رواية حدث ذات مرة في ويلفيرتون الفصل 9
(9)
لم يكن هنري ستون الخادم في قصر ويلفيرتون يحب أن يتم تعديل المهام المطلوبة من الخدم بعد توزيعها في الإجتماعات المعنية فهذا سيسبب إختلالًا في عمل الخدم قد يظهر للمقيمين في القصر وهو أمر لا يجب أن يحصل، لكنه وعندما طلبت منه صوفيّا مورغن عصر اليوم الماضي تولي مهام كاثلين ديفان في الإعتناء بشؤون الغرف في الطابق الثاني لم يمانع أبدًا فعل ذلك.
كان قد سمع خلال الأيام الثلاثة الماضية بعض الخادمات وهن يثرثرن بما سمعنه من كاثلين، عن اللورد أوليفر كاريت وطريقة معاملته لها مما أزعجه للغاية فهو يعتبر جميع العاملين في القصر كعائلة له ولا أحد يريد أن يتم معاملة فرد من عائلته هكذا، لهذا وعندما طلبت منه صوفيّا مورغن تولي غرفة اللورد كاريت مع غرفتيّ السير هاثواي والسيد كارفين إستجاب للأمر بكل سرور رغم كونه سيتطلب منه القيام بأعمال لا تناسب منصبه.
1
وما لفت نظره هو الإنزعاج الذي ظهر على وجه اللورد بعد أن قرع جرس الخدمه وجاءه هو بدلًا عن كاثلين، ظن هنري أن اللورد سيمطره بطلباته لكنه وطوال المساء وحتى موعد العشاء بقي ساكنًا في غرفته، عزى ذلك لما تعرض له خلال أول يوم من الصيد، وفي صباح اليوم التالي كان اللورد أول من إستيقظ وقد بدا منتعشًا على عكس مساء البارحة.
سهل خروج اللورد المبكر عمل هنري إذ لم يبق له سوى مساعدة السير في ما يحتاجه فالسيد كارفين كان أخبر الخدم أنه لا يحتاج مساعدة ويفضل تسيير أموره بنفسه.
طرق هنري باب السير قرابة الخامسة للمرة الثانية وهو ينادى بنبرة منخفضة لكن مسموعة:
-أستميحك معذرة سير هاثواي لكن يجب أن تبدأ الإستعداد لليوم.
بعد ثوانٍ جاءه رد متعب من الداخل أنه يمكنه الدخول.
1
دخل هنري وفي يده اليسرى يحمل طسلًا من الماء الدافئ برفقة منشفتين وضعهما على الطاولة بالقرب من سرير السير، جلس على طرف السرير بثياب نومه وقد كان منحي الجسد، تساءل هنري:
4
-سيدي هل تعاني من ألم ما؟
بصعوبة أجاب السير:
-وماذا.. يبدو لك! لقد عاد ألم معدتي...
ثم أطلق سبة وهو يتمايل قليلًا ليقول هنري:
-هل من مساعدة أستطيع تقديهما لك سيدي؟ دواء يمكنني إحضاره لك؟
-نعم نعم.. هناك على الطاولة قرب الباب، علبة فيها دوائي.
إتجه هنري ناحية الطاولة التي أشير عليها ليجد علبة بيضاء لم تحمل أي معلومات وضعت على طرف الطاولة، أحضرها له ليفتحها السير بعد أن أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه ليبدو لهنري مسحوق أبيض في الداخل جعله يقول:
8
-سيدي إنتظر قليلًا لأحضر بعض الماء لتشرب به الدواء..
-ليس هناك داعٍ الماء قد يبطء مفعوله سأتناوله هكذا.
ثم أخذ ملعقة كانت برفقة حساء باللحم طلبه الليلة السابقة وملأها بالدواء.
كاد هنري أن يبدي إشمئزازًا وهو يتخيل ما سيكون عليه طعم الدواء لتنقبض ملامح السير فعلًا بعد أن إبتلع المسحوق، بعد دقائق عدة وبعد أن ساعده هنري في إرتداء ثيابه قال السير وقد بدا أفضل حالًا:
-على ماذا يحتوي إفطار اليوم؟
إستنكر هنري سؤاله عن الإفطار بعدما حصل لكن يعلم عن حب السير للطعام واللاحم منها خاصة ليجيبه قائلاً:
-لقد جهز لك الطباخ لحم الأرانب مع الأرز كما طلبت سيدي.
4
-هذا جيد، سيعطيني قوة كافية لهذا اليوم.
-أتمنى لك التوفيق فيه سيدي.
-هل خرج ديريك؟
-نعم سيدي، قبل دقائق فقط.
-هذا الفتى، إنه نشيط للغاية!
علق وهو يأخذ معطفه وقبعته ثم خرج باحثًا عن وجبة إفطاره.
........
رغم إقتراب الوقت من السادسة إلا أن الظلام كان لا يزال داكنًا والضباب أكثف من المعتاد، تجمع صيادوا اليوم على أضواء الفوانيس التي أضاءت ما إستطاعت.
لم يكن آنسون متشجعًا للذهاب هذا اليوم فهو كان قد نام متأخرًا في الليلة السابقة وقد إستيقظ وهو لا يزال يشعر بالتعب في كل أنحاء جسده بعد المجهود العظيم الذي قام به البارحة وبقربة بدا أن ألبرت يشعر بنفس الشيء.
إقترب منهما سبستيان وقد كان يحمل فانوسًا ليسأله آنسون قائلًا بعد أن تثاءب:
-ألم تشرق الشمس بعد؟
-بلى لقد بدأت في الشروق سيدي لكن هناك الكثير من الغيوم التي تحجب ضوءها.
عبس ألبرت قائلًا:
-غيوم! لا تقل لي أن المطر سيهطل..
-في الحقيقة لا أظن أنه سيكون مجرد مطر بل ربما عاصفة كاملة فالغيوم البارحة كانت منخفضة للغاية.
تبادل الإثنان نظرات جزعة ليقترب غاري قائلًا بمرح:
-لا تخف الفتيان سيد فينسنت.
هز كتفيه قائلًا: إنها حقائق فقط.
علق آنسون قائلًا: الآن فقط أحسد الدوق سكوت، ليتني بقيت معه في القصر.
هز ألبرت رأسه قائلًا:
-لست أوافقك فهو كان يفترض أن يذهب في نزهة وبسبب هذه الأجواء ستلغى النزهة بالتأكيد.
-آه نعم، هذا سيء أيضًا.
إبتسم سبستيان لحديثهما ثم إلتفت ناحية ديريك الذي لم يكن متفاعلًا معهم كما إعتادوا ليسأله قائلًا:
-هل تخاف العواصف أنت أيضًا أم ماذا؟
نظر إليه ديريك بإبتسامة لم تصل عينيه وأجاب:
-كلا، لا أخافها.
-إذًا لماذا تبدو خائر القوى هكذا.؟
-أشعر ببعض الصداع فقط..
5
-ربما لأنك تناولت الكثير من الشراب البارحة.
-نعم، أظن أن ذلك هو السبب.
وافقه وهو يمرر يده على رقبة حصانه الذي زفر محركًا رأسه يمنى ويسرى.
على مبعدة عاد اللورد ويلفيرتون إلى المجموعة وقال بصوت جهوري ليسمعه الشباب أيضًا:
-لقد تحدثت مع القائد، لقد بدأ الضباب بالإنقشاع لكن ضوء الشمس سيغيب نظرًا للغيوم التي تحجبه لكن هذا لن يوقف اليوم، إلى أن تهطل الأمطار سيستمر الصيد وإن هطلت فيجب عليكم جميعًا العودة وبأسرع ما يمكن.
وعندما تأكد أن الجميع قد سمع إعلانه عاد ليصطف بالقرب من اللورد هاريسون والسير هاثواي بينما تقدمهم اللورد كاريت فبدا كأنه يريد إرسال رسالة أنه لا يخاف العودة مجددًا.
قال اللورد هاريسون وهو ينظر من حوله حيث وبعد إنقشاع الضباب بدا لهم الفضاء الرمادي والذي ينذر بسقوط أمطار غزيرة:
-جيد أن السيدات لن يأتين اليوم فلا أحد يريد أن يهطل المطر وهن في الخارج.
-هذا صحيح، لقد إقترحت ليدي جانيت أن يبقين للقيام بعض الأنشطة الداخلية أنا متأكد أنهن لن يشعرن بالملل.
وافقة اللورد ثم إلتفت ناحية السير الذي كان صامتًا لبعض الوقت ليسأله قائلًا:
-ماذا بك لا تقول شيئًا أيها السير؟
أجابه وهو يضع أطراف أصابعه على جبينه:
-أعاني من صداع عميق..
5
-هل هذا بسبب الشراب؟
-كلا، لم أشرب كثيرًا البارحة.
أجاب وقد تكسر صوته نهاية الجملة، لفت ذلك نظر اللورد ويلفيرتون والذي قال:
-لا تبدو بخير أيها السير.
تمايل السير قليلًا ثم إستقام وقد بدا وجهه متألمًا:
-وهاهي معدتي قد عادت لتؤلمني.
-هذا سيء حقًا، هل تظن أنك تستطيع الصيد هذا اليوم؟
-نعم نعم...
قال بسرعة لكن سرعان ما إنقبضت أمعاءه فإنحنى للأمام وهو يمسك معدته وهو يئن ألمًا هذا جعل الرجلين يتحفزان لكنه رفع كفه إليهما ثم قال وهو يترجل عن حصانه:
-أحتاج الذهاب للحمام.
وبسرعة إختفى إلى حيث جُهِزّ الحمام الخارجي. تبادل اللوردان النظرات وهما متأكدان أنه لن يستطيع متابعة اليوم.
3
أقبل غاري حينما لاحظ عدم تحرك والده ومن معه ليسأل قائلًا:
-أيها اللورد هل ستتأخرون أم ماذا؟
-آه نعم، إن السير يعاني من بعض ألام في معدته، سنبقى لحين عودته ثم ننطلق. يمكنكم البدء قبلنا.
-حسنًا، أتمنى الشفاء للسير. أراكم لاحقًا.
ثم إلتف عائدًا لرفاقه ومن ثم بدأت الأحصنة الركض إلى داخل الغابة يرافقها الكلاب المتحمسة.
.........
في وقت قياسي تزايدت سرعة الرياح وكثافة الأمطار لتباغت العائدين من رحلة الصيد أثناء توجههم إلى القصر رغم كونهم قد بدأوا رحلة العودة مع أول قطرات المطر. إبتل الجميع لأخمص أقدامهم عندما وصلوا إلى الإصطبلات حيث إستقبلهم العديد من الخدم برفقة جاسبر والذي أشرف على إدخال حاجيات الصيد بنفسه بينما توجه السادة إلى داخل القصر.
في الداخل إنتظرتهم العديد من الخادمات برفقة مناشف وبطانيات تقيهم من البرد، ورغم مظهرهم المزري إلا أن آنسون وألبرت كانا يضحكان بعد المغامرة التي لم يحظيا بمثلها من قبل. غاري أيضًا كان مبتسمًا وبقربه كان سبستيان يجفف في نفسه حينما لاحظ أن ديريك الذي ظل هادئًا طوال الرحلة قد بدا عليه التألم وهو لا يزال ممسكًا بمنشفته بقوة دون أن يجفف نفسه، لكن وقبل أن يسأله عن خطبه أقبلت الليدي جانيت وبرفقتها صوفيّا وعلى وجهيهما نظرات لم ترق للورد ويلفيرتون والذي قال من فوره:
1
-هل من مشكلة ما؟
تبادلت الليدي نظرات بدت لهم مرعوبة مع صوفيّا ثم أجابت:
-لا أعرف كيف أقول هذا ولكن... السير هاثواي ومنذ عودته بدأت حالته تسوء أكثر وأكثر وهو الآن طريح الفراش.
1
حل صمت في بهو القصر والجميع ينظر إليهما بأعين متسعة بينما قال اللورد:
-ما الذي تعنينه أن حاله ساءت!
من أجابته كانت صوفيّا:
-لقد عانى السير من إسهال شديد عند عودته وقد كان يرتجف كثيرًا ومن ثم سقط وهو يتشنج ومن حينها وهو لا يستطيع التحرك ويبدو أنه سيغمى عليه في أي لحظة.
تبادل الجميع نظرات جزعة بينما أكملت صوفيّا:
-لقد أرسلنا في طلب الطبيب لكنه تأخر بسبب هبوب العاصفة ولا ندري متى سيصل.
-يا إلهي ما الذي حل به في غيابنا.
علق اللورد هاريسون وقال كاريت وقد بدا هادئًا:
4
-لقد عانى دومًا من مرض في معدته ربما تفاقم الأمر فقط.
1
-سأذهب لرؤيته الآن - قال اللورد لزوجته ثم نظر ناحية ضيوف وأكمل - أرجو أن ترتاحوا أنتم وستقدم لكم الخادمات ما تريدونه وسأخبركم لاحقًا بما يحصل مع السير.
هز الجميع رؤسهم متفهمين ثم ذهب اللورد وإبنه غاري برفقة الليدي وهما يسألانها أكثر عن ما حصل بينما تأخرت صوفيّا قليلًا وقد بدا أنها تفكر وحينما إتخذت قرارها رفعت بصرها ناحية الإتجاه حيث يقف الشباب من الضيوف وفقط في تلك اللحظة سقط ديريك كارفين أرضًا فجأة.
9
فوجئ سبستيان لسقوطه لكنه فوجئ أكثر عندما هتفت صوفيّا وهي تسرع ناحية الساقط قربه:
1
-ديريك!! ديريك هل أنت بخير!؟
3
إنحنت صوفيّا قربه وقد رفعت رأسه إلى حجرها بينما إنحنى سبستيان أيضًا وإقترب البقية المصدومين.
كانت يدا صوفيّا ترتجفان وهما ممسكتان برأس ديريك المبتل بينما قام سبستيان بصفعه قليلًا بأطراف أصابعه وهو يهمس:
5
-سيد كارفين، هل تسمعني، سيد كارفين..
بدأت أجفانه بالتحرك ثم فتح ديريك عينيه ليجد الجميع يقفون حوله ومن بينهم صوفيّا. عبس قليلًا لرؤيتها ثم وبصعوبة نهض وأبعدها عنه، لم تستطع قول شيء. سأله سبستيان:
-هل أنت بخير؟ ما الذي حصل قبل قليل!.
1
إنتظر الجميع إجابته بينما قال وهو يمد يده ناحية آنسون الواقف أمامه ليساعده على النهوض:
-أحتاج.. أحتاج رؤية السير، الآن.
رفعه آنسون ونهض سبستيان وهو يسند ظهر أثناء الوقوف وقائلًا:
-ولماذا تريد رؤيته؟ يجب أن ترتاح أنت بنفسك.. لقد سقطت قبل قليل.
تدخل اللورد هاريسون قائلًا:
-نعم يجب أن تذهب لغرفتك فنحن لا ندري ما هذا الذي يحصل هنا.
هز ديريك رأسه بالقوة التي إستطاع فلقد كان رأسه ينبض ألمًا ثم قال:
-أحتاج رؤيته الآن.
ودون إنتظار رد منهم إخترقهم ديريك ناحية السلم، من تبعه كان سبستيان فقط فالبقية قد غمرتهم خشية أن يكون هذا مرضًا ينتقل بالعدوى أصاب السير ثم ديريك ولا أحد منهم رغب أن يكون هو التالي.
1
في غرفة السير تواجد كل من اللورد ويلفيرتون وهنري ولوغان الذي كان متواجدًا عندما بدأ كل هذا وبقي برفقة السير منذ وقتها ليتفاجأوا بدخول سبستيان وديريك إلى الغرفة وقد بدا ديريك في حال سيئة.
1
-هل أنت بخير سيد كارفين؟
تساءل لوغان وهو يرى حاله إلا أنه لم يجبه بل أبعده وهنري عن السرير وحدق في السير.
بدا شاحبًا ومتعبًا للغاية وقد كانت عضلات يديه وساقيه تتشنج بإستمرار، أمسك ديريك يد السير فوجدها ترتجف... مثل يده تمامًا. وقد لاحظ تغير لون أظافره أيضًا.
سأل ديريك دون أن يلتفت:
-هل تقيأ السير من قبل أو عانى من صداع قوي؟
2
أجابه هنري بسرعة: نعم نعم، لقد تقيأ حتى خلت معدته تمامًا.
-وسمعته يشكو من الصداع صباحًا.
أضاف اللورد وعندما لم يقل ديريك شيئًا أخر إقترب اللورد بحذر وسأله قائلًا:
-هل إكتشفت شيئًا ما سيد كارفين؟
أعاد ديريك يده إلى مكانها ومن ثم أحكم تغطيته حتى أجاب:
-إنه تسمم، لقد سُمم السير.
إتسعت عيناه ونظر ناحية الخادم الذي ظهرت عليه نفس الملامح ثم قال بتردد:
2
-وما الذي سممه؟
أغمض ديريك عينيه وتمايل كأنه يصارع شيئًا في داخله وأجاب:
-الزرنيخ، أظن أنه ... الزرنيخ.
5
وقبل أن يبديا أي دهشة أضاف ديريك:
-ويبدو أنني أيضًا تسممت به.
أنهى جملته ثم وبسرعة أبعد سبستيان الواقف أمام الباب وخرج من الغرفة ناحية الحمام أخر الرواق.
............
قاد هنري الطبيب الذي أُحضِر من القرية ناحية القاعة التي تجمع فيها كل الضيوف والذين وما إن سمعوا عن سبب مرض السير وديريك حتى رغبوا بمعرفة المزيد، وبما أن الجو كان ماطرًا في الخارج من الأساس تجمعوا في مكان واحد في غرفة تتوسط القصر حيث لا يصل لهم صوت هزيم الرعد ولمعان البرق.
6
حضور كئيب ملأ الغرفة حيث إختفت جميع ملامح البهجة والسعادة من الضيوف وحتى الخدم، جلس اللورد ويلفيرتون مترئسًا المكان وبقربه جلست الليدي جانيت، وترافقت كل من الكونتيسة إليزابيث والليدي هاريسون في مقعد وبقربهما وعلى كرسي منفرد جلست ساشا بالقرب من والدتها بينما كانت سارا تجلس بالقرب من غاري وزوجته حيث أمسك غاري بيد إستر المرعوبة.
وقف كل من آنسون وألبرت بالقرب من المدفأ التي أشعلت بعد إنخفاض درجات الحرارة بشكل كبير وقد كانا يتهامسان عن ما قد يصيب ديريك ولم يرقهما ما وصلا إليه. بالقرب منهما إتكأ سبستيان على الحائط وقد غرق في تفكير عميق وقد كان بين الفينة والأخرى يلقي نظرة إلى حيث جلس لوغان بالقرب من اللورد هاريسون واللورد كاريت وعلى عكس هاريسون كان كاريت هادئًا وباردًا كما إعتاد منه سبستيان دائمًا. وفي الجهة الأخرى من الغرفة وفي الزاوية تمامًا وقف كل من جاسبر وصوفيّا بإنتظار أي أوامر.
1
طرق هنري باب الغرفة ودخل معلنًا وصول الطبيب ثم إبتعد ليفسح له المجال، نهض الجميع وترقب قلق يملاؤهم.
أمسك الطبيب المرتعب قبعته بيديه الإثنتين وقام بتحية السادة ثم سأله اللورد ويلفيرتون عن حال المريضين ليجيبه دون أن يرفع نظره عن الأرض:
-كما ذكرت لي تمامًا سيدي اللورد إن السيدين مصابان بتسمم سببه الزرنيخ حيث تشير كل الأعراض التي حصلت إلى ذلك.
شقهت الليدي هاريسون وهمست قائلة للكونتيسة:
-أليس الزرنيخ يسبب الموت مباشرة!!
ولهدوء المكان سمع الجميع قولها فتبادلوا النظرات بقلق ليقول الطبيب:
-هو كذلك سيدتي، إن تأخر علاجه وهذا ما يحصل في العادة لأن الناس في العادة يظنون أعراضه مجرد أعراض أمراض معوية شائعة لكنه ليس كذلك وفي النهاية لا يمهل السم المريض الكثير من الوقت حتى يتم طرد المادة من الجسد ويتم علاجه..
تقدم اللورد هاريسون بضعة خطوات وقال:
-أهذا يعني أن السير هاثواي.. سيموت!!
ترددت الكلمة في المكان ليدفع ذلك آنسون للسؤال بفزع:
-وماذا عن السيد كارفين!!
إزداد توتر الطبيب وطال صمته إلى أن قال أخيرًا:
-إن حال المريض الأول متأخرة، لقد بدأ فعلًا بفقدان شعره والذي يعني مرحلة متطورة من التسمم إلا أنني أعطيته بعض زلال البيض والثوم علهما يخففان من ألامه قليلًا.. لكن...
1
لم يستطع الإكمال فعلم الجميع أن وقته قد فات ليقول اللورد ويلفيرتون من فوره:
-وماذا عن الشاب؟
-لا يزال في مراحله الأولى، لقد أعطيته كل ما أعرفه ويفيد في طرد الزرنيخ من الجسد لكن يجب نقله للمشفى بسرعة قبل فوات الأوان.
إلتفت اللورد ناحية جاسبر وهتف قائلًا:
-لقد سمعت ما قاله، جهز العربة حالًا..
-لكن يا سيدي هناك عاصفة و....
-لا يهمني! يجب أن يصل السيد كارفين للمشفى بأسرع ما يمكن.
-أمرك، أمرك سيدي.
هتف جاسبر ثم تحرك بسرعة وخرج لينفذ الأوامر وما إن خرج حتى قال اللورد هاريسون:
-لكن.. ما سبب تسممهما وهل.. هل يمكن أن يكون أحدنا هو الأخر قد تسمم؟
أكمل وهو ينظر ناحية زوجته وإبنته خائفًا أن يصيبهما ما أصاب السير لينفي الطبيب فورًا:
-لا أظن أن هناك مصابًا آخر فأعراض تسمم الزرنيخ تظهر بسرعة ويصاحبها إسهال شديد لكن لم يشكي أحد من الضيوف أو الخدم من ذلك، لقد تفقدت الأمر مع كبير الخدم.
2
تنهد اللورد وزوجته الصعداء إلا أن لوغان تدخل متسائلًا:
-لكن كيف تسمم كلاهما فقط! نحن وطوال ثلاثة أيام نتناول نفس الطعام ونشرب من نفس مصدر المياه!
سؤاله كان منطقيًا وجعل الجميع يتهامسون فيما بينهم ليجيبه الطبيب:
-هذا أمر تستطيع الشرطة معرفته وليس أنا سيدي.
-شرطة؟
تساءل آلبرت، ليضيف آنسون بشك:
-مهلًا، هل يعقل أن يكون ما حصل ليس صدفة ولكن... عن فعل فاعل!؟
2
شهقت الليدي جانيت وإرتعبت الفتيات، لينفي اللورد ويلفيرتون قائلًا:
-هذا مستحيل، لا يوجد أحد هنا قد يفعل أمرًا كهذا إذًا لابد أن الأمر مجرد صدفة سيئة فقط.
إلا أن سبستيان تدخل وقد تقدم من مكانه مدخلًا يديه في جيبي بنطاله وقائلًا بنبرة قوية لفتت نظر الجميع:
-بل ليس مستحيلًا سيدي إنه الجواب المنطقي.. لا يمكن أن يتسمم شخصان بمادة كالزرنيخ لا توجد عادة في أي مكان في وقت واحد إلا إذا كان هناك من خطط لذلك.
إرتسم غضب عميق في وجه اللورد ورغم إخبار غاري له بأن يهدأ إلا أنه لم يفعل ليتدخل اللورد كاريت والذي كان لا يزال جالسًا وقال بلهجة هازئة:
-تتحدث بثقة كأنك تعلم شيئًا، من يدري ربما أنت من فعلها وتريد إلصاق التهمة في أحد أخر.
3
نظر سبستيان إليه قائلًا:
-أنا لن أبعد نفسي من الشبهة، أنا وأي شخص كان على إتصال مع كليهما.. جميعنا تحت الشبة حتى يثبت العكس.
-كيف تجرؤ على قول هذا!
1
هتف بها اللورد ويلفيرتون ليُصِر سبستيان قائلًا:
-هذا ما سيقوله رجال الشرطة فور أن يصلوا لهذا أنصح بأن لا يغادر أحد هذه الغرفة، وبالنسبة للخدم سيكون من الأفضل تجمعهم جميعًا في مكان واحد حتى لا يستطيع أحد مسح أي آثار قد تشير للفاعل.
إنقبضت يدا اللورد الذي شعر بإهانة لكونه أصبح هو وضيوفه متهمين في شيء كهذا. ليقول كاريت وهو ينهض من مكانه وبلهجة غاضبة:
-ومن أنت حتى تخبرنا ما الذي يجب أن نفعله!
هز سبستيان كتفيه مجيبًا:
-أظن أنني الوحيد هنا بعد السير هاثواي والسيد كارفين والذي لديه خبره في عمل الشرطة نظرًا لعملي الذي يتضمن القبض على المجرمين وإثبات التهمة عليهم. لذلك وحتى يأتي رجال الشرطة سيكون من الأفضل أن تستمعوا لما إقترحته عليكم يا سادة.
1
لم ينطق أحدهم بشيء وهم ينظرون لسبستيان الذي تغيرت ملامحه الباسمة المرحة إلى أخرى لم يروها من قبل، دخل جاسبر إلى الغرفة كاسرًا الصمت وقائلًا:
-سيدي، لقد جهزنا العربة.
قال الطبيب حينها فورًا:
-سنأخذ السيدين معًا علنا نستطيع مساعدة كليهما.
لتتدخل الكونتيسة إليزابيث قائلة برعب:
-هل ستذهب أنت أيضًا أيها الطبيب! ماذا لو أصيب أحدنا بالتسمم!!
إلا أن الطبيب قال:
-كما ذكرت سيدتي لا أظن أن أحدًا مصاب به الآن وللإحتياط وحتى نعرف مسبب التسمم لا تتناولوا شيئًا، لكن بالنسبة لي يجب أن أذهب برفقة مرضاي فلا يفترض أن أتركهم..
-نعم نعم، يجب أن تذهب معهم.
قال اللورد ويلفيرتون مؤكدًا ثم طلب من جاسبر أن يرسل واحدًا من عمال الإصطبل أيضًا فهم بعيدون مما يحصل داخل القصر على أي حال.
وما إن خرج الطبيب حتى عاد التوتر في المكان، لا أحد يريد قول ذلك لكن الجميع يرغب في معرفة من قد فعل ذلك.
قال سبستيان:
-كنت قد أخبرت خادمًا بأن يذهب للقرية ويرسل تلغرامًا إلى الشرطة حتى يرسلوا وحدة إلى هنا بسرعة لكن وبسبب العاصفة قد يتأخر الأمر.
1
تدخل اللورد هاريسون قائلًا:
-ألا تظن أنك تبالغ سيد فينسنت، لا يمكن لأحد من الموجودين هنا أن يكون المتسبب بما حصل..
-هذا صحيح، أنا لم أفعلها - قاطعته زوجته ليكمل قائلًا:
-الخدم! لابد أنه أحد الخدم من فعلها.
إلتفتت الأنظار إلى صوفيّا حيث سألتها الليدي:
-من كان مسؤولًا عن السير ومساعده؟
أجابتها فورًا:
-خادمة تدعى كاثلين ديفان سيدتي ومنذ البارحة تولى خادم يدعى هنري ستون خدمتهم.
قال سبستيان: إجلبيهم إلى هنا من فضلك.
-أمرك سيدي.
خرجت صوفيّا لتحضرهم بينهم جلس الضيوف وقد خارت قواهم لكل ما يحصل، حول سبستيان نظره في الموجودين، السيدات واللورد هاريسون أكثر المتأثرين ما يحصل، آنسون وألبرت خائفان لكنهما لا يريدان إظهار ذلك، اللورد ويلفيرتون لا يزال غاضبًا ويبدو أنه هو مسبب غضبه الرئيسي، أما اللورد كاريت فقد نجح حتى الآن في إبدا بروده المعتاد كأن الذي يحصل لا يحصل أبدًا.
نهض لوغان فجأة وقال محدثًا سبستيان ومشيرًا ناحية السيدات:
-أظن أن إبقاء النساء هنا لا يفيد وللوقت الحالي ليبقين في غرفة أخرى.
فكر سبستيان أن كلامه صحيح فهن فقط سيزدن الأمر سوءًا بخوفهن وربما يتسببن في فعل غبي أيضًا لذلك قال:
6
-كلامك صحيح، سيكون هذا أفضل.
ولحسن الحظ كان هناك غرفة مجاورة تفتح بباب داخلي توجه سبستيان ناحيته وفتح الباب بإنتظار دخولهن.
ساعد اللوردات زوجاتهن على الدخول وأدخل غاري إستر وساعد آنسون أخته التي كاد أن يغمى عليها من كل هذا على الدخول.
وبينما نهضت سارا التي أبدت تماسكًا كبيرًا منذ البداية فوجئت بلوغان يقف أمامها، مد لوغان يده إليها قائلًا بهمس بينما إنشغل الجميع بإخراج النساء:
-أنسة ويلفيرتون أريد أن أطلب منك طلبًا.
أمسكت سارا بيده وهمست: وما هو؟
-مهما يحصل هذا اليوم أريد منك أن تكوني القوية بين النساء فلا أحد يعلم ما الذي قد يحصل وماذا قد تكون ردة فعلهن لذلك.. حاولي إبقائهن في هدوء قدر المستطاع.
ثم أضاف وهو يشد بلطف على يدها: هل أستطيع الإعتماد عليك في ذلك؟
2
نظرت سارا إليه مليئًا ثم أجابته:
-نعم، سأفعل ما أستطيع.
إبتسم لوغان إبتسامة صغيرة وربت على يدها بيده الأخرى قائلًا:
-أشكرك، أعلم أنه أمر كثير أطلبه منك لكني أثق أنك قوية بما يكفي لفعله.
إبتسمت هي الأخرى وعندما إلتفتَ ليذهبا لم تتحرك سارا برفقته لينظر إليها متسائلًا، بدت سارا مترددة للحظات ثم سرعان ما قالت له بتردد قلق:
-هل.. هل سيكون السيد كارفين بخير؟
لن ينكر لوغان -إن سألته- أنه وفي تلك اللحظة شعر بإنقباض في قلبه، هل تسأل عنه بصفته ضيفًا أم بصفة أخرى، لكنه لعن نفسه لتفكيره هذا وأجابها بثقة وهو يمسك بيديها معًا:
10
-نعم، سيكون بخير فالسيد كارفين قوي الجسد ولن يسمح لسم لعين بهزيمته.
1
إبتسم سارا رغمًا عنها وهي تسمعه يذكر كلمة سيئة بلهجته الراقية تلك لكنها ومع ذلك نجحت في جعلها تهدأ قليلًا ثم وسمحت له بمرافقتها.
3
كان لوغان آخر من عاد مغلقًا الباب خلفه، وما إن أغلق الباب حتى وجد سبستيان اللورد كاريت أمامه وقد رفع يده إلى ياقته ليخنقه بينما يقول من بين أسنانه:
-أنت أيها الحقير، كيف تجروء على إتهامنا وأنت مجرد عامي وضيع!
تراجع سبستيان خطوة من الهجوم المفاجئ إلا أنها تماسك ورد قائلًا:
-هذا لن يكون قولي أنا فقط هذا ما سيقوله رجال الشرطة ما إن يصلوا فلا تقلق.
-أيها الـ...
إلا أن غاري وآنسون تدخلا وهما يمسكان به كل من يد وقد قال غاري:
-سيدي اللورد أرجوك لا تنفعل.
-هو لم يتهم أحدًا بعينه وكل ما قاله منطقي.
أضاف آنسون ليتدخل اللورد ويلفيرتون قائلًا وهو يجلس على كرسيه:
-لن يفيدنا العنف لذلك إجلس الآن ولنفكر فيما حصل.
إبتعد اللورد عن سبستيان بصعوبة ليقوم الأخير بترتيب بذلته البيضاء بملامح محايدة. قال وهو يخطو ليواجههم جميعًا:
-ما يحصل الآن لن يكون شيئًا مقارنة بما سيحصل عندما يخرج الأمر. أن المدير العام لسكوتلانديارد ونائبه الأول قد تعرضا للتسمم ولا أحد يدري إن كانا سينجوان أم لا، خبر كهذا سيقلب لندن رأسًا على عقب فهما ليسا شخصين عاديين أبدًا.
همس ألبرت: شكرًا على تذكيرنا.
1
-وماذا تطلب منا أن نفعل! نحن مثلك لا ندري كيف حصل هذا.
هتف كاريت فرد ببساطة: لهذا يجب أن نحاول معرفة ما حصل، الآن وقبل أن يمر وقت أكثر..
سأله غاري: أتقول أن علينا القيام بتحقيق بأنفسنا؟
-نعم، يجب أن نعرف ما الذي حصل وأدى لهاذين الإثنين بالتسمم.
قال لوغان:
-إن كان الأمر كذلك فيجب أن نبدأ بأكثر من كان بإمكانهما إدخال السم إلى شرابهما أو طعامهما دون أن يسبب ذلك شبه.
1
هز سبستيان رأسه موافقًا ليقول عندما فتح الباب عن صوفيّا وبرفقتها كاثلين وهنري: الخادمان.
..........
الانتقال إلى الفصل التالي