رواية الخادمة الفصل 5
(5)
مع وصول فصل الخريف يكثر الحديث عن الحفلات التي ستقام خلاله، حيث تقييم الكثير من العائلات في لندن حَفَلات ليلية ضخمة يُدعى إليها سكان لندن وبعض حَفَلات الشاي والحَفَلات النهارية أيضاً، وتقيم بعض الأسر حَفلات خاصة للفتيات خاصة أولئك اللاتي من أسرة نبيلة ويقمن في المدارس الداخلية.
إذ يتم دعوتهن إلى مثلها بين فينه وأخرى.
5
وتكون الفتاة محظوظة إذا دعيت إلى الكثير من الحفلات أو إلى تلك التي تقام بواسطة أسر عريقة إذ هذا يعني أنها بدأت تكتسب مكانه جيدة في المجتمع الراقي.
في الماضي عندما كانت إليزابيث لا تزال تدرس هنا كنا قد دعينا إلى بعض تلك الحفلات لكن ومنذ أن تخرجت إليزابيث لم أذهب إلا لواحدة، لستُ أتذمر لكن بالنسبة لوالدتي كان أمراً محبطاً للغاية وقد اخذت تحثني على إقامة علاقات أقوى مع الفتيات الأخريات ليتم دعوتي إلى حفلات أسرهن.
3
أمر كنت أتكاسل منه وبشدة لكن ومع مجئ آللورا تغير الوضع.
2
أرسل إلي إلمر قبل يومين برقية تحدث فيها عن هذه الحفلات وعن كونها ستساعد آللورا على تحسين صورتها، أرادني مساعدتها على التعرف على أولئك الذين لهم علاقات بها حتى يتم دعوتها إلى مثل تلك الحفلات.
أردت إخباره أنني لا أحتاج فعل ذلك فـ آللورا بالفعل تعرفت لوحدها على الكثير من أمثال اولئك، بل أصبحت هي من تعرفني عليهم احياناً.
من المذهل رؤيتها تندمج في مجتمع لندن بهذه الطريقة ودون الحاجه لمساعدة تذكر. فها هي بعد شهر ونيف من بداية العام الدراسي تحاور الفتيات من مختلف الأعمار في مواضيع شتى مجبرة إياهم على التعامل معها بمساواه.
30
كنا في إحدى القاعات الكبيرة والتي تقام فيها بعض الندوات أحياناً لكنها تستعمل لإقامة حفلات الشاي الدورية والحفلات التي تقيمها الكلية كل موسم لطالباتها.
برفقتنا كلوديا وليديا أيضاً واللتين أصبح من الإعتيادي رؤيتهما معنا إذ إندمج أربعتنا سوياً بسرعة – رغم إختلاف أعمارنا الشاسع - ، وقد كانت علاقة آللورا وليديا الأقوى بيننا إذ كانتا تتشابهان في الشخصية وطريقة الأفكار، أمر اثار إستغرابي فبعدما حصل ذلك اليوم عندما إلتقتا أول مرة شككت أن آللورا تخفي أمراً ما، لكن إهتمامها بها إزداد وكان سبباً لكي تقوى علاقتهما.
50
حتى أن كلوديا أخذت تتذمر لي بعض المرات أن ليديا تفضل البقاء مع آللورا أكثر منها. مما جعلني الشخص الذي تقضي معه وقتها عندما لا تكون ليديا موجودة.
5
جلس أربعتنا حول طاولة دائريه وأكواب الشاي المزخرفة التي جلبتها ليديا من سفرها تزين الطاولة وقد كانت نصف ممتلئة.
شغلنا حديثنا عن إكمالها حيث أخذت كلوديا تعدد في الحفلات الكبيرة المنتظرة في الأسابيع القادمة بينما إستمع ثلاثتنا لها:
" هناك الحفل الذي تقيمه الدائرة النسوية للتعليم والذي سيقام في مركز الملكة فيكتوريا العام للنساء، يقولون أنه سيكون مهماً وستحضره نساء مميزات من أمريكا وفرنسا والهند، وهناك حفله الشاي التي تقيمها الدوقة ثريسا وسمعت انها ستدعوا بعض الفتيات من كليتنا.. ليديا أظن أنك ستتلقين دعوة .."
قلبت ليديا عينيها مفكرة ولم تعلق.
".. وهناك الحفل السنوي لكليتنا والحفلات العائلية.. عائلة أرشيبالد وعائلة هاريسون وعائلة جونسون، لا أدري من قد يتلقى دعوة منهم "
10
ختمت كلامها وقد عقدت حاجبيها فهذه العائلات من أرقى عائلات لندن ولا يعلوها إلا العائلة الملكية. قلت بينما أمسك بكوب الشاي بيدي الإثنتين لأتناول رشفه سريعة:
" قبل وقت طويل دعيت أوليفيا أختي الكبيرة إلى حفل عائلة جونسون في نهاية العام كما أنها تأتي كل عام لحضور حفل الخريف أيضاً "
2
إتسعت أعين الفتيات. لتعلق ليديا قائلة:
" حفل نهاية العام! إنه أخر حفل لهم في السنة وقد دعيت إليه شقيقتك! "
" نعم، لقد كانت صديقة لإبنة العائلة الكبيرة لذلك تتم دعوتها كثيراً "
" واو إن شقيقتك هذه مذهلة "
" قليلاً.. لقد أصبحت مزعجة بعد أن تزوجت "
لكزت آللورا جانبي قائلة:
" لا تتحدثي عنها هكذا "
" نعم نعم "
9
فجأت أضافت ليديا وقد تذكرت أمراً:
" هناك حفل أخر هذا العام .. "
" حفل من؟ "
" حفل عائلة ماركلين "
قالتها بإبتسامة واسعة وهي تنتظر رده فعلنا.
بالتأكيد لابد أن تقيم عائلتها حفلاً فهم قد إعتادوا ذلك، لكننا لم نذكر الأمر لأنه حفل راقي في العادة ولا يدعى له إلا ذو المكانه العالية وليس فتيات كلية الملكة.
لتقول كلوديا:
" لكننا لن ندعى إليه على أي حال، فلماذا نذكره؟ "
هزت ليديا يديها قائله:
" كلا لا أقصد الحفل المسائي، لقد قررت والدتي ان تقيم حفل شاي نهاري هذا العالم للشابات وحديثات الزواج "
3
نظرنا إلى بعضنا مستغربين لتقهقه قائلة:
" لقد قررت ذلك بعد أن دخلت الكلية وأصبح لدي الكثير من المعارف من عائلات أخرى، أرادت أن تتعرف بهم هي أيضاً .. تعرفون حتى تقوى العلاقات .."
" وأيضاً لأنك الإبنة الكبرى، لابد أن يتم إبرازك للمجتمع بهذه الطريقة فأنتِ إبنة عائلة عريقة "
أضفتُ وقد فهمت وجه نظر والدتها، إذ فعلت أمي هذا من قبل لـ أوليفيا بعد أن أصبحت في السن المطلوبة.
كانت تقيم حفلات عدة ويدعى إليها الكثير من الناس. ولأنني كنت صغيرة وقتها لم أكن أحضرها بالتأكيد.
" هذا صحيح "
" وإذاً؟ "
سألت كلوديا لتقول ليديا:
" وإذاً؟ "
" هل نحن مدعوات؟ "
" بالتأكيد يا غبية، ومن سأدعوا إن لم تكن أنتن في أول القائمة؟ "
10
إبتسمت الصديقتان سوياً بينما همهمت لنفسي أن هذا أول حفل تقيمه عائلة دوق سأحضره في حياتي.. لابد أن والدتي ستكون فخورة.
1
لكن هنا تدخلت آللورا لاول مرة في الحديث قائلة:
" أنا أسفة ولكن لا أظن أنه من اللائق لي الذهاب لحفلكم ليديا "
" لماذا تقولين هذا؟ "
سألتها ليديا بإستفهام كبير بينما إلتفت ناحيتها وقد لاحظت هدوئها ذاك:
" إنه حفل كبير سيحضره أبناء عائلات ... عريقة وكبيرة، لا يمكن لإبنة تاجر أجنبي مثلي أن تحضره، ما الذي سيقوله الناس؟ "
3
كورت ليديا فمها وقد إنتبهت لهذا الأمر، بينما تنهدت وأنا أتذكر أننا نتحدث عن عائلة نبيلة للغاية يهمها مظهرها أمام الناس.
" أعلم ذلك لكن مع هذا سأخبر والدتي.. سأحاول إقناعها بإرسال دعوة لكِ فأنتِ صديقتي على أي حال "
" كلا! لا داعي لفعل فهذا، لن يـ.. "
" آللورا.. لا تحاولي معي، سأفعل ذلك "
إبتلعت آللورا غصة في حلقها ولم تعلق بالمزيد. لننهي ذلك الموضوع هنا وننتقل إلى غيره.
11
∂
إقتربت جلسة النطق بالحكم.
كان عنواناً كبيراً زين الصفحة الأمامية للتايمز والتي كان يمسك بعددها أحد زوار متجر الكعك الذي دخلته مع آللورا.
كنا قد خرجنا ظهر يوم سطعت فيه الشمس لأول مرة منذ أسابيع بعد أن إنتهت كلانا من دروسها مبكراً على غير العادة.
كثُر خروجنا من المدرسة لأن آللورا أحبت التجول في شوارع لندن ولا يزال دفترها الصغير ذاك يسجل كلما تراه من جديد.
والأن وبينما كانت هي تختار مابين كعكة الجبن ووكعكة التوت كنت أنا أحاول قراءة تفاصيل ذلك الخبر لكن بدون جدوى إذ قام حاملها بطيها للأسف.
ما علمته أن قضية ستيفينز بلاك وود قد إقتربت من نهايتها لكن نهاية القضية لا تعني نهاية المشاكل للـ لورد بلاك وود.
إذ لن تنتهي الإشاعات والأقاويل بين ليلة وضحاها وقد يستمر لوقت طويل أمر سيضر مكانته الإجتماعية كثيراً.
إستقر قرار آللورا على كعكة الجبن وإخترت لي ولـ آنّا واحدة بالمشمش ثم خرجنا في طريق العودة إلى الكلية، لم يفت آللورا الهدوء الذي إجتاحني بينما أراقب في الناس من حولي لتسأل من فورها:
" ما الخطب إزابيل؟ ما الذي يشغل بالك؟ "
" هم؟ .. مممم ليس بأمر مهم "
7
قلتها دون إهتمام لكنها سألت مجدداً:
" هل يتعلق الأمر باللورد بلاك وود؟ "
متفاجئه نظرت إليها لتبتسم هي وتهز كتفيها، تنهدت ثم إعترفت:
" نعم، لقد إقترب موعد جلسة النطق بالحكم "
" أليس هذا جيداً؟ "
1
" نعم ، ولا ..أثار القضية السلبية لن تنتهي بسرعة. الأمر مزعج بعض الشيء "
" نعم لابد أنه كذلك. أستطيع تخيل ما قد يمر به اللورد "
" أرجو فقط أن يكون بخير "
همست بها متنهدة، لتقول آللورا بعد ثوانٍ من الصمت:
" لم لا تزورينه إن كنتِ مهتمه؟ "
9
سؤالها جعلني اتوقف عن السير وأنظر إليها بإستنكار. لكنها أبدت البراءة ولم تضف شيئاً. لأقول بلامبالاة ونحن نعاود السير:
" ليس وكأنني اعرف عنوانه على أي حال. وهو لا يحتاج وجودي من الأساس "
53
فتحت آللورا فمها لتقول شيئاً وقد كان حاجباها معقودين، لكنها لم تخرجه. ظلت تنظر لي لثوانٍ كأنها تبحث عن شيء ما في وجهي. فرفعت حاجباً متسائلة.
أخيراً هزت رأسها يمنه ويسرى وأخرجت نفساً متنهدة كأنها لا تعرف ماذا تفعل معي.
إستغربت حقاً لكنني لم أعلق.
أكملنا طريقنا في صمت وكل واحدة مستغرقة في أفكارها. إلى أن وصلنا إلى بوابة الكلية والتي أغلق مدخلها عربة كبيرة ذكرتني تلك التي يمتلكها اللورد أغسطس.
34
رفع السائق قبعته محيياً عندما مررنا بقربه بينما تسألت آللورا عن صاحب مثل هذه العربة ولماذا قد يأتي إلى مدرستنا.
لم يطل بحثنا عن الإجابة إذ إلتقينا - مجدداً - في المرر إلى داخل المدرسة أربعة أشخاص. كلوديا. ليديا.. وسيدة إرتدت ثوباً أسود مبهراً للغاية. جعلها تبرز من بعيد، وقبعة بيضاء زينت بنقوش وشريط أسود أبرزها بشكل لافت. ومن خلفها سارت من بدت خادمة وهي تلحق بسيدتها بسرعة.
29
لم أستطع التدقيق في ملامح السيدة إذ قطع أفكاري صوت ليديا قائلة:
" أخيراً عدتما !!"
ثم أقبلت مسرعة إلينا:
" لقد بحثنا عنكم في كل مكان. وأخبرتني آنّا أنكما قد خرجتما مجدداً "
" ما الأمر؟ لماذا تبحثين عنا؟ "
سألتها وأنا أعلم أن للأمر علاقة بالسيدة المتجهة ناحيتنا. لتجيب:
" لقد جاءت والدتي للزيارة. وقد أحضرت معها الدعوات للحفل نهاية الإسبوع.. أردت أن تقابلاها "
أكملت حديثها مبتسمة وهي تنظر إلينا. نظرتُ إلى السيدة التي إقتربت وبقربها كلوديا ثم حولت بصري بسرعة إلى آللورا مرتبكة فلم أعرف كيف أتصرف مع الدوقة ماركلين.
1
لأجد حينها أنني لم أكن الوحيدة المتوترة فقد بدت آللورا شاحبة للغاية. عيناها عانقتا الأرض وقد إمتدت يدها إلى قبعتها لتنزلها أمام وجهها كأنها تخفيه. ولاحظت إرتجاف تلك اليد!
لكن وقبل أن أواسيها تحدثت تلك السيدة التي وقفت أمامنا قرب إبنتها بصوت رفيع وعينان تنظران إلي مباشرة:
" إذاً أنتِ هي إزابيلا إبنة الآيرل غرين "
مجبرة نظرت إليها وصعقت من مدى جمالها!!
الدوقة ماركلين لم تكن كبيرة في السن، وقد بدا من الواضح انها تعتني بنفسها جيداً إذ كانت جميلة للغاية ومكياجها لم يكن نافراً بل مناسباً لها ولفستانها الراقي. أعطتني فكرة جيدة عن ما ستكونه ليديا عندما تكبر فقد كانتا متشابهتين للغاية، غير أن لون عيني الدوقة بني داكن.
2
إستجمعت شتات نفسي وإبتسمت بدبلوماسية ممكسة بأطراف ثوبي لأحييها قائلة:
" سررت بمقابلك سيدتي الدوقة. أنا إزابيلا غرين كما تشرفتي "
" لقد سمعت عنك من إبنتي كثيراً... "
نظرت إلى ليديا لوهله قبل أن تكمل:
" كانت تلك أول مرة أسمع عنكِ فأنا ظننت أن لدى والديك إبنتان فقط "
21
كور الجميع أفواههم لما قالت. قبل أن تهتف ليديا:
" أمي! ليس عليك قول ذلك "
لم تعتذر السيدة بل إبتسمت لإبنتها. ثم عادت ببصرها إلي قائلة:
" أتمنى رؤيتك في الحفل بعد أيام. حتى أتعرف عليك أكثر "
" آه .. بالتأكيد . شكراً لك على الدعوة سيدتي إنه شرف لي "
إبتسمت إبتسامة جانبية بشفتيها الحمراوتين تلكما. ثم حولت بصرها إلى الشخص الأخر بقربي:
" ولابد أنكِ تلك الهندية؟.. إن ليديا لديها ذوق ... مثير للإهتمام في إختيار الأصدقاء"
44
أضافت أخر جزء بنبرة لم تعجب جميعنا، لكن أحداً لم يعلق.
رفعت السيدة ماركلين حاجباً عندما لم تقم آللورا بإنزال قبعتها عن رأسها وهو تصرف غير لائق. ولم تقم بالرد عليها أيضاً لأهمس لها:
" آللورا... أجيبي على الدوقة "
رأيتها تشد على قبضتها قبل أن تستلم وتنزل قبعتها ثم تسمك بأطراف ثوبها منحيه دون النظر إلي السيدة ماركلين وتقول:
" سررت بمقابلتك سيدتي "
6
أدارت السيدة رأسها بملامح غريبة.
" نعم صحيح .. "
ثم أضافت متسائلة:
" ما هو إسمك يا فتاة؟ "
" آللورا سيدتي... "
" آللورا من؟ "
" آللورا تورشيا "
للحظة عقدت السيدة حاجبيها وهي تقول:
" إنه إسم مألوف "
" لأنه إسم معتاد في الهند سيدتي "
أجابتها آللورا دون أن ترفع بصرها عن الأرض وقد كانت تتحدث برسمية لفتت نظرنا جميعاً. قلبت السيدة الإجابة في رأسها ثم سألت:
" ما الذي يعمله والدك يا.. آللورا؟ "
2
تدخلت حينها ليديا محتجه:
" أمي، لم تقومين بإستجوابها الأن؟ "
" علي معرفة خلفيات صديقاتك ليديا. لن أسمح بأن يقترب منكِ (أياً كان) "
9
أجابت بسرعة ولم يبدو أنها تهتم لمشاعر من تتحدثان عنها.
أطبقت ليديا على شفتيها بقله حيله ثم نظرت ناحيتنا معتذرة.
أنا لم اتأثر فقد قابلت مثل نوعها كثيراً لكن يبدو آللورا قد تأثرت بما تقوله السيدة فهي لم ترفع بصرها ناحيتها حتى الان ولا تزال يداها ترتجفان بينما تعانقان فستانها البنى.
" وإذاً .. ما الذي يعمله والدكِ آللورا؟ "
وضعت السيدة يداً فوق الأخرى منتظرة إجابة منها لتأخذ آللورا نفساً ثم تجيب:
" إن والدي ميت سيدتي... كنت أعيش مع جدي ووالدتي "
" هممم حقاً؟ .. وكيف قابلتها يا أنسة إزابيل؟ "
" لقد تعرف اخي إلمر على عائلتها في رحلة عمل. "
أجبت بسرعة بالكذبة التي حفظتها من إلمر. لكن الملامح التي إعتلت وجهها جعلتني أشعر بالقلق. عادت السيدة ونظرت إلى آللورا لكنها حتى الأن لم ترفع بصرها عن الأرض.
لتقوم السيدة ماركلين بالإقتراب منها ومد يدها إلى ذقنها لترفع وجهها بأطراف أصابعها وتنظر إليها ملياً.
إتسعت أعين ثلاثتنا. ولم تستطع إحدانا إبداء حركه. وكانت آللورا أكثرنا جزعاً.
14
حدقت السيدة ماركلين بعينيها لوهله قبل أن تفلت وجهها وتقول لإبنتها:
" لقد غيرت رأي. سأدعوها إلى الحفلة "
" ماذا؟ "
هتفت بها ليديا قبل أن تضيف بنصف إبتسامة والإستغراب على وجهها:
" هذا جيد.. شكراً لك أمي "
ثم نظرت إلى آللورا سعيدة بهذا الخبر.
28
إذاً لم تكن الدوقة تريد دعوة آللورا في البداية. لم اعلق وقد عدت ببصري إليها لأجدها تحاول إبدأ وجهها المعتاد .. لكن إرتجاف يديها فضحها.
لم تطل السيدة ماركلين بقائها وذهبت بسرعة إلى عربتها المنتظرة لنقف أربعتنا أمام البوابة نودعها.
وما إن إبتعدت العربة في الأفق حتى أطلقت كلوديا تنهيدة طويلة ثم قالت بصوت عالٍ:
" يا إلهي لقد كان ذلك مخيفاً!! "
1
قهقهت ليديا وهي تقول:
" أحياناً تتصرف أمي بطريقة غريبة "
" أحياناً؟ غريبة؟ أرجوك لا تدافعي عنها لأنها والدتك... هي دائماً تتصرف هكذا، أكاد أبول نفسي عندما اكون معها.. لا تعرفين ما الذي قد يغضبها أو يزعجها "
3
صرّحت كلوديا بكل صراحة لتعض ليديا على شفتها السفلى مفكرة ثم تقول:
" حسناً أعترف.. كلامك صحيح .. "
ثم أردفت إلى آللورا:
" أنا أسفة لما حصل قبل قليل.. لم اظن أنها ستتصرف هكذا "
" لا ... لا بأس ليديا "
بإختصار قالت وهي تعيد لبس قبعتها. لتضيف ليديا:
" لكن على الأقل حصلتي على دعوة لحضور الحفل! سيكون من الرائع مجئيك. أريد تعريفكما بوالدي .. ولا تقلقا هو ليس مثل والدتي فهو أكثر مرحاً .. رغم كونه عجوزاً "
أضافت أخر جزء وهي تضحك مع كلوديا. ويبدو أن كلامها قد لفت نظر آللورا إذ نظرت إليها لوهله ثم عادت لتخفي وجهها بقبعتها. حاولت تجاهل رغبتي في سؤال آللورا عن حالها وأنا أبتسم لـ ليديا وكلوديا.
52
ثم سرنا سوياً إلى داخل المدرسة بعد أن بدأت السماء تتلون بالرمادي مجدداً.
1
إفترقنا في المهجع فغرفنا في إتجاهين متعاكسين وعدت في صمت مع آللورا، كان لدي الكثير من الأسئلة لها إذ لم أكن لأفوت ردها فعلها المشابهة لما حصل عندما قابلت ليديا أول مرة .. بل ربما هي أقوى منها.
1
لكنني لم أسئلها لأنها و كما حصل ذلك اليوم فور أن عدنا إلى الغرفة إستلقت في سريرها دون أن تنام هذه المرة. ولم تشاركنا في تناول الكعك عندما جاءت آنّا لذلك. بل حتى لم تذهب معي لتناول العشاء لكنني تركت آنّا تأخذ بعضه لها في الغرفة وأن تبقى معها إلى أن تتناوله جميعاً.
1
عدت بسرعة بعد تناول العشاء لأتفقد حالها وأتبادل مع آنّا لتتناول هي عشائها. فوجدتها على حالها مستلقية كما هي.
أخرجت تنهيدة طويلة ثم أخذت كرسي المكتبة ووضعته أمام سريرها قائلة:
" لن تستطيعي خداعي هذه المرة وترك الموضوع يمر دون إخباري بالحقيقة "
جعلها كلامي تلتفت لتواجهني في إستلقائها.
" إن رده فعلك بعد مقابلة السيدة ماركلين غريبة اكثر من تلك المرة. لماذا تصرفتي هكذا؟ بدوتي خائفه للغاية. وكنت تتعاملين معها برسمية غريبة "
2
بصوت خافت أجابت:
" إنها مخيفة "
عقدت حاجبي إذ لم يكن هذا امراً يخيفها من قبل.
" آللورا أنتِ لا تخبرينني الحقيقة. إن هذا الأمر أكبر من ذلك وإلا لما إستدعيني إلمر في تلك المرة، أخبريني فلربما أستطيع مساعدتك! "
حدقت بي آللورا لوقت قبل أن تبعد الغطاء عن نفسها ثم تجلس متربعه وقد رسمت إبتسامة على وجهها:
" إزابيل أنا حقاً أتعبكِ معي. أنا أسفة لذلك "
" ليس عليك الإعتذار بل إخباري بالحقيقة "
" لكن ليس هناك ما أخبرك به! كلما في الأمر أنني خفت منها ومن تعاملها معي "
" لم يكن هذا أمراً يخيفك من قبل "
" لأنه لم يصدر من دوقة! هل تستطيعين تخيل أن تقابل فتاة مثلي شخصاً في مثل رتبتها! إنه أمر لم اكن لأتخيله في أجمح أحلامي "
4
لم أرد عليها وانا أنظر لها بشك لتكمل:
" من ثم أليست السيدة ماركلين مخيفة؟ لقد قالت كلوديا ذلك أيضاً "
" نعم هي كذلك "
" أوه يا إلهي لا أرغب في الذهاب إلى ذلك الحفل. أشعر بشعور سيء "
أضافت بقلق وهي تضم ركبتيها إليها.. ثم قالت بصوت خافت:
" أنا أريد إلمر "
154
بدت منكسرة وخائفة للغاية. قد لا تكون تخبرني بالحقيقة لكن هذا لا يعني أن لا أتعاطف معها. مددت يدي ممسكها بخاصتها لأقول:
" ليس عليك الخوف آللورا فأنا هنا. ومن ثم إن عائلة ماركلين ليست مخيفة حقاً. لقد قابلتي ليديا وتصادقتي معها.. ولن يكون هناك غيرها فبقية أخواتها لم يبلغوا سن حضور الحفلات بعد ... وهناك والدها ..."
إلتفتت ناحيتي بإهتمام:
" ... سمعت أن السيد ماركلين رجل طيب القلب للغاية وأظن أن ليديا تماثله في ذلك. "
إبتسمت آللورا قائلة:
" نعم أظن ذلك "
2
" لكل هذا ليس عليك القلق فقط بسبب السيدة ماركلين. لا أظن أننا سنلتقيها اكثر من إلقاء التحية فهي ستكون مشغولة بإدارة الحفل على أي حال "
" هذا صحيح "
مره أخرى قالت وقد أنزلت كتفيها مرتاحه قليلاً. بل أظن أنني رأيت شبح إبتسامة على وجهها. لتقول بعد وهله وهي تنهض:
" أظن أنني سأرسل رسالة إلى إلمر "
" لماذا؟ لقد أرسلتي له قبل يومين فقط "
" لقد إشتقت إليه "
35
أدرت عيني لها ثم تركتها تذهب إلى مكتبتها وتخرج ظروف الرسائل وبعض الأوراق ثم تضئ الشمعة لتكتب على ضوئها. أخرجت نفساُ ولايزال كونها لا تريد إخباري بالحقيقة يزعجني. لكن على أي حال.. أنا معتادة على معرفة الحقيقة بنفسي. أرجو فقط أن لا يطول الوقت حتى أعرفها.
..........
الانتقال إلى الفصل التالي