رواية اللورد الفصل 19

 



(19)


قبل سنتين كانت الحفلة الأولى التي ذهبتُ إليها مع إرنست عند بلوغنا الثامنة عشرة وأصبح بإمكاننا دخول عالم الكبار أخيرًا، سرعان ما ملأنا الإحباط فهي لم تكن كما توقعنا بالتأكيد، خاصة بالنسبة لي فرغم كونه أول ظهور لي في مثل تلك الحفلات إلا أن أحدًا لم يطلب الرقص معي، كأنهم يقولون أنني لا أثير الإهتمام ولا أستحق أن يُتعّرف بي.

3

بالجهة الأخرى رقص إرنست مع الكثيرات وكان هذا هو سبب إنزعاجه فهو لم يكن معتادًا بعد على الرقص مع فتيات غيري وإليزابيث أحيانًا.

المهم أن أول حفل لي كان فشلًا ذريعًا جعل الكثيرات من زميلاتي في المدرسة مِمَّن حضرن الحفل يتخذنني موضوعًا للسخرية لأسابيع بعدها.

ربما كان ذلك أحد الأسباب التي جعلتني أبعدُ فكرة الإجتماعيات عن رأسي وأركز أكثر على دراستي وتلك الأحلام التي بنيتها بمرور السنين.

2

رغم محاولات والدتي الكثيرة إلا أنها لم تفلح في جعلي أهتم بتلك الأشياء وحتى الأن بالنسبة لي حضور حفل هو أمر مزعج وتضييع لساعات كان يمكن أن أقرأ فيها كتابًا جديدًا، لكن لأول مرة لم يكن بيدي فعل أي شيء لكي لا أذهب إلى حفل ما.

1

أجلس الأن على طاولة زينتي، لا أزال أرتدي روبي فـسارا لم تنتهي من تسريح شعري بعد إلا أن آنّا كانت قد إنتهت من وضع المكياج الذي - لم أعتده بهذه الكثافة - على وجهي ثم ذهبت لتتفقد الفستان الأحمر القاني المنفوش من الأسفل وعاري الكتفين مع قفازين ورديين طويلين إلى منتصف الساعد والذي كان قد عُلق على الحائط قرب طاولة التزيين.

41

في الخلف وقفت إليزابيث التي كانت قد إنتهت من إرتداء ثيابها وأخذت باقي وقتها تعلق وتعطي الأوامر للخادمتين لما يجب أن تفعلاه لي، وبصمت مُطيع كنت أجلس دون فعل شيء.

4

لا يزال هنالك ساعة حتى موعد بدء الحفل إلا أننا بدآنا تجهيزاتنا قبل ساعتين كاملتين!

لماذا؟ لأن هذه التي لا تحب الحفلات ستقوم اليوم بالرقصة الإفتتاحية مع الماركيز أغسطس بلاك وود والذي كان قبل يوم بالتمام قد صرّح عن رغبته الجدية في الدخول في علاقة معها!

23

أخذتُ نفسًا وأغمضتُ عيني وقد جفل كتفاي عند تذكري ذلك ثم هززتُ رأسي لأبعد تلك الذكري التي لا أستطيع حتى الأن إستيعابها عن بالي.

" ما الأمر إزابيل؟ "
تساءلت إليزابيث بقلق واضح، لأجيب بسرعة:
" لا شيء أنا بخير! "

دون أن تقتنع هزت رأسها ثم عادت وقالت لـسارا خادمتها:
" إجعلي بعض شعرها ينسدل على كتفها، يجب أن نستغل كثافته جيدًا "
" أمرك أنستي "

10

أخرجت نفسًا وقد بدأت أشعر بالتعب من الجلوس طوال هذا الوقت، لكنه أفضل بالتأكيد من الخروج ومواجهة كل هؤلاء الناس.

 

كان هذا اليوم صعبًا حقًا فقد كنتُ أتلقى جميع أنواع النظرات من الضيوف والخدم أيضًا، وقد بدا أن بعضهم – فعلًا – قد إكتشف للتو أن هنالك فتاة تسمى إزابيل تقيم معهم.

6

كَثُرت الأسئلة عني وعن علاقتي باللورد وإن كان هنالك أي شيء بيننا وهو أمر أنكرته وبشدة وأن هذه الرقصة لا تعني شيئًا.

أصررتُ وأكدتُ على ذلك مئات المرات حتى توقفت جوزفين وماتيلدا عن رمقي بتلك النظرات الحارقة.

أمر لم يعجب إرنست الذي كان يبدو خائب الأمل لما كنتُ أخبر به الناس عن علاقتي باللورد، فهو بالتأكيد يعلم عن ذلك الحوار العجيب الذي دار بيني وبين سعادته يوم البارحة لذلك لم يحب فكرة إنكاري أن لا شيء بيننا فأخبرته بضعة مرات أنني لم أكذب وأن ما قاله اللورد لا يجب أن يعلم به الناس للوقت الحالي على أقل تقدير.

نظرتُ عبر المرآة إلى إليزابيث التي كانت تقوم بتعديل الحزام القماشي على خاصرتها بإهتمام كبير لاتذكر حينها أمرًا نسيته، ما الذي حصل مع هاري؟

" إليزابيث، مممم هل حصل أمر ما معكِ البارحة؟ "
توقفت عن ما كانت تفعله ورفعت بصرها إلي لثوانٍ قبل أن تقول بنبرة عارفة:
" لم لا تقولين مباشرة، ما الذي حصل مع هاري؟ أعلم أنك متفقة معه "
" حسنًا.. ما الذي حصل مع هاري؟ "

3

أدارت عينيها قبل أن تتوجه إلى حافه سريرها وتجلس قائلة:
" إنه عنيد! يا إلهي لم أرى أعند منه "
" صدقيني .. أعلم ذلك تمامًا "
" لذلك قررت أن أنفذ طلبه هذه المرة، سأرقص معه في الحفل الليلة "
" حقًا؟ "

7

لم أخفي سعادتي فأبدت إليزابيث الإستغراب وهي تسأل:
" إزابيل، لم أنتِ تساعدينه؟ تعلمين أنني لا أستلطفه أبدًا لكنك مع ذلك متعلقة به كثيرًا وهذه أول مرة تفعلينها.. لماذا؟ "

8

قضمت على شفتي وأبعدت عينيّ عنها للحظة، لم أعرف ماذا أقول لها.
إنتهت سارا من تسريح شعري في تلك اللحظة وإبتعدت لتسمح لي برؤية نفسي في المرآة جيدًا.

قامت سارا برفع جزء كبير من شعري بمشبك على شكل أقصان شجر خضراء وتركت المتبقي ينسدل حتى أسفل ظهري، فورًا شعرت بالحر لكن هل بإمكاني الإعتراض؟.

12

جلبت آنّا الفستان بحذر فهو كان أحد الفساتين التي إشترتها إليزابيث قبل سفرنا من أجل نفسها لكنها تخلت عنه لي لأنني وعلى حسب أقوالها: لا أمتلك فستانًا يليق بحدث اليوم.

17

وبينما كنا في خضم إلباسي الثوب عادت إليزابيث و سألت مجددًا سؤالها ذلك فلم تترك لي فرصة أخرى للتهرب.
أجبتها وأنا أساعد آنّا على إبعاد شعري بحذر عن الطريق:
"  ببساطة لأنه ليس كمن حاولوا الإقتراب منك من قبل. إنه فريد حقًا، شخصيته غريبة، مضحك أحيانًا ومثير للإهتمام أكثر، لو تعرفتي عليه أكثر صدقيني لن تصابي بالملل لثانية واحدة  وأهم نقطة أنه صادق ومباشر في كل ما يقوله  "

 

إرتسمت على وجهها ملامح مفكرة وقد سرحت في أفكارها دون أن ترد على كلامي.
أرجو فقط أن ينجح هاري اليوم في جذب إهتمامها، خاصة وأن السيد ستيفينز سيكون مشغولًا في الحفل وربما لن تستطيع إليزابيث التحدث معه كثيرًا.

 

...

 

أذكر جيدًا ذلك المقطع في رواية (في مانشيستر ) التي قرأتها قبل فترة، عندما ظهرت البطلة – والتي كانت خادمة فيما قبل – ظهرت في إحدى الحفلات لأول مرة بفستان جميل وتسريحة رائعة وقد أصبحت باهرة الجمال فلفتت أنظار الجميع ولم يتعرف عليها أي أحد لوهلة.
كانت تلك لحظة إنتصار لها فكل أولئك الذين قالوا أنها لا تلائم المجتمع النبيل كانوا مبهورين بها تمامًا.

1

نوعًا ما أشعر أنني أمر بمثل ما حصل معها، على الأقل في جزئية *لفت الأنظار*.

لو لم تكن إليزابيث معي عندما دخلنا قاعة الحفل لكنت قد رفعتُ أطراف ثوبي وعدت راكضة إلى غرفتي هربًا من كل تلك الاعين التي تركزت علي وكل تلك الهمسات التي سبحت في الأجواء.

12

خبر كوني من سيرقص مع اللورد في الرقصة الإفتتاحية إنتشر كالنار على الهشيم وكالعادة يدهشني الجنس البشري في جعل الحبة قبة.
المهم أن إليزابيث الفخورة كأنها ترافق إبنتها عبر ممر العذارى سحبتني لنلقي التحية على من نعرفه من الضيوف الذين جاؤوا إلى الحفل، قبل أن نذهب إلى الضيوف المقيمين والذين بالطبع كانوا مندهشين من (التحول السحري ) كما قالت جورجيا.
بينما عاد الإستياء ليرتسم على وجهيّ جوزفين وماتيلدا وقد فهمن من مظهري ذاك أنني أرغب في دخول المنافسة بينهن رغم إنكاري لهذا قبل ساعات.

1

إرنست من جهته أقبل إلي برفقه هاري، كلاهما تألقا في بذلتين سوداوتين متماثلتين وعلى وجهيّ كلاهما إبتسامة راضية.

" هل تريدين أن تجعلي اللورد يفقد عقله بيلا؟ "
" إرنست.. إياك ! "

45

حذرته بسرعة وأنا أشير ناحية إليزابيث بطرف عيني لكي لا يخرج فمه الغبي أي كلمة خطأ أمامها فضحك وقامت بأخذ يدي ليلفها على ساعده قائلًا:
" ليس وكأنها منتبه لنا.. "

كلامه صحيح فهي كانت في حوار صامت ومربك مع هاري الذي يبدو أنه لم يستطع قول شيء.. من شدة فرحه أو من شدة إنبهاره بأختي.

7

" وأيضًا أظن أن علي مرافقتك إلى أن يأتي اللورد حتى لا يقترب منكِ الذباب "
كرمشت أنفي وأنا أقول:
" غبي "

قهقه مجددًا ثم أخذني بعيدًا عن الأعين لنتحدث سويًا تاركين ذلكما الزوجين في صمتهما المربك.

ليس بوقت طويل حينما وصل المضيفان لهذا الحفل.
دخل ستيفينز أولًا وحيا الضيوف بإبتسامة كبيرة وشكرهم على تلبيه الدعوة.
ثم وأخيرًا دخل اللورد أغسطس بلاك وود إلى قاعة الحفل. دخوله فقط جعل الجميع يتوقفون عن الحديث ويعم صمت مهيب في المكان.

3

بدا اللورد مختلفًا.. لا .. لا أقصد شعره الذي سرحه للجانب هذا اليوم ليخفي به مكان جرحه، ولا تلك البذلة الراقية ذات الذيل الطويل والقفازات السوداء. بل أقصد أنه بدا متعبًا أكثر . كانت خطواته ثقيلة وإبتسامته غير مكتملة. جعلني ذلك أشعر بإستغراب كبير  فالطبيب كان قد وصف له أدويه كثيرة ولابد أن يكون تأثيرها قد بدأ، لكنه كل يوم يبدو أسوأ من اليوم الذي قبله!

66

بدأ اللورد حديثه بالترحيب بالضيوف كما فعل ستيفينز وشكرهم على القدوم، في ذلك الوقت سحبني إرنست في غفله لنقترب أكثر من مكان وقوف اللورد ثم وعندما أصبحنا على بعد خطوات منه أفلت إرنست يدي وإبتعد.

28

نظرتُ إليه جزع فكيف له أن يتركني هكذا؟ لكنه إبتسم بتلاعب وإختفى بين الحضور الغفير.

فجأة سمعتُ اللورد يقول:
" لن أطيل عليكم أيها السادة، فلتبدأ الفرقة الموسيقية بالعزف وأود أن أطلب من الانسة إزابيل غرين مرافقتي لنفتتح لكم الحفل "

إنهى الجملة وقد وقعت عيناه علي ثم تقدم ليقطع الخطوات التي تفصلنا ومد يده اليمنى إلي بينما إختفت اليسرى خلف ظهره وقال:
" هلا سمحتِ لي أنستي الجميلة؟ "

57

حاولت بأقصى جهدي أن أبعد الجزع عني، إبتسمت وتجاهلت كل تلك الهمسات التي إنطلقت ممن لم يعرفوا عن هذا من الضيوف الجُدد وهم يتساءلون عن هذه الفتاة التي سيراقصها اللورد.
ثم وضعت يدي على يده.

إبتعد من كانوا حولنا عنا مفسحين لنا المجال فأصبحت وحدي معه في منتصف القاعة والانظار جميعًا ناحيتنا.

1

بدأت الفرقة بالعزف، لحن هادئ من إحدى مقطوعات موزارت. منذ ملامسه يدي ليده وأنا لم أستطع إبعاد عيني عن خاصته.

3

تحركنا بضعه خطوات لنصبح في المنتصف تمامًا ثم توقفنا، أرسل اللورد يده اليسرى إلى حافة خصري ثم حركها ببطء غاظني إلى خلف ظهري مقربًا إياي منه. فوضعت يدي اليسرى على كتفه.
وبدأنا الرقص.

يمنى ويسرى، إلى الأمام وإلى الخلف، بعيدًا عنه ثم قريبًا إليه، بيده اليسرى أدارني حول نفسي بضعة مرات ثم مرة أخرى أعادني إليه.

8

بخطوات سريعة ومتناسقة إستمرت رقصتنا دون أن يكسر أحدنا نظره عن الأخر.
تعالت تعليقات من حولنا المندهشة من سرعتنا وإتقاننا للرقصة الصعبة ورأيت كثيرات بطرف عيني يبدين نظرات تأمل أن يكن في مكاني في وقت ما.

كانت الرقصة مثالية وأهم شيء أن لا كلمة تبادلناها، كنتُ سأنهي هذه المهمة وأعود لاختفي في ركن ما حتى ينسى الضيوف أمري وينتهي الحفل وأعود لغرفتي لأمسح هذا الحدث من رأسي.
لكن اللورد كان لديه مخططات أخرى.

" متى تريدين الإجابة على ما قلته البارحة أنسة إزابيل؟ "

22

سؤاله الفجائي جعلني أجفل وأكاد أتعثر وأفسد الرقصة المثالية، لولا أنني كنتُ أرقص مع محترف قام بسرعة برفعي وإدارتي ليعاود وضعي على الأرض لنتابع الرقص كأن أمرًا لم يحصل.. غير كونه قبل قليل رفعني عن الأرض كأنه يحمل طفلًا صغيرًا.
بأقصى جُهدي حاولت أن أتظاهر أن شيئًا لم يحدث وأن ذلك كان جزءً من رقصتنا، ثم قلت بصوت خافت رغم كون لا أحد قربنا ليسمع:
" أيها اللورد، لا أظن أن هذا المكان المناسب لمناقشة هذا الأمر "
" أعلم، لكنك لن تسمحي لي بفعل ذلك في الأوقات العاديه لأنك ستتهربين كما العادة، كما أنني سمعتُ شائعة غير محببه أنكِ تخبرين الناس أن لا شيء بيننا "

67

بإبتسامة قال ذلك بينما إحمرت وجنتي لسبب لا أعرفه. وهمست مؤكدة:
" وهو كذلك سيدي اللورد، لا شيء بيننا "
" إلى متى ستحاولين إنكار أنني صرّحت لكِ عن مشاعري يوم البارحة؟"

45

بسرعة وبحيادية قالها اللورد وقد شد من قبضته على ظهري ليدفعني للأمام وأكاد أصطدم به. قلت محاولة الدفاع عن نفسي:
" لستُ أفعل ذلك، أعني... ليس كما تحاول قوله فقط .. أنا .. لا أستطيع .... التصديق "
" أنني مُعجب بكِ؟ "

74

مرة أخرى أذهلتني صراحته، وجدتُ ما يشبه هاري فيه أخيرًا.
" أيها اللورد أرجوك إن هذا ليس المكان المناسب لمناقشة هذا الأمر ! "

1

قلت برجاء مجددًا وقد شعرت بالدفئ يغمر وجهي، لابد أن لونه مثل الفستان الذي أرتديه.
ليقول اللورد متنهدًا:
" أنا أسف لكن.. بعد رؤيتك اليوم هكذا، رغبت أن أخبر الجميع فورًا أن هذه الفتاة لي، حتى لا يقترب أحد منكِ "

214

هذه المرة لم يستطع هو أو أنا منعي من التعثر بسبب ما قاله.

16

وسط إستنكار الجميع انني أفسدت الرقصة المثالية؛ قهقه اللورد وهو يساعدني لأقف معتدلة ويهمس في أذني:
" أسف على ذلك أيضًا "

14

ومن تلك اللحظة وحتى نهاية الرقصة كنتُ حرفيًا ملتصقة باللورد وقد قال أنها طريقته لمينعني من التعثر مجددًا.

49

إنتهى العزف وتوقفنا عن الرقص ونحن ننحني سويًا بينما تعالت الصفقات في المكان.
عاد الصيوف ليملأوا القاعة وهم يقتربون منا ليبدوا إعجابهم بالرقصة قبل قليل، لم يفلتني اللورد وبقيت يده تحيط بخصري بينما كان يجيب في أسئلة ضيوفه.

33

حاولت التملص لكنه كان مُصرًا فتنهدتُ مستسلمة وحاولت القيام بدور الفتاة الإجتماعية لبعض الوقت.

 

...

 

لم اتوقع أنني سأقضي كل هذا الوقت برفقة اللورد أغسطس في الحفل إذ وبعد الرقصة الإفتتاحية طلب مني الرقص مرة أخرى في المقطوعة الثانية ومن ثم أخذ بيدي لنأخذ شرابًا من أحد الخدم بينما إستقبلنا الضيوف بأسئلتهم خاصة وقد عرفوا أنني إبنة الآيرل أوسكار غرين.

أكثر من كان سعيدًا بهذا الوضع كانا والديّ والذين كانا أخيرًا فخورين للغاية مني.
المشكلة أنه وبعد مرور الوقت بدأت أعتاد على الوضع وحفظت العديد من الجمل التي كنتُ أجيب بها الناس وهو أمر سيء للغاية بالنسبة لي.

1

لكن لم يفتني بينما كنتُ أقف قرب اللورد رؤية ذلك العرق الذي تجمع في حواف وجهه وبمرور الوقت بدأت يده ترتخي في إحاطتها بي، ظننته قد بدأ ييأس لكن التعب الذي بدا عليه جعلني أعرف أنه كان بسبب أخر.

7

بدأ اللورد يتململ في وقفته وبعد برهه إتكأ على كرسي من خلفه كأنه لم يعد يستطيع الوقوف معتدلًا، كان من الواضح أن أحدًا لم يلاحظ ذلك فالجميع كانوا مبهورين بالحفل فقط وقد أجاد ستيفينز معاونه أخيه في الجهة الأخرى من القاعة.

وعندما وجدتُ أن الوضع لا يمكن أن يبقى كما هو تلفت من حولي باحثة عن هاري، إرنست أو السيد والانس..

إرنست كان يتحدث مع لورا والتي بدت سعيدة حقًا بالحديث معه فلم أرد مقاطعتها.
السيد والانس كان يرافق والدي والسيد باكنتوم في حديث جدي هامس فلم أفكر فيه حتى.
بينما كان هاري أخيرًا... يراقص إليزابيث، فتركته لحاله.
ووجدتُ نفسي مضطرة أن أتصرف وحدي.

الأن فقط علمت كم كان بيتر مهمًا فهو ما كان ليسمح للـورد بأن يفرط في إتعاب نفسه، ولقد قام الليلة بالكثير من المجهود في رقصاته معي.

يحركني الإحساس بالذنب.. إقتربت منه:
" أيها اللورد، ما رأيك برقصة أخرى؟ "

19

بإستغراب نظر إلي فهو لم يتوقع أن أطلب منه بنفسي. عندما سمع من حولنا ذلك أفسحوا لنا المجال وذهب بعضهم ليرقصوا هم أيضًا.

بينما قال اللورد وهو يعاود أمساكي بين يديه:
" هل أعجبكِ الرقص معي إلى هذه الدرجة؟ "
قلت بلامبالاة وأنا أتحرك وأقوده إلى حيث تجمع الكثيرون:
" لا تذهب بخيالك بعيدًا أود إعطائك فرصة لتستريح، أو إن كنت تسمح.. أن تعتذر وتعود إلى داخل المنزل. فأنت متعب للغاية "

1

للحظة لم يقل اللورد شيئًا وقد بدا مندهشًا لملاحظتي ذلك لكن سرعان ما إبتسم وقال:
" لا بأس يمكنني التحمل لساعة أخرى "
" لا يمكنك خداعي سيدي، أنت بالكاد تقف "

قلتها وقد توسطتنا دائرة الرقص المزدحمة حيث لم ينتبه لنا أحد فالجميع مندمجون فيما يفعلون، كنا نتحرك في رقصة بطئية حتى لا أتعبه. عندما قال:
" حسنًا لقد فزتي. سأرتاح قليلًا "

هذه المرة كان اللورد هادئًا في الرقصة ولم يتحدث معي وقد بدا باله مشغولًا وتكاد عيناه تنغلقان.

بعد أن إنتهينا جاء أحد المسؤولين وأخذ اللورد ليتحدث معه بإنفراد. فتنفست الصعداء ثم نفذت خطتي الأولى تلك.. وذهبت إلى أبعد ركن قبل أن ينتبه أي أحد إلي وجلست لأرتاح.

رغم كل ما حصل لم أشعر أنني كرهت كل تلك الرقصات، لقد كانت ممتعة ومثيرة، ليس كما اعتدتُ مع إرنست. فقد كانت تحمل .. مشاعر أخرى.

5

وقبل أن يسرح عقلي في التفكير بها حولت بصري إلى القاعة لأعرف ما الذي حصل في غياب مراقبتي.
وكان أول ما وقع تحت ناظري.. إليزابيث وهاري جالسين على مقعد بعيد وحدهما وقد كانت إليزابيث تضحك على شيء قاله هاري!

74

كدتُ أن أصرخ فرحًا لما رأيت لكنني تمالكت نفسي حتى لا أجلب الأنظار.
بحثت عن أخي التوأم فوجدته يقف مع السيد والانس في حديثه الجدي ذاك، وكانت لورا ترقص مع شاب أخر من الضيوف.
تنهدت بحسرة، فليس كل ما نريده يحصل على أي حال.

5

أخيرًا وبعد فترة قضيتها في مراقبة من حولي قررت إعادة النظر ناحية اللورد لاعرف كيف حاله.
بحثت هنا وهناك، قريبًا وبعيدًا، في من يرقصون وفي من يتحدثون.. بحثت في كل مكان لكنه لم يكن موجودًا!

نهضت بسرعة وقد شعرت بالخوف فجأة وإتخذت طريقي إلى جاك كبير الخدم لأسأله بسرعة:
" أين هو اللورد؟ "
" أوه أنسة إزابيل . لقد طلب مني الإعتذار إليك لذهابه دون أخطارك، قال أنه متعب وسيعود إلى غرفته "
" ماذا؟ متى كان ذلك " وقبل أن يجيب أضفت " لا بأس لا داعي لإخباري لكن، ماذا عن الحفل؟ "
" لقد أخبرنا السيد ستيفينز وهو الأن يعتذر للضيوف المهمين عن غياب اللورد "
هززتُ رأسي مفتهمة ثم إبتعدتُ عائدة.

رغم كوني قد علمت مكانه الأن إلا أن قلقي لم يخبو  وهو أمر أخافني حقًا..
فكما يبدو، أنا أهتم به أكثر مما ظننت.

1

بل أكثر مما أتخيل إذ وبعد دقائق من الوقوف المتوتر وجدت ساقاي طريقها عبر ظلال القاعة إلى الباب الخلفي الذي يقود إلى داخل المنزل ومن ثم إلى الجناح الغربي.. حيث غرفة اللورد!

16

...

 

كأنسة من الطبقة النبيلة لا يفترض بي الذهاب إلى غرفة رجل وحدي في مثل هذا الوقت من الليل، لكن في الأوانة الأخيرة فعلتُ الكثير من الأمور التي لا تشبه الأنسات لذلك تجاهلت الأمر فالغرض من هذه الزيارة كان شريفًا على الأقل.

2

لم أقترب من قبل من تلك الجهة من الجناح الغربي وقد كنتُ الوحيدة التي لم تفعل ذلك، لذلك كان المكان غريبًا بالنسبة لي رغم كونه قريبًا من المكتبة التي إعتدتُ الذهاب إليها.

2

أخذت نفسًا وأطلقته لأهدئ من أعصابي المتوترة وأنا أقف أمام باب الجناح دون أن أتحرك. شتمت في داخلي أولئك الثلاثة فلو كان على الأقل أحدهم برفقه اللورد لما شعرت القلق لكنه الأن وحيد ومريض وهو شخص تمت محاولة قتله من قبل !

2

ليس وكأنني سأستطيع فعل شيء له لكن لم أستطع الوقوف دون محاولة.
طرقت الباب بثبات ثم إنتظرت.

بعد ثوانٍ فُتح لتظهر باتريكا الخادمة المسؤولة مني وإليزابيث. بدت مستغربة للغاية من وجودي هنا ولها كل الحق في ذلك. سألت بإستغراب عن سبب وجودي هنا فأجبتها:
" أريد الإطمئنان على اللورد فقد كان متعبًا للغاية "
بما بدا إندهاشًا سمحت لي بالدخول، إلى حيث غرفة الجلوس المرافقة.

3

مكان كبير وواسع بأثاث فرنسي لطيف لابد أنه ذوق الليدي إيميليا.
وقفت في منتصف الغرفة ودقات قلبي في أعلى معدل لها بينما دخلت باتريكا إلى ما اظنها غرفة النوم وعادت بعد بضع ثوانٍ ثم خرجت دون قول شيء.

كدتُ أن أصرخ لها أن تبقى لكن باب غرفة النوم فُتح قبل أن أعبّر عن مافي داخلي ليخرج اللورد الذي لا يقل إندهاشًا عن خادمته وقد كان قد خلع البذلة السوداء وربطة العنق وبقي فقط بالقميص الأبيض والبنطال الأسود.

" أنسة إزابيل يالها من مفاجأة أن أراك هنا.. هل من خطب ما؟ "
" كلا سيدي اللورد أنا بخير لكن.. أردت معرفة إن كنتَ بخير !"
" أوه نعم أنا كذلك.. تقريبًا، عملت بنصيحتك وعدت لأرتاح. ستيفينز سيتولى الأمور هناك فلا تقلقي "

كدتُ أن أخبره أن هذا ليس ما يقلقني، لكنني لم أفعل بالطبع.
" هل من الجيد أن تتركِ الحفل هكذا؟ "
علق بعد صمت قصير، لأجيبه:
" لا بأس، فلا أحد سينتبه لي بعد ذهابك على أي حال، كما أنني ساعود بعد دقائق فلقد أتيت لتفقدك فقط. هل.. ستكون بخير وحدك؟ أم هل علي أخبار هاري أو إرنست للقدوم؟ "
بإبتسامة باهته قال:
" لا لا بأس دعيهما لا أريد إفساد بهجتهما. "

هززت رأسي متفهمة ثم قلت وأنا أستعد للخروج:
" حسنًا، أسفة لمقاطعتك، أراك في وقت لاحق "

إبتسم غير معلق ثم إلتفت هو الأخر ليعود لغرفته. وقبل أن أفتح الباب لأخرج سمعت صوت إرتطام شيء بالأرض!

1

عدتُ ونظرت إلى حيث كان اللورد فوجدتُ باب الغرفة مفتوحًا على مصراعيه وجزء من جسد اللورد المستلقي على الأرض يظهر عبره.

شهقت بعنف وسرت بسرعة متجاوزة الأثاث حتى دخلت الغرفة وجثيت بقربه قائلة:
" أيها اللورد هل أنت بخير؟ "

بصعوبة تململ وهو يحاول رفع نفسه بيديه ليقول ساخرًا على نفسه دون أن ينظر ناحيتي:
" يا إلهي كم هذا مثير للشفقة. شعرت بالدوار فقط ثم أظلمت الدنيا في وجهي للحظات فسقطت أرضًا. لا تقلقي. "
وبدون أن أساعده نهض ليكمل قائلًا:
" يحدث هذا كثيرًا في الأونة الاخيرة "

4

" يا إلهي وماذا قال الطبيب، لماذا لم يساعدك؟ "
" لقد اعطاني العديد من الأدوية لكن يبدو أن مرضي إستعصى عليه "
قالها وهو يتكئ على مقبض الباب.  ثم يأخذ نفسًا ويدفع بنفسه ليدخل.
كان ذلك عندما ألقيت نظرة على غرفته.

8

لم تكن مميزة كثيرًا، سرير مزدوج كبير بستائر ومساند مزخرفة كثيرة وطاولة زينة وكل تلك الأشياء الإعتيادية، ما عدا تلك الكومة الكبيرة للغاية من الكتب التي غمرت الأرضية حول السرير وأطراف السرير وكل مكان في الغرفة حتى أنه لم يكن هناك مكان خالي منها سوى ممرات صغيرة تقود إلى أماكن محددة من الغرفة!

وأنا من ظننت أن المكتبة تحوي كل الكتب في المنزل!

" ما هذا؟ "
سألت مندهشة ليجيبني اللورد بخجل في صوته:
" أعلم أنه منظر غريب، أسف على رؤيتك له "
" متى.. وجدت الوقت لتقرأ كل هذا "
سألت وأنا أخذ كتابًا كان قربي على الأرض، ليجيب بينما جلس على حافه سريره:
" في الحقيقة لدي كل الوقت الذي أريد، فأنا منذ أشهر لا أكاد أنام اكثر من ساعتين في الليلة الواحدة"
مع جملته تلك وقع بصري على شيء أخر كان مختلفًا في تلك الغرفة.

على أصيص زهور حمل في داخله زهرتين توأمين.

26

واحدة بلون وردي فاتح والأخرى بلون أحمر قاني.

146

...


حقائق فيكتورية:

لم تكن هناك مدارس عامة كما نعرفها
خلال العصر الفيكتوري، إذ كانت العائلات
ذات الدخل المنخفض ترسل أطفالها
للعمل في سن مبكرة
فلم تكن هناك حاجة إليها.

في الأسر الغنية يتم إرسال الأولاد
إلى المدارس الخاصة باهظة الثمن
حيث يتعلمون اللاتينية واليونانية
ليكونون مستعدين لمتابعة خطى
  أبائهم كقادة لمجتمعاتهم.

لم يتم إرسال بنات العائلات الغنية إلى
المدرسة على الإطلاق، وكان يتم تدريسهن
في المنزل من قبل معلمين خاصين.▫

----------


الانتقال إلى الفصل التالي