر التي بداخلي تجاه اللورد لكنني ظللت أصده عن ذلك وأختبي بنفسي بعيداً عن قول الحقيقة. فأنا اعلم جيداً أنه إن صرّحت بها فهذا يعني أن الوداع لكل أحلامي قد حان، وأنا لستُ مستعدة لذلك.


لهذا فعلت ما أجيده تماماً.. تهربت من الموضوع، تجاهلته، تناسيت كلما يتعلق به، أو هذا ما ظننت أنني أفعله. لكن مع كلام إرنست الأخير وجدت أنني لم أبتعد عنه قيد أنمله. وظل اللورد أغسطس يرافقني رغم كون الكثير من الأميال تفصل بيننا.


ساد صمت في غرفة المكتبة الواسعة غرق فيه كلانا في أفكاره بصمت لم يدم إذ يجب دائماً أن يقطعه أحد في منزل عائلة غرين الممتلئ بالناس.

فُتح باب المكتبة مره أخرى لكن بقوة هذه المره لتدخل عبره أوليفيا وقد بدت متحفزة وأنفاسها متهدجه. وقد كانت عيناها متركزة علي!!
" أوليفيا ما الذي حدثـ... "
" إزابيلا جانيت دايزي جورجيت غرين كيف يمكنك إخفاء امر كهذا عني!! "
جفلت عند ذكرها لإسمي الكامل قبل أن ينعقد حاجباي مستفهمه عن ما تقصده.


" لقد بدآنا "
همس بها إرنست بقربي، فنظرت ناحيته سريعاً علي أفهم ما يقصده، لأنتبه فوراً وأفهمه ما قصده عندما قال ( ليس بعد ) قبل قليل.
يبدو أن والدي قد قرر إخبارهم عن اللورد !


إتسعت عيناي رعباً وقد علمت ما تقصده أوليفيا التي كانت تقف أمامي بيد فوق الاخرى ونظره غاضبه على وجهها بينما تنتظر العذر الذي سأقوم بتأليفه من أجلها.
" آآآآ آآآ..اوليفيا، إن الأمر ليس كما يبدو عليه "
قلت غير متأكدة وأنا أنظر في كل مكان بينما إمتدت يدي لأمسك باطراف قميص إرنست وأشده عله يساعدني لكنه إبتعد من مدى يدي وأستطيع أن أشعر بإبتسامته الشامته ترمقني.


" ما الذي تعنيه بأنه [ ليس كما يبدو ] لقد طلب الماركيز بلاك وود بنفسه من والدي يدك. أخبره أنه ( معجب بكِ ) ويريد أن تصيري زوجه له، كيف يمكن ان يكون أمراً مغايراً؟ .. بل كيف بإمكانك الإحتفاظ بهذا لنفسك كل هذه المده دون إخباري! . الماركيز بنفسه معجب بكِ!! ما الذي فعلته، ما الذي حصل، ما الذي فاتني في الأسابيع الماضيه !!"


كانت اوليفيا تتحدث بسرعة وبحماس وأكاد أقسم أنني رأيت يداها ترتعشان أثناء حديثها وتحريكها لهما. رده فعل قد تبدو أكبر مما يستحق الموضوع، لكن طلب زواج من شخص رتبه أعلى من رتبه والدي.. أمر كبير حقاً.

" أوليفيا صدقيني لم يحدث أي شيء لا تعرفينه. وإن الأمر ليس كبيراً أنا متأكده أن اللورد قال أنه معجب بي فقط ليبرر لوالدي الموضوع .... "
قبل أن أكمل كلامي تدخل إرنست قائلاً:
" أوه بالتأكيد هو معجب، بل واقع في الحب.. لقد رأيته وسمعته يتحدث بعيني "
شهقت أوليفيا وهي تنظر إليه وعضدت على شفتي السفلى بغيظ وأنا أنظر إليه.


" أختي . إزابيل . جعلت رجلاً يقع في حبها ! "
" هذا ما حصل "
أجابها إرنست فقلت له:
" إرنست توقف عن الحديث، إن كنت ستقف ضدي فلا تتحدث، لا تفتح فمك .. تباً "


أطلق إرنست ضحكه مستمتعاً بينما اعادت أوليفيا بصرها إلي وأمسك بي من ساعدي قائلة:
" الأن .. ستخبرينني بكل شيء، لن أسمح بأن أكون أخر من يعلم بـ شيء كهذا "


سرت رعشه في جسدي فهي إن قالت أنها تريد أن تعلم كل شيء .. ستعلم، لكنني لا أريد التحدث، لا أريد إخبار أحد بكل ما جمعني باللورد .. لانه مخجل للغاية ـ ولأنه امر يخصني وحدي.


وكبطل على جواد أبيض أقبل كبير الخدم في منزلنا ويليام ليعلن قائلاً بصوته الرخيم والبارد:
" سيدة اوليفيا، سيد إرنست، أنسة إزابيل .. يسرني إخباركم أن العربة الخاصة بالسيد إلمر قد دخلت أرض العائلة "


أنهى قوله ثم ذهبت بخطواته الهادئه ليخبر بقيه أهالي المنزل عن عودة إلمر.

نظر ثلاثتنا لبعضنا ونسينا كل ما يتعلق بالموضوع قبل قليل. خرجنا مسرعين إلى البهو الرئيسي حيث قام الخدم بفتح الباب على مصراعيه وتجمع بعضهم لإستقبال إلمر بينما توسطهم أبي وأمي وهما ينظران في الأفق ليلمحا العربه وهي تقترب.


قلت وقد تقدمت الجميع وأخذت أرفع نفسي على أطراف أصابع قدمي لأنظر أبعد:
" احقاً وصل إلمر؟ ألم يقل أنه سيعود بعد إسبوع من عودتنا؟ ظننت انني سأراه قبل يوم من عودتي للمدرسة"
" ظننت ذلك أيضاً "
وافقني إرنست ليجيب والدي أوسكار:
" لم يقل شيئاً عن عودته مبكراً، أرجو فقط أن لا يكون مكروه قد حصل "
" أنظروا .. هاهي العربه "


هتفت بها أمي فيكتوريا عندما ظهر خَيال العربة البيضاء ذات النقوش الذهبية والتي يجرها الحصانان الذان تربيا مع حصاني ألكس والذين لم أرهما منذ وقت طويل.

بترقب إنتظرنا إلى أن إتخذت العربه مكانها أمام بوابة المنزل وأوقف السائق الحصانين وهو يرفع قبعته لنا. وسرعان ما فُتح باب العربة عن شاب عشريني بشعر أصهب وعينان بلون أخضر فاتح، بنيه قويه ميزته وملامح تشابهت بشكل أكبر مع والدي.
تجولت عيناه علينا وهو لا يزال في مكانه لتستقرا أخيراً علي ثم قفز إلمر من أعلى العربة وبخطوتين كبيرتين وصل إلي ووجدت نفسي محاطه في عناق قوي.


جميع المتواجدين إستغربوا لكن ليس بقدري، فقد تكون علاقتي قويه بـ إلمر إذ كان صديق طفولتنا انا وإرنست إلا أن العناق وغيره كان عادياً بيني وإرنست وليس إلمر!


قلت وأنا أربت على ظهره:
" هل إشتقت إلي لهذا الدرجه إلمر؟ "
ليرد وهو يبعدني لينظر إلى وجهي:
" أنت هي الفتاة التي تم خطفها .. أليس كذلك؟؟ "
" ماذا؟ "
أدار إلمر عينيه ثم كرر:
" الفتاة التي تم خطفها في منزل الماركيز بلاك وود، لقد كنت أنتِ بيلا، أليس كذلك؟"


ملأني الإستغراب وإلتفت ناحيه والدي متسائله إن كان قد أخبره ليجب عن تساؤلي حين سأل هو أيضاً:
" كيف علمت بذلك؟ أنا لم أخبرك في رسالتي إذ ظننت أنه أمر يجب أن تعلمه وجهاً لوجه "
أطلق إلمر نفساً مستهزئاً وأبعد يديه عن ساعدي وقال:
" ليس صعباً أن اعرف، فما من فتاة أخرى قد تدخل نفسها في المشاكل لدرجه أن يقوم شخص ما بخطفها غير أختي العزيزة هذا، لقد علمت فوراً بذلك عندما قرأت الخبر في الصحيفة لذلك عدت بسرعة لأطمئن إن كنتِ بخير "


كان يتحدث بجديه كبيرة إلا أنه قوبل بضحكه أفلتت من إرنست وأمي وأوليفيا بينما تصاعد الدم إلى وجنتي:
" أنا بخير كما ترى .. شكراً على قلقك "
" الحمدلله. كنتُ اعلم أنه في يوم ما ستدخلين في مشكلة كبيرة تهدد حياتك. لقد حذرتك يا إرنست أن تراقب هذه الفتاة جيداً فهي مصنع مشاكل متحرك "
تعلق فمي في الهواء مصدومةً بينما توقف إرنست عن الضحك وقال:
" صدقني لقد حاولت حقاً، لكنها صعبه للغاية "
" هذه المره لقد نجوتِ، لا أعلم ماذا سيحصل المره القادمة "
" يجب ان لا يكون هناك مره قادمة، يجب أن تتوقفي يا إزابيل عن هذه التصرفات فأنتِ فتاة على أي حال "


تدخلت والدتي فوراً فرمقتهم من حولي بغيظ فحتى الخدم كانوا يجاهدون لإخفاء إبتساماتهم. وضعت يداً فوق الأخرى ولم أعلق.
أنهى والدي الموضوع مشكوراً عندما إقترب من إلمر ومد يده مصافحاً:
" مرحباً بعودتك إلمر، لقد تأخرت في ذلك "
" شكراً لك والدي وأسف على إقلاقكم كل هذه المده"
" إلمر عزيزي هل انت بخير؟ هل كنت تأكل جيداً؟ هل تنام جيداً؟ "
أقبلت منه والدتي وهي تتحسس وجهه بيدها ثم أردفت بصوت مكسور:
" لقد خسرت بعض الوزن، لابد أنك أجهدت نفسك بالعمل "


أمسك إلمر بيدها التي على وجهه وأجابها مبتسماً:
" لا تقلقي والدتي، أنا بخير ولم أفقد الكثير من الوزن. المهم أنتم، هل كل شيء على ما يرام بعد كلما حصل ؟ "
قالها وهو ينظر إلينا جميعاً. نظر بعضنا إلى بعض دون الرد بشيء، لتجيبه أوليفيا:
" صدقني، لقد حصل الكثير الذي سيصدمك "


لا أظن أن هذه الليلة ستمر على خير. قلتها لنفسي وأنا أشعر بعينيها من خلفي تنظران إلي. وقبل أن تضيف أي شيء قال والدي:
" لندخل إلى المنزل أولاً لنستطيع التحدث براحه، وأين إليزابيث والتوأم؟ أخبر الجميع يا ويليام أن يجتمعوا في غرفة المعيشة، لدينا الكثير لنناقشه هذا المساء "
" امرك سيدي الكونت "


لكن وقبل أن يلتفت ويليام ليدخل برفقه بقيه الخدم قال إلمر بنبره أقل نشاطاً من سابقاتها:
" مهلاً يا والدي، هناك شيء أخر "
عادت الوجوه لتنظر إليه بينما أكمل:
" أنا لستُ وحدي.. أظن أنني أخبرتكم بذلك في رسالتي "


عند نطقه تلك الجملة تذكر خمستنا أمر الرسالة التي وصلتنا في منزل اللورد أغسطس، وأمر تلك الفتاة التي وقع إلمر في حبها والتي قال أنه سيحضرها معه عند عودته.


تلقائياً تحول بصري ناحيه العربة، بابها المفتوح على مصراعيه والذي اظهر اطراف ثوب رمادي لم أنتبه له من قبل.
يبدو انني لستُ الوحيدة التي تذكرت ذلك فالملامح على وجهيّ والديّ تغيرت وقد نطق والدي بنبره جعلها هادئه قدر المستطاع:
" إذاً لقد أحضرتها معك "
" نعم .. "
ثم إلتفت إلمر عائداً ناحيه العربة ودخل إليها لدقيقه ظل خلالها جميعنا صامتين، قلقين ومترقبين ..
والكثير من السيناريوهات ترتسم في عقولنا.


خرج إلمر وبيده اليسرى تعلقت يد فتاة ما. تحرك الثوب الرمادي ونزلت صاحبته بخطوات حذرة بمساعدة إلمر.
كان شعرها الأسود القاني أول ما لفت نظري. ولم يخفى أنه طويل للغاية من تلك الضفيرة التي إلتفت في حلقات كثيرة خلف رأسها، ثم لون بشرتها والذي كان أسمراً مقارنه مع لون بشره إلمر الأبيض الباهت. ومن ثم قوامها الممشوق وطولها البارز حيث ماثلت إلمر في الطول، وجعل ذلك فستانها الرمادي بحزام أزرق داكن يبدو اكثر جمالاً رغم بساطته. وأخر شيء كان وجهها، ملامحها والتي كان من الواضح أنها لم تكن من هنا، بل لم تكن من أي مكان من داخل المملكة المتحدة، ملامح شرقية بأعين داكنه وواسعه رموش وحاجبين كثيفين وأنف طويل، شفتان واسعتان ورقبه طويله.
كانت جميلة بمقاييس غير بريطانيه، بمقاييس هندية إن صح التعبير.


تعلقت أفواهنا وأخر ما كنا نتوقعه يقف أمامنا. لا أظن أن احداً فكر أن السبب الذي جعل إلمر يخفي شخصية الفتاة التي أحب سيكون كونها من بلد أخـ.. بل من قارة أخرى تماماً. !


لابد أن منظرنا كان .. غريباً فلقد أبدت الفتاة وإلمر القلق وتململت في مكانها غير مرتاحه، لاحظتُ يد إلمر وقد شدت على يدها كأنه يخبرها أن كل شيء سيكون على ما يرام ... لكن لا، لا أظن ذلك.


كسر إلمر ذلك الصمت المربك وهو يتقدم برفقتها ليقف امام والديّ ليكونا في مدى بصري تماماً. أخذ نفساً ثم قال مُعرفاً:
" أبي، أمي .. أقدم لكما آللورا تورشيا ، الفتاة التي أرغب أن أتزوجها قريباً"
لم يقل ( بعد موافقتكما ) مما يؤكد أنه قد حسم رأيه. وأن كل هذا لن يمر على خير.


تصاعد الدم إلى وجه والدي وبدأ يتلون بلون شعره الأحمر، كان من الواضح أنه يجاهد كي لا يخرج غضبه إذ تصاعدت أنفاسه وشد على قبضته بينما كادت عيناه تخترقان وجه إلمر دون أن يلقي نظره واحده ناحيه – آللورا -.


بينما بقربه كانت أمي تحدق فيها بطريقه جعلت الفتاة تبدي عدم الراحة، ولو كانت أوليفيا قريبة بما فيه الكفاية لكان موقفها أسوأ فهي أيضاً كانت تحمل نفس الملامح على وجه أمي.


" إلمر فلورنس غرين، أريد حضورك في مكتبي حالاً .. ووحدك! "
هكذا هتف والدي بكل الغضب الذي كتمه ليخرج صوته كزيئر أسد يحاول تحذير خصمه ان المواجهه لن تكون سهله أبداً. ومن ثم إلتفت فوراً وهو يردف:
" فيكتوريا، ويليام خلفي الأن ! "


كلاهما فعل ما طلب منهما ودخل ويليام خلف والدتي ليتبعه أغلب الخدم إلا المسؤولون عن إنزال الحقائب من العربة، وكان أخرهم أوليفيا والتي رمقت إلمر بنظرة خائبه قبل أن تدخل هي الاخرى.


ساد صمت بيننا غير أصوات إنزال الحقائب، كان الوضع مربكاً حقاً فلم أستطع قول أي كلمة. هذه كانت أول مره أسمع فيها والدي يتحدث بمثل هذه النبرة، وأول مره يكون فيها غاضباً على إلمر إبنه الكبير ووريث لقب العائلة.

شعرت أنه ليس من حقي رؤيه وجهه بعدما قاله والدي له لكن في نفس الوقت لم أرغب بالدخول وتركه بعدما حصل فأنا بالتأكيد لا أظن أن إلمر يستحق مثل هذه المعامله. وكما يبدو .. إرنست أيضاً يظن ذلك.


" أوه إلمر، لقد اخبرتك أن هذا لن ينجح بتاتاً "
كسر صوتها الصمت، صوتها الكسير ذو النبرة الرقيقة، نبره كانت إنجليزية مثالية كأنها إبنة هذا البلد. لم أجد بداً من الإلتفات والنظر إليهما.


لأصدم عندما رأيت تلك الملامح على وجه إلمر، كان يبدو وكأنه يكبح نفسه عن البكاء، إحمر وجهه وإنقعد جبينه وقد عضد على شفتيه بما بدى غضباً حبيساً.


ليهز رأسه فور سماعه ما قالته إللورا ويلتفت إليها قائلاً:
" لا تقولي هذا عزيزتي، لم يبدأ أي شيء بعد، اعترف أنني لم أتوقع أن يتصرف هكذا من اللحظة الأولى، لكن أنا متأكد أنه سيقنعـ... "
" إلمر أرجوك، لا أريد أن أرى هذه الملامح مره أخرى على وجهك، لا يجب أن أدخل معك .. سأعود الأنـ..."
" لا يمكنك العودة، لن تعودي وإلا فسأعود معك فأنا لن أستطيع العيش بدونك وأنتِ تعلمين هذا .."
" إلمر... "


كحم .. رغم كون المشهد حزيناً ورغم كون الوضع سيء للغاية؛ إلا أنني لم أستطع سوى كتم إبتسامتي من الظهور ...


إلمر فلورنس غرين ذلك الشاب الجاد وريث العائلة ورجل الأعمال والمحاور البارع والصبي العبقري.. ذلك الإلمر يتحدث بكل هذه الرومانسية مع فتاة ما !!؟


أخيراً وعندما كان من الصعب علي كتمان الضحك قمت بتغطيه وجهي بيدي حتى لا أنفجر به على الأقل. لكن ذلك لم يمنع ان يصل صوت كتماني إليهما وتنقطع لحظتهما المؤثرة تلك.


إلتفتا إلي كما فعل جميع الخدم المتبقين وهم ينظرون إلي نظره خائبه الأمل. بينما فجأة وجد إرنست طريقه إلي ليقوم بلكزي بساعده هامساً بإبتسام:
" توقفي يا غبية "

أبعدت يديّ عن وجهي وأنا أمسح على ساعدي حيث ضربني إرنست بينما همست أيضاً:
" لم أستطع ، مستحيل "
" أعلم لكن الموقف لا يسمح "
كان من الواضح انه أيضاً كان يحارب الضحك من الخروج لكنه كان أنجح مني في ذلك.


" أيمكنكما التوقف عن الضحك "
حولنا بصرنا إلى إلمر الذي كان قد ترك يدي آللورا وإلتفت ناحيتنا ولا يزال وجهه محمراً لكن هذه المره من الخجل.
" أسف أخي، أسفان حقاً لكن.  تعلم... "
لم يكمل وهو ينظر بعيداً، تنهد إلمر ثم مرر يده داخل شعره قائلاً:
" على الأقل لم ترمقاني بنظرة كأنني خيبت ظنكما أو تركتماني وحدي "
كانت نبرته شاكره في النهاية وإبتسامة حزينة زينت وجهه.


إبتسمنا له، ثم قلت وأنا اتخطاه:
" وإذاً .. ألن تعرفني على هذه الفتاة التي جعلت أخينا البارد يذيب ذلك القلب الذي لديه ويستعمله؟"
توقفت أمامها، وياإلهي لقد كانت طويله. انا أصلاً قصيرة بعض الشيء لذلك كان الفرق بيننا كبيراً. عندما رفعت بصري إليها وجدت أنها كانت تبتسم بينما تنظر إلي بنظرة غريبة.


" إذاً انتِ إزابيلا .. "
" أتعرفينني؟ "
" بالتأكيد، لقد حدثني إلمر عنكِ كثيراً، وعن إرنست وإليزابيث وأوليفيا وأليكساندر وماكسمليان. أكاد أقسم أنني اعرف عنكم أكثر ما أعرف عنه هو "
كورت فمي ثم نظرت إلى إلمر حيث رمقته مع إرنست بإبتسامة جانبيه ليقول:
" آللورا هناك أشياء لا يجب أن تقوليها لهذين الإثنين"
" تجاهليه .. ستخبرينني بكل شيء، أريد أن أعرف ما الذي حصل .."


هنا قاطعني إرنست بأن تظاهر بالسعال  كأنه يلمح لما حصل سابقاً مع أوليفيا. لكن أيضاً تجاهلته.
وقبل أن أردف أي شيء أقبل إلمر وفصلني عنها إذ كنت قد أمسك بيدها ليقول:
" ليس الأن بيلا، الوقت غير مناسب "
عاد القلق ليترسم على وجه آللورا لتشد بقبضتها على يده:
" إلمر، أنا جادة إن كان حضوري سيسبب مشكلة مع والدك فسـ.."
" آللورا لقد تحدثنا في هذا من قبل، ولقد كنا نعلم أن علاقتنا هذه لن تمر بدون مشاكل لكن مع ذلك تابعنا، ولن أتقهقر بعد ان وصلنا إلى هنا.
سيكون كل على شيء على ما يرام عزيزتي، لا تقلقي وثقي بي "


لم تنطق بحرف وقد مرر يده على خدها للحظة قبل أن يلتفت ناحيتي وإرنست ويقول:
" أيمكنني أن أتركها برفقتكما؟ "
" بالتأكيد أخي " 

أجابه إرنست فقام بالتربيت على كتفه. ألقى نظره أخرى إلى حبيبته ليقول:
" أنا ذاهب، أراك بعد قليل "
" فليكن الرب برفقتك "


ترك إلمر يدها ثم تخطانا ليدخل إلى منزل العائلة، حيث ينتظره والدي ووالدتي في نقاش يبدو أنه سيطول. لم تخفي آللورا القلق وقد شابكت يديها معاً لأبتسم لها وأقول مشجعه:
" لا تقلقي، سيكون إلمر على ما يرام، بل سيكون كل شيء على ما يرام، أنا متأكدة"
أمسكت بيدها مساندة، ثم دخل ثلاثتنا إلى المنزل.

حقاً لا أظن أن هذه الليلة ستمر على خير.

..........


الانتقال إلى الفصل التالي