رواية تأثير الفراشة (The Butterfly Effect) الفصل الثامن

 





(8كالون

كالون (Kalon): جمال أكثر عمقاً من حدود البشرة.

----------


مجنونة، مجنونة بالكامل. ضحكت آفروديت بعد أن كررت العبارة بألحان بطيئة في رأسها وهي تسكب عصير البرتقال فوق رقائق الذرة لتعد العشاء لها ودرو برغم أنه أخبرها بكونه لن يأكل.. لقد دخل إلى مرحلة من الجنون جعلته يعتقد أنه سينجو بدون الطعام بحكم كونه إلهاً!4

"رايلي، ما هذا؟" قالت سافانا باشمئزاز مشيرة على الصحن الممتلئ بالعصير، لتبتسم وتقول "العشاء" 

"امم، تعلمين اننا لا نتناول العشاء الآن.. إنها الثالثة عصراً!" 

"أياً كان" تمتمت رايلي بضحكة بسيطة وهي تحرك ما في الطبق.. 1

لماذا قد يحرك أحداً رقائق الفطور؟ سألت نفسها ثم ضحكت مجدداً وتابعت التحريك وكأن هذا هو الشيء الوحيد الغريب الذي تفعله.. وليس وضعها للعصير على رقائق الذرة.

بعض المخدرات مع درو.. هذا كل ما استهلكه الأمر ليزداد جنونها جنوناً!4

لقد مضت ثلاثة أسابيع بالفعل من انسحاب كل آثار الأدوية من جسدها، ولقد استبدلتها بالمخدرات التي أصبحت تملأ جسدها بالكامل.. وضوء القمر يسقط على جسدها كل ليلة ليزيدها جنوناً.

من كان يظن أن رايلي، الملتزمة والجبانة دائماً ، والتي تفضل الانتظار لنصف ساعة قبل عبور الطريق على المجازفة بأن تحصل على نظرة مستهجنة من أحد السائقين.. قد تقدم على تدخين الحشيش وتعاطي المخدرات مع شاب هوسي في غرفتها بينما يقيمان اجتماعاً عن كيفية الوصول للقمر!5

"هل أنتِ منتشية؟" سألتها سافانا لتهز رايلي كتفيها غير مهتمة ، وتضع الطبقين فوق الصينية الخشبية ثم تسأل بصوت بدا لها أشبه بصوت درو من صوتها "هذا يعتمد على تعريفكِ للانتشاء" 

"أن تكوني تحت تأثير المخدرات!" 

"امم، هذا يعتمد أيضاً على تعريفكِ للمخدرات" 7

هل تدخين بعض الحشيش الذي قام درو بزراعته يعد تعاطياً للمخدرات، أم أنه طريقة مبتكرة لتناول الخضروات؟ لن تعرف أبداً. 5

قهقهت عندما قالت هذا وهي تصافح نفسها بانتصار في رأسها، ثم عقدت حاجبيها عندما اشتمت رائحة عطر رجالي قوي تفوح من سافانا برغم أن قدرتها على الشم كانت منخفضة. 

التفت لسافانا لترى ان أحمر الشفاه خاصتها غير منتظم، ومن معرفتها بسافانا، فهي قد تفضل الموت على أن تضع أحمر الشفاه بهذا الشكل! لماذا قد تضع أحمر شفاه في البيت اصلاً؟ 

"هل هو في غرفتكِ؟" سألتها رايلي بصراحة بينما تبتسم ، وعرفت سافانا فوراً ما تقصد لتتسع عيناها برعب ثم تقول متناسية السؤال الذي لم تجبه رايلي "لا تخبري أمي وأبي, أرجوكِ!" 

"لن أفعل" قالت رايلي لتتنهد سافانا مرتاحةً برغم نظرتها المتشككة، ثم كررت سؤالها "سمعت أن المخدرات تجعلكِ تفقدين الوزن.. ألهذا فقدتِ الوزن؟" 

لا، بل لأنني توقفت عن الأكل لثلاثة أيام متواصلة وذهبت مع درو لمدينة أخرى سيراً على الأقدام! وتباً لكِ! دعي جسدي وشأنه. أرادت أن تجيب بهذا، لكنها ضحكت بشكل مفاجئ.. لابد أن سافانا تركز على جسدها فعلاً، لأنها لم تفقد سوى خمسة باوندات! هي نفسها لم تلاحظ إلا عندما وقفت فوق الميزان تحت ضغط والدتها.

تجاهلتها رايلي تماماً كعادتها مؤخراً.. لم تعد الفتاة الباكية نفسها التي كانت عليها! إنها ببساطة لا تأبه بعد الآن، وتقاوم رغبة عنيفة في رفع إصبعها الأوسط بشكل مستمر. حتى أن والدها لاحظ للمرة الأولى أن عينَيها وأنفها يتجعدان عندما تضحك، هي لم تضحك بصدق أمامهم سابقاً! لقد كان مصدوماً وسألها ما إن كانت بخير.. ثم أخبرها أنها تمتلك ابتسامة جميلة، وهذا كان في الواقع لطيفاً جداً منه. لكنها لا تزال تريد استخدام إصبعها الأوسط. 4

كانت تضحك كلما أخذت خطوة على السلالم لشعورها بأنها تطير.. ربما هي المخدرات، وربما لأن هوسها في أقصاه الآن!1

القمر سيكتمل الليلة، جسدها متشبع بالمخدرات، وهي مع درو.. لم تكن بهذا القدر من الجنون يوماً. 

دخلت إلى غرفتها ثم ركلت الباب خلفها لتغلقه، وكان درو يمسك بقلم من الدرج الذي تغلقه عادة بالمفتاح. سعادتها اختفت فجأة بينما انتزعت قلم الكحل من يده، لينظر نحوها بتعجب ثم يميل رأسه قليلاً ويقول ببطء "ما المشكلة؟" 

"ألم تلاحظ أنه مغلق بالمفتاح لسبب ما؟" قالت رايلي متجنبة البكاء، ثم سحبت نفساً عميقاً من أنفها، ها هو كل شيء يختفي.. انتشاؤها وهوسها، وحتى رغبتها في الشتم. مهما كانت لا تأبه، فرؤية درو لهذه الكمية من أدوات التجميل لديها جعلتها على حافة البكاء.. ماذا سيعتقد بشأنها الآن؟

"أنا لا أراكِ بمساحيق التجميل أبداً" 

"هذا لأنني لا أستعملها" قالت ببساطة وهي تدفعه بعيداً عن الكرسي الذي يجلس فوقه، ثم تعيد قلم الكحل في الدرج وتغلقه من جديد.. لم تسمح لعينيها أن تلتقي بعينيه لكي تتجنب أي نظرة لا تريد رؤيتها، حبست دموعها وقبل أن ترفع يدها لتمسح عينيها شعرت بأصابع درو المرتجفة أسفل ذقنها. أخذت نفساً عميقاً آخر بينما التفتت له ليبتسم لها ثم يقول "ماذا تفعلين بهذا كله إذاً؟" 

"أرسم به" 1

جزء منها كان شاكراً لأن نظرته المسحورة تجاهها لم تتغير، لكنها تمنت للحظات لو أخذت مفتاح ذلك الدرج معها.. ماذا ستقول الآن؟ أنا أرسم على جسدي، وأرى نفسي جميلة عندما أفعل.. في الواقع أنا أشعر كآفروديت بعض الشيء لكنني أبدو كمهرج مرعب وأحياناً كرئيسة قبيلة في جنوب أفريقيا، يعتمد على ما أرسمه. وأنت، ماذا تفعل؟ 

على كلٍ.. هذه لم تكن كذبة كاملة، ما تفعله رايلي بتلك المساحيق أقرب للرسم من تزيين وجهها، لقد كانت ترسم على جلدها. 

"لدي فكرة" قال بينما أنزل يده المرتجفة عن ذقنها، ووقف لتشعر للحظات بالدونية.. كل تلك المشاعر التي تخلصت منها تدريجياً عادت باندفاع مفاجئ عندما رأى أدوات التجميل.

كانت تشعر بالدونية للفرق الواضح بين جسديهما. ربما درو لا يقضي يومه في الصالة الرياضية, لكن بنيته كانت قوية بشكل واضح برغم أنه نحيل لدرجة مثيرة للقلق أحياناً. كان يفوقها طولاً بشبر أو شبر ونصف، وحاولت منع نفسها عن التفكير بهذا الشكل.. لا يمكنها أن تشعر بالدونية بجانب درو! ليس مصدر راحتها الوحيد منذ أعوام!1

لكن عندما رفعت عينيها لوجهه، شعرت بتقديرها لذاتها يهوي إلى أعماق الجحيم. بخصلات شعره البنية الملتفة شديدة النعومة التي تحيط وجهه ذو الذقن القوي بمثالية. كان يمتلك عظام خدين بارزة كمنحوتة، وعينان زرقاوين داكنتين وواسعتين حتى بدتا وكأنهما مجرتان صغيرتان. كان شاحباً بشدة، مع أنف مستقيم مثالي وشفتين ممتلئتين شديدتي الاحمرار وبشرة بدون بقعة واحدة. 

أمسك بكفها ليوقف تأملها له، كفها الذي كان يحمل بقع غامقة بعض الشيء. عندما كانت طفلة أسقطت على نفسها إبريق شاي ضخم مغلي، ما غطى نصف جسدها تقريباً بحروق من الدرجة الثانية. شفيت الحروق بشكل كامل في فترة ليست بطويلة، لكنها تركت آثاراً غامقة جعلتها تعجز عن ارتداء شيء يكشف أي جزء من جسدها.

لكن الحرق كان ممتداً إلى خدها وعنقها وكفها الأيسر.. وهذا شيء لا تستطيع تغطيته.

لم تكن الحروق بهذا السوء، لكن بالنسبة لرايلي.. كانت دوامة بشعة تبتلع كل أحلامها. 1

فتح درو الدرج بيده الحرة بينما يمسك كف رايلي بيده الأخرى، أخرج القلم منه وأجلسها على الكرسي الذي كان يجلس عليه سابقاً ثم ركع أمامها. وضع يدها فوق ركبته، ثم ابتسم بحماس طفولي وبدأ يرسم خطوطاً غير متناسقة حول الحرق على كفها!

"ماذا تفعل؟" سألت رايلي بصوت منخفض، ولم يجبها قبل أن انتهى من زخرفة الحرق بالكامل، رفع وجهه بعبوس واضح وقال "يدي ترتجف.. لا أستطيع الرسم بشكل جيد" 1

كان يغطي يدها عنها، لذا سحبتها منه لترى ما فعله.. وما رأته سحرها!

لو تمعن في النظر أسفل تلك الخطوط السوداء التي رسمها.. لرأى آثاراً خافتة وباهتة لخطوط أخرى.. زخرفات أخرى. 

حدقت بيدها مندهشة للحظات، قبل أن تَضيق عيناها المتسعتان في ابتسامة عريضة وتنظر نحو درو، الذي نظر نحوها بعيني طفل ينتظر رد فعل والدته على هدية قدمها لها. 1

تحولت ابتسامتها لضحكة جعلتها تغطي فمها بيدها الخالية من الزخارف، وكعادة درو، لقد أبعد يدها عن فمها. لم يكن يظن أن أسنانها غير المستقيمة عيباً كبيراً، بل رأى تلك التعرجات الخفيفة لطيفة، لهذا كان يبعد يدها عن فمها كلما غطته إذا ضحكت. 3

 

وقف من ركوعه أمامها ثم انحنى نحوها، وأغمضت عينيها عندما شعرت بالقلم الأسود في يده يقترب منهما. لم تمنع المزيد من الضحكات من الانفلات من بين شفتيها بينما حافظت على عينيها مغمضتين وهي تشعر بالقلم يمر فوق جفنيها بحركات غير منتظمة. كل شعورها بالدونية تلاشى بعيداً برؤية الحب في نظراته، كان مفتوناً بها.. وسمحت له برسم كل ما يريد.

استغرق درو وقتاً طويلاً نظراً لمحاولاته اليائسة في التحكم بارتجاف يديه، ولم تهتم رايلي بقدر ما أعجبتها الطريقة الحرة التي يحركها بها. وبالرغم من أنه يحاول التحكم في ارتجافه إلا أنه كان يتحرك بحرية، لم يشد قبضته على القلم كما تفعل هي أو يمنع أفكاره من الخروج على جلدها.. كان طبيعياً جداً! 

لا يحاول تقصير خطوط الكحل لكي لا تبدو أكثر من اللازم، لا يحاول البحث عن لون أكثر هدوءاً من أحمر الشفاه لتبدو أقل عُهراً، كان يفعل كل ما يحلو له، وبطريقة ما، لقد راقها الأمر. 

أبعد القلم عن جفنيها لتفتح عيناها أخيراً، ثم تلتفت للمرآة. عمله على وجهها لم يكن كعمل فنان تجميل يريد من ملامحها الوصول لفكرته عن الكمال، بل كان أقرب لواحدة من الرسومات التشكيلية أو أقنعة الهالوين الغريبة. 2

شيئاً غير مفهومٍ حبس أنفاسها.. لم تكن معجبة أبداً بطرق التجميل الاعتيادية! ومهما حاولت جعل طرقها في التجميل شيئاً من السهل تقبله، أو شيئاً أقل بروزاً، لم تنجح، ودائماً كان ينتهي بها الأمر تبدو كمهرج مشوه. 

ابتسمت له ليبتسم بسعادة وفخر بنفسه لأن عمله أعجبها، ولم يعجبها بقدر ما أثار استغرابها. لطالما كان يحدق بها بإعجاب لم تره سابقاً في عيون الآخرين، لكن نظرته لها الآن.. لقد كان يحبس أنفاسه مندهشاً، يبتسم تارة ثم يغلق فمه. 

"أنتِ تعرفين أنكِ آفروديت، أليس كذلك؟" سألها بنبرة هادئة لتبتسم، لم تكن هناك أي مجاملة في كلماته.. لكنها لم تعرف ماذا تجيبه، إنه يقول لها كل ما أرادت أن تسمع يوماً. لقد احتفظت بهذا الكم الهائل من مساحيق التجميل لأنها، وبكل معنى الكلمة، تعشق الرسم على جسدها. لأنها عندما ترسم على جسدها بهذا الشكل الغريب، وتتبعها بالنظر في المرآة طوال اليوم.. ترى آفروديت! 1

لكن لطالما ظنت هذا جنوناً لا أكثر.. وها هو يحدق بها مسحوراً، كما حدقت بنفسها سابقاً عندما جربت هذا للمرة الأولى. 2

"رايلي، استعملي الباقي" 1

حدقت به بعدم فهم ليعود التوهج الواضح في عينيه ثم يفتح درج أدوات التجميل أمامها. 

"جسدكِ لوحة.. ارسمي"

----------


الانتقال إلى الفصل التالي