رواية الخادمة الفصل 21

 



النهاية


ذكرياتي من زواج أوليفيا مبهمهٌ كثيراً فقد كنتُ في العاشرةِ فقط وقتها.

7

أذكر حماسي أنا وإرنست من أجل إرتداء الثياب المخصصة للمناسبة والذهاب للكنيسةِ من أجل المراسم ثم العودة للمنزلِ من أجل الإحتفال حيث سيكون هناك الكثير من الطعام والحلويات والناس والأصدقاء.
لم يكن الزواج أكثر من هذا بالنسبة لي.

ولم أفكر بمقدار التعبِ والمجهودِ الذي قام به الكبار من أجل إتمامه على أكمل وجه.

أظن أنني الأن أفهم تماماً ما شعروا به.. إذ ومنذ الصباح الباكر إستيقظتُ لأُشرف مع أوليفيا على الترتيبات للحفل الذي سيستضيفه منزلنا هذا اليوم..

1

الطعام الطاولات والدعوات، الزهور التي ستُزيّن المنزل والزهور التي يجب إرسالها لتزيين الكنيسةِ أيضاً قبل بدء المراسم. التأكد من معرفةِ كل الخدم لأعمالهم وما يجب أن يفعلوه في الوقت المناسب. ورغم تقاسُمي العمل مع أوليفيا إلا ولأنني كنتُ الوصيفة الأولى للعروس كان الضغط علي أكبر..

20

وقد اضطررتُ أن أخرجَ أولاً مع والديّ بعد إنتهاء المراسم في الكنيسة لكي اتأكد من أن بيتر ( سائقي ) قد جلب العدد المطلوب من المشروبات الإضافية.
وهذا منعني من أن أحضر لحظة المباركات والتهاني المقدمة عند خروج العروسين من الكنيسة عبر بتلات الزهور التي يرميها الأطفال حولهما وكل تلك الأجواء الرائعة. لكن لا بأس..

4

المهم أن الحفل يسيرُ بشكلٍ مثالي وقد وصل جميع المدعوين إلى حديقة منزلنا الواسعة في مانشيستر مستمتعين بالأجواء الربيعية الجميلة والورود المتفتحة والأزهار التي زينا بها الطاولات والبوابة الخشبية التي تقود للحديقة مما جعل المكان يبدو مثالياً لحفل زواج.

5

كنتُ عائدةً من المطبخ حيث سيتم إخراج أخر دفعة من الطعام لأطلب بعدها من الخادمات أن يأخذن إستراحه ويذهبن للإستمتاع بالأجواء في الخارج، قررتُ بنفسي أنه قد حان وقتي إستمتاعي أنا أيضاً وسرتُ عبر الممر الخالي والذي يقود إلى بوابة جانبية للمنزل تفتح على الحديقة.

على يميني أستطيع رؤية الحفلِ في الخارج عبر النوافذ التي أمرُ بها. إبتسمت بسعادةٍ وراحة فبعد التخطيط لهذا اليوم لأكثر من شهرين أخيراً أستطيع الراحة قليلاً.

1

فجأةً توقفت عن السير عندما فُتح الباب الذي كنت متوجهة إليه ليدخل عبره أخي التوأم إرنست غرين.

4

متألقاً في بذلةٍ كحليةٍ وقميصٍ أبيضَ تحت صدريةٍ بلون البذلة وقفازات بيضاء مع دبوس أحمر زين ياقة بذلته ولقد قام بقص شعره الكثيف قبل يومين فأعطاه ذلك مظهراً أكبر من سنه بقليل، إبتسمتُ لرؤيته كما فعل هو بينما قال:

2

" ها أنتِ ذا بيلا، لقد بحثتُ عنكِ في كل مكان "

" أسفة، لقد كنتُ اتفقد المطبخ "

" لا أفهم كيف يتركون كل هذا العمل لأجمل فتيات الحفل. كأنهم لا يريدون من الناس رؤيتكِ فقط "

12

قهقهت لما قد قال بينما أمسك بيديّ وهو يبعدهما لينظر جيداً إلى شكلي اليوم.

فستانٌ حريري بطبقتين. السفلية منهما بيضاء بالكامل والعلوية كحلية شفافة مطرزة بأشكال زهور خالية أبرزت اللون الأبيض. بينما كان اللون الكحلي يماثل تماماً بذلة إرنست.
وقد زُينتْ ياقة الفستان بعُقدة حمراء ماثلت الحزام الأحمر الذي شد خصري بعقدة كبيرة في الخلف، مع قفازات طويلة غطت ساعدي المكشوفين.

هز إرنست رأسه مؤكد:

" نعم.. بالتأكيد أجمل فتيات الحفل "

12

قالها وهو يعيد خصلة من شعري الذي تم رفعه عالياً بقصة فرنسية سمحت القبعة الصغيرة على رأسي بإبرازها.. إبتسمت سعيدة بمجاملته فهو أول من يعلق عن شكلي اليوم:

" شكراً لك سيد إرنست أنتَ أيضاً تبدو جذاباً، لابد أن الفتيات مجنونات بكَ فعلا ً"

8

حان دوره ليضحك وهو يعلق:

" نعم صحيح. للأسف ليس لدي وسيلة لاتأكد فأنا بالكاد وجدتُ وقتاً للبحث عنكِ ولم أستطيع طلب أحداهن للرقص معي بعد "

" ممم بالطبع لابد أن يواجه وريثُ لقبِ الآيرل وقتاً صعباً في أول حفل لعائلته. لا بأس أعدكَ أن أساعدك وأن ترقص مع بعض الفتيات اليوم "

4

" سيكون ذلك جيداً فوالدتي أصرت أن أبحث اليوم عن مرشحةٍ للزواج ولا أريد أن اتورط مع أي كان "

17

لم يكن سعيداً وهو يخبرني بذلك، لأنظر إليه ملياً ثم أمسك بساعده وألفه لنعود عبر الباب الذي دخل عبره لنخرج إلى الحديقة. قلت:

" يجب أن تعتاد على ذلك فأنتَ بديل إلمر أخي الحبيب "

" للأسف "

" كيف هو الحفل حتى الأن؟ "

سألته ونحن نتوجه إلى الحديقة الخلفية حيث تجمع الناس حول الطاولات والكل يحمل كوب شراب في يده بينما يُحدّثُ من معه أو يأخذَ بيد رفيقته إلى دائرة الرقص في منتصف الحديقة حيث تمركزت الفرقة الموسيقية في منصةٍ عاليةٍ بعض الشيء وهي تعزف ألحان مبهجة ومفرحة.

" إنه رائع للغاية الكل يتحدث عن جمال المكان والحفل وبعضهم تحدث عن أنه سيزور مانشيستر أكثر في الربيع لأن الجو أعجبه "

" نعم بالتأكيد لقد أحسنا الإختيار عندما إقترحنا إقامة الحفل في الربيع بدلاً عن الصيف كما إقترح هاري "

19

علقت ليوافقني قائلاً:

" هذا صحيح.. هاري هو الأخر يبدو سعيداً للغاية.
لقد رقص مع إليزابيث كثيراً ولم يفلت يدها ولو للحظة "

15

ضحكت فوراً وأنا اتخيل مقدار سعادته خاصةً عندما أتذكر منظره عندما كان واقفاً قرب القس في الكنيسة بإنتظار دخول إليزابيث.
كان يبدو كطفلٍ بإنتظار أن تُقَدمَ له حلواه المفضلة.. إبتسامةٌ كبيرة ملأت وجهه ولتتسع أكثر عندما دخلت إليزابيث عبر الممر برفقة أبي.

62

ستظل تلك اللحظة عالقه في ذاكرتي لوقتٍ طويل. وسيظل حب هاري لـ إليزابيث مثالاً أتحدث عنه لوقتٍ طويلٍ أيضاً.

4

توقفتُ برفقة إرنست لنحي بعض أصدقاء والدي ونرحب بهم ثم سرنا في المكان مرحبين بالضيوف الذي أتو من كل مكان لحضور حفل زفاف الإبنة الثانية للعائلة إليزابيث جاين غرين من الضابط أول بحري هاري ويليام ماكينزي.

23

مررنا في سيرنا بالكثير من الأشخاص وكنا سعداء حقاً برؤية أغلب من تعرفنا عليهم الصيف الماضي في منزل الماركيز بلاك وود في الحفل.

1

عائلة الآيرل هاورد والآيرل باكنتوم كانتا من المتواجدين وإلتقيتُ بجوزفين ونورا ولورا والتي لم تستطع منع الحبور من أن يملأ ملامحها عندما رأت إرنست معي.
وكما العادة لم ينتبه إرنست لأي من تلك المشاعر وهو يُحدّثُها برقيه المعتاد كما فعل مع نورا وجوزفين... سيكون علي التحدث معه في وقتٍ ما.
أيضاً جاء كل من جورجيا وخطيبها هنري ليلبوا دعوتنا.

12

السيد والانس واتسون ووالده المفتش العام لسكوتلنديار كانا من أبرز المتواجدين. وبالتأكيد صديقتي العزيزة كلوديا واتسون كانت موجودة.

10

ولم تفتني ملاحظة الإبتسامةُ الصادقة التي منحها لها إرنست بينما كانت كلوديا تنظر إليه ببعض إعجاب، لم تكن مثل نظرات لورا، لكن بما فيه الكفاية لتكون نظراتٍ مميزة... أظن أن حديثنا اللاحق سيطول كثيراً.

43

مررنا أيضاً بالكثير من أصدقاء إرنست من الكلية وقام إرنست بإختصارهم جميعاً عندما حاولوا جر حديثٍ معي وذهب بي سريعاً بعيداً عنهم. لأنفجر ضحكاً على إصراره من أن لا أخوض في حديثٍ معهم.

16

وأثناء جولتنا تمنيت لو أن ماري هاريسون صديقتي المقربة كانت موجودة معنا فوجودها كان سيجعل الحفل ممتعاً أكثر. لكنها في شهورها الأخيرة من الحمل وما كانت لتأتي مع بطنها الكبير ذاك.

3

ومع إقترابنا من المكان المخصص للعروسين بدأ أفراد عائلتنا بالظهور.

إتسعت عيناي ووإرنست عندما وجدنا أليكس وماكس كل منهما يُراقصُ فتاةً في مثل سنه من بنات المدعوين. ولم يبدو عليهما الإهتمام لإندهاشنا عندما مررنا بهم بل تابعا الرقص كشابين نبيلين يهمهما إسعاد مرافقتيهما دون الإلتفات لمن هم حولهم.

56

علقتُ من فوري لإرنست هامسة:

" وأنتَ لم تجد من تُراقصكَ حتى الأن؟ "

13

" إزابيلا، إصمتي رجاءً "

3

بإستياء أجاب. حاولتُ التحكم بضحكي عندما قابلنا في طريقنا وسط المدوعين أوليفيا وزوجها أرثر وقد كانا يرقصان سوياً.
توقف أرثر عن الرقصة وإلتفت ليحيني بينما يُقبل يدي فنحن لم نلتقي اليوم. ثم طلب مني أن أراقصه في وقتٍ لاحق. تذمرت أوليفيا وهي تكتف يديها فهو يدعو أخرى بينما زوجته لم تكمل رقصتها حتى! ليعود فوراً لمراقصتها وهو يمطرها ببعض كلمات الغزل حتى يراضيها.

11

مبتسمةً علقتُ مرة أخرى لإرنست:

" لاحظتُ أن أغلب من يراقصونني هم أفراد عائلة! "

" أحقاً أنتِ متاكدة من هذه الإحصائية أختي؟ "

6

" .. أوه أنظر ها هما العروسان المستقبليان "

قال بخبث فقلتها متجاهلة سؤاله عندما أخيراً مررنا بإلمر وخطيبته آللنور تورشيا.

14

كانا يجلسان على طاولة هادئة وحدهما بعيداً عن ضجة الحفل وحديثٌ هامسٌ كما العادة بينهما.

2

رسم إلمر الإمتعاض لرؤيتي بينما رسمت آللنور الإبتسامة.
بالتأكيد.. فكلما أتيت توقفت آللنور عن الحديث معه لتحادثني أنا مما يجعل الغَيّرة تنفجر داخل أخي بسبب الصداقة القوية التي جمعتنا طوال الأشهر الماضية.

نهضت آللنور وهي تقول بينما تلقي نظرة علي:

" تبدين فاتنة حقاً إزابيل "

" ليس أكثر منكِ آللنور. الان علمت لماذا لم أركِ كثيراً في الحفل لابد أن إلمر لم يترك تذهبين خطوتين بعيداً عنه ابداً "

" كحم .. "

15

قالها إلمر بإنزعاج وهو يقف مقترباً من إرنست لتقهقه آللنورا وهي تقول بينما تمسد تنورة ثوبها الوردي الداكن المنساب بعناية:

" تقريباً يمكنك قول ذلك "

إبتسمتُ بسعادةٍ وأنا أرى إلمر يتذمر لها أنه لم يفعل ذلك وهي تُصِّرُ على أنه فعلها.

الأن وعندما أتذكرُ كلما مر به هذان الإثنان أشعر به قد كان قبل سنواتٍ عديدة وليس قبل خمسة أشهر فقط.

15

لقد إستغرقهما الأمر وقتاً طويلاً لكي يصلا إلى هذه المرحلةِ من السعادة.
إذ إستمر والدي على رفضه لعلاقتهما ولم يوافق موافقةً تامة عليها رغم تخلي إلمر عن اللقب والذي كان سبب استمراره في رفضه. إذ وكما قالت أوليفيا جُرح والدي لتخلي إلمر عنه.

لم يتوقع أنه سيصل إلى تلك المرحلة بسبب مشاعره واستغرقه الأمر طويلاً حتى يتنازل ويعترف بهما قبل شهرٍ فقط بعد أن حازت آللنور على جائزة تكريمية من إحدى الجمعيات على النجاح الباهر الذي حققته روايتها الأخيرة ( عندما كنتُ معهم ).

حصولها على الجائزة ونجاحاتها الباهرة في مجالات عدة والشجاعة التي اكتسبتها بعد أن اكتسبت والدها في صفها جعلا أبي يلين قليلاً ويوافق.
خاصةً أن إرنست ورغم تذمره لتحول عبء اللقب إليه إلا أنه وكما اعتدتُ منه ركز كل مجهوداته لكي يثبت جدارته وأنه ليس أقل شأناً من إلمر... وقد كان ذلك.

9

أما بالنسبة لوالدتي وأوليفيا فقد كان تقبلهما لـ آللنور سريعاً وسهلاً فقد إستطاعت أن تجعلهما يحبانها في الفترةِ التي قضتها في منزلنا الشتاء المنصرم حينما عدنا لقضاء العطلة سوياً.

5

حازت آللنور على الكثير من الثقة في نفسها بعد أن تم تسوية كل الامور مع عائلة ماركلين. إذ تحسنت علاقتها مع شقيقاتها بمساعدة الدوق وليديا.

2

وقبل إنتهاء عطلة الشتاء بقليل جاء الدوق ماركلين إلى منزلنا واصطحب آللنور معه في رحلةٍ مهمة.
ذهبا إلى سكوتلندا رغم الشتاء القارس ليقابلا مادهوري.

5

أراد الدوق أن يراها، يتحدث معها، ويعتذر إليها عن كل ما حصل.
بعد عودتهما من تلك الرحلة لاحظتُ تغيراً في علاقتهما.. لقد أصبحت أقوى مما سبق.

كان كل ذلك بينما لا تزال زوجته الدوقة أماندا تعيش وحدها في المنزل الشتوي غاضبةً على زوجها.
وقد ظن الكثيرون أن نهاية علاقتهما قد إقتربت.

خاصة وأن السيد ماركلين لم يقم بأي خطوة لإصلاح الخلاف بينهما لوقتٍ طويل.

لكن وبعدما عاد من رحلته مع آللنور تغيرت كل التوقعات. إذ سافر بنفسه إلى حيث زوجته وبقي هناك يحاول إسترضائها إلى أن نجح في إعادتها إلى المنزل بعد ثلاثة أسابيع من المحاولة معها.

7

أخبرتني آللنور أنها شعرت وكأن والدها قد تغير بعد عودتهما من زيارة أمها.
كأن حملاً ثقيلاً إنزاح عن كتفيه وساعده ذلك على النظر لعائلته الحالية بنظرةٍ مختلفة.

على مضض قامت الدوقة أماندا بتسوية خلافها مع آللنور أيضاً بحضور الدوق وبناتها اللاتي أصبحت أقصى أمنياتهن وقتها أن تعود أمهن وعائلتهن إلى سابق عهدها.

كلا لم تصيرا صديقتين مقربتين ولا تزال ترمقُ آللنور بغيظ عندما تراها لكنها على الأقل تسمح لها بالدخول إلى منزلهم والبقاء مع شقيقاتها وقتما تشاء.

5

المهم أن حياة آللنور بدأت تتغير شيئاً فشيئاً وأصبح تقبلها في المجتمع أمراً مقبولاً بعد نجاحاتها السريعة.
لهذا لم يستغرب أحد عندما أعلن إلمر خطبته منها في احدى الحفلات التي أقيمت على شرفها في منزل الدوقة جونسون.

1

إلمر هو الأخر تغيرت حياته قليلاً بعد تخليه عن اللقب. إذ غيرَ مجال عمله ودخلَ مع أرثر والماركيز بلاك وود في عمل مشترك بدأ إتفاقهم عليه في ذلك اليوم الخريفي عندما إلتقوا سوياً لأول مرة.

4

وبسبب هذا إنتقل للعيش في لندن ليستطيع مباشرة عمله بسهولة من هناك.. وبالتأكيد هناك أسباب أخرى سأترك معرفتها لمخيلتكم.

20

" بالمناسبة آللنور، هل وصل والدكِ وليديا بعد؟ "

سألتها وقد تذكرت أمرهم لتقطع حديثها مع إلمر وتجيبني:

" نعم لقد وصلوا قبل نصف ساعة تقريباً وهم الأن يقومون بجولة حول المكان... "

ثم أضافت وهي تقترب مني هامسةً:

" ولقد جاءت السيدة أماندا أيضاً "

إتسعت عيناي بينما قلت:

" حقاً؟ لم أتوقع أن تتنازل أخيراً وترضى أن تصالحنا"

" أنا أيضاً لم أتوقع ذلك. ولقد ذهبت لتتحدث مع السيدة فيكتوريا فور مجئيها "

" لابد أن والدتي ستكون سعيدة حقاً "

أضفتُ لإلمر:

" لماذا لستَ مع والد زوجتك المستقبلية؟ ليس من اللائق تركه وحيداً بينما هو في منزلك "

" كنت أود مرافقته لكن أبي رفض وأخذه بنفسه "

ضحكت مع إرنست وقد علق قائلاً:

" لا يزال والدي عنيداً ويرفض الثقة بك "

" نعم "

بألم قالها إلمر ليربت إرنست على كتفه قائلاً:

" لا تقلق سينسى ويعود لسابق عهده معك بمرور الوقت "

3

" أرجو ذلك أخي "

وبينما نتحدث تغيرت المعزوفة التي كانت تُعزف فهتفت آللنور وقد ميزتها:

" أليس هذه التي كنا نرقص عليها ذلك اليوم إزابيل؟"

2

" نعم إنها هي "

تدخل إلمر: " أتعرفين رقصتها آللنور؟ "

1

" نعم لقد تعلمتها من إزابيل وكلوديا.. لنذهب ونرقص سوياً عليها إلمر. أرجوك!! "

" كما تريدين حبيبتي "

ثم وبدون قول كلمة أخرى لنا أمسكَ بيدها وقادها إلى تلك الدائرة الكبيرة حيث تجمع الكثير من الأزواج لكي يرقصوا سوياً محاطين ببقية الضيوف الذين يصفقون مستمتعين.

" هل ترغبين في الرقص قليلاً بيلا؟ "

9

همهمتُ مفكرةً وأجبت إرنست بينما أهز رأسي:

" لا أظن أنها فكرة جيدة أن تكون أول فتاة ترقص معها هي أختك إرنست. لقد أصبحت الوريث والكثير من الانظار عليك الأن.. لهذا من الأفضل أن نرقص لاحقاً بعد أن تراقص بضعه فتيات "

تذمر وقال وينحني برأسه قليلاً:

" لكن ليس هناك من أرغب بالرقص معهن. ولا أريد أن أترك أي فكرة لدى إحداهن عندما أطلب منها "

وضعتُ يداً فوق الأخرى لأفكر له في حل ثم وفجأة تذكرت أمراً.

هتفت مبتسمة بسعادة:

" في الحقيقة هناك من تناسبك.. بل إثنتان! "

13

رفع إرنست حاجباً وسأل:

" فتاتان تظنين أنهما مناسبتان لي؟ "

" نعم.. أنساني إلمر وآللنور أمرهما قليلاً ..
أنت تعلم من هي لورا باكنتوم أليس كذلك؟ "

" بالتأكيد لقد قابلناها قبل قليل، لماذا؟ "

سأل بكل براءة فقلت هازئه:

" كما هو متوقع من أخي الغبي عاطفياً. بالطبع لم تلاحظ النظرات والإشارات التي ترسلها لك. إنها مهتمة بكَ أخي.. منذ الصيف الماضي "

8

إرتفع حاجباه وتوسعت عيناه ثم لوهلة بدا وكأنه يتذكر في أمرٍ ما ليبدأ فجأة وجهه بالإحمرار وسط مراقبتي له. أبعد عيناه عني ولم يعرف ماذا يقول!

3

لأضحك وأضيف ببعض خبث قبل أن يتحدث:

" وهناك أيضاً كلوديا واتسون "

لم أقل المزيد وقد لاحظت تغير ملامحه وهو يقول ببعض جدية:

" آه نعم كلوديا "

" هممم ردة فعلٍ مريبة. لا أزال متأكدة أن هناك شيئاً ما بينكما يا إرنست غرين"

8

قلب عينيه وقد أخرج نفساً كأنه تَعِب مني، ثم عاود إدخال يدي عبر ساعده لنتحرك وقال:

2

" ليس هناك أي شيء بيننا للمرة الألف "

2

" وكأنني سأصدق ذلك عزيزي.. المهم لديك فتاتان ستكونان سعيدتين للرقص معك وأنا أضمنهما لك. وإن أردت يوماً أن تحب إحداهما فسأشجعك إرنست "

3

نظر إلي لوهلة مُدققاً كأن شيئاً يشغلُ باله. فرفعتُ حاجباً منتظرة ما يريد قوله.

تحدث فجأة وبنبرة هادئة:

" فجأةً سيتزوج أحدنا، بل كلانا. وبعدها لن نستطيع قضاء وقت كهذا مجدداً. نسيرُ يداً بيد في حديقة المنزل بينما نتحدث عن كل شيء وأي شيء "

19

فاجأني قوله لكنني وافقته بسرعه وأنا أقول:

" في مثل هذا الوقت من السنة الماضية ما كنتُ لأفكر في شيء كهذا أبداً.
لكن وبعد أن أصبح زواج إليزابيث وخطوبة إلمر واقعاً وحان وقت إفتراقهما عنا بدأتُ أتيقن أن وقتنا قد إقترب ايضاً.. "

16

ساد صمتٌ بيننا بعدها وتابعنا جولتنا لنمر بأبي أوسكار وأمي فيكتوريا.
برفقتهما كان الدوق ماركلين وزوجته أماندا وبعض النبلاء الأخرين.

قمنا بتحيتهم وقد عرّف والدي ضيوفه بإرنست وتبادلوا حديثاً جاداً جعل إرنست يدخل في نمط وريث اللقب.
بدأتُ في بعض الأحيان لا أستطيع تمييز توأمي الذي عرفته لواحد وعشرين سنة.

2

تركناهم وقد خضتُ قبل ذهابنا حديثاً مع الدوقة أماندا وتأكدت أنها قد سامحتني وقد عرضت علي أمام والدتي المجئ مرة أخرى إلى إحدى حفلاتها بعد إنتهاء عطلة الربيع.

9

أخبرتُ إرنست عن ذلك بينما قادتنا جولتنا أخيراً إلى حيث ذهب العروسان قبل قليل ليأخذا إستراحةً بعيداً عن الضيوف.

1

كان الجميع على أي حال مشغولين بالرقصة الجديدة حيث كانوا يراقبون من يرقصون وهم يصفقون متماشين مع اللحن المبهج والرقصة التي تتطلب الكثير من الحركة وتبادل الأماكن مع الراقصين الاخرين.

11

جلس هاري الذي إرتدى لعُرسه بذلته العسكرية البيضاء بأزارها الكثيرة والتي تبين رتبته العالية في البحرية وكل تلك الخيوط الذهبية والخطوط الحمراء على الساعدين. وقبعته التي أكملت زيه. ورغم تواجد الكثير من رفاقه من البحرية إلا أنه كان أبرزهم بشخصيته المرحة والتي أعطت الحفل طعماً أخر.

9

بقربه جلست إليزابيث بثوبها الأبيض المنساب بقماش من الدانتيل الرمادي زين صدر الفستان وزراعيها لينتهي مع قفازاتها البيضاء الحريرية.
وقد تدلى وشاحها الحريري من خلفها والذي غطى تسريحتها بتاج من الزهور الربيعية.

10

كانا مثاليين للغاية معاً وكانت السعادة مرسومة على وجه هاري الذي بدا وكأنه حاز على ترقية كبيرة.

تبادلتُ النظرات مع إرنست وكلانا فكر أنه ليس علينا إزعاجهما وفكرنا بالعودة إلا أن إليزابيث رأتنا ونهضت على الفور

متوجهة ناحيتنا.

قررنا العودة إليها مبتسمين لتختفي إبتساماتنا فوراً عندما أصبحت الملامح الحزينة المرتسمة على وجهها واضحةً لنا.

5

وما إن وصلت إلينا وقبل أن اسأل عن سبب حزنها حتى أدخلتني في عناق كبير.!

2

إملأت الدهشة وجهي وإرنست فلم نتوقع منها هذا. كما شعرت وأنا أربت على كتفها بإرتجاف جسدها وشهقاتها المكتومة الداله على كتمها لبكائها حتى لا تفسد زينتها. قلت من فوق كتفها بتحذيرٍ وأنا أرى هاري يقف أمامنا هو الأخر:

7

" هاري ماكينزي.. ما الذي فعلته لأختي! أنتما لم تصبحا زوجين لأكثر من ساعتين وجعلتها تبكي فوراً!! "

1

بسرعة إعترض هاري:

" هاي هاي لا تقفزي لهذه الإستنتاجات المتسرعة أخت زوجتي. أنا لم أجعلها تبكي "

58

إبتعدت عني إليزابيث وهو تؤكد:

" هذا صحيح هاري لم يفعل شيئاً . أنا لا أبكي بسببه"

" وإذاً لماذا تبكين إليزابيث؟ "

1

سأل إرنست بقلق وهو يقترب منا لتقوم إليزابيث وبدلاً عن اجابته بإحتضانه هو الأخر ولم يخفي دهشته.

هنا تدخل هاري قائلاً بتذمر وهو يضع يداً فوق الأخرى:

" هل تعلمان أنني حتى الأن لم أحظى بعناقٍ واحد منها ... وهي زوجتي أنا ! "

16

بخجل إبتعت إليزابيث فوراً عن إرنست بينما ضحكتُ قائلة:

" هي زوجتك من ساعتين. وأختنا منذ واحدٍ وعشرين سنة. لا تتدخل بيننا زوج أختي "

39

رمقني بغيظ فمددتُ لساني له. هشنا إرنست بيده قائلاً:

" هل يمكنكما التوقف قليلاً لنعرف سبب بكاء عروسِ اليوم؟ "

1

" هذا صحيح ما الأمر إليزابيث؟ "

هزت رأسه وهي تبتسم بفشل وتقول:

" الأمر ليس مهماً حقاً. فلا تقلقا "

" بالتأكيد هو مهم. أن تحزني هكذا في يوم زفافك الذي إنتظرته منذ الأزل! "

علق إرنست فمطت شفتيها مغتاظة لكنها سرعان ما قالت:

" هو ليس مهماً بالفعل، كلما في الأمر أنني... إنتبهت للتو أننا سننتقل للعيش بعيداً وهذا يعني أنني لن أراكم بعد الأن إلا في أوقات بعيدة "

2

أخيراً بدا الفهم علينا وتبادلت مع إرنست النظرات لوهلة فهذا ما كنا نتحدث عنه قبل قليل.

4

قال هاري:

" أخبرتها أن لا تقلق. وأنها يمكنها القدوم للزيارة عندما أذهب لقضاء تدريباتي في قواعد بعيدة لكنها مع ذلك لا تزال حزينة "

" الأمر ليس كذلك هاري.. إن فراق والديّ وإخوتي صعب حقاً.. لقد عشتُ وسطهم لخمس وعشرين سنة والأن سأذهب للعيش وحدي بعيداً عنهم "

3

ربت على كتفها وهو يقول:

" لا بأس عزيزتي أنتِ لن تفترقي عنهم للأبد "

" نعم إليزابيث.. ليس وكأنك ستسافرين إلى بلد أخر. كلها ساعتين ونصف إلى منزلك الجديد.. وإن إشتقتي إلي فقط أرسلي رسالة وسأتي إليك فوراً "

6

قلت لها وأنا امسك بيدها. لتسأل بشك:

" هل حقاً ستفعلين هذا؟ "

" بالتأكيد.. أنظري هذه ماري تعيش بعيداً أيضاً ومع ذلك لا أزال أزورها كلما سنحت لي الفرصة. فلم لا أفعل ذلك معك وأنتِ أختي! "

إبتسمت إليزابيث بإتساع وهزت رأسها موافقة. بينما قال إرنست:

" وبما أن أوليفيا وعائلتها سينتقلون قريباً للعيش في لندن فهذا جعلنا نفكر في تخصيص وقتٍ كل فترة لكي تجتمع العائلة هنا في المنزل الكبير وستستطيعين مقابلتنا كلنا حينها "

2

نظرت إليزابيث إلى هاري كأنها تأخذ رأيه، ليهز رأسه قائلاً:

" سنأتي بالتأكيد "

1

" شكراً لك عزيزي .. "

بالكثير من الحبور قالت، ثم ومرةً أخرى قامت إليزابيث بإحتضاننا لكن بسعادة هذه المرة.

تغير اللحن المعزوف مجدداً وإقتربت إحدى صديقات إليزابيث لتطلب منها وهاري أن ياتيا ليرقصا مع هذه المعزوفة. ليأخذ هاري بيدها ويذهبا معاً إلى حيث الضيوف.

1

إلتفت إرنست ناحيتي وقال متسائلاً:

" ما رأيك أن نذهب نحن أيضاً؟ "

" نعم لنذهب. فلا يزال عليكَ المشاركة في الرقص. وهذا سيمهد لك التعرف أكثر على رفيقتيك ولتستطيع الإختيار بينهما "

عقد حاجبيه متذمراً:

" أنتِ لن تتركي هذا الموضوع جانباً أبداً أليس ذلك؟"

4

" بتاتاً.. سأكون ورائك إلى أن تتزوج إحداهما "

إبتلع غصةً في حلقه لكن وفجأة تغيرت ملامحه وهو ينظر لشيء ما خلفي.
ليبتسم ويعاود النظر إلي:

" أظن أنني سأعود وحدي بعد كل شيء "

20

" ممم؟ لماذا؟ "

سألت ثم نظرت إلى خلفي حيث نظر قبل قليل.. ولأعرف السبب فوراً.

إرتسمت إبتسامة صغيرة على وجهي وأنا أرى الرجل الأول للعريس يقترب منا.

53

قال له إرنست:

" هل أنهيت عملك في الكنيسة؟ لقد تأخرت! "

أجابه الماركيز أغسطس بلاك وود وهو يتوقف قريباً منا:

2

" نعم. لقد أنهيت كل المطلوب لكن إتضح أن القس هناك كان أحد معارف والدي لذلك قضيتُ بعض الوقت في الحديث معه "

كان اللورد يتحدث عن أحد تقاليد الزفاف حيث يكون والدا العروس أول من يخرج من الكنيسة للعودةِ وتجهيز المكان لمجئ الضيوف والرجل الأول للعريس يكون أخر من يخرج منها بعد أن ينهي الإلتزامات مع الكنيسة التي قامت بإجراءات الزواج والإشراف على إعادة المكان إلى سابق عهده قبل تزيينه.

2

" إنه هذا مؤسف لقد فاتك الكثير من الحفل "

" لا بأس لا يزال هناك الكثير لأحضره "

قالها وهو ينظر ناحيتي وقد بدا من الواضح أنه يريد إنهاء الحديث مع إرنست.
فهمه أخي وقال وهو يلفتني ناحيته:

" بيلا سأذهب قبلك. ولا تظني أنني نسيت عن رقصتنا "

" لا تقلق لن أنسى "

قبلني على جبيني ثم ذهب ناحيه التجمع حيث الضيوف. راقبته وهو يسير مبتعداً ولم يفتني أن اللورد لم يبعد عينيه عني. لأقوم أخيراً بالنظر إليه وأقول بينما اخفي إبتسامتي:

" هل من أمر ما أيها اللورد؟ "

" لا شيء أنسة إزابيل.. فقط أردتُ القول أنكِ تبدين جميلة للغاية "

6

لم أفلح أكثر من ذلك في إخفاء إبتسامتي فتوسعت وإحمر وجهي. ليقول بإعتراض:

" ألن تقولي أنني أبدو وسيماً؟ "

19

رفعت حاجباً بينما أنظر إليه في بذلته السوداء والتي يصل طولها إلى ركبته بقميصٍ ناصع البياض وربطة عنق حمراء قانية. وهززت رأسي قائلة:

" لا تطلب الكثير أيها اللورد "

ضحكَ اللورد أغسطس لترتبك خفقاتُ النابضِ على يساري والذي لا يزالُ حتى الأن وبعد سبعة أشهرٍ من أول لقاء لنا لم يزل لم يَعتَدّ بعد على رؤيةِ هذه الضحكة الساحرة.

" حسناً لا أظن أن الرقص معي طلبٌ كثيرٌ أيضاً.. ؟ "

2

سأل وهو يمد يده لي لأضع يدي فيها وأقول:

" إنه طلبٌ أستطيع تنفيذه "

لم يأخذني إلى حيث الضيوف بل بدأنا الرقص في مكاننا بعيداً عنهم وبالقرب من شجرة مزهرة.

5

كانت رقصة هادئة لم يقل خلالها أحدنا شيئاً مستَمتِعين برفقةِ بعضنا فقط.

خلال الأشهر الماضية تعمقت علاقتي باللورد أغسطس، إذ تمت دعوتي إلى منزله بضعة مراتٍ أخرى برفقة إرنست وكلما زار إلمر لندن. لتجمع بيننا أحاديث ممتعة عن كل الكتب التي قرأناها ومواضيع حقوق النساء التي تهمني والكثير غيرها.
استطاع جعلي اشعر بالراحة أثناء تواجدي معه و أن ابدأ شيئاً فشيئاً بوضع الكثير من الحواجر التي كانت بيننا جانباً.

كما تعمقت علاقته بإرنست أكثر وقد صار كلاهما من أصحاب الألقاب.
وعندما لا أكون معهما يذهبان سوياً لحضور إجتماعات ومقابلة شخصيات مهمة وغيرها من تلك الأمور.

ليس إرنست وحده بل حتى آللنور وقد صار اللورد أغسطس الشخص الذي اكتشفها وقدمها للعالم وسبباً مهماً لنجاحاتها.

1

كان ذلك عندما كنا في لندن لكن وبعد العودة للمنزل كنا نتبادل الرسائل فقط. مرةً في الإسبوع كنتُ أرسل له واستقبل منه رسالةً أيضاً.

كسرت الهدوء بيننا وقد سألته أثناء الرقصة:

" أين هو بيتر؟ توقعت أن أراه برفقتك "

" نعم كان معي أغلب الوقت ولقد ساعدني في مهمتي تلك لكن وما إن وصلنا إلى هنا حتى استأذنني ليقضي وقته وحده "

بإبتسامة جانبية قلت:

" تقصد يقضيه مع آنّا.. "

15

ضحك وأجاب: " نعم.. تماماً "

1

إبتسمت وقد وضعت تذكيراً لاسألها لاحقاً ما الذي حصل.
فلقد أخبرتني قبل اسبوع بعد أن وصلتها رسالة من بيتر قُبَيِل وصولهم إلى مانشيستر بيومين أنه أخبرها عن رغبته بلقاءِ والدها عند مجئيه من أجل الزفاف.

وأظن أنهما سيذهبان إلى هناك فور إنتهاء الحفل عصر هذا اليوم. لا أدري ماذا يمكن أن يحصل عندما يلتقي بيتر بأهلها. لكنني أتمنى أن يسير كل شيء على ما يرام.

2

فهما رائعان حقاً ويستحقان بعض السعادة.

" بالمناسبة أيها اللورد، هناك ما أردتُ سؤالك عنه "

1

همهم منتظراً سؤالي وقد بدأت المعزوفة تعلو مرة أخرى فبدأت خطواتنا بالإسراع:

" ما خططكَ هذا الصيف؟ هل ستقوم مجدداً بدعوة الناس إلى برمنغهام؟ "

كان هذا الأمر يشغل بالي منذ فترة عندما تنبهت أنه سيذهب لقضاء الصيف كما إعتاد دائماً هناك.
وفكرتُ أنه ربما لن يحبذ فكرة دعوة ضيوف هذه المرة بعدما حصل الصيف الماضي. وإن لم يقم بدعوة أحد فهذا يعني أنه ربما لن ألتقيه لوقت طويل!!

2

همهم مجدداً والإبتسامة لم تزل من وجهه وقد رفع عينيه بعيداً كأنه يفكر.
ثم عاد ونظر إلي وقد إبتعد قليلاً وهو يرفع يسراي بيمناه ويديرها لأدور في مكاني على حسب إيقاع المعزوفة ثم أتوقف. ليخطو خطوة عائداً إليّ ونتابع الرقصة بينما أجاب:

" كلا.. لن أدعو أحداً... بل في الحقيقة لن أذهب إلى برمنغهام هذا العام "

" حقاً!!.. لكن.. لماذا؟ "

أبديت الإستنكار على ملامحي فأنا لم أتوقع أن يكسر هذا التقليد ابداً. ليجيب وقد بهُتت إبتسامته قليلاً:

" لأني لم أتخطى بعد كون أخي الوحيد أصبح مجرماً سيقضي عمراً طويلاً خلف القضبان، ولأن ذلك المنزل كان دائماً مكاناً تجتمع فيه العائلة سوياً.. لهذا.. لا أظن أنني أستطيع الذهاب إلى هناك بعد بدونه "

11

تكور فمي وقد فهمته وتنبهت لهذه الحقيقة.
قلت وأنا أهز رأسي:

" هذا صحيح.. لا بأس إذاً "

" وأيضاً.. "

أضاف فنظرتُ إليه منتظرةً تكمله كلامه.
عادت إبتسامته لتنير وهو يكمل:

" أيضاً أفكر في تجديد المنزل الصيفي. أظن أن الوقت قد حان لصنع بعض التغيير فربما هذا ما سيساعدني على المضي قُدماً من أحداث كثيرة ماضية لازلتُ أجد نفسي أسيراً لها.
وهذا سيستغرق وقتاً ولا أظنه سينتهي قبل بداية الصيف "

" أوه هذه فكرة جيدة حقاً.. "

" نعم لكنها متعبه. إذ يفترض أيضاً أن أقوم بتعيين مجموعة جديدة من الخدم ليتولوا أمر العناية به في غيابي. "

2

" آه نعم نسيت أمر الخدم " قلتها متفهمهً. ثم أضفت بسرعة: " لكن هذه المرة معك بيتر وهو شخص موثوق ومسؤول ويمكنه تولي بعض الأمور عنك "

" هذا صحيح.. بالفعل هو كذلك. أحياناً كثيرة أفكر أنني محظوظ لوجوده معي."

إبتسمت لصراحته التي لم يشعر أنها تُنقِص من مكانته شيئاً وهو ينطق بها. ثم عدتُ لأنتبه في الرقصة..
كنت سأغرق في أفكاري في ظل الهدوء الذي ساد بيننا لكن أبى اللورد إلا أن يكسره هو هذه المرة قائلاً بينما ينظر ناحيه المكان حيث تجمع الضيوف المرحين وهم يتبادلون أطراف الحديث:

2

" إن حفل اليوم جميل للغاية ويثير الكثير من المشاعر "

4

" حقاً؟ شكراً لك كلمتك تعني الكثير "

بإبتسامةً شاكرة قلت ليردف حينها ببعض جديه:

" ولقد جعلني أفكر... متى سيأتي وقتٌ نكون فيه في مكان هاري وإليزابيث؟ "

41

هنا توقفت عن الرقص وتوقف هو أيضاً.

عاد الصمت بيننا لكن لسبب أخر تماماً وكِلانا ينظر للأخر.

الكثير من الجدية على وجهه بينما غمرتني الدهشةُ وحمرةُ الخجلِ تملأ وجهي.

1

نعم.. لا أزال لم أعطيه موافقتي على طلب الزواج ذاك، وهو لم يقم بإعادته أصلاً حتى أغير من إجابتي..
ولم أتوقع أبداً أن يقوم بذلك، فهو يعلم أنني أعطي أولوية لإكمال دراستي ولا يزال لدي أكثر من نصف سنة لذلك.

لهذا دهشت الآن. أبعدت نظري عنه وقلت بالكثير من الإرتباك بهمس:

" ألم نقل لا تطلب الكثير أيها اللورد؟ "

34

اطلق اللورد تنهيدة متعبة وأبعد يديه عني بينما قال:

" توقعتُ ذلك "

إنعصر قلبي على نفسه وقد شعرت بالبرودة في جسدي بعد إبعاده يديه عني.
بعض الذنب غمرني وأنا أتذكر كلام ماري لي في أخر مرة زرتها.

4

كانت تحدثني أن الرجل ومهما كان يهيم بالفتاة حباً إلا أنه لن ينتظرها للأبد. خاصةً وإن كان شخصاً في مكانه اللورد أغسطس الإجتماعية.

4

أفهم كلامها وأعلمه جيداً فلقد رأيت الكثير من العلاقات تنتهي لهذا السبب. لكني أيضاً كنت أؤمن أن اللورد أغسطس مختلف.
فهذا ما كان يخبرني به كلما إلتقينا وهذا ما جعلني أشعر به بنفسه.
لكن الأن شعرتُ بالكثير من الذنب وكدت أن أعتذر إليه، إلا أنه قال وقد جعلني كلامه أرفع بصري إليه مندهشة:

" إذاً وبما أنك ترفضين إعطائي إجابةً لطلب زواجي للوقت الحالي فأنا أريد سماع شيء أخر منك. "

" وما.. وماهو؟ "

2

سألته ببعض ترددٍ وقلقٍ حَذر، ليجيب وهو يعاود وضع يده على ظهري ويقودني إلى الشجرة حيث اتكأ عليها وأنا أمامه:

7

" أخبريني أنكِ تحبينني "

59

لا داعي لأن أصف الصدمة التي إرتسمت على وجهي عكس الهدوء والجدية التي نطق بها طلبه ذاك.

ردة فعلي جعلته يضحك بينما إبتعدتُ عنه بسرعة وتلفت من حولي لأتأكد أن لا أحد سمعه، ولحسن حظي.. كان الضيوف بعيدين للغاية والجميع منتبه مع هاري الذي وقف على المنصة قرب العازفين برفقة إليزابيث وهو يلقي كلمةً للضيوف.

قال اللورد بعد أن هدأ قليلاً من ضحكه:

" ماذا؟ ليس طلباً صعباً. أنا متأكد أنني لم أُقَصِر من هذه الناحية تجاهك من قبل. لكن أنتِ... "

3

لم يكمل وهو ينظر إلي نظرة عارفة. بينما كنتُ متأكدة أن حمرةَ وجهي قد فاقت لون شعري في هذه اللحظة!

2

أعترف رسمياً أن اللورد أغسطس قد تجاوز هاري بمراحل عديدة في التصريح بمشاعره. وكم هذا سيء لقلبي.

لكن مع ذلك كان كلامه صحيحاً.. فأنا وحتى الأن لم أعترف بهذه الكلمة له. لم أكن أصرّح بها إلا أمام صديقاتي المقربات.. آنّا وآللنور، وبالتأكيد ماري.
لكن غير ذلك لم أستطع قولها حتى أمام إرنست. والأن هو يريدني أن أعترف بحبي له؟

1

هي خطوةٌ كبيرة. خطوة تعني الكثير وستغير معها الكثير... وكنتُ طوال الأشهر الماضية اتسألُ إن كنت مستعدة لها. لهذا الأن أنا مترددة.

8

بقي اللورد صامتاً يراقب ذُعري لبعض الوقت بينما كنتُ ألعب بأصابعي وعيناي تعانقان الأرض. إلى أن قال وهو يعتدل في وفقته عن الشجرة ويضع كفيه داخل جيبي بنطاله:

" لا بأس أنسة إزابيل.. لا بأس فهو طلب غبي على أي حال.. لا أحتاج إلى كلمات لأفهم ما تكنينه لي "

17

" نعـ.. لكن.. "

" أفهم أنه أمر صعب عليكِ. وكما أخبرتك من قبل لن أستعجلك لفعل أي شيء. خذي وقتكِ لإستكشاف مشاعرك أكثر ريثما تصبحين جاهزة لخطوة جديدة بيننا "

مبتسماً أكمل كلامه ثم إبتعد عن الشجرة وهو يضيف:

" بالمناسبة.. ما الذي يتحدث عنه ذلك الغبي هاري؟ لقد كان يتحدث منذ بعض الوقت حتى الأن "

2

من مكانه رفع يده ناحيه هاري ليحيه.. لكنه هاري تجاهله بعد أن إلتقت عيناهما وعاد ليكمل كلامه. قال بغيظ:

6

" بدأ يتجاهلني منذ الأن! .. كنت أعلم أن الزواج سيغيره ذلك ال... "

8

وبينما كان يتحدث عن صديقه، كنتُ أتحدث مع نفسي في جدالٍٍ محتدم للغاية.

حيث أخذ قلبي يحثني على التحرك بينما كان عقلي يطلب مني التريث والتفكير مرتين في أفعالي قبل تنفذها حتى لا أندم لاحقاً.

1

لكن وبسبب كل الذي مررت به معه.
أفعاله التي كانت دائماً ترسل قلبي لأقصى لحظات الجنون.
كلماته التي كانت ترسم الإبتسامة والتفاؤل فيّ. ومراعاته لمشاعري التي جعلتني أثق به أكثر واكثر..

بسبب كل ذلك قررتُ أن أستمع لقلبي هذه المرة.

15

تصحبني ذكرى كل تلك المرات التي كان يباغتني فيها عندما نكون وحدنا.. إقتربت منه. وتوقفت أمامه. فقطع حديثه ونظر إلي من فوق متسائلاً بإستغراب:

1

" ما الأمر أنسة إزابيل؟ هل تريدين العودة إلـ.. "

لم يكمل جملته حيث مددت يدي لأمسكَ بياقة بذلته لأجره لأسفل ناحيتي وأطبع قبلةً سريعة على شفتيه ثم همستُ بإنفعال خَجِل:

149

" أنا أحبك أغسطس "

65

كانت تلك الجملةُ الأمر الوحيد الذي سمعه مني إذ سرعان ما أمسكت بأطراف ثوبي وبدأت السير مسرعة ناحيةَ الحفل وضيوفه والخجل يغمرني بعد أن رأيت إرتفاع حاجبيه إندهاشاً لما فعلته والذي لم يتوقعه ابداً.

46

لألحظ حينها أن هاري الذي كان يُحَدثُ الضيوف قد توقف عن حديثه بينما كان ينظر إليّ وإبتسامة خبيثة على وجهه وبقربه إليزابيث قد غطت فمها بيديها مندهشة ونظراتها متوجهه ناحيتي.!

124

ملأني الجزع وإزداد أكثر عندما وجدتُ أن أحداً أخر كان يقف غير بعيد عن مكاننا ولابد أنه ورفيقته التي لم أستطع رؤيتها جيداً من مكاني قد شاهدا ذلك. كان أخي التوأم إرنست.

26

ومن مكان أخر رأيت آللنور وإلمر يقتربان من المكان ولم يرحني أبداً امر تلك الإبتسامات على وجهيهما.!

90

وليكتمل الحفل حينما وجدتْ آنّا طريقها إلي مع بيتر ووجها يقول.. أن لدينا الكثير لنناقشه لاحقاً!

27

هذا غير أنني بدأت اسمع صوت خطواتٍ بطيئةٍ وواثقة تقترب مني من الخلف!!

21

ربما كان من الأفضل أن لا أهرب من أغسطس فبالتأكيد مواجهته هو أفضل من مواجهة كل هؤلاء فلا أحد يعلم ماذا ينتظرني؛ لكني متأكدة من شيء واحد فقط... أن هناك الكثير من السعادة تنتظرني برفقتهم.

..........


الانتقال إلى الفصل التالي