رواية حدث ذات مرة في ويلفيرتون الفصل 7
(7)
تعتبر مواسم الصيد من أهم المواسم في المملكة المتحدة بمختلف أرجائها حيث تختلف على حسب الوقت من السنة والطرائد التي يتم إصطيادها خلالها بدءا من البط والإوز وحتى الغزلان والثعالب. وخلال الموسم يكون هناك الكثير من الأنشطة والمسابقات التي يكون التشويق والحماس سيدها ويستمر لأربعة أيام كل إسبوع طوال فترته.
يشترك الرجال في الصيد حيث يعتلي أي واحد حصانًا مدربًا خصيصًا لمطاردة الفرائس ويكون مرتديًا زيًا مخصصًا ببنطال أبيض في الغالب ومعطف بأزرار كبيرة حذاء عالي الرقبة وقبعة مستديرة الرأس مصنوعة من مادة قوية لتتحمل الإصطدامات أو السقوط أثناء حملة الصيد، وبالتأكيد يحمل المتمرسون بنادق للصيد خاصة في موسم صيد البط والإوز ويحمل الأخرون أسواطًا ويرافق الجميع الكلاب التي تقود الوفود إلى أماكن الطرائد وتكون مسؤولة عن مطاردتها ومحاصرتها والقبض عليها.
إقتربت الساعة من السادسة صباحًا، بدأ الضباب بالإنقشاع بما يسمح بالرؤية مما يعني أن وقت البدء قد حان، تجمع جمع كبير من سكان القرية المشاركين في أول يوم كل بحصانه وكلابه وقام المسؤول بتوزيعهم إلى مجموعات تسهل العمل، وبالقرب تجمع ضيوف قصر ويلفيرتون في مجموعة واحدة فمجموعهم كان عشرة رجال فقط للوقت الحالي قبل إزدياد عدد الضيوف.
إعتلى آنسون حصانه وهو يتثاءب ليضربه ألبرت بسوطه على ظهر فيجعله يجفل ويتألم ويذهب كل نعاسه. بقربهما كاد سبستيان أن يتثاءب هو الأخر لكنه أغلق فمه فور رؤية ذلك ليلاحظ لوغان ذلك ويقهقه بسببه.
10
إلتفت سبستيان ناحية الشابين بقربه، لوغان سكوت وديريك كارفين، كلاهما إعتلاء حصانه بإستقامة لا تشبه أحدًا من المتواجدين ولم يتمايل حصاناهما كثيرًا كما يفعل خاصته أو حصان ألبرت الذي كاد أن يسقطه أرضًا قبل قليل مما دل على مهارتهما العالية التي تقترب للإحتراف ولم ينس أيضًا ملاحظة أن الزي يبدو ملائمًا عليهما أكثر بكثير مما هو عليه.
مط سبستيان شفتيه بحسرة ثم قام بسؤال لوغان:
-هل شاركت من قبل في مسابقات لركوب الخيل؟
بدا أن سؤاله كان غبيًا إذ أن لوغان أبدا ملامح مستنكرة وهو يجيبه:
-بالتأكيد منذ أن كنت في الثانية عشرة وأنا متسابق دائم في سباقات ركوب الخيل السنويه.
1
تدخل آنسون هاتفًا من مكانه وهو يحاول أن يوقف حصانه عن التحرك:
-بل وفاز في واحد منها.
هز سبستيان رأسه وهو ينظر إليه بنظرة معناها - لا بأس بك إذًا - ليرد عليه هو بهزة من كتفيه كأن الأمر ليس كبيرًا، حول سبستيان سؤاله إلى ديريك فأجابه بينما كان ينظر من حوله:
-كلا، ليس لدي الوقت للمشاركة في هكذا أنشطة.
-آة نعم نسيت كم أنت مشغول...
-لكن في النهاية أنا أمتطي الحصان ثلاثة أرباع اليوم ومنذ أربعة عشر عامًا لذلك أنا معتاد عليه.
همهم سبستيان متفهمًا ثم إلتفت ناحية رفيقيه الأخرين وقال:
-هل سمعتما يا شباب؟ هذا يعني أنه لا يجب علينا إزعاجهما وقطع الطريق عليهما.
2
-لا وعود.
قال آنسون وضحك ألبرت.
في الجهة الأخرى وبالقرب من الخيم التي تجلس فيها النساء إقترب غاري إلى حيث وقفت صوفيّا برفقة زوجته إستر وسارا، كلاهما ترتديان معاطف لتقيهما من برد الصباح بينما كانت صوفيّا بثوبها الأسود ومريلتها البيضاء. سأل غاري صوفيّا:
-هل الأمور هنا جيدة؟
-نعم سيدي يمكنك البدء وأنت مرتاح البال.
- ثم إلتفت ناحية إستر وقال - تمني لي التوفيق.
-رفعت إستر نفسها وقامت بتقبيل خده قائلة:
2
-عد إلينا بالكثير من الطرائد عزيزي.
ودعت سارا وإستر غاري ثم عادتا تنظران إلى الشباب الخمسة المتواجدين على مبعدة وقالت إستر وهي ترى غاري يقترب منهم حيث كان حصانه يقف وقالت بحزم:
-غاري هو أوسمهم وهذا نهائي.
نظرت سارا إليها بإستنكار وقالت:
-الحب يعمي عينك عزيزتي، صحيح أن أخي لا بأس به لكن السيد كارفين هو أوسمهم عن جداره، أنظري كيف يلائمه الزي وشعره.. يا إلهي شعره الأشقر الطويل هو لوحة بحد ذاته، وأنظري إلى الثقة التي يمتطي بها حصانه...
قاطعت صوفيّا سيل كلماتها وهي تقول بنبرتها المعتادة وقد كانت من الأساس لا تنظر ناحيتهم لكنها مع ذلك شعرت أنه لابد لها من أن تقول هذا:
-السيد سكوت يبدو مبهرًا أكثر إن سألتني، كأنه أحد المحاربين النبلاء من تلك القصص الأسطورية.
1
نظرت سارا إليها بإستنكار بينما همهمت إستر وقالت بصراحة:
-أظن أنني أوافقها لكني في النهاية أفضّل عزيزي غاري.
عادت سارا ونظرت إليها بإستنكار هي الأخرى ثم هتفت بغيظ:
-كلاكما لا تعرفان شيئًا..
1
لتتركهما وهي تتوجه إلى داخل الخيمة حيث تواجدت ساشا مع والدتها ليدي هاريسون.
..........
أطلق قائد الصيادين صفارته ليعلم الجميع أن الوقت قد حان، تزايد الحماس في الأجواء مع ظهور أول خيط للشمس وتعالت أصوات نباح الكلاب المتحمسة ولم تكد الأحصنة تثبت في أماكنها بسبب رغبتها القوية في التحرك والجري بأقصى ما لديها.
أعطى القائد تعليماته وقسم كل مجموعة إلى المنطقة التي ستصطاد فيها وحدد عدد الطرائد التي يسمح لكل صياد بالحصول عليه ووقت العودة من النصف الأول في الثانية عشرة وذكر الصيادين أن عليهم إستعمال صافراتهم إن حصل أي حادث مهما كان صغيرًا لتأتيهم المساعدة بأسرع وقت.
وعند تمام السادسة إنطلق الصيادون.
...........
بالنسبة للوغان لم يكن موسم الصيد من المواسم المفضلة لديه كثيرًا فهو لم يكن من محبي قتل الحيوانات، على الأقل ليس أن يقتلها بنفسه، لكن ما أحبه في كل هذا هو إستطاعته لركوب حصانه بسرعة وعبر العديد من الحواجز والعقبات في الغابات والسهول الفسيحة وبين الجداول الصغيرة وعبر الممرات الضيقة.
شعور الريح وهي تضرب وجهه كان أفضل ما يمر به وحماسه يتزايد مع كل قفزة يقوم بها مع حصانه المدرب بشكل ممتاز، حينئذ تعالى صوت نباح الكلب ليغير إتجاه سيرهما ناحية صوته إلى حيث يتواجد أرنب مرعوب يتصادم متعثرًا ليبطء ذلك من سرعة هروبه وكأن الحصان يعلم أن تلك هي اللحظة المهمة حيث يقوم بإبطاء سيره بعد حركة بسيطة يقوم بها لوغان عبر اللجام ليفلته ويمسك ببندقيته ويوجهها ناحية هدفه. تتحرك البندقية هنا وهناك متابعة الأرنب المسكين لكن دون أن تنطلق الرصاصة بعد إلى أن إنطلقت رصاصة أخرى من إتجاه آخر قريب رسمت لونًا أحمر قانيًا على فرو الأرنب الأبيض الذي توقف عن الحركة وتجمعت حوله الكلاب.
6
إتسعت عينا لوغان ثم أنزل بندقيته ونظر إلى حيث إقترب منه ديريك مبطئًا بحصانه وعلى يده اليسرى التي لا تمسك باللجام كانت البندقية التي أطلقت الرصاصة قبل قليل.
2
قال له وهو يشير بذقنه ناحية طرديته:
-بدوت وكأنك لن تفعلها ففعلتها بدلًا عنك.
إقترب الإثنان من الأرنب وإبتعدت الكلاب النابحة فاسحة المجال لديريك الذي ترجل وأخذ فريسته وعلقها بحبل برفقة إوزة وأرنبين أخرين في مؤخرة الحصان.
علق لوغان: إصطدت كل هذا في مثل هذا الوقت القصير! ظننت أنك لست معتادًا على الصيد.
أجابه بعد أن إمتطى حصانه:
-ربما خبرتي في إصطياد البشر سهلت الأمور علي.
6
رغمًا عنه أبدا لوغان إستنكار للفظ التي إستعمل ليقول ديريك باسمًا:
-أقصد القبض على المجرمين سيدي، أحيانًا نضطر أن نشهر أسلحتنا لحماية أنفسنا ممن هم أسوأ بكثير من الحيوانات.
لم يعلق لوغان لكن ملامحه إرتاحت وقد عاد كلاهما لخط سيرهما الأول وهما يسيران ببطء ومن حولهما الكلاب التي هدأت قليلًا وهي تراقب في الفرائس المعلقة على حصان ديريك، سأل لوغان:
-ماذا حل مع الباقين؟
-آخر مرة كنت بالقرب منهم كان كل من اللورد آنسون والكونت ألبرت خالي الوفاض آه وكذا السيد فينسنت..
-إذًا لست الوحيد الذي لم يصطد شيئًا.
قال باسمًا ليقول ديريك:
-لا يزال لديك الكثير من الوقت لإصطياد ما تريد.
-وماذا عن كباراتنا؟
-أربعتهم يبلون جيدًا في الحقيقة فلديهم عامل الخبرة.. ربما لديهم ستة أو سبعة طرائد وربما زاد العدد منذ أخر مرة رأيتهم فيها.
-كما هو متوقع منهم. أظن أنني سأصبح جادًا أكثر المرة القادمة.
-وستطلق النار؟
سأله ديريك وهو يلتفت ناظرًا إليه ليكرر مؤكدًا:
-وسأطلق النار.
-بالتوفيق إذًا سيدي الدوق.
ثم وبعد أن درس المنطقة من حوله حيث تغوص الغابة أكثر قال ديريك:
-أظن أنني سأذهب من هذا الإتجاه، إن أردت لقاء بقية المجموعة فستجدهم في الغالب في نفس إتجاه سيري لكنهم متأخرون قليلًا.
-حسنًا، أراك لاحقًا سيد كارفين.
وما إن إبتعد ديريك حتى عاد لوغان للبحث مجددًا فهو لم يرغب أن يعود للمجموعة إلا عندما يصطاد فريسة واحدة على الأقل.
.........
لم يتوقع سبستيان أن يستطيع إصطياد أرنبين خلال الساعات الست الأولى لكنه الآن يمشي بتفاخر وفريستاه معلقتان خلفه. قرر أن ما إصطاده الآن يكفيه وأنه سيعود ليلتقي بالمجموعة حتى يحين وقت العودة بعد النصف الأول.. مبتسمًا بإتساع تجول عبر الأشجار ناحية الجهة التي تصدر منها أصوات الكلاب المرافقة لهم ليلمح من بعيد ديريك وهو يسير بنفس الإتجاه لكنه كان بعيدًا حيث لم يكن ليستطيع لفت نظره.
تابع سيره حتى وجد كل من اللوردات الثلاث والسير هاثواي وبرفقتهم غاري وقد بدا أنهم يرتاحون قليلًا فوق أحصنتهم حيث جمعتهم الأحاديث.
علق اللورد ويلفيرتون وهو يعاين ما أتى به سبستيان:
-يبدو أنك قد حصلت على عدد جيد.
-نعم سيدي، حتى أنا متفاجئ من نفسي.
-يبدو أنك تجيد شيئًا أخر غير الثرثرة إذًا.
هكذا علق اللورد كاريت وهو ينظر إليه بترفع وقد كان قد حصل على ثلاث طرائد، إبتسم له سبستيان بإتساع وقال:
3
-يبدو ذلك سيدي، ألست فخورًا بي.
أبعد اللورد نظره عنه بينما كان البقية قد بدأوا يتحدثون عن آنسون وألبرت الذين لم يفلحا حتى الآن بإصطياد شيء ما. ومع إقتراب سبستيان من المجموعة إبتعد اللورد كاريت عنهم ليسأله غاري قائلًا:
-سيدي اللورد إلى أين تذهب؟
-سأتمشى قليلًا...
أراد أن يذهب برفقته لكن والده أخبره أن يتركه. إبتعد حصان اللورد بخطوات بطئية وصاحبه يتأمل في الغابة من حوله وقد عاد البقية لحديثهم، كان ذلك إلى أن ترامى إلى مسامعهم صوت رصاصة أطلقت من مكان قريب تبعها صهيل حصان وصرخة من صوت مألوف ثم صوت إرتطام بالأرض.
1
أسرعت المجموعة مذعورة ناحية الإتجاه الذي عبر عبره اللورد قبل قليل ليجدوه ملقًا على الأرض وهو يتحرك متألمًا مما يعني أنه حي لكن حصانه كان قد هرب بعيدًا بعد أن سقط منه صاحبه وبقربه سقطت بندقيته أيضًا.
1
أسرع غاري بالنفخ في صفارته وقد ترجل الجميع وهم يسألون اللورد عن حاله بينما بقي سبستيان على حصانه ينظر من حوله باحثًا من مطلق الرصاصة لكن المكان كان خاليًا ومن ثم لاحظ لشجرة قريبة حفرت بشكل دائرة صغيرة حيث إستقرت الرصاصة داخلها، لمسها بيده محاولًا إخراجها لكن الرصاصة كانت عميقة داخلها.
إلتفت بعدها ناحية اللوردات ليجد أن اللورد كاريت قد إستقام جالسًا وهو يربت ظهره وقائلًا:
1
-أنا بخير، السقطة فقط ألمتني لكن لا أظن أن هناك ما كسر فيّ.
-هذا مريع، من قد يطلق رصاصة عليك!
قال اللورد هاريسون لينفي سبستيان قائلًا وهو لا يزال على حصانه:
-لا أظن أن الأمر كان مستقصدًا، حوداث كهذه تحدث كثيرًا في موسم الصيد، طلقة طائشة أريد بها قتل حيوان لكنها قتلت شخصًا أخر.
-لكن والحمدلله لم تصب الطلقة اللور كاريت.
1
قال ويلفيرتون إلا أن كاريت قال وهو يمد يده لغاري ليساعده على النهوض:
-لا يهمني إن كانت طائشة هذا الذي أطلق عليّ يجب أن يعاقب.. أين هو!
تلفت الجمع من حولهم باحثين ليقول سبستيان:
-لا أرى أحدًا من هنا، ربما هو قروي خاف على نفسه من العقاب فهرب بعيدًا..
كان تحليله منطقيًا إلا أن حديثه وهو لا يزال على ظهر حصانه لم يعجب اللورد كاريت ليقول وهو يفلت يد غاري ويشير بها ناحيته:
-أنت، لم تتحدث وكأنك تعرف كل شيء! هل كان هذا من مخططتك أم ماذا!
1
توسعت الأعين لهذا الإستنتاج بينما إبتسم سبستيان رغم إستنكاره وقال محاولًا كتم ضحكه:
-وكيف توصلت إلى هذا الإستنتاج سيدي!
-الجميع يعلم أنك تلاحقني ولن أستغرب إن حاولت قلتي أيها الفتى الدنئ.
-كاريت إهدأ قليلًا، لا يمكنك إتهام الفتى دون دليل.
قال هاثواي لينهره كاريت دون أن يلتفت ناحيته:
-أنت إصمت ولا تتدخل.
أغضبه ذلك لكنه لم يعلق وقد وصل جمع من القرويين بعد أن سمعوا صوت الصافرة وشهدوا ما يحدث ليقول سبستيان وهو لا يزال لم ينزل من حصانه:
-يؤسفني أن أخبرك إذًا أنني كنت برفقة هؤلاء السادة وقت حصل إطلاق النار وجميعهم سيشهدون بذلك إن أردت.
-لقد دفعت له، دفعت لمن قام بإطلاق النـ...
-لورد كاريت هذا يكفي!
هتف اللورد ويلفيرتون ومضيفًا:
-لن تتهم أحد ضيوفي دون دليل، لكني سأعدك أن أعين من يحققون في الأمر إن كان هذا يرضيك.
صمت اللورد على مضض ثم إلتفت باحثًا:
-أين هو حصاني..
-لقد هرب خائفًا كما يبدو، لكن يمكنك ركوب خاصتي وأنا سأعود مع السيد فينسنت.
أجابه غاري وهو يذهب ليحضر حصانه.
بمساعدة منه إمتطى اللورد حصانه وعندما تأكد الجميع أن كل شيء على ما يرام إتخذوا طريق العودة.
أراد سبستيان الترجل لغاري حتى يركب هو إلا أن الأخير أخبره أن لا داعٍ. ساعده سبستيان على الركوب من خلفه وبدآ بالسير.
-أعتذر لك عما بدر من اللورد كاريت سيد فينسنت.
-ليس عليك الإعتذار أيها اللورد.
قال سبستيان فتنهد غاري وهو يهمس:
-إنه فأل شؤوم أن يحدث أمر كهذا في أول يوم.
إبتسم سبستيان قائلًا:
2
-عذرًا ولكني لا أؤمن بهذه الأشياء.. كن متفائلًا فهذا أفضل سيدي.
3
وفي صمت تابعا طريقهما إلى نقطة البداية.
........
تراصت الخيام البيضاء على طول المكان وشغلت مقيامات قصر غرين هول أكبرها وقد إلتففن حول طاولة جهزت بالعديد من الوجبات الخفيفة وأكواب الشاي الساخن. كان موسم الصيد بالنسبة لسيدات الطبقة النبيلة مجرد فرصة أخرى للحديث وتبادل الأسرار لكن في مكان مختلف إذ لم يكن عليهن فعل أي شيء سوى إنتظار عودة الصيادين بطرائدهم.
ورغم كون صوفيّا قد حصلت على إذن من الليدي لتكون معهم إلا أنها لم تستطع الجلوس دون فعل شيء فتجدها تخرج كل فينة وتتجه ناحية خيام الخدم والقرويين حيث بدأت النساء بإعداد وجبة الغداء في إنتظار قدوم المزيد من الطرائد وإستعمال لحمها لإطعام الجميع وبعد تفقدهم تتجه وتعود لذهب إلى الطريق الذي يؤدي إلى الغابة باحثة عن أي آثر لإقتراب أي شخص منهم.
علقت كل من سارا وإستر أنها تبدو كفتاة تنتظر عودة حبيبها من الحرب وقد جعلها ذلك تبتسم، إبتسامة لم تصل لعينيها.
2
وبينما كانت تستمع لخادمة عن أخر تجهيزات الغداء أقبل حصان من داخل الغابة الكبيرة. ضيقت صوفيّا عينيها لترى بشكل أفضل فكان الشعر الأشقر هو الذي ساعدها على تمييز هويته.
توقف حصان ديريك بالقرب منهما وإنحنت الإثنتان قليلًا وقد قالت صوفيّا:
-مرحبًا بعودتك سيد كارفين، أرجو أن صيدك كان موفقًا.
لم يصلها رد فنظرت إليه، ترجل ديريك من على حصانه وقد لاحظت صوفيّا الآن أنه لا يرتدي قبعته وقد بدت ملامحه متضايقة بشكل واضح. توسعت عيناها وإقتربت خطوة لكنها تراجعت عنها وقالت بنبرة هادئة نسبيًا:
9
-هل أنت بخير سيدي؟ هل نجحت في مهمتك؟
1
نظر ديريك إليها لوهلة ثم أجاب وهو يشير ناحية طرائده:
-هذا ما نجحت فيه.
1
أبدت الخادمة إعجابها بطرائده الخمسة التي جلبها بينما لم تعلق صوفيّا لثوانٍ قالت بعدها:
-لابد أنك متعب سيدي، دعنا نقودك إلى الخيمة.
ثم إلتفتت ناحية الخادمة وطلبت منها أخذه إليها بينما أقبل خادم قاد الحصان وما رافقه من كلاب إلى مكان أخر.
عادت صوفيّا تنظر ناحية الغابة بترقب وبعد وقت ليس بطويل ظهرت مجموعة من القرويين وقد بدا أن لديهم أخبارًا مهمة.. سرعان ما إنتشر في المكان خبر إطلاق النار على اللورد كاريت وبدأ الجميع مهمة البحث عن الفاعل.
وصلت الأقاويل للسيدات في الخيمة فخرجن جميعًا وهن يبحثن عن التفاصيل بقلق إلى أن وصلت المجموعة المحيطة باللورد كاريت وقد قاده كل من اللورد ويلفيرتون وإبنه إلى الخيمة المخصصة بينما شرح اللورد هاريسون لزوجته ورفيقاتها ما حصل.
أدخل اللورد إلى الخيمة حيث كان بإنتظارهم الطبيب وفي زاويتها كان ديريك جالسًا يرتاح حينما رأى دخولهم فنهض مقتربًا وقائلًا بقلق:
-ما الذي حصل؟
4
أجابه السير وهو يقوده خارج الخيمة:
-رصاصة طائشة كادت تصيب اللورد وتسبب ذلك في سقوطه عن حصانه، لكنه بخير كما ترى مجرد ألام مفاصل رجل عجوز.
تنهد ديريك الصعداء حينما جاء صوت بقربهما قائلًا:
-نسيت إخباره بجزئية أن اللورد يتهمني بما حصل.
قال سبستيان هازئًا وقد وصل إليهما ليهتف شخصان بإستنكار قائلين:
-ماذا؟
إلتفت ثلاثتهم ناحية صوفيّا التي وصلت الآن وسمعت ما قاله سبستيان لتتلعثم وتشرح قائلة:
-لقد أرسلتني الليدي هاريسون لأتفقد صحة اللورد كاريت.
-إنه بخير، الطبيب يقوم بفحصه الآن.
أجابها السير ثم عاد ديريك وسأل سبستيان قائلًا:
-ولماذا إتهمك بفعل شيء كهذا؟
هز كتفيه مجيبًا:
-لأنه يكرهني!
عقد ديريك حاجبيه دون تعليق ليسأله السير قائلًا:
-بالمناسبة لقد كنت هنا حينما وصلنا، لماذا عدت مبكرًا؟
-آه، لقد عانيت فجأة من ألم في معدتي وبما أنني قد إصطدت خمسة طرائد قررت العودة لأرتاح قليلًا.
-معدتك تؤلمك!! هتف السير فقال ديريك بسرعة:
-الآن أنا بخير، لابد أنني أكلت شيئًا...
قاطعه: هذا ما قلته عندما ألمتني معدتي أول مرة والآن أنظر إلي... لكن لا تقلق سأعطيك بعضًا من الدواء الذي أخذته من اللورد كاريت، لقد أفادني كثيرًا وسيفيدك أيضًا.
-اللورد كاريت أعطاك دواءه!
3
قال بإستنكار فهز السير رأسه بإيجاب.
دخل الإثنان بعدها إلى الخيمة وترك سبستيان وصوفيّا وحدهما ليقول سبستيان باسمًا وهو يلتفت إليها:
-ألن تسألي كيف كان صيدي؟
-يبدو أن اللورد يكرهك للغاية حتى يتهمك بذلك، ما الذي فعلته له؟
قالت دون إهتمام لسؤاله فقهقه سبستيان ثم أجابها:
-لم أفعل له شيئًا بعد لكن لا تقلقي فأنا معتاد على أن يكرهني الكثيرون.
2
نظرت إليه بإستغراب فقال وهو يقودها بعيدًا عن الخيمة إلى حيث بعض الهدوء:
-عملي كمحامٍ يجعلني السبب في إدخال الكثيرين إلى السجن وهؤلاء ومن يعملون معهم في الغالب لا يكنون لي سوى الكره العميق.
-إذًا فأنت تريد إدخال اللورد إلى السجن لذلك يكرهك!؟
سألته وهي تضع يدًا فوق الأخرى ليهمهم قائلًا:
-يمكنك قول ذلك، أرغب في إدخاله السجن لذلك هو خائف مني!
-إذًا ربما كلامه صحيح وأنت من قام بإطلاق النار عليه.
أضحكه ذلك بينما بيدت صوفيّا جادة ليهز رأسه بعد أن هدأ وقال:
-كلا يا عزيزتي، أنا لا استخدم هذه الوسائل أفضّل أخذ المجرمين إلى القضاء وهو من سيحدد لهم عقابهم.
كلامه جعل صوفيّا تعبس قليلًا ثم حولت بصرها عنه إلى حيث القرويين الذين لا يزالون يتحدثون عما حصل ولابد أن القصة الآن قد تغيرت ألف مرة وأصبحت شيئًا آخر تمامًا، لتعود وتنظر إليه وتقول هامسة:
-ما الذي فعله؟
-هذا يا أنستي الجميلة أمر لا أستطيع إخبارك به.
ختم بإبتسامة كبيرة فزفرت صوفيّا. لفت نظرهما أن القرويين قد تغيرت نبرات حديثهم وتجمع بعضهم في إتجاه ما كأن أمرًا يحدث فأسرعا في ذلك الإتجاه.
هناك، كانت سارا برفقة بقية النساء يقفن قرب خيمتهن وخادمة ترافقهن. تململت سارا وهي تقول:
-لماذا تأخرت صوفيّا يا ترى.
-أرجو أن يكون الجميع بخير.
قالت إستر بقلق لتقول الليدي هاريسون بقلق كبير:
-يا إلهي من كان يتصور أن تحدث محاولة إغتيال في مثل هذا اليوم.
إلتفتت سارا ناحيتها هاتفه: لقد سمعتِ ما قاله زوجك قبل قليل لقد كان الأمر مجرد طلقة طائشة.
-لكن لماذا يتحدث القرويين كأن حربًا نشبت داخل الغابة!
-هذا لآن...
لم تعرف بماذا تكمل ولم تضطر إذ أن أحدًا خرج من الغابة لفت أنظارها وأنظار الجميع.
خرج الدوق سكوت وقد كان يحمل في يده اليسرى إوزة كبيرة تدلت إلى الأسفل. أسرع خادم إليه ليساعده في حين تجمع القروييون من بعيد وهم يتبادلون حديثًا لم يصل إلى مسامع الدوق لكنه لاحظ أنهم يتحدثون عنه بالتأكيد.
2
أقبلت سارا إليه قائلة:
-سيدي الدوق هل أنت بخير؟
-نعم أنا بخير تمامًا لكن ما الذي يحصل هنا أنسة ويلفيرتون؟
-لم تسمع إذًا بما حصل؟
-هل من خطب ما؟
زفرت سارا ثم أجابته بما حصل ولتطمئنه أن اللورد كان يقف على قدميه عندما وصل لكن الطبيب يقوم بفحصه للإحتياط الآن.
إرتاح لوغان فآخر ما كان يريده أن يحدث حادث كهذا في مثل هذا الوقت فشخصية كاللورد كاريت كان موتها سيكون كفيلًا بقلب حياة كل من هنا رأسًا على عقب وبالتأكيد سيتوقف موسم الصيد كاملًا. ليعود ويسأل وهو ينظر من حوله:
-إذًا لماذا ينظر لي الجميع هكذا؟
-لا أدري، أنا غير مرتاحة أيها الدوق أظن أن عليك الذهاب للخيمة للوقت الحالي.
1
لكن وقبل أن يتحرك كان سبستيان وصوفيّا قد وصلا إليهم وقد كان سبستيان مبتسمًا بإتساع كأن نكتة قيلت له، إقترب من لوغان وقال بينما يضع يده جهة قلبه بينما إنحنى قليلًا:
-يشرفني أيها الدوق أن أنقل إليك نبأ كونك المتهم الجديد لمحاولة إغتيال الماركيز كاريت.
15
-ما الذي تقوله؟
-هل أنت تمزح؟
قال كل من الدوق وسارا على التوالي لتؤكد صوفيّا قائلة:
-هذا ما يتداوله القروييون لقد سمعناهم قبل قليل.. لكونك قد أتيت متأخرًا قال بعضهم أن هذا حصل لأنك هربت بعد أن أخطأت طلقتك اللورد.
1
أضاف سبستيان بنفس نبرته المستمتعة:
-بل هناك من يقسم أنه رآك تهرب من موقع الجريمة..
عقد لوغان حاجبيه متسائلًا:
-ولم تبدو مستمتعًا بكل هذا؟
-هذا لأنني المتهم الأول سيدي وكان لي شرف أن يتهمني الضحية بنفسه!
18
أراد لوغان أن يسأل عن السبب لكنه تراجع وهو يتذكر وجود الآنستين.
-إن هذا مجرد هراء لن يقوم الدوق سكوت بأمر كهذا!
تفاجأ لوغان فقد صدر هذا التعليق من سارا التي بدت مستاءة لتطمئنها صوفيّا قائلة:
1
-لا تقلقي أنستي فكما قلتِ لن يقوم الدوق بأمر كهذا وسرعان ما سيعرف القروييون خطأهم.
-وسأعود أنا لأكون المتهم الرئيسي.
8
أضاف سبستيان بينما كاد لوغان أن يؤنبه لمزاحه في مثل هذا الموقف.
خرج ديريك حينها من الخيمة التي يُفحص فيها اللورد وقام خادم بتنبيه الجميع أن عليهم الإنتباه له، خرجت السيدات من خيمتهن ليستمعن أيضًا وساد صمت في المكان. قال ديريك بعد أن حل الصمت:
-إن الماركيز كاريت على خير ما يرام ولم يصب بأي أذى.
1
بعض التنهيدات خرجت وتحدث البعض أن الحظ حالفهم بينما أكمل ديريك:
-حتى الآن يبدو أن الأمر مجرد طلقة طائشة خرجت أثناء قيام أحدهم بالصيد لذلك فلن يكون هناك إتهام بمحاولة قتل وعلى هذا الأساس ندعوا من قام بإطلاق تلك الطلقة بأن يأتي ويعترف بنفسه فاللورد كاريت يطالبه فقط بالإعتذار وهذا على ضمانة الماركيز ويلفيرتون... أتمنى لكم يومًا طيبًا.
1
ختم ديريك حديثه ثم إلتف ناحية لوغان وسبستيان. سأله لوغان:
-هل اللورد حقًا بخير؟
-نعم سيدي الدوق لقد فحصه الطبيب ولقد نجح اللورد ويلفيرتون واللورد هاريسون في تهدئته لذلك أظن أنك في الجانب الآمن الآن سيد فينسنت.
أكمل وهو ينظر لسبستيان ليقول شاكرًا:
-أنا مدين لهما.
-أظن أن علي الذهاب والإطمئنان على اللورد كاريت... بالمناسبة، لورد هاريسون وكونت ألبرت أين هما؟
وفقط بعد سؤاله ظهر حصاناهما من بين الأحراش وعلى متنهما كان الإثنان،
تأملهما الثلاثة ثم قال سبستيان أخيرًا:
-سيتم إتهامهما بالجريمة.
12
-لا أظن أن ذلك سيسبب لهما الكثير من المشاكل، لنذهب الآن.
علق سبستيان وذهب الثلاثة بعد أن إستأذنوا من الآنستين.
...........
الانتقال إلى الفصل التالي