رواية الخادمة الفصل 7

 



(7)


هل كانت لندن دائماً بهذا الجمال؟ أم أنني أعاني مما يُذكر في الروايات بمرض ( الوقوع في الحب؟ ).

8

عندما يرى الشخص كل شيء جميلاً ومميزاً وأن الحياة سعيدة وتستحق أن تعاش رغم كونه في أحلك الظروف في الحقيقة؟

أظن أنني أرجح الخيار الأول، ولا أريد حتى أن أفكر في الثاني لأنني سأشعر بالخجل من نفسي للتفكير في شيء كهذا.
حياتي لا تحتاج لوجود شخص فيها لكي أراها جميلة.
أنا من أجعل حياتي جميلة.

3

هكذا كررتُ لنفسي مجدداً فطوال الساعة السابقة التي خضناها في الطريق كنتُ أفكر فيما حصل قبل خروجنا من الكلية. إنشغل عقلي به وإنشغل قلبي بأن يضخ الدم بسرعة وينبض على النمط الذي تسير به العربة التي تقلنا إلى منزل عائلة ماركلين.

ولكم أزعجني هذا. أخرجت نفساً عميقاً وقد أبعدت بصري عن المنظر وراء النافذة وإلى داخل العربة التي كانت صامتة كليل الصحراء وهو أمر غريب لرغم وجود ثلاثة فتيات فيها.

حاولت كلوديا المسكينة فتح بعض الأحدايث في البداية، لكنني كنتُ ( سارحه ) للغاية وكانت آللورا بقربي ( خائفة ) للغاية. أخذت تمارس في طقوس التنفس خاصتها لتهدء من أعصابها ولو قليلاً لكن يبدو أنها لم تكن تنجح إذ بين فينه وأخرى أسمعها تهمس بـ: أريد العودة إلى المنزل. لكنها لم تنطق بها بصوت عالٍ على الأقل وهذا يعني أنها لا تزال متماسكة بعض الشيء.

10

وبعد أن فشلت محاولات كلوديا في فتح حديث شغلت نفسها في الأخرى بمراقبه الطريق. لكن يبدو أنها كانت مركزة معي أيضاً إذ قالت فجأة وهي تنظر ناحيتي:
" هذا المرة الخامسة التي تتنهدين فيها أنسة إزابيلا"

لم تكن جملة إعتراضية بل كان وراها أمر خبيث بسبب تلك الإبتسامة التي علت شفتيها، قلبت عيني ووضعت يداً فوق الأخرى قائلة:
" أكنتِ تراقبين في الطريق أم فيّ أنا؟ "

" كلاكما. فالأمر ممتع، على أي حال.. كنتِ تفكرين في اللورد بلاك وود أليس كذلك؟ أوه كم هذا جميل.. تعلمين.. لكم أرغب الأن بمقابلته لأعرف شكل هذا الذي إستطاع خطف قلب إزابيلا غرين "

" أرجوكِ لا تفكري حتى في ذلك. إن الأمر لا يستحق وأنتِ فقط تجعلين من الحبة قبه و.... "
" إزابيل... أنتِ تحبين اللورد أغسطس "

12

توقفت عن الحديث وقد إحمرت وجنتاي المكتنزتان لتطلق كلوديا ضحكة عالية جعلتني أغمض عيني وأنا أهمس لنفسي:
" ستكون هذه سنة دراسية طويلة "

1

عدت لأنظر عبر النافذة لأجد أننا قد وصلنا إلى جسر وندسور والمطل على القلعة العتيقة لألتفت ناحيه آللورا قائلة بسرعة:
" آللورا أنظري هذه قلعة وندسور الملكية "

جعلها ذلك تخرج مما كانت فيه وتنظر عبر النافذة بفضول إذ كانت تتنمى رؤيه مدينة وندسور التجارية لكن لكونها تبعد عن لندن سبعة أميال لم نستطع الذهاب إليها دون سبب مقنع.

راقبت المنظر عبر النافذة وأحاطت المكان بعينيها ثم عادت لتجلس في مكانها وهي تخرج دفترها الصغير وتبدأ بالكتابة.

" ما الذي تفعله؟ "
" مممم إنها هواية تكتب عن كل ما تراه "
" كما هو متوقع من الطالبة الأولى في قسم الأدب الإنجليزي "

أجبت على سؤال كلوديا فردت بإعجاب كبير. أطبقت على فمي لكي لا أخرج أي تعليق أخر وإكتفيت بمراقبه آللورا بينما تكتب بإندماج.

4

لم يطل الأمر بعدها حتى وصلنا إلى فيلا عائلة ماركلين وهي إحدى منازلهم الكثيرة والموجودة في كل مكان. لم تكن الفيلا كبيرة للغاية كمنزل اللورد الصيفي مثلاً لكنها كانت أكبر من المنازل العادية في المدينة. مصممة على النمط الغوطي كما القلعة التي تزين المكان. وما ميزها كان تلك الحديقة الزجاجية الكبيرة التي كانت في الجهة الشرقية من المنزل.

28

لفتت نظري فور أن دخلنا أرض المنزل إذ كان هناك جمع لا بأس به من الناس يجلسون على طاولات حديقة بيضاء وأخرون يدخلون عبر أبوابها الزجاجية الكبيرة.

توقفت العربة وقد كانت كلوديا أكثرنا حماساً إذ سرعان ما فتحت الباب لتخرج بينما إلتفتُ ناحيه آللورا التي بدت وكأن شبحاً مر بقربها. أخرجتُ نفساً فخوفها هذا ليس طبيعياً. لكنني لم اسألها وقلت بينما أمسكت بيدها:
" لا تقلقي سيكون كل شيء على ما يرام. لن أتركك وحدكِ "

كلامي لفت نظرها لتسأل بأمل:
" أحقاً ستفعلين ذلك؟ "
" نعم. لقد وعدتُ إلمر على أي حال أن أكون برفقتك دائماً وسيقتلني إن تركتك وحدك في أول حفل تحضرينه "

1

جعلها ذلك تبتسم. لا أدري أبسبب أنني لن اتركها أم بسبب إهتمام إلمر المبالغ عليها.
هزت رأسها لأعلى وأسفل ثم أخذت شهيقاً وزفيراً وقبل أن تنطق مجدداً ظهر رأس ليديا عبر الباب قائلة:
" لم لا زلتما في الداخل؟ "
إبتسم كلانا لرؤيتها ثم نزلنا.

كانت ليديا متألقة كالعادة في ثوب باللون الليموني. حيتنا كشابة نبيلة ممسكة باطراف ثوبها ومنحينيه قليلاً:
" مرحباً بكما في منزلنا المتواضع "

3

أردت أن أقول أنه بعيد كل البعد عن التواضع لكن بدلاً عنه قلت:
" لم لم تخبريني أن لديكم حديقة زجاجية؟ "
" أردتها مفاجأ لكِ، لقد أصررتُ على والدتي أن تفتحها اليوم رغم كونها لا تحب إقامة حفلات الشاي فيها. لكنها وافقت "
" شكراً على ذلك "

إلتفت ليديا ناحيه آللورا وبإبتسامة واسعة قالت:
" شكراً على قدومك آللورا أنا سعيدة لذلك "
" لم أكن لأفوت الحضور شكـ... "

" لقد وصلتن إذاً، مرحباً بكن يا فتيات "
قوطعت آللورا بصوت السيدة ماركلين التي أقبلت من ناحيه الحديقة. بثوب لحمي داكن وشعرها الأسود رفع عالياً وقد زينته قبعة صغيرة مزينة بريش أبيض جميل. كانت متألقه كما يتطلب منها منصبها الرفيع. كما لم تتغير نبرتها التي كانت تتحدث بها معنا أيضاً.

أجفلت آللورا للحظة لكنها تماسكت ورسمت إبتسامة، كنت من أجبتها بينما أنحني بأدب:
" شكراُ على دعوتنا سيدة ماركلين "
" نعم. من الجيد رؤيتكن مجدداً "

لم تكن تنظر لي عندما تحدثت بل إلى آللورا، ثم أضافت وهي شير إلى الحديقة:
" لم لا تدخلن الأن. الجميع قد وصل تقريباً "

1

ذهبنا برفقتها. أمامي ليديا وكلوديا والتي همست لها بأن أمراً لا يصدق قد حصل. سيكون علي لاحقاً أن أنبههما بأن لا يخبرا أحداً بما يتعلق بي واللورد. لكن الأن أخذت يد آللورا وشددت عليها مطمئنه إياها.

5


حفلات الشاي دائماً ما تكون أكثر إزعاجاً من حفلات الرقص. لأنها في البداية ذات أغلبية نسائية وهذا يعني الكثير من الثرثرة في مواضيع لا فائدة منها وثانياً لأنها لا تتضمن أي نشاط سوى شرب الشاي وتناول الحلوى والمقبلات والحديث بالطبع.
لا رقص لا شراب لا الكثير من الراجل الذين قد يأخذون إنتباه السيدات عن الحديث سوياً.

ولهذا كنتُ مجبرة على التفاعل مع الضيوف الأخرين والتعرف عليهم برفقه آللورا، في البداية رافقتنا ليديا لتعرفنا على البعض ومن ثم وجدنا طريقنا بأنفسنا.

كانت السيدات يشعرن بالفضول كلما علمن أنني إبنة الآيرل غرين فمن الواضح أن أغلبهن لم يسمعن بي. كما كن مهتمات كثيراً بـ آللورا وأخذن يسألنها كثيراً عن نفسها وأصلها، وعندما كان يشتد بها الوضع كنت أسحبها بآدب وأنقذها من الإحراج.

قضينا وقتاً جيداً داخل الحديقة الزجاجية والتي وإن كانت ليست بغنى حديقة اللورد لكنها كانت مثيرة للإهتمام. إذ كثرت فيها النباتات المتسلقة والأزهار المختلفة.

كان الحفل يسير بشكل جيد وقد بدأت آللورا تستمع به إذ لم نلتقي بالسيدة ماركلين ولا مرة بعد إستقبالها لنا، وهو ما أراحها كثيراً.

وبينما كنتُ أحدثها عن زهرة التوليب أقبلت ليديا لتتفقدنا قائلة:
" إذاً يا بنات، هل تستمتعن بوقتكن جيداً؟ "
" بالتأكيد، إن الحديقة جميلة للغاية "
" نعم، أنا سعيدة لأنني أتيت.. لقد تعلمت الكثير من الأشياء المفيدة "

أضافت آللورا سعيدة وهي تقصد ما ستستخدمه كمرجع لروايته تمتمت ليديا بأن هذا جيد رغم كونها لم تفهم ما قصدته. ثم أضافت ببعض الضيق:
" كنتُ أتمنى أن تقابلا والدي اليوم، رغم كوني قد أخبرته أنني أريد تعريفه بصديقاتي إلا أن والدتي قالت أنه قد خرج منذ الصباح وأن لديه عملاً مهماً "
" السيد ماركلين غير موجود؟ "

9

سألت آللورا ببعض الإحباط. لتجيها:
" نعم.. كم هذا مؤسف "
" آه نعم .. هو كذلك "
كلاهما أبديتا الإحباط بينما كنتُ مستغربة من رغبه آللورا في مقابلة السيد ماركلين.

ذهبت بعدها ليديا لتبحث عن كلوديا التي إختفت في مكان ما لتُقبِل بعدها مباشرة إحدى الخادمات في المكان قائلة:
" أنسة آللورا تورشيا؟ .. إن الدوقة ماركلين ترغب في دعوتك لتجلسي معهم "

عقدت كلانا حاجبيها لأسأل بسرعة:
" آللورا وحدها؟ لماذا؟ "
" ليس لدي علم انستي. لقد أخبرتني سيدتي أن أجلبها معي "
شعرت بجزع آللورا إذ حدث ما كانت تخشاه. قلت لها:
" سأذهب معك، لا مانع من ذلك أليس كذلك؟ "
أضفت للخادمة لتجيب بعد لحظة تردد:
" آآ .. حسناً ما ترغبين أنستي "

أعلم أنني اطلب الكثير من الخادمة المسكينة وربما لاحقاً سيتم تأنيبها لكنني لم أكن لأترك آللورا لوحدها. أمسكت بيدها قائلة:
" آللورا لا تقلقي أنا معكِ، لنذهب ونرى ماذا تريد "
" لكن إزابيل.. لا أستطيع "

لم تقل ما الذي لا تستطيعه لكن بدا من الواضح أنها أرادت الخروج من المكان فوراً. ليس باليد حيله. بعد دقائق سرنا خلف الخادمة إلى حيث كانت السيدة ماركلين.

عميقاً داخل الحديقة وحول طاولة بيضاء مستديرة جلست خمس سيدات بينهن السيدة ماركلين وإثنتان ميزتهما هما الكونتيسة ماريا والليدي كاميليا.
ما إن وقع بصره الدوقة علينا حتى أبدت بعض الضيق لرؤيتي. لابد أنها لم تتوقع مجئ معها.

وسرعان ما قالت:
" أنسة إزابيلا، لم أتوقع قدومك "
" أستميحك عذراً سيدتي، لقد أرت التعرف عليك أيضاً "

أجبتها كاذبة فإبتسمت ثم أشارت للخادمة أن تجلب كرسياً إضافياً إذ لم يكن هناك كرسي خال غير واحد فقط.

عانقت عينا آللورا الأرض وقد إخترقت أجسادنا أعين تلك السيدات، حاولت إبداء عدم تأثري إلى أن تم جلب الكرسي وإتخذنا مكاننا في تلك الدائرة.

أول من تحدثت كانت الكونتيسة ماريا وقد كانت سيدة بدينة إرتدت ثوباً وردياً يليق بفتاة شابة أكثر منها والكثير من المجهورات التي ملأت عنقها وأصابع يديها. وجهت الكونتيسة كلامها إلي أنا:
" إذاً أنتِ إزابيلا غرين.. لقد سمعت عنكِ من فلورا "

عقدت حاجبي لثوانٍ متسائلة عن هذه الفلورا لكي أتذكر فوراً أنه الإسم الأول للسيدة هاورد والدة جوزفين:
" آه نعم، لقد إلتقينا هذا الصيف "
" أوه إذاً لقد كنتِ أحد ضيوف اللورد بلاك وود؟ "

سألت الليدي كاميليا وقد كانت نحيلة للغاية. لأجيبها:
" نعم "
" من هو هذا اللورد بلاك وود؟ "

إلتفت جميع السيدات ناحية الدوقة ماركلين والتي سألت بعفوية. نظر أغلبنا إليها بإستنكار كونها لا تعلم من هو اللورد. بينما أجابتها الليدي كاميليا قائلة:
" ألم تسمعي به؟ لقد كان حديث الساعة في الشهر ونصف الماضيين. إنه الماركيز إبن ويليام بلاك وود. "
" حقاً؟ لا أذكر إسمه هذا "
" إنه شاب في العشرينات، لقد أحدث ضجه مؤخراً لأن شقيقه حاول قتله ليأخذ اللقب منه "

فجأة أبدت السيدة ماركلين التذكر وهي تهتف قائلة:
" آه نعم تقصدون ذلك الشاب؟ أسفة ليس لدي معرفة بهولاء حديثي العهد بالنباله. لذلك لم أتذكره "
عقدت حاجبي لما أسمعه.. بينما تابعت السيدات:
" لا ألومك أيتها الدوقة فهو ليس بارزاً كثيراً، تبدو شخصيته ضعيفه "

30

" نعم أظن ذلك أيضاً وإلا لما حاول شقيقه قتله "
" لا أدري كيف يحصل مثل هؤلاء الشباب على اللقب بهذه السهولة "
" لقد توفي والده مبكراً لذلك إنتقل إليه "
" لابد أن والده سيكون محبطاً إن علم بما حصل من بعده "
" بالفعل. رغم كوني أشفق عليه بعض الشيء. لقد إمتلأت حياته بالمآسي. توفي والداه سوياً ثم زوجته ثم الأن فعل شقيقه ما سيؤذي سمعته للأبد "
" يستحق ذلك. إن كان رجلاً نبيلاً بحق لإستطاع إدارة حياته بشكل أفضل من هذا... "

18

هكذا قالت السيدة ماركلين لتعبر مجدداً عن إستيائها من اللورد. لاحظتُ آللورا وهي تنظر إلي بطرف عينيها قلقه مما ستكون رده فعلي. بينما ظللت أستمع إليهن وهن يسئن في الحديث إلى اللورد أغسطس بهدوء. إلى أن أطلقت ضحكة خاليه من الفكاهة جذبت إنتباههن إلي. سألت السيدة ماركلين:
" ما الذي يضحك أنسة إزابيل؟ "

4

"ها؟ لا شيء سيدتي. فقط .. يدهشني كيف يحكم الناس على الأخرين دون أن يلتقوا بهم. فأنا متأكدة إن إلتقت إحداكن اللورد أغسطس ولو لمرة.. لما تجرأت لقول كلمة عنه بهذه الطريقة"

15

أطلقت السيدات همسات مستنكرة لكلامي بينما لم أبعد بصري عن السيدة ماركلين كأنني اتحداها. كانت هي أيضاً تنظر لي بإهتمام قبل أن تقول:
" مثير للإهتمام. أظن أن كلامكِ صحيح أنسة إزابيل"
" بالتأكيد هو كذلك سيدتي "

رسمت إبتسامة جانبية ثم حولت مدى نظرها إلى آللورا متجاهلة إياي وقائله:
" وأنتِ أنسة آللورا. ما رأيك أن تحدثينا قليلاً عن عمل والدك؟ "

6

" إن .. إن والدي ميت سيدتي "
" أعلم، لكن ألم تقولي أنه كان يعمل تاجراً، لقد قالت ليديا ذلك "
تحول الإهتمام إليها. وقد إبتلعت غصة في حلقها وبدت متوترة.

لا أعلم لماذا، فلتتحدث فقط وتخبرها عن تجارة التوابل التي أخبرتني بها لكنها لم تفعل. ظلت تفتح فمها وتغلقه دون حرف واحد يخرج منه.

" ماذا؟ ألا تعلمين شيئاً عن العمل الذي كان يشغله والدكِ؟.. إذاً ماذا عنكِ؟ كيف إنتهي بك الأمر هنا؟.. في لندن في واحدة من أكبر الكليات الخاصة بالفتيات؟ "
" كما أخبرتك من قبل سيدة ماركلين إنها صديقة للعائلة. عقد أخي إلمر صداقة مع عائلتـ... "
" أنا لم أكن أحدثكِ أنسة إزابيل. إن للـأنسة آللورا فماً تستطيع الإجابه به "

16

أجبتها فقاطعتني وجعلتني أعض على خدي من الدخل لأمنع نفسي من الرد عليها بشيء قد يجعلها تطردني.

1

عادت لتنظر إلى آللورا وسط صمت السيدات لكن نظراتهن تعكس سخرية كبيرة.. أخيراً قررت آللورا الحديث قائلة:
" لقد.. مات والدي عندما كنتُ صغيرة.. كان يعمل مع جدي في متجر للتوابل.. في سكوتلندا.. وكنتُ أعيش مع جدي وأمي .... "
" كيف كان وضعكم الإجتماعي؟ "

5

سألت إحدى السيدات. لبتسم السيدة ماركلين برضى عن السؤال.
تمتمت آللورا قليلاً كأنها تبحث عن إجابه. ثم قالت بصوت خافت:
" جيداً. "

فقط. إجابة لم تقنع السيدات واخذن ينظرن إلى بعضهن كأنهن يتسألن لماذا فتاة كهذه تجلس معنا!.
يبدو ان السيدة ماركلين قد إكتفت من ما كانت تريد الوصول إليه. إذ أنها قالت وهي تبعد بصرها عنا وترفع كوب شايها لتشرب منه:
" لا بأس إذاً. كان من الجيد الحديث معكن. يمكنكن الذهاب "

قالتها بينما أشارت لنا بيدها الحره. إستفزني ذلك لكن كان الخروج من هنا أكثر إغراء من الرد عليها. أمسكتُ بيد آللورا ثم ذهبنا بعيداً.

ما إن أصبحنا في معزل عن بقية الناس حتى اخذت أقول بغيظ شديد:
" من تظن نفسها تلك السيدة! لماذا تتحدث هكذا كأنها أعلى منا جميعاً؟!
إن زوجها هو من يحمل لقب الدوق وهي ليست سوى إبنة كونت ثانٍ من ضواحي لندن!
من تظن نفسها!! ... وهل سمعتي كيف تحدثن عن اللورد! أوه يا إلهي لكم رغبت بتمزيق ثيابهن الغالية تلك ودلق إبريق الشاي فوق شعورهن.
لا أظن أنني كنتُ يوماً أكثر إستياء من الأن. "

4

أطلقت نفساً حاراً بعد أن أخرجت كلما في داخلي. ثم إلتفت ناحيه آللورا التي كانت شاحبه للغاية. سرعان ما تغيرت ملامحي إلى أخرى حانيه بينما قلت لها:
" آللورا لا تقلقي لقد إنتهى كل شيء. "

كأنها كانت سارحه في مكان ما إذ هزت رأسها ونظرت إلي لوهله قبل أن تقول بشفتين مرتجفتين:
" أنا... أنا أريد الذهاب.. أريد العودة إلى المنزل "

1

لابد أنها لا تقصد غرفتنا في المهجع عندما قالت المنزل. بل تقصد منزلها في إسكوتلندا.
قلت بسرعه وأنا امسح على ساعديها:
" آللورا عزيزتي لا تسمحي لها بأن تخيفك، أنتِ لم تفعلي أي شيء خطأ "
" كلا.. كلا .. ما كان يجب أن أكون هنا من الأساس. ما كان يجب أن أترك أمي "

همست بذلك وهي تشد على يديها المتشابكتين. ثم أضافت عندما نزلت دمعة من عينها:
" لابد أنها تعرفني "

1

لم أفهم ما تقصده بكلامها لكن يبدو أنها لن تستطيع الحديث الأن فقد كانت ترتجف بشدة وتزايدت دموع عينيها.

بعد برهه أخذتها إلى إحدى الطاولات الخالية والبعيدة عن الصيوف ثم ذهبت لأجلب لها كوب ماء بعد أن ضمنت أنها قد توقفت عن البكاء لكنها كانت لا تزال ترتجف خوفاً.

إحتاجت الخادمة لكي تجلب لي إناء ماءٍ إلى الكثير من الوقت فتأخرت في عودتي إلى آللورا. سرت بسرعة بين الضيوف وأنا قلقه أن تكون قد عادت للبكاء في غيابي. لكني فوجئت عندما وصلت أن مكانها كان خالياً !

1

لم تكن آللورا تجلس في المكان الذي تركتها فيه. إلتفت من حولي بقلق باحثه عنها لكنها لم تكن موجودة في أي مكان. وضعت الإناء جانباً وبدأت البحث عنها.

لم تكن في الحديقة ولا داخل الحديقة الزجاجية ولم تكن برفقة أي من الضيوف. وعندما بدأت أشعر بالذعر إلتقيت بـ ليديا وكلوديا. وقد تسألت:
" إزابيل، ما الأمر؟ لم تركضين في المكان؟ "

2

" ليديا أرجوك، هل رأيت آللورا في أي مكان؟ هل تعرفين أين هي؟ "
نظرت الفتاتان إلى بعضهما لوهله قبل ان تجيب ليديا:
" كلا.. اخر مرة رأيتها كانت برفقتك. لماذا؟ "

" يا إلهي.. لقد تركتها جالسة هناك وذهبت لأجلب بعض الماء لكن عندما عدت لم تكن موجودة "
" وأين يمكن أن تكون قد ذهبت؟ لقد كنا نجلس قرب المدخل الخارجي طوال الوقت ولم نرها تخرج إلى العربة "
" هذا صحيح لم نرها تذهب ي تلك الجهة "

أكدت ليديا كلام كلوديا فهمست بـ أين يمكن أن تكون قد ذهبت. لتقول ليديا:
" لا تقلقي، لن تكون قد ذهبت إلى مكان بعيد.. ستكون في حدود المنزل على أي حال فهي لا تعرف مكاناً في وندسور. "
" لكن أين؟ "
" في الوقت الحالي وبما أنها ليست في الحديقة فربما تكون داخل المنزل "
" صحيح. رأيت بعض الضيوف يدخلون إلى الصالة الخارجية ربما تكون قد ذهبت معهم "
قالت كلوديا فشعرت ببعض الأمل.

ذهبت برفقتهما إلى داخل المنزل. وبحثنا في الصالة حيث كان بعض الضيوف هناك. لكنها لم تكن موجودة وحينها تفرقنا لنبحث ونسأل الخدم داخل المنزل إن كانوا قد رأوها.
سألت هنا وهناك دون جدوى حتى بدأت أظن أنها ربما قد خرجت دون علم أحد. وبدأت أشعر بالذعر.

كان ذلك إلى أن لمحت ثوبها الأخضر داخل غرفة ما وسمعت صوتها الباكي وهو يقول:
" أقسم أنني لم أتي لهذا السبب "

4

ثم صوت السيدة ماركلين الغاضب:
" وهل تظنين أنني غبية لأصدق كلامك؟ ولماذا إذاً صادقتي إبنتي! لكي تقتربي منا.. يا إلهي ما كان علي أن أسمح لأمك بالذهاب تلك المرة "

6

" سيدتي أقسم لك أنني لم أكن أفكر في كل هذا.. وأمي ليس لها أي دخل لقـ.. "
" توقفي عن الحديث الأن أيتها اللقطيه! "

12

هنا كنت قد دخلت الغرفة بأنفاس متقطعه وغضب لم أكتمه أبداً.
إلتفت المرأتان ناحيتي. إندهاش على وجه آللورا الباكي. وغضب على وجه السيدة ماركلين.

" ما الذي يحدث هنا؟ "
" ما الذي تفعلينه هنا أنسة إزابيل؟، هذا ليس مكان تتواجـ... "
" سيدة ماركلين لماذا كنتِ تتحدثين بهذه الطريقة إلى آللورا.!؟ لماذا تعاملينها هكذا؟ ليس لديك أي حق بالحديث هكذا "

كنت أتحدث بحده وغضب كبيرين. وقد كان صوتي عالياً بينما تقدمت ناحيتهما إلى منتصف الغرفة. أبدت السيدة ماركلين الإستنكار الشديد لتهتف قائلة:
" كيف تتجرأين وتتحدثين معي هكذا! ألا تعلمين من أنا؟! "
" أنتِ شخص مثلي ومثل آللورا، ولا يحق لكِ الحديث معها بهذه الطريقة ونعتها بهذه الألفاظ "

6

" إزابيل أرجوك توقفي .. "
قطعت آللورا مجرى بصري وهي تقف أمامي بدموعها التي لم تتوقف لحظة من النزول.
" أرجوك لا تفعلي هذا. أنا المخطئة "
" في ماذا أنتِ مخطئة؟ أنتِ لم تفعلي أي شيء "
" ما كان علي المجئ. ما كان علي المجئ "

" نعم ما كان عليك الظهور في حياة إبنتي وحياتي مجدداً.. لقد اعطيتك فرصة للعيش من قبل لكن يبدو أنك لا تريدين ذلك "
أبعدت آللورا بصعوبة عن أمامي وقلت:
" ما الذي تتحديثن عنه .. لماذا تتحدثينـ ... "

" أوه .. يبدو أنكِ لا تعلمين حقيقة هذه الفتاة "
قاطعتني وقد تغيرت ملامحها الغاضبة إلى أخرى خبيثة. جفلت آللورا بين يدي وإلتفتت بجزع ناحيه السيدة ماركلين لتطلب منها عدم الحديث إلا أنها أكملت كلامها فوراً لتسبق طلبها:
" ظننت أنك تماشينها في تلك القصة عن جدها ومتجر التوابل لكن يبدو أنك ضحية تم خداعها فقط"

بدت واثقة وهي تتحدث مما جعلني اعقد حاجبي وانظر إلى آللورا التي كانت قد توقفت عن البكاء لكن شفتاها كانتا ترتجفان بينما تهمس وتكرر:
" لا.. "

" ما الأمر؟ هل أنت فقط من تم خداعها أم شقيقك ذاك أيضاً؟.. أيعقل فعلاً أن لا أحد من عائلة غرين يعلم أنه قد سمح لفتاة فقيرة كانت تعمل خادمة بالدخول بينهم؟ "
" ما الذي تتحدثين عنه؟ إن آللورا ليست بفقيرة. وهي لم تكن تعمل كخادمة "

8

قلتها متأكدة فهي وإلمر لم يذكر أمراً كهذا. هي كاتبة روائية فقط لا غير. لكن ردة فعلها عندما اغمضت عينيها وهي لا تزال تكرر: لا .. جعلتني .. أشك في صدقهما.

أطلقت السيدة ماركلين ضحكة بغيضه لوهله قبل أن تكمل بنبره مؤكدة:
" يؤسفني أن أخبرك أنه قد تم خداعك.. بل تم خداع كل عائلة غرين... إن هذه الفتاة لم تمتلك والداً يوماً فهي مجرد طفله أنجبتها والدتها بعد علاقة غير شرعية. ليس لديها جد يعمل في تجارة التوابل، ولم تكن تعيش حياة جيدة من قبل..
لقد كانت دائماً مجرد طفلة فقيرة منبوذة.. و كانت تعمل خادمة في نزل برفقه والدتها.
لقد خدعتكم فقط "

9

لم أصدق أي كلمة مما تقول، لم أرد تصديق أي كلمة مما تقول، لكن دموع آللورا التي عاودت النزول مجدداً وصوتها المكتوم الذي كان يقول:
" أرجوكِ توقفي "

جعلني أتأكد أن كلامها صحيح. لقد كانت آللورا تكذب علينا طوال الوقت. بينما أكملت السيدة ماركلين وهي تنظر بخبث ناحيه آللورا:
" ما الأمر ’ آللورا ‘ ألا تريدين لصديقتك الصغيرة هذه أن تعرف حقيقتك؟ كانت ستعرف على أي حال وستكونين السبب في ... "

" سيدة ماركلين توقفي عن الحديث إليها هكذا "
قلت بحدة وأنا احاول إستجماع نفسي لتنظر إلي بإستنكار قائلة:
" ألازلتي تدافعين عن هذه الفتاة رغم معرفتكِ أنها كانت تكذب عليكم! "
" إن كانت تكذب أو لا، هو أمر لا دخل لكِ به سيدتي."

13

يبدو أن كلامي قد جعل غضبها يزداد إذ أردفت بحدة:
"وتتحدثين إلي هكذا؟ ألا تفهمين في أي موقف أنتِ أنسة إزابيل! "
" كلما أعرفه أنك لا يحق لك الحديث إلى أي أحد هكذا. وأطالبك بالإعتذار لها فوراً"

أطلقت السيدة ماركلين نصف ضحكة وهي تهمس ولم أسمعها. لتعاود القول وهي تنظر إلي:
" أنتِ بالفعل لا تعرفين الموقف الذي تقفين فيه الأن. بل وتجرؤين على الحديث معي بهذه النبرة وتطالبينني بالإعتذار! "

5

ألقت نظرة ناحيه آللورا ثم أضافت:
" هل تعلمين ماذا سيحدث لو علم من هم في الخارج عن حقيقة هذه الفتاة التي جلبتها معكِ؟ وكيف سينظر الناس ناحيه عائلتك؟ كذبتها هذه لن تؤثر عليها فقط بل على الآيرل غرين وسمعته بين الناس. لا أظن أنك تودين أن يعرفوا هذه الحقيقة. أليس كذلك؟ "

ختمت كلامها وهي تبتسم إبتسامة جانبيه جعلت عيناي تتسعان غير مصدقة تهديدها المبطن. لكن وقبل أن أرد عليها قالت آللورا بخوف كبير وهي تترجاها وتقترب منها لتتأخر السيدة ماركلين بضعه خطوات بإشمئزاز:
" أرجوكِ لا، أرجوك لا تفعلي ذلك. أنا من جاء بتلقاء نفسي. السيد غرين لا دخل له. لا تفعلي هذا. أنا أسفة أعتذر.. أقسم أنني لن أعود مجدداً إلى هنا "

" بل ستختفين من حياة إبنتي أيضاً. لن تتحدثي معها ولن تقابليها. وإن كان سيد عائلة غرين ذكياً فيجب أن يقوم بطردك فوراً من حياة إبنته "

أرادت آللورا الموافقه على ما قالت لكن وقبل أن تنطق أمسكت بها من معصمها وجررتها لتقف خلفي وقلت بما تبقى لي من ثبات:
" لادخل لكِ بما يحصل في عائلتنا "
" هه ستسرعين حدوث الفضحية فقط إن بقيتي تدافعين عنها. أنصحك بإخبار والدك فوراً والتبرءُ منها على الفور"

أطبقت على فمي غير قادرة على قول أي شيء. أمر لم يحصل لي من قبل.
لم اعرف ماذا أقول وكيف أتصرف في هكذا موقف. خلفي آللورا تبكي وأنا أكاد أبكي أيضاً لكن ما كنت لأبكي أمام شخص كهذه المرأة. أغضبني كيف أنها تتحدث بتعالٍ كيف أنها تظن أن مصير عائلتنا بين يديها. كيف أنها تهدد في آللورا بهذه الطريقة.
قد تكون قد كذبت. لكنني متأكدة من أنها وإلمر
صادقان في مشاعرهما وهذا يكفي بالنسبة لي. أياً كانت الحقيقة التي اخفياها عنا وعواقبها فهو أمر نتحدث عنه لاحقاً وليس أمر تقرره هذه السيدة.

اخذت نفساً وأطلقته، وقررت حينها الذهاب فوراً من هذا المكان لكن أوقفني سؤال راودني فجأة. عدتُ ونظرت إلى السيدة ماركلين وسألت:
" لماذا أنتِ تعلمين كل هذا؟ "

لستُ متأكدة، لكن بدا وكأنها قد توترت لسؤالي هذا لكن سرعان ما عادت لثقتها المعتادة لتجيب:
" وأين تظنين المكان الذي كانت تعمل فيه والدتها؟ لقد كانت مجرد خادمة تعمل لدينا"

14

قالتها بإستحقار شديد ثم أردفت وهي تنادي بصوت عالٍ:
" سارا.. سارا... تعالي وأخرجي الأنستين عبر الباب الخلفي. أنا لا أرحب ببقاء أمثالهما مع ضيوفي المحترمين "

أقبلت الخادمة التي تدعى سارا من خلف باب الغرفة لتجيب أوامر سيدتها وهي نفس الخادمة التي جاءت برفقتها إلى المدرسة من قبل. كنت أنظر إلى السيدة ماركلين باعين متسعة غير مصدقة لوقاحتها وطردها لنا. لكنني لم أستطع قول شيء.

خرجت وأنا لا أزال ممسكة بيد آللورا. وفي صمت كبير.. عدنا إلى مهجع الكلية.

..........


الانتقال إلى الفصل التالي