رواية تأثير الفراشة (The Butterfly Effect) الفصل الخامس
(5) يونويا
يونويا (Eunoia): عقل جميل.
----------
وقف درو أمام باب منزلها الخشبي، لم يكن يمسك زهوراً في يده ككل شاب آخر أحضره زيوس لآفروديت.. بل كان يضع معطفاً أخضر رثاً على كتفيه واكتفى بحمل ابتسامته معه. 15
طرق الباب للمرة الثانية لتفتح له سافانا، التي مسحته بنظراتٍ فاحصةٍ من الأعلى للأسفل ثم قالت وهي تمضغ علكتها بصوت مرتفع "وأنت تكون؟"
"آبولو"
بجانب الازدراء الواضح لملابسه الرثة في نظرتها، ظهرت لمحة من السخرية عندما قال هذا.. وسألته بابتسامة استخفاف "ذلك اسمك الحقيقي؟"
"تقصدين بالنسبة للحقيقة داخل رأسكِ؟" سألها آبولو متجاهلاً أن حديثه لن يُفهم ببساطة من شخص مثل سافانا، ستظنه مخبولاً! إن لم تكن تظنه كذلك بالفعل. 1
"اسمه درو" قالت آفروديت بينما ظهرت من خلف سافانا، لتنهي النظرات المستخفة الخارجة من أختها، والجمود على وجه درو، وابتسم درو ما أن رآها لتفتح سافانا عينيها مصدومة!
شخص ما ابتسم لرؤية رايلي، بينما لم يُعر سافانا -شديدة التأنق- أي اهتمام.. بادلته رايلي بالابتسامة وقالت أختها بصوت منخفض "أرجوكما! احصلا على غرفة!" 8
تظاهر كل منهما أنهما لم يسمعا تعليقها ليتجنبا إطالة هذا الحديث أكثر، ودخل درو بدون أن ينتظر دعوة من رايلي.. ربما هو يفتقر إلى بعض الآداب الاجتماعية! لكن من أين له أن يحصل عليها إذا كان انطوائياً إلى هذا الحد؟
لم يمضِ الكثير من الوقت حتى اصطف الجميع حول المائدة، رايلي مجاورة لدرو، جوردن وآنا يجلسان على نفس الجانب وبينهما ليلي، سافانا تجلس على يسار رايلي.. زيوس وهيرا على طرفي الطاولة.
الربع ساعة الأولى مرت غالباً في أسئلة لطيفة وبسيطة لدرو.. لقد كان والدَيها شديدا اللطف معه لأنها المرة الأولى التي تحضر رايلي فيها شاباً إلى العشاء.. وهما لم يريدا إخافته وتفويت الفرصة التي قد لا تتكرر!
لكن حتى الأسئلة البسيطة التي وجهها والديها إلى درو لم تحمل أي إجابات بسيطة! لقد قضى أربعة دقائق يجيب عن سؤال (كم عمرك؟) 13
"إذاً درو، ماذا تعمل؟" تحدث زيوس لينهي الجدال الأحمق حول العمر، ظناً منه أن درو يريد فقط إثبات ذكاءه أمام والدَي رايلي، لكن درو كان يجيب ببراءة فقط، محاولاً شرح وجهة نظره.. 2
"في ملجأ للحيوانات، أنا أضع لهم الطعام وأنظف فضلاتهم" قال بطبيعية لتضحك سافانا بصوت مرتفع، ثم تصمت بعد نظرة حادة من هيرا.. 1
ولم تستطع رايلي الاعتراض على الاستهزاء في ضحكتها.. إنها من عائلة مرموقة جداً، والشخص الأول الذي يبدي اهتماماً بها هو شخص يعمل في ملجأ للحيوانات، أليس من المفترض أن يكون هذا عملاً تطوعياً!
"ماذا تدرس بجانب عملك؟" سألت هيرا، وكان درو مشتتاً جداً في هذه المرحلة لأنه اتضح أن جميع إجاباته على أي سؤال وُجه له طوال العشاء كانت غير لائقة بالنسبة لهم.. لم يسخر أي منهم منه كلامياً، لكن نظراتهم كانت شديدة النقد، ولقد فهم للحظة ما تعايشه رايلي وسبب تشككها الدائم. 1
نظر نحو رايلي طالباً بعض المساعدة، ولو كانت تعرف الجواب لساعدته! لكن يبدو أن فكرة العشاء كانت خاطئة جداً، كالمتوقع والديها يحاصرانه كجرذ بالأسئلة، برغم محاولاتهما أن يكونا لطيفين.. لكنهما فقط ليسا كذلك.
"أنا أتعلم.. لكنني لا أدرس بشكل رسمي"
نظرات الاستنكار ابتعدت عنه لتقع على رايلي فوراً عندما قال هذا، أحضرت فتى يعمل في ملجأ حيوانات ولا يدرس إلى المنزل؟ إلى أي نوع من العلاقات تطمح!4
لم تكن تطمح لعلاقة فعلاً، كل ما في الأمر أنها قابلت شاباً لطيفاً وأرادت تناول العشاء معه لمعرفة المزيد عنه، كما أراد هو تناول القهوة معها صباحاً!
يبدو أن عفوية درو أنستها كيف هم والديها، وجعلتها تعتقد أن نظرتهما لها ستتغير، لطالما اعتقدا أن في مثل هذا العمر عليها أن تتوقف عن إقامة الصداقات -ليس وكأنه لديها الكثير منها- وتبدأ بالبحث عن علاقة جدية!
"ماذا تتعلم؟" سأل والدها متشبثاً بآخر خيط من الأمل، ولم يتردد درو في الإجابة بسرعة "أتعلم عن نفسي! أتعلم العزف"
نظرات الاستنكار الموجهة لها تحولت لاستغراب موجه لدرو، ووقفت رايلي سريعاً ثم قالت في محاولة لإنهاء المحادثة "أنا وآبولـ.. ودرو سنذهب لجلب التحلية"
وقف درو وتبعها إلى المطبخ، حملت رايلي كعكة الشوكولاتة وطلبت من درو أخذ الأطباق والفضيات.. لكن قبل أن يخرجا استوقفته قائلة بصوت منخفض "لا يمكنهم أن يعرفوا أي شيء بشأن آبولو وآفروديت"
"لا افهم" قال مشوشاً، وأدركت رايلي أنه لا يزال يواجه تلك المشكلة في الفصل بين ما بداخل رأسه والواقع! فيم كانت تفكر عندما أحضرته للعشاء!
تنهدت ثم التفتت له بالكامل وكررت "لا تخبرهم بأنك تعتقد أنك آبولو أو انني آفروديت، تحدث كشخص طبيعي.. وإلا سيظنونك مجنوناً"
إنه بالفعل مجنون، هذا هو ما لا يستطيع أي منهما إدراكه! لهذا مهما طلبت منه أن لا يتصرف كمجنون.. فهو لا يستطيع فعل هذا وإن أراد.
كليهما مجنون بالقدر الذي يمنعه من رؤية جنون الآخر! أليست أحد سمات المرضى أنهم لا يدركون مرضهم..؟ 9
"حسناً" قال لها ثم خرجا من المطبخ، لتستقبلهما نظرة ليلي المتحمسة لكعكة الشوكولاتة، وشجار صغير دار بصوت منخفض بين سافانا ووالدتها، لأنها رفضت تناول التحلية وفضلت الصعود لغرفتها لكي تفقد المزيد من الوزن!
وفكرت رايلي أن سافانا تحاول الاختفاء! هي بالفعل تستطيع رؤية عظام عمودها الفقري وقفصها الصدري! لماذا تحاول فقدان المزيد من الوزن؟3
بعد أن تناولوا التحلية ونظفوا الأطباق بمساعدة درو.. إن كان يمكن تسمية تنظيفه لطبقه ثم السير بعيداً مساعدة! صعد كليهما إلى غرفة آفروديت وأغلقا الباب.
كانت هذه مخالفة واضحة للقانون الذي أقره زيوس وهيرا، عندما يكون هناك شخص من الجنس الآخر في غرفة أحد أطفالهم، على الباب أن يبقى مفتوحاً مهما كانت الظروف!
هذا القانون لم يعد يسري إلا على سافانا على أي حال، جوردن متزوج لذا عندما يزور منزل والديه مع زوجته فهما يبقيان في نفس الغرفة وبالطبع يغلقان الباب.. ورايلي أوصلت والديها لمرحلة من اليأس جعلتهما مستعدين لإغلاق الباب عليها مع فتى غريب بالكامل بنفسهما إن كان هذا سيساعدها على إنشاء علاقة! 3
"أخبرني، منذ متى عرفت أنك آبولو؟" كان هذا هو أول ما قالته رايلي عندما دخلا إلى الغرفة، وجلس درو على سريرها مؤكداً على افتقاره للآداب الاجتماعية ثم قال ببساطة وهو يتحسس السرير "منذ أن أصبحت واعياً لوجودي، وأنتِ؟" 1
"كنت في الثامنة حينها، لكنها مجرد فكرة طفولية أحب التمسك بها أحياناً لا أكثر"
هز آبولو رأسه رافضاً، حتى لو كان هناك احتمال بنسبة واحد في المئة أنها فعلاً آفروديت.. لم يكن ليتخلى عن ذلك الاحتمال!
لقد احتاجها أن تكون آفروديت.. لقد كان وحيداً لوقت طويلٍ جداً، وهو يحتاج رفيقاً بشدة!
"لدي نظرية، آفروديت" قال لها باندفاع ثم وقف عن السرير وسحب مجموعة أوراق عن مكتبها بدون أن يطلب إذناً، راقبته بهدوء بانتظار أن يشرح (نظريته) المزعومة.. والتي ستكون غالباً مجنونة ككل شيء آخر يقوله.
سواء كان آبولو أم مجرد فتى مجنون، كليهما جيد كفاية. تمتمت لنفسها بنفس الكلمات التي قالها لها سابقاً، وراقبته مبتسمة بينما أبعد شعره عن وجهه بأحد ربطات شعرها. 4
"أظن أن الأمر ليس مصادفة!"
أمسك بقلم أسود كانت تستعمله هي للرسم على جسدها غالباً، وبدأ يخربش أشكالاً غير مفهومة في الأوراق لتعقد حاجبيها، أي نوع من النظريات هذه؟
ما يرسمه لم يكن له أي علاقة بما يقوله، لكنه أخبرها بأنه يحب إبقاء يديه مشغولتين طوال الوقت.. حتى ولو كان يعجز عن استخدامهما بدقة. 1
"ما الذي ليس مصادفة؟"
"زيوس فعل هذا بنا، لابد أنه المسؤول! لقد أبعدنا عن الأوليمب وسلب كلاً منا ما لديه" 3
جنونه كان كثيراً جداً بالنسبة لها! لكن جزءاً منها كان يقبله بصدر رحب، الجزء الذي أودعها في مصحة لخمسة أشهر سابقاً! ذلك الجزء الذي بدأ يخفت بسبب الأقراص التي تتناولها، ووضعت يدها أسفل ذقنها ثم سألته "سلبك قدرتك على العزف، وسلبني جمالي؟"
هز رأسه للجانبين رافضاً، زيوس لم يسلب جمالها! على الأقل ليس بالنسبة لدرو.. الذي كانت مفاهيمه عن الجمال مختلفة تماماً. 1
"لقد أخذ مني القدرة على إنتاج أي فن! ليس بيداي على الأقل.. وأخذ منكِ القدرة على إعطاء او استقبال الحب، أو امتلاك جمال مفهوم" 8
كانت تستطيع ترجمة كلامه بوضوح تام برغم أنه لم يكن مفهوماً لو سمعه أي شخص آخر.. لقد أخذ منها القدرة على استقبال أو إعطاء الحب!3
لا أحد سيعطي حباً لشخص بمظهرها، ولا أحد سيعطيها حتى الفرصة لتحبه! لماذا؟ لأن زيوس سلبها جمالها.. لماذا يرتبط الجمال لدى البشر وآلهة الأوليمبوس بالحب؟ ألا يمكنك أن تحظى بالحب لو كنت دميماً؟ أو كما يقول آبولو محاولاً جعل الأمر ألطف وقعاً: لو لم تكن تمتلك القدرة على امتلاك جمال مفهوم
جمال مفهوم؟ لابد أن هذا الرجل مجنون فعلاً.. ما هو الجمال المفهوم على أي حال؟ ماذا يحتاج شخص ما ليفهم الجمال؟
"هل تحتوي نظريتك على حل لهذا الوضع؟ أم أنها مجرد تقرير لما أعرفه بالفعل؟"
برغم أنها أرادت أن تعرف فعلاً ما هو الحل إلا أنها لم تمنع بعض السخرية هناك، جمال مفهوم.. أياً كان!
"علينا العودة مجدداً إلى حيث ننتمي"
"تعني جبال الأوليمب؟" هذه العبارة كانت سخرية خالصة، درو مجنون.. هذا واضح منذ الجملة الأولى التي تفوه بها! لكن هذا يتخطى الجنون بكثير!1
"لا، لقد ذهبت إلى هناك سابقاً.. وبعد أن صعدت عشرة آلاف قدم لم أجد شيئاً بالأعلى سوى الثلوج!" قال درو بنظرة جدية، لم يكن يمزح.. لقد استجاب فعلاً لحماقاته وتسلق جبل الاوليمبوس! وبدأت رايلي تفكر أن الذهاب لمصحة لم يكن فكرة سيئة إذا كانت ستنتهي بالانحدار إلى هذا الجنون!
لكن جنونه كان بعد كل شيء مغرياً.. من الصعب أن تتظاهر بعكس هذا مهما سخرت منه.
"وكيف سنعود إذا كانوا قد هجروا الأوليمب؟"
"لم يكونوا هناك يوماً، تلك الاساطير خاطئة! ولن نستطيع العودة حتى نستعيد ما سلبه زيوس" 3
"بالطبع هي خاطئة درو! لهذا تسمى بالأساطير!" قالت رايلي محاولة جعله يعود إلى عقله، لهذا نادته بدرو بدلاً من آبولو.. لكنه لم يقتنع، كان من المستحيل إقناعه.. في الواقع يبدو أن كل كلمة كانت تقولها في محاولة لهدم قناعاته كانت تجعله يتمسك بها أكثر، لأنه نظر إليها بنفس العينين الزرقاوين اللامعتين وأجاب بحماس "العقل البشري لا يمتلك القدرة لاختلاق شيءٍ من الفراغ، كل أسطورة تحمل جزءاً من الصحة، مهما كان ضئيلاً.. هذا هو الخيط الذي أعطانا زيوس إياه لنعود" 1
"أنت مجنون، درو" قالت كتقرير للواقع وليس كإهانة، ولم يأخذها درو أيضاً كإهانة على الإطلاق! بل ابتسم فخوراً بدلاً من هذا.. ولم تفهم لمَ، إنها لا تتذكر أن الجنون كان من مواصفات آبولو!
لكن بالنسبة له، كلما قالت له هذه الكلمة كانت تزيد من اقتناعه بنظرياته، عليه أن يكون مجنوناً ليكون آبولو، وعليها أن تكون مجنونة لتكون آفروديت! إنه جزء كبير من نظريته.
"أعلم، وإذا كنتِ ستفعلين هذا معي.. فسيكون عليكِ التوقف عن تناول أدويتك" 5
لم تفكر كثيراً بكيف عرف أنها تتناول أدوية لتتجنب أن تتحول إلى مهووسة بالكامل مثله! كانت مشغولة جداً بمقاتلة الإغراء فيما يقوله.. لكن الإغراء كان أقوى منها، كليهما يعرف هذا.
"ربما أنتِ قلقة من فعل هذا، لكنني توقفت عن تناول أدويتي منذ أن خرجت من المصح.. وها أنا" قالها وكأنه مثال يحتذى به.. ومقدار الفخر في تلك العبارة كان مبهراً!
وها أنا، مهووس بالكامل، ولا أملك أدنى سيطرة على عقلي وافكاره الجامحة.4هكذا أكملت آفروديت العبارة بداخل رأسها لتنهى نفسها عن الانقياد وراءه، إنها تعرف أن الجنون يرقد في هذا الطريق..
محاولتها لإبعاد نفسها عن الأمر لم تفعل أي شيء سوى جعلها راغبة فيه أكثر فأكثر، أليست آلهة الأوليمبوس شبيهة بالبشر؟ وترغب بكل شيء محظور تماماً كالبشر؟
"وإن توقفت، ماذا يحدث حينها؟"
"انتظري لأسبوعين حتى يتخلص جسدكِ من كل آثار الأدوية، ثم سأريكِ طريقاً لن تريه ابداً بعقل سليم" 11
عقل سليم؟ يمكنها أن تستغني عن هذا.. عقل عليل سيفي بالغرض!
----------
الانتقال إلى الفصل التالي