رواية الخادمة الفصل 4
(4)
ترتطم قطرات المطر بنافذة غرفتي بقوة محدثه ضجه محببه، كان المطر يهطل بغزارة منذ الساعات الأولى لهذا الصباح مجبراً الفتيات على قضاء يوم العطلة داخل غرفهن.
أمر لم يزعجني وآللورا شريكتي في الغرفة إذ كلانا يفضل البقاء في الداخل والقراءة على أي حال.
جلستُ على الطرف الزائدة من النافذة وقد ضممت ساقي إلي وبيننا عدد اليوم من صحيفة التايمز كنتُ قد إستعرته من إحدى المعلمات فنسختي لم تصل بسبب هذه الأمطار.
في الجهة الأخرى إندمجت آللورا في الكتابة وهو أمر إعتادته طوال الأسابيع الثلاثة منذ مجئينا إلى هنا.
كالعادة كان لابد أن يحتوي عدد يوم الأحد على مقال يتحدث عن القضية التي تشغل الرأي العام هذه الفترة.
الجرائم المتعددة والتي حدثت في منزل نبيل بواسطة أحد أفراد المنزل.
كانت هذه المقالات هي وسيلتي الوحيدة لمعرفة ما يجري من أمور في قضية آل بلاك وود لذلك كنتُ أواظب على قراءتها.
واليوم فوجئت عندما علمت إلى أين وصلت التحقيقات.
أطلقت شهقة جذبت إنتباه آللورا مما كانت تفعله فإلتفتت في كرسيها ناحيتي:
" ما الأمر إزابيل؟ هل من خطب ما؟ "
كنت قد شددت بقبضتي على حافه الصحيفه مغتاظة مما وجدته فيها ثم قمت بوضعها جانباً حتى لا أقوم بسبب غيظي بتمزيقها فهي ليست لي.
أجبتها وقد أنزلت ساقيّ لأواجهها:
" لن تصدقي إلى ماذا وصلت التحقيقات!، تذكرين عندما أخبرتك عن ذلك الرجل .. السير ألكساندر بنجامين؟ "
" نعم نعم، ذلك النبيل من برمنغهام والذي لديه عداوة مع عائلة اللورد ومع ذلك كان أحد المدعوين للحفل."
" هذا صحيح، وقتها لم أدقق كثيراً في الموضوع، ففي البداية بدا لي أن السيد ستيفينز لا يحبه أيضاً لأنه كان مندهشاً عندما وصل إلى الحفل، ثم بعدها ببضعه أيام سمعته يتشاجر مع اللورد أغسطس عن هذا الموضوع وأنه يريد من اللورد أن يحسن علاقته بالسير، أتعلمين ماذا يعني هذا؟"
فكرت آللورا لـ ثوانٍ قبل أن تجيب:
" ألا يعني أن ستيفينز هو من قام بدعوته؟ فتلك القائمة تمت سرقتها من قِبله على أي حال! "
" هذا صحيح، وهذا يعني أن ما قاله عندما وصل السير ألكساندر إلى الحفل كان مجرد تمثيليه فهو كان على علم بمجئيه، لذلك كان أكثر من إندمج في الحديث معه "
" لكن لماذا يقوم بدعوته؟ "
أخرجتُ نفساً حاراً وعدتُ أنظر إلى الصحيفة لأجيب:
" لقد توصلت الشرطة أن هنالك صفقات كانت تدور في الخفاء بين الرجلين، ستيفينز وألكساندر، صفقات بيع أراضٍ وتبادل ممتلكات وغيرها من الأمور المشبوهه فهي كانت من دون علم اللورد أغسطس. لقد كان السيد ستيفينز يجهز لأن يعقد صلحاً مع السير ألكساندر حينما يصبح هو الوريث بعد .. نجاح خطته تلك. كانا يريدان دمج الكثير من الممتلكات سوياً لتكوين أكبر ثروة في برمنغهام. "
إتسعت عينا آللورا بينما أطلقت نفساً أخر مكمله:
" حتى الأن لا أستطيع فهم كيف يفعل أحد شيئاً كهذا لأخيه، لكن رأي الأن لا يهم.. كلما أفكر في الموضوع أجد أن مشاعري ستكون لا شيء مقارنه مع ما يمر به اللورد الأن. فهو من يتم التحقيق حول شقيقه الموضوع في السجن وهو الذي يتحدث الناس عنه همساً وجهراً، وهو الذي يواجه كل تلك الأسئلة وحيداً.
لقد كان دائما وحيداً لكنه الأن أصبح منعزلاً أكثر "
للمره الثالثة أطلقت نفساً ثم شبكت يدي سوياً وأنا أنظر إليهما. لم انتبه إلا عندما أقبلت إللورا إلي لتجلس على ركبتيها أمامي وتمسك بيدي قائلة:
" لا أظن أنه وحيد بالفعل، فهو لديه أصدقاء، ألم تقولي بنفسك أن السيد ماكينزي والسيد واتسون برفقته ويساندانه؟ لذلك لا تقلقي عليه "
" نعم أعلم ذلك .. "
رددتها باسمة ثم أطبقت على فمي ولم أبح ببقيه مافي داخلي..
ليس كون اللورد وحيداً وسط كل هذا هو ما يؤرقني فقط، بل كوني كنتُ سبباً في ظهور كل هذا للعلن ثم وبكل بساطة إبتعدت عنه دون أثر.
أشعر ببعض الذنب.
هذا غير انني حتى الأن لا أستطيع تصنيف هذه المشاعر تجاه اللورد.. إهتمام، صداقة، حب.. أم مجرد مشاعر عابرة ستحتفي مع مرور الوقت. خاصة عندما أقارنها بمشاعر آللورا التي لم تنفك تراسل إلمر طوال الأسابيع الماضية لتخبره بكل صغيرة وكبيرة تحصل معها. بينما أنا بالكاد أعرف القليل عن ما يحدث مع اللورد وعبر الصحيفة فقط.
لم يكن من الجيد البقاء في الغرفة إذ ستلتهمني الأفكار حتماً لذلك خرجت مع آللورا حاملتين مظلاتنا لنتنزه حول الحديقة الداخلية للكلية.
إعتادت آللورا على الحياة في الكلية وإستطاعت تكوين بعض الصداقات هنا وهناك بل حتى أكثر مني إذ وبينما كنا نسير في الممرات كانت الكثير من الفتيات يتوقفن للتحدث معها وسؤالها عن بعض الأشياء، كنتُ مندهشة من قدراتها الإجتماعية التي تجاوزتني لكنني أيضاً فهمت أحد أسباب إنجذاب إلمر إليها وأيضاً لماذا كان واثقاً أن والديّ سيغيران رأيهما تجاهها.
آللورا فتاة بشخصية قوية، مستقلة وتعتمد على نفسها فهي كانت الوحيدة في كامل الكلية والتي ليس لديها خادمة لتعتني بأمورها، كما أنها ذكية وأصبحت فوراً المحببه لدى الكثير من المعلمات وسمعت أنها أبهرت الجميع بمهاراتها اللغوية وقدراتها الكتابية إذ تجاوزت المتحدثين الأصليين باللغة الإنجليزية. كما أنها دخلت صف تعلم الفرنسية أيضاً.
إستطاعت في ثلاثة أسابيع أن تضع قدماً ثابته في عالم ما كان غيرها ليستطيع الثبات فيه وهذا جعلني أفخر بها نوعاً ما. ولم أتوانى بإرسال كل هذا إلى والدتي في رسائل أعلم أنها لن ترد عليها. لكنني كنت أواظب على إرسالها لأنني أعلم أن والدتي وإن كانت تحمل تلك الأفكار التي يعتنقها والدي إلا أنها تحبنا أكثر منها.
أعلم أن بإمكاني إستمالتها إن حاولت أكثر وأقنعتها بوجهه نظري. لذلك كثرت رسائلي لها.
أخذنا سيرنا إلى الحديقة الأمامية والتي في الغالب تكون خالية من الناس، أردنا مراقبة الشوارع أثناء هطول الأمطار على حسب طلب آللورا لكن لاحظنا فور وصولنا إلى تلك العربية الكبيرة والتي توقفت أمام بوابة المدرسة المفتوحة على مصراعيها.
وقفنا تحت مظلاتنا ونحن نراقب في ذلك الفوج من الخدم والذين كانوا ينزلون الحقائب الكبيرة والكثيرة من تلك العربة وأيضاً ذلك الخادم الذي أبتل من أعلى رأسه لأخمص رجليه بينما كان يمسك بالمظلة لسيدته التي كانت تعانق في فتاة أخرى أقبلت من داخل المدرسة.
دخلت الفتاتان سوياً تاركتين الخدم لأعمالهم، بينما كنتُ وآللورا قد إتخذنا طريقنا إلى الممر الداخلي لنعود، كان ذلك قبل أن نسمع صوت كلوديا المألوف وهي تنادي بصوتٍ عالٍ بسبب المطر:
" أوه إزابيل، آللورا .. مهلاً "
توقفنا عن المسير وقد أقبلت كلوديا برفقه من معها ليقمن بإعطاء مظلاتهن للخادم عند وصولهما إلى الممر.
إبتسمت لـ كلوديا وحولت بصري إلى من معها.
فتاة شقراء في مثل عمر كلوديا، ترتدي ثوباً بطبقتين كان من الواضح أنه غالي الثمن وفريد من نوعه بلون أحمر ممزوج بالوردي الباهت.
ذكرتني فوراً بـ جوزفين هاورد إحدى ضيوف اللورد، لكن هذه الفتاة كانت تبدو أكثر براءة منها. كما أنها كانت طويلة بشكل لافت. فرغم كونها في مثل عمر كلوديا إلا أنها كانت أطول منها .. ومني بالتأكيد، وقليل فقط وستكون في طول آللورا.
بالتاكيد كانت هي إبنة الدوق فريد ماركلين.. ليديا.
" إزابيل، أود تعريفك على صديقتي ليديا.. لقد حدثتك عنها من قبل "
" نعم، أذكرها جيداً. مرحباً بعودتك من السفر ليديا"
باسمه بينما أصافحها قلت لترد بنفس الطريقة:
" إنه من الرائع التعرف عليك أخيراً أنسة إزابيل. "
مع إقترابها مني إستطعت رؤيه لون عينيها الأخضر والذي بدا داكناً بسبب ظلمة المكان، أخضر محاط بسور من لون العسل. أعطها نظره ملفته.
" لي الشرف بذلك "
" لقد فرحت للغاية عندما أخبرتني كلوديا في رسالتها أنها تعرفت عليك. ولقد سمعت بأنكِ كنتِ جزئاً مما حدث في منزل الماركيز.. أرغب حقاً في سماع القصة منكِ فلقد قرأت عنها في الصحف فقط."
أطبقت على شفتي السفلى بينما أخذت بعيني بعيداً عنها وهذا الموضوع يعود مجدداً، تعبت حقاً من كل أولئك الذين جاؤوا ليسألوا عن تلك القصة.
وتعبت أيضاً من الكذب عليهم وعدم إخبارهم الحقيقة التي حصلت. لكنني مجبره على اي حال.
" لا بأس، لدينا الكثير من الوقت للحديث سوياً... بالمناسبة أنسة ليديا أعرفك على آللورا .."
بسرعة قلت حتى أغير الموضوع لكنني توقفت عندما لاحظت أنها كانت تنظر ناحيه ليديا بأعين متسعه. بدت وكأنها لا تصدق رؤيتها أمامها ولم تنتبه لحديثي معها مما جعلني أهتف قائلة:
" آللورا.. هل تسمعينني؟ "
أخرجها صوتي مما كانت فيه ونظرت إلي وهي ترمش قليلاً ثم وبسرعة رسمت إبتسامة صغيرة وقالت:
" نعم.. نعم، أسمعك إزابيل... " ثم إلتفت عائدة إلى ليديا المستغربة لتردف بنبره هادئه وهي تمسك باطراف فستانها: " أهلاً بك أنسة ليديا. إنه شرف لي مقابلتك "
تجاهلت ليديا شاكره تصرفها الغريب وردت عليها بنفس الطريقة:
" وأنا أيضاً آللورا. سررت بمقابلتك "
إرتبكت قليلاً لتصرفها بينما عقد كلوديا حاجبيها أيضاً فهي لم تعتد آللورا هكذا. أضافت ليديا بإبتسامة مشرقة وهي تمد يدها لتصافح آللورا:
" أحب حقاً التعرف على الأجانب. لقد تعرفت على الكثير من الهنود بسبب عمل والدي لذلك أتمنى أن نعقد صداقة أيضاً آللورا "
ثوانٍ تبادلت فيها الفتاتان النظرات. رفعت ليديا حاجبيها عندما طال نظر إللورآ إليها بتلك الأعين المندهشة. كأنها لم تستوعب ما قالته قبل قليل. لأتدخل قائلة وقد بدأت أشعر بالقلق:
" آللورا، هل من خطب ما؟ "
مرة أخرى أخرجها كلامي مما كانت فيه. هزت رأسها قائلة:
" أنا بخير لا تقلقي... وبالتأكيد. لي الشرف أن نصبح .... صديقتين أنسة ليديا "
صافحتها فعادت ليديا لتبتسم وتبادلتا بعض الحديث سوياً بينما تنفست الصعداء وبقربي كلوديا التي كانت تبدو متحمسة لعودة صديقتها أخيراً.
لم يطل الأمر حينما إفترقنا ووجدت فرصتي لـ سؤال آللورا عن سبب ذلك السلوك الغريب. وفقط وعندما إلتفت ناحيتها وجدت وجهها شاحباً للغاية.
إتسعت حدقتا عينيها وقد كانت شفتاها ترتجفان وتنفسها يتصاعد. توقفت عن السير وسط الممر وأخذتها جانباً بعيداً عن المارين وقلت بصوت خافت قلق:
" آللورا.. هناك أمر ما بالتأكيد. أنتِ تتصرفين بغرابة. هل أنتِ بخير؟ "
كانت قد أغمضت عينيها كأنها لا تريد مني رؤيتها في ذلك الوضع. إستمعت لكلامي للنهاية ثم أخذت تهز رأسها قائلة بمحاوله فاشلة لتبدي الثبات:
"أنا بـ.. بخير.. لا تقلقي.. أحتاج.. أحتاج فقط رؤيه إلمر.. "
" إلمر؟ لماذا؟ ما الأمر آللورا؟ هل حدث شيء ما مع ليديا؟ هل قابلتها من قبل؟ "
ختمت أسئلتي بشك لرده فعلها الغريبة تجاه شخص قابلته للتو بينما كانت تنظر للأمام أثناء حديثي وهي لا تزال تحاول محاربه دموعها حينما إلتفت أخيراً ناحيتي مجيبه:
" كلا، هذه أول مره أقابلها، لكنني أحتاج إلمر .. الأن "
ثم وقبل أن أرد كانت قد إتخذت طريقها مسرعه إلى غرفتنا. سرت وراءها وأنا أنادي لكن من دون إستجابه.
قامت آللورا بكتابة برقيه وأرسلتها بالبريد السريع إلى إلمر.
وسط إستغرابي رأيتها وهي ترتجف. تحدق في كل شيء وتنظر عبر النافذة كأن أحداً يراقبها، ثم وأخيراً أخبرتني أنها متعبه للغاية وتريد النوم. ولا تريد أن تستيقظ إلا عندما يأتي إلمر.
∂
لم يطل الأمر حتى لبى إلمر النداء، يوم الإثنين وبينما كنتُ في درس الظهيرة جاءت مشرفة وأخبرتني أن شقيقي الأكبر قد وصل إلى مبنى المدرسة.
لا أخفي أنني دهشت لوصوله السريع ففي العادة حتى وإن كان بإمكانه السفر لن يستطيع فقط ترك أعماله والمجئ. سيحتاج لبضعه أيام ليخلي جدوله ثم يأتي. لكنه جاء بسرعة.. وهذا جعلني أتيقن أن ما تخفيه آللورا أمر خطير حقاً.
ذهبت لإستقبال إلمر بعد أن طلبتُ من آنّا إحضار آللورا التي لم تخرج من الغرفة منذ يوم البارحة.
كان إلمر في صاله إستقبال الزاور يقف متوتراً وهو ينظر عبر النافذة إلى سماء لندن الرمادية. ليلتفت بسرعة عند دخولي ظاناً أنني آللورا كما يبدو إذ سرعان ما إرتسمت خيبه الأمل على وجهه، قلت وأنا أضع يدي جهه قلبي:
" أيمكنك على الأقل عدم إظهار خيبه أملك لرؤيتي بهذه الطريقة! لقد جرحت مشاعري إلمر غرين "
" إزابيل أنا أسف ، لم أقصد.. "
قالها وهو يتقدم ناحيتي ويحيطني في عناق سريع غير مفهوم ثم سأل مباشرة:
" كيف حال آللورا؟ هل هي بخير؟ "
" نعم، إنها نائمة وحسب. نائمة منذ يوم البارحة إن صح التعبير. لقد تبدل مزاجها بعد مقابلها لـ إبنة الدوق ماركلين. رغم قولها أنها لم تلقتيها من قبل. إلمر ها تعلم شيئاً عن هذا الموضوع؟ "
" لم لم تخبريني أن إبنة الدوق تدرس هنا؟! "
سألته فأجاب بسؤال أخر وقد بدا مستاءً للغاية لأجيب مدافعه عن نفسي:
" أنا أيضاً لم أكن أعلم فأنا لا أعرف كل من يدرسون هنا، لكن ما علاقة هذا بـ آللورا! ما الذي تخفيانه إلمر؟"
فتح إلمر فمه لكن شيئاً لم يخرج. أبعد بصره إلى الأرض ليفكر لثوانٍ ثم همس بشيء لم أستطع تبينه وهو يمرر يده داخل شعره الأصهب. بدا حقاً مرتبكاً ولا يدري ما الذي يفعله.
أزعجني أنه لا يريد إخباري لكن وقبل أن أتذمر دخلت آللورا إلى المكان.
وفي تلك اللحظة شكرتُ الرب أن لا أحد غيرنا في صاله الإستقبال. إذ دخل الإثنان في أيدي بعضهما في عناق حار جعلني وآنّا التي دخلت برفقه آللورا نجفل ثم نلتفت عنهما. هتفت قائلة:
" إلمر ، آللورا أرجوكما! . هذا ليس المكان المناسب لمثل هذه الأشياء !!! "
كأنهما إنتبها للتو لذلك فإبتعدا عن بعضهما بسرعة وحمره تكسوهما.
" أوه ياإلهي.. تحتاجان إلى من يقوم بإعادة تأديبكما. لقد تأذت عيناي بكل هذا "
قلتها بضيق وأنا أضع يداً فوق الأخرى ليرد إلمر من فوره:
" أرجوك إزابيل، ألم تفعلي نفس الشيء مع اللورد أغسطس؟ "
جفلت أكثر في مكاني وقد ذكر الأمر الذي لم أنطقه بفمي بصوت عالٍ من قبل، الأمر الذي قمت بحذفه من قائمة ذكرياتي. والأمر الذي يبدو أن إرنست قد إتخذه موضوعاً للحديث بينه وبين إلمر.
هذه المره شهقت آنّا قائلة:
" مستحيل.. أنستي هل فعلتي شيئاً كهذا؟ "
بينما غطت آللورا فمها بيدها وهي تنظر لي النظرة إياها.
كنتُ قد فغرت فمي غير مصدقة لما خرج من فم أخي. ثم حولت بصري حول الفتاتين لأنفي الموضوع لكن لاشيء خرج من فمي.
" يا إلهي أنسة إزابيل! نحتاج أن نتحدث "
وضعت آنّا يديها على خاصرتيها ونظرة عتاب على وجهها بينما قهمهت آللورا ورسم إلمر إبتسامة نصر.
قلت لانهي الموضوع:
" حسناً هذا يكفي، نحن لسنا هنا من أجلي. لقد جلبتك مخطوبتك هذه لأمر ما.. هيا تحدثا "
فور قولي لذلك تغيرت ملامح آللورا وأزيلت تلك الإبتسامة من على وجهها.
عاد إلمر ليمسك بها من ساعدها ثم وجهها ناحيه أحد المقاعد المزدوجة:
" عزيزتي، هل انت بخير؟ "
" نعم. نعم ، لكنني لا أستطيع تصديق ذلك "
" أفهمك، أنا أيضاً لم أصدقه عندما قرأت رسالتك، كيف يمكن لصدفه كهذه أن تحدث!!"
" هل يمكنكما إخباري عن ماذا تتحدثنا؟ "
قاطعتهما فإلتفت إلمر ناحيتي منزعجاً:
" إزابيل، هل يمكنك تركنا وحدنا قليلاً؟ "
" لكن! .. كيف يمكنك ... "
" إزابيل، أرجوك! "
برجاء قال وهو يدعوني بنظراته أن اتفهم. أطلقت نفساً ثم إلتفت مستسلمه لأخرج برفقه آنّا.
لم ابتعد كثيراً وأنا أقوم بركل حجر قائلة بغيظ:
" كيف يتجرأ ويخرجني! أريد أن أعرف ماذا بها "
" أنستي. تعلمين ان لديهما كل الحق بالإحتفاظ به لنفسيهما. هذه أمور خاصة ولا يجب أن تعلمي كل شيء يتعلق بالأخرين "
" لكنني قلقه عليها! ، ألم تري كيف تصرفت طوال يوم البارحة؟ "
" نعم وأنا أيضاً قلقه، لكن هذا لا يعني أن تجبري نفسك بينهما، وأيضاً... "
أضافت بعتاب:
" لستِ في موقف يسمح لك بإنتقاد السيد إلمر، كيف تجرأتي بإخفاء ما حدث بينك وبين اللورد عني كل هذه الفترة !؟ "
إرتبكت:
" آنّا ، ليس الأمر كما تظنين.."
" وإذاً كيف؟ ما الذي حصل .. أخبريني .. الأن! "
أخرجت نفساً مستسلمة. ثم وبصعوبة أعدت ذكر ما حصل تلك الليلة.. لأول مره أتحدث عنه لأحد ما. موقف أعجب آنّا بشدة. إذ قالت بأعين حالمه:
" أوه ياإلهي كم اللورد عاطفي.. يبدو أنه حقاً يحبك أنسة إزابيل "
" نعم نعم "
" لابد أنه كان قلقاً للغاية ذلك الوقت "
" نعم نعم "
" ومع ذلك لم تقومي بإعطاه إجابه لطلبه للزواج.. "
هنا لم أتجاوب معها وقد كان الجحر الذي أدحرجه بساقي أكثر شيء مثير للإهتمام بالنسبة لي.
" أنسة إزابيل.. أنا لم أسألك من قبل، لكن أظن أن علي ذلك.. أخبريني.. هل لديك أي مشاعر تجاه اللورد أغسطس؟ "
مع نهاية جملتها نظرت إليها، ثوانٍ لم أجب فيها. لأقول أخيراً:
" لا أدري. "
" لا تدرين؟ "
" نعم لا أدري.. في البداية وبعدما حصل ذلك اليوم ظننت أنني كونت ناحيه مشاعر... حب، لكن في نفس الوقت كنتُ أتوق إلى الذهاب بعيداً وأنا أظن أن مشاعري هذه ستختفي بعد أن نفترق. وعندما قارنت نفسي بكِ وبـ إليزابيث وآللورا.. أجدني ... مختلفة. أنتما شعرتما بالحزن عند فراق من أحببتما وفعلتما كل شيء لتبقوا على تواصل، بينما أنا لا أعرف حتى عنوان بريد اللورد، ولم أفكر ولو للحظة بإرسال رساله له "
أخبرتها.. إعترفت بما في داخلي أخيراً وأطلقتُ نفساً مرتاحه لقوله.
ظلت آنّا تنظر إلي لوهله قبل أن ترد:
" ليس هذا بأمر غريب، فكل شخص لديه طريقته الخاصة في أظهار مشاعره تجاه من يحب. ولابد أن لديك طريقة خاصة بك، لايجب أن تشابهيني أو الأنسة إليزابيث، فأنتِ من البداية .. مختلفة عنا "
" لكن أهذا طبيعي؟ عدم الرغبة في مقابلته.. لا أظن ان هذا طبيعي "
فجأة.. قامت آنّا بمد يديها لتكوب وجهي ولتقول بهمس بينما تنظر لعيني:
" أحقاً لا تريدين مقابتله أنستي؟ .. "
" لا ... لا أعرف "
" أرأيتي؟ لا تطلقي أحكاماً مسبقاً أنا متأكدة انك في داخلك تريدين ذلك "
قالتها وهي تبتعد عني. للحظة إستنكرت كلامها، فأنا من المستحيل أن أتمنى ذلك. بل في داخلي رغبه أقوى في مقابله إرنست وليس اللورد (لكنه أيضاً أمر لن اعترف به هو أيضاً). ومع ذلك لم أقل شيئاً فقط لانهي الموضوع إذ لا رغبة لي بمناقشة مشاعري في لحظة كهذه.
بعد ربع ساعة خرج إلمر وآللورا. وقد تبدلت الملامح على وجهها لتعود طبيعية.
أقبلا تجاهي وقال إلمر معتذراً:
" أسفان على ما حصل قبل قليل "
" لا عليك إلمر، أنا أيضاً اعتذر. المهم الأن هل أنتِ بخير آللورا؟ "
" نعم أنا كذلك. لا تقلقي لقد إشتقت فقط لرؤيه إلمر"
رفعت حاجبي لأخبرها أن كلامها لم يدخل عقلي ليقول إلمر وهو يحيطها بيده:
" ماذا؟ هل تشكين في مشاعرنا؟ "
أجبته بسرعة وأنا أبعد يده عنها وأفصل بينهما لأقف في المنتصف قائله:
" توقفا عن ذلك بالله عليكما. ماذا لو رأكما أحد؟ أليس من المفترض أن تكون علاقتكما سراً ؟!"
كور إلمر فمه وقد تذكر الأمر بينما أنزلت آللورا وجهها خجله. تنهدت متعبه منهما ثم قمت بـ هش إلمر بعيداً قائلة:
" والأن بعد رؤيتك لها إذهب. لا أريد أن تخرج الفتيات من الدرس ويرينك.. يكفيني كل ذلك الحديث عن إرنست "
" حسناً حسناً لا تدفعيني "
لكنه توقف قائلاً:
" بالحديث عنه، سأذهب لزيارته قليلاً، هل من شيء تريدينني أن أنقله له؟ "
هو يعلم عن شجارنا لذلك إقترح ما قاله وهو ينظر إلي مترقباً. أطبقت على شفتي وقلت وأنا أمسك بيد آللورا لندخل إلى المدرسة:
" كلا .. لا أهتم، إلى اللقاء إلمر "
في صمت سرنا حتى دخلنا إلى الحديقة الدخلية عندما قررت آنّا التعليق:
" أنسة إزابيل، ألا تظنين أنكِ تبالغين قليلاً؟ هذه ليست أول مره تختلفان فيها "
" لستُ أبالغ، بل لا أدري كيف يقوم إلمر بزيارته وهو ضد زواجه من آللورا.. "
" لأنه مهما إختلفا في الرأي هما شقيقان في النهاية"
توقفتُ عن المسير. وقد برز اللورد أغسطس والسيد ستيفينز في عقلي فجأة.
" إزابيل، ليس عليك القلق بشآني. لا أريد أن أكون السبب في سوء العلاقة بينك وبين إرنست "
علقت آللورا بقلق وهي تربت على كتفي، أخذت نفساً عميقاً ثم أخرجته لاهز رأسي لها دون قول شيء وأغير الموضوع فوراً:
" وإذاً ألن تخبريني ما الذي حصل مع ليديا؟ "
" أخبرتك أن الأمر لا علاقة له بها. هذه أول مره ألتقيها فيها . أقسم بذلك "
كانت تتحدث بصدق وعيناها لم تفارق عيني. لكنني لم أستطع تصديقها. أردفت متسائلة:
" لكن.. أيمكنك إخباري عنها قليلاً؟ هذه أول مرة أقابل شخصاً من عائلة نبيلة كعائلتها. تبدو مبهره حقاً"
حدقت إليها لوهله وقد إبتسمت لتبين لي أنها لا تعاني من أي شيء. تنهدت. ثم اجبتها:
" أنا أيضاً لا أعلم الكثير عنها. فقط أعلم أن والدها الدوق ماركلين شخص مهم للغاية ولديه نسب مع الملكة. وغير كونه نبيلاً لديه أعمال تجارية تتضمن الكثير من البلدان.
أيضاً يقال أن زوجته إمرأة مهمة ومن عائلة غنية أيضاً. وأتذكر قولهم أن حفل زواجهما كان كبيراً للغاية وتحدث عنه الناس لسنوات. "
كانت آنّا تستمع فقط بينما كانت آللورا تهز رأسها مع كل معلومة أقولها لتسأل مجدداً:
" وماذا عن ليديا؟ ألديها إخوة أو أخوات؟ "
" مممم لا لا أظن.. لم يرزق الدوق بإبن لديه فتيات فقط. ولا أدري عددهن. لكن أظن أن ليديا أكبرهن "
" أها.. لقد فمهت. يبدو أن هناك الكثير لا اعلمه في هذا العالم "
كانت تتحدث بإعتياديه. وبمرح كان متصنعاً بالنسبة لي لكنني لم أعلق وأخذت أجيب عن أسئلتها المتعلقه بالأسر النبيلة والملكة فيكتوريا.
أعلم أن هناك شيئاً يدور بين إلمر وآللورا. فهو لن يأتي كل هذا الطريق إلى لندن فقط لأن آللورا اشتاقت إليـ... مهلاً. ربما قد يفعلها. لقد تغير أخي إلمر كثيراً بعد مقابلتها وربما يفعلها حقاً.
أخرجت نفساً حاراً، حدسي يخبرني رغم كل شيء.. أنني محقه.
...........
الانتقال إلى الفصل التالي