رواية تأثير الفراشة (The Butterfly Effect) الفصل السابع
(7) هيراث
هيراث (Hiraeth): الحنين لمنزل لا تستطيع العودة إليه، إلى منزل لم يكن لك منذ البداية.
----------
"ألا تفكر بعض الأحيان بأنك مخطئ ؟" سألت آفروديت وهي لا تزال تحاول استيعاب ما قاله للتو، ليهز آبولو كتفيه غير آبه بعد أن قدم لها تفسيره الذي لم يحمل ذرة من المنطقية عن سبب انتمائهم إلى القمر!
"أترين؟ هذه هي المتعة بشأن كوننا من آلهة الأوليمبوس! نحن كالبشر، والبشر لا يرون أنفسهم مخطئين أبداً" شرح لها وهو يعود لخربشته غير المفهومة فوق رسمة القمر التي لم تكن قريبة من المثالية بأي شكل، مقدار الأشياء الناقصة في جلستهما كانت لا معدودة..
بدءاً من محاولة درو للتحكم بيديه المرتجفتين، ومحاولاتها لإخفاء آثار حروقها بمساحيق التجميل.. ووصولاً إلى تبدل لون القلم بين جزء وآخر من رسم القمر، الأشياء التي تحاول الوصول إلى المثالية بشكل يائس. 1
بشكل خاطئ!
"عندما لا يرى البشر أنفسهم مخطئين، فهم كذلك على الأرجح" قالت آفروديت بصوت منخفض، وبرغم نقص التركيز الشديد الذي يسببه انسحاب الأدوية من جسدها.. إلا أن التشتت أعطاها الصفاء الذهني الكافي لتستعيد تلك الفلسفة الغريبة في الحياة التي فقدتها مع بدء تناولها للأدوية!
فلسفة لا يزال آبولو يملكها بكل المقاييس، ولم يفقدها يوماً في الواقع.
"نحن كالبشر، لكننا لسنا بشراً" فسر لها آبولو ببساطة، لم يكن ليقر باحتمالية جنونه المثبتة سلفاً مهما حدث، ومهما قالت هي.. ولم تمانع، كونها تشاركه في هذا الجنون.
"لكن، لماذا القمر تحديداً؟ إذا كنت تريد البحث عن شيء صعب المنال.. يمكنها أن تكون الشمس! هذا أصعب بكثير من القمر" قالت آفروديت معارضة تفسيره، والذي كان يتضمن أن من الصعب الوصول للقمر (حيث ينتميان بنظره)، لكن مكاناً كجبل الأوليمبوس! سهل جداً.. متوقع جداً, وزيوس ليس أكثر شخص بسيط يمكنك أن تقابله طبقاً للأساطير.
لذا، فعلى كل شيء أن يكون صعباً.. عليها أن تكون آفروديت، وتصبح أعماقها مليئة بأكثر ما تفتقده، الحب.. والكثير من الجمال.
وعليه هو أن يكون آبولو، عليه أن يتمنى ما لن يحدث يوماً.. عليه أن يرغب في إنتاج فن بيدان عاطلتين عن العمل أصلاً.
"ألا ترين العلاقة بين المجانين مثلنا والقمر؟ لابد أنها علاقة قوية بما أن هذه الكلمة تستخدم لوصف مجنون" فسر لها آبولو للمرة الثالثة بكلمات بسيطة وهو يخرج زجاجتين من بيرة الزنجبيل من ثلاجته، نظرت آفروديت نحوه بعدم فهم للحظة قبل أن تستوعب اللعب بالألفاظ فيما قاله، أيعقل أنه قد وصل إلى هذا الحد من الاختلال؟ استعمال التشابهات اللغوية في إثبات وجهات نظره التي لا أساس لها من الصحة؟
**باللاتيني: Luna يعني القمر، والمجنون Lunatic (لو ترجمناها حرفياً تكون -قمري-).
"هذا، إنها مجرد.. كلمة!"
"لا، ليست كذلك! من المعروف أن الجنون يزداد بشكل كبير في ليالي القمر الكامل! جرائم القتل تزداد.. غرف الطوارئ تمتلئ، إنها ليست مجرد كلمة، أتعرفين لمَ أطلق على المجانين لقت القمريين؟" تحدث آبولو بحماسه المعتاد بعد أن فتح زجاجتي البيرة بيدين مرتجفتين ثم ناولها أحدهما، ولم تملك جواباً سوى هز رأسها باستفهام ليتابع "أمراض مثل الصرع والجنون، لقد اعتُقد أن القمر محفز لها، أرسطو كان يملك اعتقاداً أن القمر محفز للمرضى العصابيين! لقد تحدث مئات من الأشخاص عن هذا الترابط اللامفهوم بين القمر والاختلالات.. أيعقل أن هؤلاء الأشخاص كلهم اختلقوا الأمر؟ أن هذه كلها مصادفة! وأن كون كلينا، لا ننتمي إلى هنا، ونموذج خالص للاختلال؟"
لم تستطع إجابة كل ما قاله، أو حتى مقاطعته لأنه كان يتحدث بسرعة جعلتها تعاني للحظات لفهمه.. لتقول أخيراً مشدوهة "علمياً، لا توجد أي علاقة بين القمر الكامل والجنون، إنه مجرد اعتقاد قديم"
"آفروديت وآبولو مجرد اعتقاد قديم" تمتم آبولو لها بخيبة أمل لأنها كانت تحاربه بكل ما أوتيت من قوة، برغم معرفتها التامة أنها تريد السير معه في هذا الطريق، أنها لم تعد تملك طريقاً آخر..
إنها تريد أن تكون مثله، لا تأبه بما يعتقده أي شخص! لا تأبه بشأن أي شيء سوى معتقداتها الخاصة التي تؤمن بصحتها بدون شك، ولقد استمدت هذا الإيمان من آبولو، أكثر الأشخاص الذين قابلتهم اضطراباً.
"هذا هو الرابط الوحيد الذي وجدتَه بيننا وبين القمر؟" سألته آفروديت مؤكدة على تقبلها لأفكاره بدرجة ما، ليبتسم بقوة مجدداً ثم يقفز عن الكرسي الذي جلس فوقه بانهزام منذ لحظات ويقول مستعيداً حماسه "انظري، إنها إشارة من زيوس! نحن قمريان (مجنونان)! وأمامنا جميع الأدوية لهذا.. طالما نحن نأخذها، فنحن مجرد أرضيين آخرين، إنهم يسلبوننا كل شيء، كما سلبنا زيوس إياه فيما قبل.."
توقف قليلاً وأخذ نفساً عميقاً، وبدون أن يعطيها فرصة لتسأله عن خطته العبقرية لترك الكوكب بأكمله والوصول إلى القمر! أجابها..
"إذا كنا بالقوة الكافية لنقبل جنوننا واختلافنا، سنجد طريقنا إلى القمر يوماً، نحن ننتمي إلى هناك أصلاً، إنه منزلنا" قال بحنين لا يصدق، وكأن القمر كان بالفعل منزل طفولته.. وكأنه عاش طويلاً جداً هناك، وهو يتوق للعودة، يتوق لها بشدة.
"تعني إلى القمر؟ حرفياً؟"
"حرفياً، مجازياً، أياً كان! عليكِ فقط أن تتقبلي نفسكِ كما أنتِ، عليكِ أن تكوني قمرية كما أنتِ، وتجدي آفروديت بداخلك بالرغم من هذا! حينها ستجدين الطريق، لا أملك شكاً في هذا"4
"لماذا لم تجد طريقك سابقاً بنفسك آبولو؟ لابد أنك تعرف كيف تجده! أليس كذلك؟" قالت له آفروديت بصراحة، وهي لا تعلم هل تشفق عليه لأنه مجنون ولا يعرف هذا.. أم تشفق على نفسها لأنها بدأت تشعر أن جنونه هو الواقع الوحيد للحظة!
وآثار الأدوية لا تزال تتمسك بالجزء العاقل فيها.. وتترجاه أن لا يستسلم، مع أن الاستسلام شبه حتمي الآن بالنسبة لعقلانيتها.
"أنا أعرف كيف أجد الطريق.. لكن تنفيذ ما قلته، تقبل نفسي وإيجاد آبولو بداخلي.. أصعب بكثير مما يبدو آفروديت، مهما بدوت واثقاً، فأنا مثلكِ تماماً عزيزتي.. عاجز عن رؤية أي شيء"
"إيجاد آبولو بداخلك؟ ظننتك آبولو"
"استراتيجية ذكية لأصبح اقرب للجزء القمري فيَّ، وشبه ناجحة" قال لها درو، وهذه كانت العبارة المنطقية الاولى التي تسمعها منه منذ أن عرفته! ربما هو ليس مجنوناً بالقدر الذي بدا عليه للحظة الاولى، إنه يدرك مدى بعده عن أن يكون آبولو.. أنها مجرد أمنيات.
أو ربما هو مجنون ذكي وجذاب، يستطيع جعل جنونه يبدو واقعياً أكثر من الحقيقة بذاتها.. يستطيع أن يسحبك إلى جنونه فقط ببضعة كلمات هوسية، إنه ذلك النوع من المجانين! النوع الخطر بطريقة لن توصله أبداً إلى سجن او مصحة. 4
"ولماذا تحتاجني لهذا آبولو؟"
"لا أحتاجكِ، أنا أريدكِ فقط.. سيكون من الممل الوصول إلى القمر وحدي" 8
"أنت واثق جداً أنك ستصل، أليس كذلك؟" سألته آفروديت غير قادرة على إخفاء انبهارها.. ثقته كانت، مدهشة!
"لدي كل الوقت في العالم" قال آبولو ببساطة، ليس كشاب في العشرينات مسؤول عن إعالة نفسه بالكامل.. بل كطفل في الخامسة يحاول جمع المال للعبته.. ويظن انه يملك كل الوقت في العالم.
بينما كل ما يملكه هو عقل مختل، يجعله مجنوناً.. قمرياً، كما يحب أن يدعو نفسه.
"والآن، ماذا سنفعل لنصل إلى القمر؟"
"سنعرف بعضنا شيئاً فشيئاً، وأنا مؤمن بأن قدرتكِ على رؤية آبولو بداخلي تفوق قدرتي على رؤيته.. وقدرتي على رؤية آفروديت بداخلكِ تفوق قدرتك على رؤيتها" سألته آفروديت على السبب برغم ثقتها التامة أن كل ما ستحصل عليه هو تفسير لا منطقي آخر.. وكانت ثقتها في محلها.
"لأن المرايا ليست دقيقة أبداً كعيون الآخرين.. معظم المرايا تعكس صوراً مشوهة آفروديت" أجاب آبولو لتبتسم آفروديت كاشفة عن صفوف أسنانها غير المثالية، كانت فقط تتخيل أن كل المرايا التي تنظر فيها مشوهة.. وأنها فعلاً بجمال آفروديت!2
أن تلك الخصلات الشعثاء هي واقعاً أنعم من جريان نهر من الذهب، وأن أنفها الاسفنجي الكبير أصغر من حبة كرز.
أن المرآة كانت تشوه جسدها، وتظهر الفراشات الملونة الصغيرة عليه كحروق بشعة المظهر..
وهذه الفكرة وحدها جعلتها تبتسم بشكل معدٍ. 2
لكن صورتها في عيون الآخرين كانت مشوهة بقدر تشوهها في المرآة.. ما محى ابتسامتها، بحق الله.. متى كانت آخر مرة نظر إليها شخص ما بدون أن يعبس اشمئزازاً.
لماذا لم تستطع اختيار ميدوسا؟ لماذا لم تقع في الحب مع هيفيستوس مثلما أحبت آفروديت؟ لماذا كان عليها أن تحب كل شيء لن تصبح عليه يوماً؟ 1
أيعقل ان الأمر كما يقول آبولو، لن يكون بهذه اللذة لو كان سهلاً؟
"أنا أرى نفسي في عيون الآخرين طوال الوقت آبولو، صدقني.. هذا ليس المكان الذي سأعثر فيه على آفروديت" قالت بدون أن تمنع كلماتها من حمل بعض السخرية اللاذعة التي لم ينتبه آبولو لها، وأجابها بعدم اقتناع "إنهم لا يعرفون التفاصيل آفروديت" 1
"ما الفرق الذي ستشكله التفاصيل؟" سألت يائسة، لترتسم ابتسامة جانبية على وجه آبولو..
"ليس الشيطان فقط من يكمن في التفاصيل.. بل الآلهة أيضاً"
----------
الانتقال إلى الفصل التالي