رواية اللورد الفصل 5
(5)
بدأتُ أتململ في وقفتي أثناء انتظاري لعودة إرنست بالعربة التي ستقلني إلى منزل ماري ذلك رغم كونه قد ذهب منذ أقل من دقيقة فقط لكنني كنتُ متحمسة للغاية وأرغب في التحرك الأن لو أمكن.
1
كان هذا اليوم مشرقًا ولم تتخلل السماء أي غيوم لتحجب لونها الأزرق البراق ونتيجة لذلك ساد جو من البهجة بين ضيوف اللورد أغسطس، تناولنا الإفطار قبل ساعات من الأن ثم تفرق الجميع إلى ما يخصهم.
كنتُ قد اتفقت مع والديّ أن أذهب لزيارة ماري ثلاث مرات خلال بقائنا في منزل اللورد لذلك لم أضيع الكثير من الوقت وعدتُ فور انتهاء الإفطار إلى غرفتي لأبدأ التحضير لزيارتي تلك.
لم تُخفي إليزابيث استنكارها لتحمسي للزيارة أكثر من حضور حفلات اللورد أغسطس فلقد قمتُ بتخصيص أجمل ثيابي النهارية لهذه الزيارة ووضعتُ مجهودًا أكبر في تزين وجهي أيضًا.. بالتأكيد آنّا هي من فعلت ذلك وليس أنا.
والأن أقف قرب الدرج المؤدي للبوابة الأمامية للمنزل منتظرة عودة إرنست والذي ذهب إلى الإسطبل ليخبرهم بتحضير عربة من أجل ذهابي بها.
قطع خلوتي المتحمسة تلك خروج من عرفتُ في وقت سابق أن اسمه والانس واتسون من البوابة الرئيسية. هو نفسه الشاب الذي كان إرنست يتحدث معه باندماج في عشاء ليلة البارحة. شاب عشريني بشعر بني باهت وبنية قوية لافتة وطول تجاوز أغلب الرجال هنا.
2
رسم والانس ابتسامة عندما وقعت عيناه علي ليقترب مني بينما يلقي تحية:
" يا له من يوم جميل بدأ بلقائك أنسة إزابيل "
" شكرًا لك على لطفك سيد واتسون "
" نادني والانس فقط أرجوكِ فلستُ شخصًا مهمًا وأكبرك بثلاث سنوات فقط "
" حسناً كما تريد سيد والانس "
4
ظننته سيذهب لكنه عدل من وقفته ليقف في محاذاتي ويقول:
" ذاهبة إلى مكان ما؟ "
" آه، نعم أرغب في زيارة صديقة تسكن في القرية المجاورة "
" حقاً ؟ هذا جميل...
..أخبرني إرنست أنكِ تدرسين في كلية الملكة، أختي الصغرى قد بدأت دراستها هناك الخريف المنصرم "
" ما اسمها؟ "
" كلوديا "
" ممم كلوديا واتسون لا أذكر أنها قد مرت بي "
4
" لا أستغرب ذلك فهي غير اجتماعية بعض الشيء، أذكر أنها كانت تتذمر لثلاث أشهر أنها تريد العودة للمنزل ولا تريد البقاء في المدرسة "
" يا إلهي وهل اعتادت عليها؟ "
" نعم، استطاعت تكوين بعض الصديقات وأصبح المكان ممتعاً أكثر لها "
" هذا جيد، أظن أنني سأذهب لمقابلتها بعد العطلة علني أجعلها تحب المدرسة أكثر "
تبسم والانس وقد قال:
" أنتِ بالفعل شقيقة إرنست أذكر جيدًا انه كان يحب المدرسة هكذا أيضًا "
" أكنت تدرس مع إرنست؟ "
" بالتأكيد لقد تعرفنا على بعضنا هناك "
" أسمع إسمي هنا، ما الذي تتحدثان به عني؟ "
التفتنا ناحية إرنست الذي عاد من جهة الإسطبل وقد بدا سعيدًا لسبب ما.
" لا تتدخل بيني وبين صديقتي الجديدة يا إرنست "
قالها السيد والانس بنبرة مقصودة لتتوسع ابتسامة إرنست ويقول وهو يحيطني بذراعه بطريقة دفاعيه:
" من الذي سمح لكَ بعقد صداقة مع توأمتي؟ "
" لا أرى سببًا يمنعني من ذلك، إن صادقتُ أحد التوأم يجب أن أحصل على الأخر أيضًا "
64
" لا تصير الامور هكذا عندنا يا صديقي "
" سنرى... إذًا بما أن شقيقكِ المُحب قد عاد سأستأذن فأنا أرغب في تحريك عضلاتي والتنزه قليلًا "
" شكراً لكَ سيد والانس، سُعدتُ بالتحدث إليك "
2
انحنى والانس بأدب ثم أشار لنا بيده بينما اتخذ طريقه ناحية الحديقة الخلفية.
" فجأة أصحبت لأختي شعبيه كبيرة "
زفر بها إرنست بينما وضع يدًا فوق الأخرى، لأتجاهل تعقيبه لأسأله مباشرة:
" لقد عدت بسرعة، هل هناك عربة جاهزة أستطيع الذهاب بها؟ "
" نعم تدبرت الأمر ستصل العربة بعد قليل "
" أخيرًا "
كدتُ أن أثب في مكاني من الحماس، قهقه إرنست قليلًا:
" أشعر أنني قد خسرت لـماري، تحبينها أكثر مني بالتأكيد"
" هممم من الصعب التحديد، في هذه اللحظة أظنني أحبها أكثر لكن في وقت أخر، لا أحد يغلبك أخي "
" نعم صحيح " علق ضاحكًا.
6
مرة أخرى خرج أحدهم عبر الباب الرئيسي، ظننت أنه سيكون أحد الضيوف أو ربما أحد الخدم ولم أتوقع رؤية اللورد أغسطس وقد ارتدى ما بدت حله الخروج. بذلة سوداء كاملة مع قفازين أبيضين وقبعة ارتداها فور خروجه وفي إحدى يديه جمل عصا المشي خاصته. من خلفه وقف بيتر أعلى السلم ولم ينزل معه إلى الأسفل لكنه هز رأسه لنا في تحية.
20
مثل والانس ابتسم اللورد عند رؤيته لنا واتخذ طريقته إلينا. استقمت في وقفتي بينما لم يغير إرنست من وقفته، وقف اللورد على بعد خطوات منا قائلًا وهو يرفع قبعته قليلاً:
" الإخوة غرين صباح الخير "
" صباح الخير أيها اللورد "
سوياً رددنا عليه فاتسعت ابتسامته كأن ردنا سويًا راق له، مرة أخرى لاحظتُ خيط التعب مرسومًا تحت عينيه كأنه لم ينم الليلة السابقة، رغم كون بقيه وجهه كان مشرقًا بابتسامة الواسعة.
20
"هل ستذهب وحدك للقاء العمدة لورد أغسطس؟ "
سأل إرنست بنبرة جادة ليجيبه بهزة من رأسه:
" المكان ليس بعيدًا"
نظر إرنست ناحية بيتر الذي كان لا يزال واقفًا في مكانه أمام الباب فهز هو الأخر رأسه فعاد إرنست بنظره إلى اللورد قائلًا:
" لا بأس إذًا"
3
حول اللورد أغسطس نظره بيننا سائلًا:
" وإذًا.. هل أنتما أذاهبان إلى مكان ما؟ "
" في الحقيقة إن إزابيل هي من ستخرج، للقاء صديقة ما"
ثبت اللورد نظره ناحيتي:
" وأين تسكن هذه الصديقة؟ "
" في القرية المجاورة أيها اللورد "
" كم هي صدفة رائعة، أنا في طريقي إلى هناك الأن ما رأيك بمرافقتي؟ "
141
ارتبكت للحظة وأردتُ الرفض إلا أنا إرنست سبقني بأن قال قبل أن أفتح فمي:
" سيكون ذلك رائعًا سأكون أكثر راحة لو ذهبتْ برفقتك سيدي اللورد فأنا لا أستطيع الذهاب لإيصالها "
" إذًا لقد قُرر الامر "
بدون أخذ رأيي اتفقا وفي تلك اللحظة وصلت عربة كبيرة سوداء ويجرها حصانان يحملان نفس اللون إلى أمام البوابة، لم يكن من الصعب معرفه أنها عربة اللورد فقد كانت مزينة بخطوط ذهبية ونقوش قوطية أعطتها مظهرُا فريدًا وراقيًا في نفس الوقت.
لم يكن لدي وقت للاعتراض إذ سرعان ما مد اللورد يده إلي قائلًا
" لقد وصلت العربة، لنذهب أنستي "
2
رمقت إرنست بطرف عيني للحظة مؤنبة للموقف الذي أوقعني فيه لأرى حينها ابتسامة لم ترقني أبدًا في ملامحه.
64
أعطيت اللورد يدي بصمت متردد وقد شكرته بنبرة خافته ليطبق عليها بشدة حانية ثم قادني إلى العربة التي فتح السائق بابها، ساعدني في الصعود وقبل أن أجلس لمحت إرنست ينظر ناحيتي بنظرة أب يودع ابنته قبل ذهابها برفقة زوجها إلى منزل الزوجية.
129
علمت حينها أنه قد تم التلاعب بي، منذ البداية أرادني إرنست أن أذهب معه!!
28
عبستُ في وجهه قبل أن يتم إغلاق الباب، وفجأة أصبحت وحدي مع اللورد أغسطس.
4
...
21
سرعان ما بدأت العربة بالتحرك مُحدثه ربكه جعلتني أجفل في مكاني. بين يدي أمسكت بأطراف قبعتي وعيناي تخترقها فلم أرفع بصري عنها بينما يشغل بالي ما فعله إرنست.. لم يقم من قبل بترتيب أمر كهذا ضدي. أن يضعني مع رجل غريب وحدنا، تساءلت عن سبب فعلته لكني لم أجد سببًا غير أنه يريد أن يضعني في موقف محرج. ذلك الأخ الغبي.
34
جلس اللورد في الجهة الأخرى من العربة الواسعة وقد وضع ساقًا فوق الأخرى وعلى المقعد الوثير وضع قبعته وراحه يده ترتاح بقربها.
1
" هل اخترتِ أمنيتك بعد؟ "
اخترق صوته صمت العربة المغلقة فبدا واضحًا وجليًا مما جعلني أجفل وأنا أرفع بصري ناحيته. لوهلة لم أفهم مقصده لكن لحسن حظي لم يطل غبائي ذاك وتذكرتُ حادثة ليلة البارحة:
" آمم.. كلا ليس بعد "
" فكري جيدًا، يمكنني تحقيق أي شيء تطلبينه "
27
ابتسمت له مجبرة فلم أعرف كيف يجب أن أتصرف معه، هل أعامله بما تقتضي رتبته، أم أعامله شخص من نفس طبقتي ويماثل أختي الكبيرة في العمر؟
10
" يمكنكِ الاسترخاء آنسة إزابيل "
لفتني اللورد مجددًا، بدا أنه كان يراقب فيّ واستطاع بطريقة ما قراءة التردد في داخلي مما جعل حمرة الخجل تكسو وجنتاي المكتنزتين.
3
" تعاملي معي بكل أريحية فأنا لستُ شخصًا متطلبًا.. على الأقل إن كنا وحدنا أو برفقة إرنست "
" عفوًا أيها اللورد لكنني لا أستطيع، هذا لا يليق بشخص في مقامك "
" هممم حسنًا لا بأس لكن على الأقل لا تفزعي كلما تحدثتُ إليك، أرغب بخوض أحاديث جيدة معك فقد حدثني إرنست عنك وأعلم ان لديك العديد من وجهات النظر المثيرة للاهتمام "
52
مرة أخرى كستني الحمرة فأنا لا اعلم بماذا أفضى فم ذلك الأخ الثرثار عني. لم أعرف بما أرد عليه وحولت نظري ناحية نافذة العربة لألهي نفسي عنه بالمناظر التي تمر بنا.
لمحت من بعيد شيئًا انعكست أشعه الشمس عليه فلم أتبين ما هو للحظة. تمعنت فيه حتى عرفته قبل أن تبتعد العربة عن مداه، لأقول وأنا أقترب من النافذة لأنظر إليه بوضوح أكبر قبل أن يبتعد أكثر:
" أتلك حديقة زجاجية؟ "
" نعم .. "
10
رد علي اللورد لألتفت ناحيته عندما لم يعد بإمكاني رؤيتها وأقول بحماس لم يشبه ترددي قبل قليل:
" لم أرها البارحة عندما وصلنا هذا رائع، على ماذا تحتوي من نباتات؟ "
" الكثير، في الحقيقة لقد كانت والدتي مهتمة بالأزهار والنباتات بكل أنوعها لذلك خصص لها والدي تلك الحديقة، وبعد وفاتهما لم أرغب في إهمالها رغم كوني لا أعرف الكثير عن النباتات ولحسن حظي يمتلك ستيفنز بعض شغف أمي فكان يحضر معه بعض نباتان من أسفاره هنا وهناك، كما أن هناك متخصص يهتم بها بين فينة وأخرى "
2
" واو أستطيع تخيل ما ستكون عليه "
" يمكنك زيارتها متى ما أردتِ "
" سأفعل بالتأكيد "
قلت مبتسمة باتساع وقد وجدت شيئًا مثيرًا للاهتمام لكي أستكشفه مجددًا لأنتبه بعد وهلة للحماس الذي أبديته لكن كان من المتأخر التراجع عن ما حصل لذلك تابعت القول بنفس النبرة التي لم يبدو أنها قد أزعجته:
" بالمناسبة شكراً لكِ سيدي اللورد على اقتراح تلك البحيرة لي لقد استمتعت حقًا بزيارتها "
وصلت ابتسامته إلى عينيه اللتين لم تفارقاني وهو يجيب:
" يُسعدني ذلك، هذه البحيرة من الأماكن المفضلة لنا هنا وأحب أن يراها الجميع"
" أحسدك حقاً على وجودك في مثل هذا المكان الجميل، لا أظن أنني قد أمل العيش هنا ابدًا "
8
" ربما لكن إن طال بقاؤك في مكان ما وحدك ستبدئين بالشعور بالملل منه عاجلًا أم أجلًا "
علق وهو يحول نظره إلى النافذة، لا تزال الابتسامة على وجهه لكنها لم تعد تصل إلى عينيه.
40
وقبل أن أبدي أي رد فعل أردف اللورد:
" ما اسم صديقتك التي تودين الذهاب إليها؟ "
اسمها ماري.. ماري هاريسـ ... ماري هاريسون-وايت. اسمها بعد الزواج "
" أوه أتقصدين انها زوجة كلارينس وايت؟ "
" أتعرفه سيدي اللورد؟ "
" بالتأكيد، لقد كانت والدته صديقة جيدة لوالدتي وقد إلتقيته كثيرًا من قبل لكنني لم أتمكن من حضور حفل زواجه قبل أشهر لظروف مرت بي.
ذكرتني أنني لم أزره بعدها سأضع ذلك في جدول اعمالي للفترة المقبلة "
" كم العالم صغير "
" يبدو ذلك "
2
" وماذا عن ذلك المرآب؟ أي نوع من السيارات تمتلك سيدي اللورد؟ "
سألت بعد برهة من الصمت أردت ملأه بأي شيء وكان المرآب الشيء الوحيد الذي طرأ على بالي.
بدا مشتتًا للحظة لكنه سرعان ما أجاب:
" آه المرآب. في الحقيقة لا أمتلك أي سيارة، لا أحبذ السفر بها فلم أقتنع بهذا الاختراع بعد، لذلك وعندما وجد ستيفنز ذلك المرآب خاليًا قام بتحويله إلى مخزن للنباتات التي جلبها معه من رحلته إلى الهند "
" حقًا؟ "
28
قلتها باستنكار كبير جعله يضحك قائلًا:
" نعم، لم يكن هناك مكان لها في الحديقة كما قال وقد استعمل المرآب لأن الشمس تدخله بشكل جيد من نافذته الشرقة وهناك فتحة في الأعلى يمكن فتحها يدويًا وبذلك لن تموت النباتات من نقص الغذاء "
" همم لقد فهمت يبدو السيد ستيفنز مهتمًا حقًا بالنباتات رغم أن ذلك لا يبدو عليه "
كان هذه المرة هو من همهم قبل أن يقول بصوت خافت كأنه يحادث نفسه:
" من يدري "
32
ساد صمت بعدها لكنه كان صمتًا مريحًا لم أشعر بضرورة كسره راقب كلانا خلاله المناظر التي تمر بها العربة في طريقها إلى أن قطع اللورد الصمت وهو يسألني:
" كيف هي دراستك في الكلية؟ "
".. إنها جيدة حقًا وممتعة، أحب البقاء في المدرسة "
60
هذا إن لم نضع في الحسبان أن ماري لن تكون معي بعد الآن.
" هذا جميل حقًا وما الموضوع الذي ترغبين في دراسته؟"
فكرت إن كان علي إجابته بصراحة ففي العادة لا يحب الرجال الفتيات الطموحات واللاتي يمتلكن أفكارًا كبيرة، لكني تنبهت أنني لا أسعى لإعجابه على أي حال لذلك قلت الحقيقة:
" الحقوق، أرغب في أن أنشيء منظمة تختص بحقوق المرأة "
45
إجابتي جعلت اللورد يُبدي ملامح اندهاش ليُصرّح قائلًا:
" لم أتوقع أنكِ طموحة لهذا الحد "
" إنها مجرد فكرة واحدة من كثير، ولا أحد يعلم ماذا سيحصل حتى موعد تخرجي أو إن كنت سأحققها، ربما يتغير كل شيء "
" هذا صحيح، من الجيد أن يكون لديك الكثير من الطموحات والأفكار، أرى أنك فعلًا تشبيهن إرنست فكلاكما لديه قدرات وطاقة كبيرة لفعل الكثير، فقط تحتاجان لقضية تسخران فيها هذه الطاقات "
3
" نعم كثيرًا ما يقال لي هذا، أني وإرنست نتشابه في طريقة التفكير.. وفي الشكل أيضًا "
أضفت بصوت خافت كأني أحدث نفسي ولم أتوقع أن يكون قد سمعني أو أن يهتم بالأمر ويرد علي لذلك فاجأني حينما قال وقد عادت نظرته الباسمة إلى وجهي:
" لا أعلم عن الشكل فأنتِ أنثى على أي حال ولديك ملامحك المميزة والتي تختلف برقتها عنه "
أضاف دون أن يغير من نبرته:
" لكن هذا لا ينفي أن لديكما ملامح متشابهة فأنتما توأمان بعد كل شيء "
58
ملامح تختلف برقتها عنه، جملة بسيطة لكنها كانت من ألطف ما قيل لي منذ زمن، وجدت نفسي أصارع أن أخفي ملامحي السعيدة بينما همست قائلة بنبرة لم أعرف نفسي بها:
" شكراً لك "
هز اللورد رأسه لأعلى وأسفل باسمًا قم عاد ببصره ناحية النافذة حيث دخلت العربة أخيرًا القرية التي نقصدها لكن ليس لوقت طويل إذ سرعان ما قلت:
" أيمكنني أن أسألك سؤالًا سيدي اللورد؟ "
" بالتأكيد.. اسألي ما تريدين "
" ما هي طبيعة علاقتك بأخي إرنست؟ أعني تبدو صداقتكما قوية رغم فارق السن والـ والرتبة وما إلى ذلك"
" يبدو ذلك غريبًا أليس كذلك؟ "
" قليلًا فقط، فعلى أي حال لدى إرنست طريقته في كسب ود الناس وصداقتهم "
تبسم ضاحكًا لذلك لكنه وافقني:
" هذا صحيح.. أظنك تعلمين أننا إلتقينا في المكتبة الملكية "
" نعم "
" إلتقينا وتبادلنا الحديث عن بعض الكتب، ثم دعوته لإحدى أمسياتي ثم إلتقينا عند صديق مشترك بعد ذلك كنتُ أمر ببعض الظروف وقتها وساعدني إرنست و والانس - الصديق المشترك بيننا- وصديق أخر على المرور بها ومن وقتها قويت علاقتنا بعض الشيء، وهذا ما قادنا إلى هذا المكان "
4
ختم وهو يهز كتفيه ويعود بظهره على المقعد. استغربت دخول إسم والانس لكني لم استفسر أكثر إذ سيكون ذلك وقاحة مني وقلت بدلًا عن ذلك:
" لقد فهمت، من حُسن حظنا صداقة إرنست لك "
" أستطيع أن أقول ذلك أيضًا "
علق بابتسامة واسعة فابتسمت له أيضًا دون تدقيق في جملته.
1
توقفت العربة أخيرًا أمام البوابة الحجرية لمنزل وايت والذي لم يختلف كثيرًا عن بقيه المنازل إلا أنه كان أوسع بعض الشيء وقد تمت العناية بحدائقه وواجهته جيدًا مما يدل على الحال الاجتماعية الجيدة لساكنيه.
فتحت البوابة بعد ثوان عن كبير الخدم الذي كان ينتظر وصولي، ليفتح السائق الباب ويساعدني على النزول. وبينما كنت أرتدي في قبعتي برز اللورد من داخل العربة وهو يقول:
" سأعود لآخذك بعد أن أنهي مهامي فهل هذا مناسب معكِ؟ "
" بكل تأكيد، وشكرًا لكَ سيدي اللورد لقد كانت رحله ممتعة"
" من دواعي سروري أنستي الجميلة "
124
ختم كلامه بنبرة متلاعبة لم تشبهه لكنها كانت لطيفة، ثم قام السائق بإغلاق الباب بينما توجهتُ ناحيه البوابة الحديدية حيث استقبلني كبير الخدم.
راقبت العربة وهي تبتعد وأنا لا أزال واقفة خلف البوابة دون أن أنتبه لمن وقفت خلفي لبرهة إلى أن همست:
" أتلك عربة الماركيز أغسطس بلاك وود؟؟ "
فزعت وأنا ألتفت خلفي لأجد ماري تنظر إلى حيث كنتُ أنظر ثم حولت بصرها ناحيتي مبتسمة:
" تبدين فزعه لرؤيتي "
" ماري! "
ملأت وجهي ابتسامة واسعة وأنا أمد يدي ناحيتها لندخل في عناق حار استمر طويلًا فلم ترى أحدانا الأخرى منذ وقت طويل ثم ابتعدتُ عنها لأنظر إليها جيدًا.
لم تتغير كثيرًا في الشهور المنصرمة، شعرها البني إنساب من الأمام ليغطي جبينها، بشرتها حنطية وعيناها بلون المياه، وقد كانت أطول مني ببضعة إنشات.
5
" لقد افتقدتك حقًا ماري "
" ليس بأكثر مني صدقيني، لقد كدتُ أصاب بالملل دون أن أستطيع الحديث معكِ كما أعدت "
" كدتِ.. يعني لم تصابي به بعد! "
قلتها وأنا ألكزها بساعدي لتقول وقد احمرت وجنتها:
" بدأت أعتاد رفقة كلارينس وهو ليس بـسيء أبدًا "
" أوه نعم لقد خسرتُ من قِبل الزوج، يا لحظي الجميل "
14
قلت مازحة فضحكت ماري قليلًا قبل أن تقطع حديثنا الخادمة التي جات برفقتها وتخبرنا أن علينا الدخول بدلًا من الحديث في الحديقة لتقوم ماري بسحبي من ساعدي وتدخلني إلى المنزل، لدينا الكثير لنتحدث عنه.
...
2
▫حقائق فيكتورية:
النساء في الطبقة النبيلة
يعشن حياة فاخرة ويستمتعن
بقضاء أوقاتهن في حضور
جلسات شرب الشاي والحفلات،
بينما يقضين الأوقات المتبقية
في الحياكة وركوب الخيل
بينما يحظين بخدم يعتنون
بأمورهن. ▫
----------
الانتقال إلى الفصل التالي