رواية الخادمة الفصل 3
(3)
يوم عودتي وإرنست لـ لندن إعتاد أن يكون يوماً تجتمع فيه العائلة، الجميع يتركون أعمالهم وإلتزاماتهم ليأتوا ويقوموا بتوديعنا أمام البوابة الكبيرة لمنزلنا.
أبي وأمي وأوليفيا وفتياتها، إليزابيث وإلمر والتوأم الذين سيتخذان طريقنا قريباً.
وكل ذلك لأنه ستمضي شهور أخرى إلى أن نعود للمنزل لقضاء عطلة الشتاء بعد ثلاثة أشهر ونيف.
هكذا إعتدنا الأمور لكن هذه المره لم يكن في وداعنا سوى إلمر وإليزابيث وماكسمليان.
والدي ومنذ أن رفضتُ تناول العشاء معهم تلك الليلة أصبح لا يتحدث معي، إتخذ سياسة الصمت كما يفعل مع إلمر، والدتي أرى أنها تريد القدوم لتوديعي لكن وجود آللورا معي منعها من ذلك.
تفاجأ الإثنان عندما علما بخطتنا بأخذ آللورا إلى لندن، الراحة ملأت والدتي لأنها لن تتواجد في المنزل مجدداً بينما أبدى والدي عدم الراحة تماماً، فهو يعلم أن لدينا مغزى من ذلك.
المهم أنني الأن أقف مع آللورا أمام العربة التي سنتشاركها سوياً في طريق العودة إلى لندن، فكما خمنتم تماماً لأول مرة لن أتشارك مع إرنست في العربة.
ستتوجه ثلاث عربات سوياً أخرها لمتاعنا والخدم.
همست لي إليزابيث التي إتخذت طريقها إلي عندما أطال إلمر وآللورا حديثهما الوداعي الهامس:
" إلى متى سيبقى ممسكاً بيديها؟ "
" لم أشم رائحة غَيره هنا؟ "
" غَيره ؟!! "
هتفت بها بصوت عالٍ مستنكرة فجذبت إنتباه إرنست فتنحنحت معتذرة وعادت لتقول لي بهمس:
" ما الذي تتحدثين عنه؟ "
" كما فهمتي تماماً، لابد أنكِ تشعرين بالغيرة منها فهي على الأقل بقيت مع حبيبها لبعض الوقت، في حين إفترقتي أنتِ عن هاري قبل بدء أي شيء، لا أظن أن الرسائل تكفي لإيصال المشاعر "
إحمر وجهها لكلامي، ومتأكدة أنها تندب حظها أنني من كان كيوبيد الحب الخاص بها فهذا يعني علمي بكل ما يجري بينهما.
" إزابيل لا أظن أنكِ في وضع يسمح لكِ بالحديث عن علاقتي مع هاري، ألا تتبادلين الرسائل مع اللورد أيضاً؟ "
هنا كان دوري لأبدي الإمتعاض. أصبحت قصتي مع اللورد أصبح معلومه لدى جميع من في المنزل وهذا مزعج للغاية. أجبتها:
" كلا. أنا لا أعرف عنوانه أصلاً "
لم يفتني الإستنكار الذي أبدته:
" ولماذا ذلك؟ ألم يعترف بمشاعره لكِ؟ ألا تبادلينه المشاعر؟ "
سؤالها جاءني في مقتل، و لم أعرف كيف أجيبها فمن الواضح أن مشاعري التي أخفيها ولا أرغب في الإعتراف بها غير مماثلة لمشاعرها هي وآللورا من الأساس. ولأنني لم أعرف بماذا اجيبها أبعدت بصري عنها.
لابد انها ظنت أنني أتهرب من الموضوع كما العادة، لذلك تنهدت فقط ولم تعُلق.
بقربنا تنهد شخص أخر، كان ماكسميليان الذي وقف بيننا وإرنست وقد كان يركل في حجر صغير جئيه وذهاباً سألته من فوري لأتجنب إليزابيث:
" ما الأمر ماكس؟ "
رفع بصره إلي لثوانٍ ثم عاد لما يفعله ويجيب:
" لا شيء، فقط .. بعد ذهابك وإرنست سأبقى وحدي مع أليكس، ولقد أصبح لا يطاق في الفترة الحالية. "
" ما الذي تعنيه؟ "
" ... لقد تشاجرنا لأنني أظن أن إلمر يجب أن يتزوج آللورا وهو لا يريد ذلك. يقول أن زواجهما سيغضب والدنا. لكنني لا أظن أنه أمر سيء، ما السيء في أن يتزوج المرء من يريد؟ "
سأل أخيراً وهو ينظر إلي.
أوه ماكس الصغير.. إنه يسير على دربي.
إبتسمت له ثم أقبلت إليه لأحتضنه جانبياً. أصبح طوله يماثل طولي رغم فرق السنوات الست بيننا. ربت على ظهره قائلة:
" كلامك صحيح، الأمر ليس سيئاً لكن .. لكن هناك الكثيرون مِمَّن يتخذون هذه الأفكار البالية ولا يريدون لأحد ن يعيش بسعادة حتى لا تدمر حياتهم هم"
قلت كلامي ذاك وأنا أنظر ناحيه شقيقي التوأم والذي أبعد بصره عني ثم ذهب ناحيه عربته. وافقني ماكس واخبرته أن عليه مجاراه أليكس وأن لا يترك هذا الشجار البسيط يفرق بينهما.. حتى لا ينتهي حالهما مثلي وإرنست.
فكر في كلامي ثم اعطاني كلمته أن يحاول فعل ذلك..
تدخلت إليزابيث متسائلة وهي ترمق باب عربة إرنست الذي أغلق قبل قليل قائلة:
" هل ستكونان بخير؟ هذه أول مره يطول شجار بينكما، وها أنتما ستذهبان إلى لندن ولا أحد يعلم متى ستتقابلان مجدداً.. قد تسوء الأمور اكثر في هذه الفترة "
كلامها جعل قلبي ينعصر على نفسه. أشعر بالخوف من ذلك لكن في نفس الوقت لا أريد أن أتنازل .. لذلك قلت متمنيه:
" سنكون بخير. لا تقلقي "
كان ذلك عندما قرر إلمر وآللورا أنهما إكتفيا من بعضهما وإقتربا منا.
" إزابيل. لا أظن أنني أحتاج أن أوصيـ.... "
" نعم نعم ، لقد خضنا هذا الحديث عشرات المرات "
قهقهت آللورا وإليزابيث وتبسم ماكس.
" أسفة فهو عنيد. أخبرته أنني سأكون بخير "
" لا داعي للإعتذار. أعلم كم قد يكون أخي مزعجاً "
قلب إلمر عينيه ثم أعطاني رسالة القبول التي وصلت من كلية الملكة. تفاجأت للحظة كيف تم قبولها بهذه السرعة، لأتذكر أن إلمر لديه معارف هناك ربما ساعدوه.
لاحظت في الرسالة أن الرسوم الدراسية قد تم دفعها بإسم نوا وليس إلمر. لابد أنه قد إستخدم إسم جدها حتى لا يعرف أحد أنه من دفع النقود. هكذا ظننت.
صعدت إلى العربة مودعة إليزابيث وماكس وإنتظرت آللورا والتي قام إلمر للمرة العاشرة بتقبيل يديها، وأنا متأكدة انه لو لم يكن المكان مغتظاً بالناس لقام بتقبيلها في اماكن أخرى.
تذمرت لنفسي وقد إحمر وجهي وذكرى معينه تلوح في ذاكرتي. أبعدتها آللورا شاكره عندما إستقرت في داخل العربة. أغلق الباب علينا. وصدح صوت بيتر سائق العربة وهو يحث الحصان على التحرك.
∂
قضينا ساعات الطريق وأنا أحدث آللورا عن الكلية والمواد الدراسية والأساتذه والأنشطة التي تقام. كنتُ متحمسة لوجود رفيقه لي فبعد إنسحاب ماري من الدراسة ظننت أنني ساكون وحدي. لذلك أسرفت في حديثي معها بحماس عن كل صغيرة وكبيرة.
سجلت آللورا في فصل الأدب الإنجليزي بينما كنتُ أنا في العلوم الإجتماعية لكن ذلك لم يمنع أن أحدثها عن الأدب أيضاً فعلى أي حال ماري كانت طالبة في ذلك القسم!
وصلنا عصراً إلى لندن، إلى الشوارع المرصوفة والعربات الكثيرة والمارة الأكثر. المباني العتيقة وجسر لندن فوق نهر التايمز ومبنى البرلمان.
كانت عينا آللورا تراقب كل شيء بإهتمام كبير ثم وفي منتصف الطريق أخرجت دفتراً صغيراً وبدأت بتسجيل ما تراه فيه. أضحكني ذلك لكنني كنتُ مستمتعه.
وفي تقاطع شارع هارلي مع أكسفورد إفترقت عربه إرنست منا إذ إتخذت طريقها إلى كلية ستنافورد للشبان.
راقبت عربته وهي تبتعد بصمت. ولا يزال ذلك الشعور في قلبي يضايقني.
وصلنا إلى الكلية وكان في إستقبالنا المشرفة التي كانت في إنتظار الطالبة الجديدة، تم التعامل مع إبنة التاجر الهندي بكل إريحيه إذ لم تكن الأجنبية الوحيدة.
هناك بعض الفتيات من بلدان أوروبية جئن للدراسة في المدارس الدخلية الإنجليزية. هذا غير أميرة يابانية وأخرى روسية. وبالتأكيد كان هناك البعض من الهند أيضاً. إذ تعتبر الهند من اهم المستعمرات البريطانية.
لم يطل الأمر عندما إنتهت كل الإجراءات وإتخذنا طريقنا ناحية السكن حيث أشرفت آنّا على نقل حاجياتنا إلى غرفتي والتي كانت تحتوي على جلسة صغيرة. حمام منفصل وغرفة نوم كبيرة أصبحت الأن تتسع لشخصين بعد إضافة سرير لـ آللورا.
حولت آللورا بصرها في المكان ثم إلتفت إلي قائلة:
" إزابيل. أقدر لكِ حقاً هذه التضحيات التي قمتي بها من أجلي "
" أي تضحيات؟ مشاركة الغرفة ليس أمراً مهماً.
لقد إعتدت ذلك عندما تشاركت غرفة مع إليزابيث طوال ثلاثة أسابيع في برمنغهام. "
قلتها وأنا أجلس على سريري متعبة فلقد غابت الشمس وبدأ النعاس يغزوني.
" لقد طلبت منهم إحضار عشائنا إلى الغرفة هذا اليوم، لكن في الصباح سنذهب ونتناول الإفطار في غرفة الطعام مع بقية الفتيات حتى تتعرفي عليهن وعلى أجواء المكان قبل بدء الدراسة بداية الإسبوع"
" حسناً. لا بأس "
بدت مرتاحه لتأجيل المواجهة فتبسمت. لابد أنهام توترة للغاية. هكذا كنتُ في أول يوم لي هنا. ولو لم تكن إليزابيث معي لكنت هربت عائده للمنزل أو إلى إرنست على الأقل.
في صباح اليوم التالي توجهت برفقتها إلى غرفة الطعام. حيث تجتمع الفتيات من كل الأعمار لتناول وجبتين رئسيتين ووجبه غداء يتخلف زمنها على حسب الجدول الدراسي إلا أن أغلب الفتيات يفضلن شرب الشاي وبعض المقبلات والحلويات على تناول الغداء.
كان المكان مغتظاً فلقد عاد الجميع. أحدايث كثيرة ملأت الأجواء والكل يتحدث عن صيفه وكيف قضاه وأي الحفلات حضر ومن قابل من النبلاء.
كانت آللورا منبهرة بتلك الأجواء مثيرة إستغرابي فلقد ظننتها ستتوتر، إلا أنها كانت كمن يقوم بتسجيل كل ما يراه بعينيه جيداً حتى لا ينساه.
أخذتها إلى الطاولة التي إعدت وماري الجلوس عليها سوياً ثم قامت الخادمات بوضع طعام الإفطار لنا. راقبتهن آللورا إلى أن إنتهين ثم نظرت إلى طعامها بإعجاب قبل أن تهمس قائلة لنفسها:
" يبدو انني سأعتاد أن يكون مَن يتم خدمته بهذه الطريقة "
لم أدقق في كلامها وتبسمت. أقبلت في أثناء ذلك بعض زميلاتي ليسلمن علي فقمت بتعريفها عليهن. قضينا ساعتين نتحدث مع الكثيرين إذ أنه ورغم أن عدد صديقاتي قليل إلا أنني أعرف الكثيرين. وهنا فرق كبير.
قرابة العاشرة كنا قد خرجنا إلى الساحة الدخلية حيث المقاعد المنتاثرة في المكان تحت اوراق الشجر التي بدأت تتلون بالأحمر منذره بإقتراب وقت سقوطها.
هبت نسمات بارده جعلت الجلوس تحت ظل شجرة مغرياً ففعلنا. وما إن جلسنا حتى أخرجت آللورا دفترها الصغير من جيب فستانها وبدأت مجدداً بتسطير الكثير من الكلمات. نظرت إليها مستغربة إجتهادها في الكتابة:
" ما الذي تكتبينه آللورا؟ "
جفل جسدها لثوانٍ وقد بدى أنها إستوعبت ما تقوم به أمامي. سرعان ما اغلقت الدفتر وإلتفت إلي مجيبه:
" ليس أمراً مهماً. ممممم أقوم بكتابة ما أراه حتى أصفه لـ إلمر عندما أرسل له رساله "
بدا من الواضح أن هذا كان العذر الذي جاءت به وأنها تخفي الحقيقة. عقدت حاجبي لكنني لم ادقق في الموضوع إن لم ترغب في إخباري.
" حسناً بما أن اليوم أخر يوم قبل بدء الدراسة وأننا سننشغل كثيراً إبتدائاً من الغد، ما رأيك أن خرج في نزهة؟ "
" أيمكننا الخروج؟ "
" بالتأكيد، نحتاج إلى إذن فقط "
أجبتها ضاحكة فقد بدت سعيدة ووافقت فوراً على الذهاب. لكن وقبل أن نتخذ أي خطوة إقتربت منا فتاة بحذر وقد بدت أنها تريد التأكد من شخصية إحدانا من بعيد.
نظرت إليها مستفهمة ولاحظت أنها صغيرة في السن. لابد أنها في الثامنة عشرة. بشعر بني باهت وملامح بدت مألوفة لي. فجأة رسمت الفتاة إبتسامة وإقتربت بخطوات كبيرة ناحيتنا قائلة:
" لابد أنكِ إزابيلا غرين ، اليس كذلك؟ "
" نعم انا إزابيلا، ومن أنتِ؟ "
إمتدت يدها ناحيتي بإبتسامة كبيرة:
" أنا كلوديا، كلوديا واتسون "
صافحت يدها وانا أردد الإسم المألوف للغاية إلي.
" هل تقابلنا من قبل يا كلوديا؟ "
" كلا، هذه أول مره اتحدث فيها إليكِ. كنتُ أسمع عنك من قبل لكن لم يكن لدي ما يجمعني بكِ لذلك لم أستطع التعرف عليكِ. لكن إتضح ان أخي يعرفكِ وقد قام بتوصيتي ان أتعرف عليك أيضاً لذلك أنا هنا"
أنهت كلامها وإبتسامتها الكبيرة والمألوفه لم تخبت.
قالت أن أخاها يعرفني؟ .. إسمها كلوديا واتسون، مَنْ مِمَّن أعرفهم إسمه الأخير واتسون؟ .. لم يطل الأمر عندما تذكرت. هتفت:
" أنتِ شقيقة السيد والانس؟ "
" نعم! "
" أوه يا إلهي، أذكر أنه أخبرني عنكِ من قبل. أهلاً بك كلوديا، من الرائع التعرف عليك "
صافحتها مجدداً وقد بدت سعيدة للغاية بعد أن تعرفت عليها. إلتفت ناحيه آللورا:
" آللورا أعرفك. هذه كلوديا .. شقيقها كان أحد ضيوف اللورد بلاك وود الذي قضينا الصيف في منزله. وكلوديا.. هذه آللورا تورشيا إبنة صديق للعائلة ستدرس هنا منذ الأن وصاعداً "
" سررت بكِ أنسة آللورا .... "
ثم أردفت وهي تنظر إلي:
" ... وسررت أكثر بكِ أنسة إزابيل، لقد أخبرني والانس بالكثير عنكِ "
" أوه ليس هذه الجملة مجدداً، ما الذي أخبرك به عني؟ "
" الكثير، فضولكِ وشجاعتك وأخبرني أنكِ كنتِ من إكتشف أمر تلك النبته التي استخدمت في تسميم اللورد بلاك وود، وهذا رائع حقاً "
إرتبكت لثوانٍ إذ يفترض أن هذه إحدى المعلومات التي تم إخفاءها عن العامة فالجميع يظنون أن الضابط البحري هاري ماكينزي والضابط في سكوتلنديار والانس واتسون كانا هما من تولا كل تلك الامور. لكن السيد والانس أخبر أخته بالحقيقة.
جعلت جملتها آللورا تنهض قائله بفضول:
" ما الذي تتحدثين عنه؟ "
" ممم آللورا سأخبرك بهذا لاحقاً و كلوديا. أنصحك بأن لا تصدقي كلام السيد وانس، إنه يبالغ فقط.. لقد كان ذلك صدفة "
" توقفي عن التواضع لقد أخبرني أيضاً أنكِ أول من عرف الحقيقة ومن كان وراء كل ذلك. لا تستطيعين تكذيبه "
كانت متحمسة وهي تتحدث وقد ذكرتني إبتسامتها بالسيد والانس الباسم وخالي البال. إرتبكت ولم أرد أن أناقشها أكثر بينما بدت آللورا بقربي أكثر فضولاً لمعرفه ما حصل.
" المهم أن كل شيء قد إنتهى وأن لا أحد قد تأذى "
هتفت بها لأنهي الموضوع، ثم أضفت:
" إذاً ماذا عنكِ؟ أخبرني السيد والانس من قبل أنكِ لم تعتادي على المدرسة بعد!"
" أوه أخبركِ بذلك! .. في الحقيقة هذا صحيح في البداية كنت مساءة للغاية فلم يكن لدي صديقات، لكن الأن إعتدت الأمر "
" هذا جيد، أنا متأكدة أنك ستحبين المكان أكثر مع مرور الوقت، وكذلك أنتِ يا آللورا "
تبسمت الفتاتان قبل أن تردف كلوديا كمن تذكرت أمراً:
" آه .. لدي صديقة ترغب في التعرف عليك أيضاً "
" علي أنا؟ ، ما الأمر هل أصبحت مشهورة دون علمي؟ "
قهقت كلوديا وهي تجيب:
" في الحقيقة نعم، هناك الكثير من القصص عنكِ، مثلاً أنكِ من قبل ساعدتي في الامساك بلص في المدينة، لكن أكثر ما أنتِ مشهورة به... "
سكتت لثوانٍ كأنها متردده في الإكمال فعرفت على الفور بقيه الجملة، إذ قالت:
" أن لديكِ أخ توأم وسيم "
إنفجرت آللورا بقربي ضحكاً بينما تنهدت أنا وأنا أعلم تماماً ما تفكر فيه فتيات الكلية.
زارني إرنست من قبل كثيراً وفي كل زيارة كان عدد معجباته يزداد والأن وصلت أخباره إلى فتيات السنة الأولى أيضاً. كما هو متوقع منه!
" على أي حال... "
قالتها كلوديا محمرة الوجه لتقطع ضحك آللورا وتخرجني من أفكاري:
" إن صديقتي ترغب في التعرف عليك لكنها لم تأتي بعد إلى المدرسة فهي في رحلة إلى الولايات المتحدة هذا الصيف "
" حقاً؟ ومن هذه الفتاة؟ "
تسألت وقد لفتني المكان الذي ذهبت إليه، فليس الكثيرون يذهبون إلى مكان بعيد كالولايات المتحدة ففي الغالب تغضي الأسر عطلتها في أوربا الأكثر قرباً.
" إسمها ليديا.. ليديا ماركلين "
" ماركلين؟ .. تقصدين الدوق ماركلين؟ "
" نعم، إنها إبنة الدوق فريد ماركلين نفسه "
أجابتني باسمه بينما إنفتح فمي مندهشه، لم أظن أن هناك إبنة دوق تدرس هنا ففي العادة يكتفين بما يتعلمنه من معلميهم في المنزل. كما أنه الدوق ماركلين. أحد أشهر النبلاء في لندن ومحيطها. يقال أن عائلته لديها نسب مع الملكة كما أن عائلة زوجته تمتلك الكثير من المصانع في مانشيستر وفي برمنغهام أيضاً.
بالتأكيد هذه عائلة تذهب لقضاء عطلتها في الولايات المتحدة.
فجأة إنتبهت أنني لم أكن الوحيدة التي فوجئت بسماع هذه المعلومة، إذ إعتلا وجه آللورا ما يمكن أنه أصفه بـ صدمة!
سألتها إن كانت بخير فأبعدت وجهها عني وعادت لتجلس قائلة أنها متعبه بعض الشيء.
عدتُ ناظره إلى كلوديا:
" يبدو أنني لستُ الوحيدة التي صدمت بهذه المعلومة، أظن أنني متشوقة للقاء ليديا هذه. "
" وهي متشوقة أكثر. في الحقيقة ظلت تخبرني طوال الفصل السابق أن نذهب ونتحدث إليك لكنني لم أجد ذلك لائقاً "
قهقهت قائله:
" ليس عليك الإهتمام بذلك معي، أنا لا ألقي بالاً لهذه الرسميات. يمكنك الحديث معي وقتما تريدين. وأيضاً نادني إزابيل فقط "
" سأفعل "
سُعدت كلوديا كثيراً أثناء حديثنا ولاحظت فيها الكثير من الصفات المتشابهة مع أخيها والانس. وعلمت منها أنه قد جاء إلى لندن قبل إسبوع، وأنه أحد المسؤولين في قضية ستيفينز بلاك وود. لذلك هو مشغول للغاية.
لم يطل الأمر عندما عادت كلوديا إلى طريقها ثم ذهب كِلانا لنستعد للخروج. لم تسمح آللورا لآنّا بمساعدتها إذ قالت أنها تستطيع تدبر شؤونها الخاصة دونما خادمة تساعدها لذلك إنتهينا سريعاً وعند الظهر كنا في شوارع لندن .
∂
لم نترك مكاناً إلا وقد دخلناه. متاجر ثياب وقبعات، متاجر أحذية ومظلات. شربنا شاي الظهيرة في مطعم صغير ثم ذهبنا لحديقة الهايدر بارك. وعبرنا جسر لندن سيراً على الأرجل ومررنا بساعة بيغ بن.
كانت جولتنا طويلة وقد إشترينا بعض الأشياء التي تحتاجها آللورا. كمظلة فموسم الأمطار قد إقترب، والكثير من الأوراق والحبر وأداوت الكتابة إذ قالت أنها تحتاج أدوات للدراسة.
وبعد أن أنهينا التبضع من أجل أدواتها أخذتها إلى مكان مفضل بالنسبة لي. وهي مكتبة تقع في زقاق مشهور بالمتاجر المتخصصة في الكتب من كل الأنواع.
لم تكن المكتبة كبيرة بحجم المكتبة الملكية ولكنها كانت كبيرة بما يكفي لتبهرها .
تجولنا بين الأرفف الكبيرة والمزدحمة بالكثير من الكتب وأخذنا نعدد الكتب التي قرأتها كل واحدة ونقترح لبعضنا قراءة الكتب التي لم نقرأها بعد.
ذكرني تواجدنا هناك بمكتبة أخرى وبشخص أخر شاركني حبي للكتب. وفور تذكري له تذكرت أيضاً أمر تلك الرواية - في مانشيستر - الرواية التي قرأتها هذا الصيف وأعجبت بها للغاية.
قلت لـ آللورا وأنا أبحث في الأنحاء:
" هناك رواية أريد أن أقترحها لكِ .. إنها رائعة لقد أخبرني عنها اللورد أغسطس عندما كنتُ في منزله. أتصدقين أنني سهرت الليل بطوله وأنا أقرأ فيها؟
كانت مدهشة حقاً، ولقد قضينا ساعات طوال ونحن نتحدث عنها "
كنتُ أتحدث بشغف تاره وأنا أنظر إليها وتاره أخرى وأنا أبحث بين رفوف الكتب عنها. علقت قائلة:
" حقاً؟ .. هل هي جيدة لهذا الحد؟ "
" نعم . في البداية لم أكن متحمسة لقراءتها فلم أكن قد سمعت بها أو بكتابها. لكن بعد أن انهيتها أصبحت أنتظر عودتي إلى لندن لكي أبحث عن كتب أخرى له"
" وماهو إسم الرواية ومن هو كاتبها؟ "
مع سؤالها كنت قد وجدتها. قلت بسعادة:
" ها هي .. "
أخرجت الكتاب من بين الكتب. وقرأت العنوان بصوت عالٍ لكي تسمعني:
" في مانشيستر .. كاتبها يدعى نوا. "
توقعت أن تعلق آللورا وأن تأخذ مني الرواية لتتفقدها لكنها كانت صامته، رفعت بصري إليها فوجدتها تنظر لي ببلاهه قبل أن تنفجر بالضحك !
عقدت حاجبي وأنا أراها تضحك بشكل كبير لدرجة لفتت إنتباه صاحب المتجر. كانت تضحك بينما تردد كلمات بلغة غريبه أظنها الهندية وكانت هذه أول مرة أسمعها تتحدث بها. شعرت بالإحراج وأنا أضم الكتاب لصدري وأقول:
" ما الأمر؟ لم تضحكين هكذا؟ ألا تعجبك هذه الرواية؟ "
هدأت آللورا قليلاً وأخذت تمسح بأصابعها الطويله الدموع التي تجمعت في مقلتيها لتجيبني بعد دقيقة إستجمعت فيها أنفاسها:
" كلا بل العكس تماماً لقد .. لقد قرأتها من قبل "
" حقاً؟ وما رأيك فيها؟ "
سألت بحماس متناسية ضحكها قبل قليل لتجيب:
" رائعة! للغاية "
" أليس كذلك؟ إنها مدهشة حقاً بل مثالية. رغم كونها تتحدث عن موضوع مستهلك وهو علاقة بين خادمة وسيد إلا أنها مميزة وفريدة ومدهشة!! لا أصدق أنها ليست مشهورة في كل البلاد "
نظفت آللورا حلقها بينما وافقتني قائلة:
" نعم ظننتُ ذلك أيضاً وإكتشفت بعدها أن للكتاب رواية أخرى "
مع نهاية جملتها كان صاحب المحل قد أقبل إلينا متسائلاً:
" عذراً أنساتي.. هل من خطب ما؟ "
قلت له بسرعة:
" في الحقيقة أنا أبحث عن كتاب أخر لهذا الكاتب - ثم إلتفت إلى آللورا - ما هو إسم الرواية؟ "
" غسق "
هكذا أجابت فحولت بصري برجاء إلى صاحب المتجر الذي هز رأسه قائلاً أنه يمتلكها وذهب لإحضارها.
كدتُ أن أقفز فرحاً ولكوني سأقرأ رواية جديدة للكتاب الذي أحب.
" يا إلهي لا أطيق صبراً حتى أعود وأقرأها... هل تظنين ان علي شراء نسخة من ( في مانشيستر ) أيضاً؟ فالنسخة التي قرأتها يمتلكها اللورد أغسطس."
" مممم لم لا ، يمكنك ذلك "
" هذا صحيح .. كم أنا متحمسة "
كنت متحمسة حقاً وأخذت أحدث آللورا عن تلك الليلة التي قرأت فيها الرواية وعن نقاشي مع اللورد أغسطس في وقت لاحق عنها.
كنت متحمسة حقاً وحماسي جعلني لا أنتبه وقتها إلى تلك الملامح على وجه آللورا.
ملامح شخص يكتم سعادته.
..........
الانتقال إلى الفصل التالي