رواية تأثير الفراشة (The Butterfly Effect) الفصل السادس

 



(6) أونيسم


أونيسم (Onism): الإحباط الناتج عن كونك عالقاً في جسد واحد، يتواجد في مكان واحد في الوقت الواحد.

----------


"لماذا كنت آخذ هذه الأدوية اصلاً؟" سألت آفروديت نفسها بينما تؤرجح ساقيها جالسة على الكرسي تتأمل اللوحة القابعة أمامها، وهي تحاول أن تكبح الشعور الذي تبعثه بداخلها. 

ولم تكن هذه اللوحة سوى لوحة الكابوس في معهد ديترويت للفنون.1

لم تحب تلك اللوحة يوماً، كانت تجعل جسدها يقشعر لمجرد النظر إليها.. فيما كان يفكر هنري فوسيلي حينها لكي يرسم شيئاً كهذا!

على كلٍ، يبدو أن توقفها عن تناول أدويتها أعاق قدرتها التحليلية بعض الشيء، لأنها وجدت نفسها تفكر بالقزم على صدر المرأة كالمجتمع القابع على صدرها.. والمرأة كانت هي! بينما هي تعرف أنها في الواقع تشبه القزم أكثر من شبهها بالفتاة الشقراء.1

لم تتمالك ابتسامة صغيرة ساخرة على تلك الفكرة  الأخيرة، لماذا عقلها بارع في قلب كل شيء طوال الوقت؟ دائماً تضع نفسها كالشخص الجميل في كل لوحة أو أسطورة! أليس بإمكانها أن ترضى بما تملكه بالفعل؟ شبهها المثير للريبة بالقزم. 

ربما ليست أسطورة تماماً..

قالت لنفسها هذه الكلمة باسمةً، هذا جنون تام، هي تعرف بالفعل.. لم توقف أدويتها سوى لأربعة أيام، وهذه حتماً ليست فترة كافية ليتخلص جسدها من كل الآثار أو حتى النصف! 

لكن رغبتها الخالصة في الجنون كانت تجعلها تنقاد خلف أفكار درو سريعاً، لقد أحبت الفكرة، أحبت إيمانها المطلق بنفسها، أحبت التوقف عن تناول أدويتها والاستمتاع بإلقائها في الحوض بدلاً من هذا! 

تذويب الأقراص واحداً بعد الآخر أعطاها نشوة لم تختبرها قبلاً، لم تجرب التمرد سابقاً! كل ما كان عليهم إخبارها به هو أنها مضطربة لتعلق مع تلك الأدوية لعشرة أعوام، بدون أن تعترض لمرة واحدة.

 بدون أن تفكر حتى كيف كانت تحيا قبل أن يشخصوا اضطرابها، بلا أدوية.. لم تكن بائسة حينها، كانت شديدة الابتهاج! حتى أن الطبيب أطلق عليها لفظ "مريضة هيستيرية".

لكن على الجانب الآخر، لقد شُخِصَ درو منذ أن كان بالثالثة عشر! أي منذ أحد عشر عاماً! وطوال هذه الفترة.. لم يستعمل أقراصه سوى لأسبوعين.

أسبوعين ونصف، في الواقع.1

طبيعته المتمردة أرغمته على التوقف عن تناول الأدوية قبل أن تنال منه، الأدوية كانت تجعله.. عادياً! وهذا قتله ببطء.

هو لم يكن يريد أن يكون عادياً، أو (طبيعياً) على حد قول طبيبه، من أعطاهم الحق لكي يسرقوا جنونه منه! فقط لأنهم لا يملكون نفس القدر الجامح من المخيلة لا يعني أن يأخذوا خاصته، تحديداً إن كان سعيداً بها، ومسالماً إلى حدٍ مثير للشك. 6

"ماذا تظنين بشأنها؟" سألها آبولو، الذي جلس بجانبها بدون أن تعرف من أين ظهر، لكنها توقفت عن طرح هذا السؤال على أي حال، آبولو دائماً ما يظهر بشكل مفاجئ، ليسرق اهتمامها.. وفجأه، كل شيء يتمحور حوله.1

 تحدثت وهي تحدق باللوحة محاولة استشفاف انطباع آخر، لكنها لم تستطع.. لهذا قالت باستسلام "إنها تجعلني أقشعر، أظنها.. مريبة؟"

"ماذا عن الحصان؟" سأل مجدداً، وأجابته متجاهلة أنه لم يحيها حتى عندما دخل وبدأ بالأسئلة مباشرة.. آدابه الاجتماعية في انحدار مستمر!

أي حصان؟ هل يتوهـ.. آه.1

لم تكن قد نظرت إلى اللوحة بشكل كافٍ لتلمح الحصان الأسود في الزاوية، أمالت رأسها قليلاً، يميناً ثم يساراً.. لا شيء.

لم تستطع رؤية أي شيء في عيني الحصان. 

"لا يبدو لي بأنه سيؤذيها، لكن لا أظن أنه سيتحرك ليساعدها أيضاً"

إنها لوحة، لا شيء يتحرك! قال لها الجزء الذي لا يزال يحمل قليلاً من تأثير الأدوية لتنهره وترسله إلى زاوية عقلها.. الاستغراق في خيالها ممتع جداً لتتخلى عنه لأجل بعض العقلانية الزائفة، لو أرادت جعل تلك الفتاة الشقراء ترقص حتى تفقد وعيها لفعلت.

"انظري إلى عينيه، يبدو لي مسالماً ومحباً.. برغم أن الجميع تقريباً يراه غاضباً ووحشي، أو على أقل تقدير، بلا مشاعر! منذ متى أوقفتِ أدويتك؟"1

التفت لها عندما قال العبارة الأخيرة بابتسامة عريضة، لتبعد عينيها أخيراً عن اللوحة وتلتفت له هي أيضاً وتجيب "أربعة أيام، هذا هو اليوم الخامس"

"كيف تشعرين؟ أفضل؟"

بغض النظر عن الفخر في عينيه وكلماته عندما أجابته، لقد كان فضولياً جداً، لا تكاد تخلو واحدة من عباراته من سؤال ما! وهذا بطريقة ما كان يستهويها.. كيف أن أسألته أحياناً كانت بلا معنى، وأحياناً أخرى، كانت تبدو كالسؤال الوحيد الذي تهم إجابته في هذا الكون. 

"هناك جزء مني قلق منذ أن أوقفت الأدوية، ماذا لو كنت أتخيل كل شيء؟ ربما أنا الآن أتحدث مع نفسي فوق سطح منزلي وهذا كله يحدث في رأسي، وربما عندما أنهي محادثتنا هذه، سأقفز عن السطح، ليلتقطني زيوس.. ويعيدني إلى حيث أنتمي"1

ضحك بقوة عندما قالت هذا، ثم التفت لها وآثار الضحك لا تزال على وجهه، عينان لامعتان ووجه أحمر..

كيف لأحدهم أن يمتلك عينان لامعتين إلى هذا الحد؟هذه كانت الفكرة الأولى التي خطرت لها عند رؤية وجهه، يجدر به أن يكون آفروديت بدلاً منها! يمكنها أن تضحك حتى الموت ولن يصبح وجهها بهذا التورد أبداً!1

"أنتِ لست مجنونة كفاية بعد" قال مازحاً، لترفع حاجبَيها باستفهام.. وعندها استدار بكامل جسده لها ورفع ساقيه فوق المقعد الطويل ثم أكمل "عليكِ أن تكوني واثقة من أنكِ عاقلة لكي تكوني مجنونة"

"وأنت مجنون؟"

"لا، أنا عاقل.. لكن في سجلاتي الصحية أنا مصنف كمجنون لأنني مختلف"10

هذا يثبت كونه مجنوناً، أليس كذلك؟

تساؤلاتها ظهرت على وجهها ليجيب درو "سأصنف نفسي مجنوناً عندما أبدأ بشق حلق من يعارضني، لكن حتى ذلك الحين.. أنتِ بأمان"1

ابتسمت لتعابيره الدرامية عندما يتحدث، لقد كان يمثل كل كلمة يقولها بيديه المرتجفتين.. تماماً كشخص مجنون.

"إذاً أنت ترى نفسك عاقلاً؟ ألا يجعلك هذا مجنوناً.. طبقاً لما قلته؟" سألت آفروديت بفضول ليبتسم، وانتظرت جواباً، لكن كل ما حصلت عليه منه كان ابتسامة. 

"سأريكِ شيئاً!" قال بحماس ثم سحب يدها لتقف عن الكرسي الرخامي ويركضا خارج معهد الفنون جاذبين نظرات الجميع معهما..

كانت تنظر إلى قدميه بينما يركض، لم يتعثر ويسقط ما يدل أنه ليس في مرحلة متقدمة جداً من مرضه! حركات جسده تقريباً متناسقة تماماً!

ما الذي قد يصيب شاباً في الرابعة والعشرين بمثل هذا المرض؟ سألت نفسها بقليل من الشفقة، كانت متعاطفة ومحبة جداً تجاهه وتجاه الجميع.. أكثر من اللازم وقد أوقفت أدويتها الآن! إنها على استعداد أن تجلس وتنوح طوال اليوم بجانب مقبرة جرو نافق!4

وصلا إلى مبنى سكني رديء وقف أمام بوابته الضيقة مجموعة من المدخنين، لم يتوقف درو لكي لا يصطدم بهم.. بل تابع الركض وكأنه لم ير أي شخص أمامه ليبتعدوا بسرعة عن الطريق.

"درو! سنصطدم بشخص ما.. تمهل" قالت وهي تسحب يده التي تمسك بيدها للخلف ليتوقف، التفت لها بضحكة طفولية ووجه متورد ثم قال وهو يسحبها ويركض مجدداً باتجاه المصعد "كمجنون، أنا أملك كامل الحق للاصطدام بالناس في الطريق بدون اعتذار حتى!"1

ابتسمت وسمحت له بضغط رقم خمسة على أزرار المصعد، انتظرا حتى فُتح الباب وعادا للركض! كانت هناك متعة خفية في الركض بدون سبب بالنسبة لكليهما! كانت هناك متعة في تلقي نظرات الاستهجان والاستغراب.. 

دخلا إلى شقته المتواضعة التي لم يغلق بابها، لأنه على حد قوله لا يوجد شيء ثمين كفاية بالداخل ليتم سرقته!

"ماذا أردت أن تريني؟"

فتح أحد أدراج مكتبه الخشبي المتهالك بمفتاح ذهبي، كان الدرج مليئاً بالأوراق التي تحمل فوقها خربشات بخط رديء ومرتجف إلى حد يجعله غير قابل للقراءة.

كانت هناك الكثير من الرسومات لآبولو، لزيوس، لجبل الأوليمبوس، بروميثيوس وشعلة النار، ولآفروديت! الرسومات كانت تبدأ بشكل جيد.. ليس مثالي، لكنه جيد! وتنتهي بخطوط متعرجة تجعل من الصعب تصديق أن اللوحة كلها لشخص واحد.. بيد واحدة.

لقد ترك شقته مفتوحة وأغلق درجاً مليئاً بخربشاته. كان هذا أول ما فكرت به، قبل أن يُخرج درو ورقة كبيرة ملفوفة بشكل أسطواني، كانت أشبه بمخطوطة قديمة..

دفع حاسوبه المحمول بعيداً إلى طرف المكتب ووضع الورقة هناك، ومجدداً تساءلت آفروديت.. ألا يعتقد أن حاسوبه ثمين كفاية لتتم سرقته؟

حتى وإن كان متهالكاً بعض الشيء، في منطقة فقيرة كهذه، سيكون ثروة. 

نظرت نحوه رايلي باستفهام عندما توقف عن الحركة وترك مخطوطته على المكتب، فأشار لها عليها بعينيه لكي تفتحها ببطء قلقة من إيذاء الورق المتهالك.

بقع القهوة كانت تملأ الورقة، وكذلك بقع بيرة الزنجبيل المفضلة لديه.. الورقة كانت تحمل قليلاً من كل مشروباته.. وفي الواقع، قليلاً من روحه!1

فتحت الورقة لتجدها بحجم غطى المكتب بكامله تقريباً، وأصبحت أطرافها تلامس الحاسوب المنبوذ بعيداً.. كعادة رسوماته، كانت مليئة بالخربشات وكلمات هنا وهناك.1

في الواقع، لقد اعتقدت رايلي أنها لو تمكنت من رؤية روح درو، ستكون روحاً مليئة بالعشوائية.. مرتجفة ودائمة التورد، ببقع من القهوة وبيرة الزنجبيل، والكثير من أقراص الليفودوبا والخربشات غير المفهومة. 8

لا يمكنها تخيل درو بدون أحد هذه العناصر. 

سعل درو ليبعد اهتمامها عنه، وأشار لها بعينيه على المخطوطة لتلتفت لها أخيراً بينما تضع خصلة من شعرها خلف أذنها.. 

العديد من الأسهم في كل مكان، ثم.. رسمة ضخمة كبيرة للقمر في منتصف الورقة! 

الرسمة كانت أكثر إتقاناً من أي شيء آخر بداخل ذلك الدرج، ومن تغير لون القلم بين الجزء والآخر، والاتقان الذي كان ثابتاً في كل أجزاء الرسم عكس باقي رسوماته.. لقد استنتجت أنه لم يرسمها في مرة واحدة، لقد رسمها على فترات مختلفة.. بعناية. 

 نظرت نحوه مستفهمة، ليقول درو لها بعيناه اللامعتان وحماسه الهوسي المعتاد "نحن ننتمي هناك، وليس جبل الأوليمبوس"1

"القمر! لماذا؟"

----------


الانتقال إلى الفصل التالي