رواية اللورد الفصل 21
(21)
أخطر موقف مر علي في السنوات الماضية كان عندما كنتُ في سنتي الأولى من الدراسة في كلية الملكة، وقتها كانت إليزابيث لاتزال تدرس معي وكنا خرج كثيرًا برفقة إرنست في عطل نهاية الإسبوع. تلبيه لطلبات إليزابيث الكثيرة في العادة، وأحيانًا لنستكشف المدينة فقط.
ذلك اليوم كنا في جولة على أحد الأحياء ذو الأغلبية الأجنبية، حيث الكثير من المحلات والمطاعم ذات الأطعمة الغريبة، ألبسة مختلفة ولغات كثيرة ولغة إنجليزية بلهجات مختلفة أيضًا.
كان المكان كمهرجان من مختلف الجنسيات، ورغم الإزدحام إلا أن ثلاثتنا إستمتع بتلك الجولة.
كان ذلك إلى أن وقفنا أمام رجل يبيع على الأرض بعض الحلي الشرقية فأرادت إليزابيث إلقاء نظرة. عندما شعرت بملل تلفت من حولي لأمتع عيني بذلك المنظر البديع لإندماج العديد من الحضارات.
إلى أن لمحت عيناي ما يحدث في ذلك المخبز المقابل للمكان الذي نقف فيه.
فتاة بملامح هندية، شعر أسود طويل وبشرة حنطية تبدو في العاشرة فقط كانت تبيع في سلة ممتلئة بأزهار الروز الحمراء عندما وفجأة خرج صاحب المخبز وقام بضربها بيده الممتلئة على رأسها قائلًا بصوت جهوري مخيف وغاضب:
" أيتها اللصة الحقيرة "
سقطت الفتاة التي ضُربت بغتته على الأرض وتناثرت أزهارها في المكان وجعل ذلك الكثير من المارة يلتفتون إلى ذلك المشهد.
قالت الفتاة بحرقة وقد إمتلأت عيناها بدموع الألم:
" ما الذي فعلته؟ "
" وتنكرين ما فعلته! إياك محاولة التصرف كشخص بريئ لقد دخلتي إلى متجري وسرقتي قطعة خبز!"
حاولت الفتاة النهوض إلا أنه ركلها بساقه فعادت وسقطت أرضًا مُطلقة صرخة ألم أخرى.
4
الجميع كان يشاهد فقط وقد سمعت بعض الهمسات المشجعة أن يقتص لحقه من هذه اللصة بينما أبدى البعض حسرتهم على ما يحصل في بلادنا بسبب هؤلاء الغرباء.
لكن لا أحد قرر التدخل، أخذت الفتاة تصرخ أنها بريئة ولم تفعل شيئًا إلا أنه قال مرة أخرى بغضب كبير:
" ومن غيرك يفعلها هنا؟ أنظري إلى متجري لقد إتسخت الأرضية بسبب دخولك أيتها المشردة الوسخة!! "
بالطبع لم أقف ساكنه بعدها خاصة وأنني رأيت ما يثبت خطأ الرجل.
كان قد رفع ساقه ليقوم بالدعس عليها مرة أخرى عندما أقبلتُ فجأة ودفعت به بعيدًا عنها قائلة:
" توقف عن ضرب الفتاة أيها الحقير! "
5
تعثر الرجل وكاد يسقط وقد ملأت وجهه وكل المشاهدين علامات إستغراب على تلك الفتاة المتأنقة التي تدخلت.
كان الغضب مرسومًا على وجهي ولم ألقي بالًا إلى نداء إليزابيث لي أن لا أتدخل، بينما شعرت بإقتراب إرنست مني ليقف خلفي وإن لم يقل شيئًا لكنه يخبر الرجل أنه هنا وأن لا يتجرأ ويقوم بشيء ضدي.
20
قال صاحب المتجر:
" هذا لا يخصك، لا تتدخلي أيها الفتاة "
" بل هو يخصني إن قمت بضرب فتاة مسكينة على أمر لم تفعله "
قلتها وأنا أنحني قرب الفتاة وأساعدها على النهوض وأنفض ثيابها، كانت قد بدأت بالبكاء اخيرًوقدا وجدت شخصًا يقف معها.
" ما الذي تتحدثين عنه، لقد قامت بسرقة خبزي وأثار أقدمها الوسخة دليل على ذلك"
" حقًا؟ " قلتها بإستنكار وأنا أنظر إليه بغيظ ثم أردفت وأنا أشير ناحية الفتاة النظيفة للغاية:
" وهل تبدو لك هذه الفتاة متسخة بأي طريقة؟ أنظر إلى ساقيها.. إنهما نظيفتان وأنا متأكدة إن دخلت ونظرت جيدًا ستجد أثار الأقدام كبيرة ولا تتناسق مع قدم صغيرة كهذه أيها السيد المحترم "
مع كلامي هذا بدأت الهمسات تتعالى أن ما أقوله صحيح، مضطرًا دخل صاحب المتجر إلى متجره وعاين الأرضية ثم عاد وهو ينظر إلى ساقي الفتاة.
ثم وقبل أن يقول أي شيء، أردفت قائلة:
" كان عليك النظر من حولك سيدي إلى من يمتلك حذائين متسخين بالطين قبل إتهام الفتاة البريئة وما كان هذا ليكون صعبًا فهو يقف هنا متفرجًا على غبائك هذا "
" ماذا؟ "
مرة أخرى تعالت الهمسات والإرتباك وبدأ الناس ينظرون إلى بعضهم باحثين عن من أقصده. كان ذلك عندما حولت بصري إلى ذلك الشاب الذي كان قف في الزاوية يراقب ضاحكًا ما يحدث منذ وقت طويل لتتغير ملامحه إلى أخرى جزعة وقد إلتقت عينانا.
5
كنتُ قد رأيته يخرج من ذلك المخبز قبل قليل وقد لفتني أن حذائه كان متسخًا للغاية رغم كون الأمطار لم تهطل منذ أسابيع عدة ولم يكن هناك ما يجعل أقدامه تتسخ إن لم يكن يعمل في مكان يسبب ذلك. في البداية ظننه مجرد زبون لكن بعدها فهمت كل شيء.
وفقط عندما عرف الرجل أنني أقصده وبدأ الناس ينتبهون إليه قرر الهرب، لأتحرك أنا بتلقائيه خلفه وقد نسيت كل أدابي وأنا أصرخ به لأن يتوقف.
3
ولو لم يتدخل إرنست والذي كان أسرع مني وإستطاع إمساك اللص بسهولة لكنت جعلت الناس يضحكون على منظري أكثر وأكثر.
22
يومها تلقيت محاضرة طويلة من إليزابيث لتدخلي في أمر كهذا وقد هددت بأن ترسل لوالديّ وتخبرهما إن كررتها، بينما إكتفى إرنست أنه أخبرني أن الفتيات لا يجب أن يتحدثن بكلمات كتلك التي نطقت بها!
20
كانت تلك الحادثة هي أخطر موقف أدخلت نفسي فيه فلو لم يكن إرنست برفقتي فلربما قام صاحب المتجر بضربي أيضًا ولو لم يكن برفقتي مرة أخرى لربما إنتهت ملاحقتي لذلك اللص بما لا أريد التفكير به أيضًا.
ولكم أشعر الأن أن كل ذلك كان لعب أطفال فقط.
منذ عودتنا من ذلك الإسطبل وأنا في غرفتي لم أخرج منها ولو لتناول العشاء. أخبرت آنّا أنني أحتاج لأن أستجمع نفسي وأفكاري دون أن أخبرها السبب الرئيسي لفزعي وطلبت منها التعذر للباقين ويبدو أنها نجحت فجميعهم يظنون أن لدي ألام في المعدة.
المهم أنني كنت مستلقيه على سريري وقد غطيت جميع جسدي ولم أتوقف عن الرعشة للحظة وقد كان عقلي يعمل دون توقف ليؤكد لي صحة كلما عرفته هذا اليوم.
3
كان يفترض بي أن أذهب وأخبر اللورد أو إرنست أو هاري بما عرفته لكن.. هل سيصدقني أي أحد؟
هل سيصدقون أن ستيفينز بلاك وود كان وخلال الأشهر الماضية يحاول قتل أخيه الأكبر أغسطس؟
19
هذا ما توصلت إليه بعد ربط كل تلك الأحداث سويًا وما زادني رعبًا هو تلك النظرة التي رمقني بها أخيرًا.
كان دائمًا يخيفني بما يرمقني به من نظرات لم يحاول كبح الغضب والكره فيها، لكن تلك النظرة عصرًا.. جعلت كل الخوف داخلي يتضاعف.
10
بقيت على حالي ذاك غارقه في أفكاري وخوفي ومتجاهله كل المحاولات التي قامت بها إليزابيث ووالدتي التي جاءت لزيارتي لجعلي أكل ولو قليلًا.
2
فقدت الشهية وفقدت كل الرغبة في الخروج إلى ذلك المنزل.
لكن إلى متى سأبقى هكذا خائفة كقطة صغيرة؟
لا أحد يعلم ماذا قد يفعل ستيفينز مجددًا لكي تنجح خططه المريضة تلك لذلك علي إخبار أحد ما.
1
كان الوقت ليلًا عندما قررت أخيرًا التحرك بل عندما إستجمعت شجاعتي وكل الطاقة في جسدي لأتحرك.
لابد أن الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة لذلك سرت ببطء وأنا أبحث عن روبي حتى لا أوقظ إليزابيث، ومثل تلك الليلة عندما ذهبت للحديث مع إرنست خرجت وحيدة أسير في ذلك المنزل المظلم.
لا أدري إن كان بسبب الظلام ولكن فجأة بدا لي هذا المنزل كئيبًا ومخيفًا رغم جماله الظاهري إلا أنه يحمل داخله العديد من المشاعر.. الحزن والكآبه، الوحدة والإشتياق، الغيرة والحسد والكره.
3
أخيرًا قادتني ساقاي إلى ذلك الجناح الغربي.
كان علي التأكد من أمر ما، من شيء كان أحد الأسباب التي أرّقت عقلي لساعات طويلة وأنا لا أستطيع تصديقه وأرجو أن لا أكون مُحقه فيه.
أخذتُ نفسًا عميقًا ثم قمت بطرق الباب طرقات متتابعه، ليس بوقت طويل حينما سمعت صوت الباب الداخلي يُفتح ثم صوت خطوات تتجه ناحية الباب الخارجي للجناح ليُفتح بعدها عن اللورد أغسطس المتفاجئ لرؤيتي.
" أنسة إزابيل، ما الذي تفعلينه في مثل هذا الوقت؟"
أكمل جملته بقلق وقد رأى تلك الملامح على وجهي. " هل أنتِ بخير؟ "
" أحتاج أن اتحدث معك سيدي اللورد "
" ... بالطبع ، تفضلي "
أدخلني إلى الجناح المضئ ثم أغلق الباب من خلفنا.
4
...
إحتوت الجلسة ذاتُ الأثاث الفرنسي على كرسي مزدوج جلسنا عليه.
لم تفتني ملاحظة أن وجه اللورد يبدو أكثر حيوية بشكل ما، كما وأن الأصيص الذي وضعته تحت النافذة ليلة البارحة قد إختفى. سألته:
" ما الذي حصل للزهرة؟ "
" آه .. "
إلتفت ونظر إلى النافذة ليقول بحاجبين معقودين:
" بما أنكِ ذكرت الأمر إنها غير موجودة، في الحقيقة لا أدري ما الذي حصل خلال هذا اليوم، لقد .. لقد قضيت هذا اليوم بأكمله نائمًا!! "
1
قالها بدهشة واضحة وكأنه لا يصدق الجملة لكنه مضطر لقولها، بينما ولأول مرة من ساعات إرتسمت إبتسامة على وجهي:
" الحمد لله "
" يبدو أنكِ كنتِ محقه فيما قلته، رغم كوني لم أستطع النوم ليلًا لكن ولحظة شروق الشمس كنتُ قد فقدت كل طاقتي تمامًا ووجدت نفسي أغرق في نوم عميق بلا أحلام.. لم أستيقظ منه إلا قبل ساعتين عندما.. جعت! "
أخرجتُ نفسًا مرتاحًا بينما أكمل اللورد:
" لقد كان هاري متفاجئًا حقًا. الجميع كان كذلك "
" هذا جيد.. جيد.. "
كررتها بينما عصرت بقبضتي على روبي وأطلقت نفسًا أخر، هنا لاحظ اللورد ذلك ليقول بقلق لم يخفيه:
" أنسة إزابيل أظن أن هناك أمرًا يشغلك. ظننتكِ مريضة، أخبرني هاري أنك لم تتناولي معهم العشاء "
" ها؟ كلا.. لستُ مريضة، بل متعبة قليلًا فقط "
" إذًا لماذا تبدين كأن.. كأن شخصًا قد مات؟ "
أطلقتُ ضحكة خالية من المرح:
" هناك شخص كاد أن يموت، لقد كدتَ أن تموت أنت أيها اللورد "
أبدى الإستفهام على وجهه فأخذت نفسًا وإستدرت في جلستي لأواجهه تمامًا.
لم أكن قد فكرت فيما سأقوله له ومن أين سأبدأ لذلك خرج كل شيء بلا تخطيط.
1
كان اللورد أغسطس منحنيًا للأمام وقد أراح ساعديه على ساقيه وتشابكت قبضتاه بينما كان وجهه ينظر إلي.
قلت: " لقد ذهبتُ وبحثتُ عن الزهرة التوأم ولقد كنتُ محقة فيما قلته لك، هي بالفعل سامة وتضر البشر، تسبب الأرق والكوابيس والهلاوس لمن يستنشقون عطرها ذاك وفي أسوأ الحالات تؤدي إلى الموت. "
رأيت عيناه وهما تتسعان إندهاشًا مع كل كلمة أنطق بها.
" لكنها لا تضر البشر بل إن هدفها الرئيسي ليسوا بالبشر بل هي تستهدف الحيوانات. عطرها يسبب لمن يستنشقه من الحيوانات الإهتياج والدوار، وإن أكلها أي حيوان فهو سيموت فورًا وهل تعرف أي الحيوانات حصل له هذا؟ لقد كانا إرث وسكاي"
يفترض به أن يكون مصدومًا لكن تلك الملامح التي إرتسمت على وجهه كان غريبة. كان كأنه ينظر للفراغ لكنني أكملت:
" لقد ذهبت من قبل إلى الإسطبل ولقد عثرت على بقايا رائحة شبيه لرائحة الزهرة التوأم في كمامه إرث، أنا متأكدة أن هنالك من أطعمه الزهرة التوأم كجزء من غذائه هو وسكاي. مات سكاي ولايزال إرث يعاني ولابد أنه سيموت أيضًا للأسف . "
9
مرة أخرى لم يعلق، بللت شفتي الجافتين ثم تابعت:
" كنتُ منذ وقت طويل أتسائل عن سبب الإرهاق الذي يلازمك طويلًا وبعد رؤيتي للزهرة عندك فهمت كل شيء، منْ وضع الزهرة في طعام الحصانين كان ينفذ في خطة طويلة المدى معك أنت أيضًا، منذ لحظة وصولك إلى هنا أدخل هذه الزهرة إلى حياتك حتى تعتاد عليها وحتى يسيطر عليك تأثيرها. شيئًا فشيئًا إزداد الإرهاق وسيطر عليك حتى أصبحت غير قادر على أداء أعمالك الإعتيادية. وإن إستمر الأمر هكذا.. لا أدري ماذا كان سيحصل، لكن أظن... أنها كانت خطة آمنة لقتلك دون أدلة "
مرة أخرى لم يعلق اللورد وقد زاد ذلك من الشك في داخلي.
" هذا يقودنا إلى من يحاول قتلك وإلى ذلك اللص الذي قتل السيد والكر والأن إلى من إستطاع الدخول إلى منزل وتنفيذ كل هذا دون أن يلاحظ أحد.
أيها اللورد أتعلم ماذا؟ لقد.. لقد إمتلأ رأسي اليوم بالعديد من الأفكار جميعها أفزعني حقًا وجعلني اتمنى أن لا أكون محقة فيها "
كان نبرتي قد بدأت تهتز حاولت إستجماع نفسي لكنني لم أفلح فتابعت وسط الصمت الذي يغمر الغرفة قائلة:
" أتعلم ما أكثر ما أفزعني سيدي اللورد؟ "
سألته فتغيرت ملامح وجهه إلى حزن هذه المرة، كأنه يعلم ما يذور في رأسي ويسبب كل هذا الألم لي، لأجيب بنفسي قائلة:
" أنني أظن أنك تعلم من وراء كل ذلك سيدي! "
11
هنا أغمض اللورد عينيه ثم تراجع بظهره إلى الخلف ليتكئ على الكرسي ولم يفتح عينيه بعد. تابعت بإصرار وقد رأيت رده فعله:
" أنت تعلم، أنت تعلم أن السيد ستيفينز كان وخلال أشهر يحاول قتلك سيدي. أليس كذلك؟
17
هل أنا مُحقة؟
سيدي اللورد..
أيها اللورد .. "
" لماذا .. "
همس بها بألم وبالكاد سمعته، لم يضف شيئًا ولم أفهم ما يقصده بالتحديد لكنني حينها تأكدتُ من شكي هذا.
فجأة وجدت دموعي طريقها إلى عيني، كأن كل ما كنتُ أحبسه لساعات إنفجر فجأة في داخلي. أبعدت نظري عنه لكي لا يراها ثم وبكم ثيابي مسحتها في محاولات فاشلة.
1
بعد صمت لدقائق عاودت الحديث قائلة بإصرار وبصوت مبحوح:
" سأخبرك بما إستنتجته، لا أعلم متى وكيف بدأتَ بالشك به لكنني سأخبرك بما أظنه.
ذلك اللص الذي دخل منزلك في غيابك كان يهدف لقتلك لكنك كنتَ سافرت فجأة إلى سكوتلندا كما أخبرني إرنست من قبل.
علمت أن السيد ستيفينز أصبح لا يعيش معك في لندن لذلك لم يعرف بذلك وأرسل رجله. لكنه لم يجدك ، وبدلًا عن ذلك وجد الخادم العجوز وقد قام بقتله وهو أمر لم يكن بصالحه، ولكي يغطي الرجل على فعلته قام بسرقة مجوهرات الليدي إيميليا والتي يفترض بها موجودة في مكان لا يعرفه أحد. لكن الرجل له علاقة بمن كان يسكن ذلك المنزل من قبل.
ليس بوقت طويل حاول مرة اخرى قتلك لكنه فشل وبسبب من؟ بسبب بيتر.
بعد فشلة مرتين لم يعد هناك حاجه له، فتم التخلص منه . "
4
ظل اللورد صامتًا يستمع إلي بينما تعلقت عيناه بالسقف فتابعت حديثي:
" أخبرني إرنست أنه وبعد ذلك الحادث هناك من إقترح إبتعادك عن لندن للوقت الحالي وأن تذهب للبقاء في المنزل الصيفي فهو أكثر أمنًا ومن هو من قام بإقترح ذلك؟
كان السيد ستيفينز بالتأكيد.
3
هنا بدأت خطة أخرى لقتلك. في المنزل الذي كان مألوفًا أكثر له. وفي المكان الذي يمتلك فيه حديقة كبيرة مليئة بنبته سامة لا أحد غيره يعرف عنها شيئًا.
الحفل وتلك القائمة التي إختفت لابد أنه أخذها حتى يعدل فيها كما يريد، وأظن أن ناتجها كان قدوم السير ألكساندر والذي لم يكن مدعوًا بالتأكيد.
2
بغض النظر عن ذلك الأن، أتعرف سيدي اللورد أحد الأمور التي جعلتني أشك في السيد ستيفينز؟ لقد كان رده فعله عندما وصلتُ إلى هنا "
لفته كلامي ونظر إلي بأعين مستغربه. فأكملت:
" أنا لم أكن ضمن المدعوين للبقاء هنا بل كان أخي إلمر، لكنه لم يستطيع المجئ فأتيت بدلًا عنه. وهو أمر لم تعرفه أنت فقد ظننت أنني كنتُ مدعوة لذلك إستغربت عندما أخبرتك عكس ذلك فأنت على أي حال لا تعرف قائمة مدعويك، أليس كذلك؟ "
4
هز اللورد رأسه ليتحدث أخيرًا قائلًا:
" هذا صحيح، لقد إستغربت لماذا لم يقم والكر بدعوتك .. "
" .. هذه ردة الفعل الطبيعية لكنها لم تكن ردة فعل السيد ستيفينز . أتعلم ما الذي قاله عندما رأني؟ لقد قال : هذه لم تكن مدعوة! "
52
إتسعت عينا اللورد في إستغراب. بينما أردفت:
" لا أعلم لم كان منزعجًا لكن ومع مرور الوقت رأيت أنه كثيرًا ما يخرج مشاعره الحقيقية دون أن يدرك. رأيت تلك النظرات التي يرمقك بها سيدي اللورد، ورأيت الإنزعاج الذي يعامل به كلما يخصك سيدي.
لكن لا أظن أنه إستطاع التحرك بحرية وقد كنتَ محاطًا دائماً بـبيتر ، هاري وإرنست والسيد والانس. لذلك على الأقل تخلص من بيتر، الخادم الذي لم يكن من البداية راضيًا عن وجوده .
وهنا كان الحادث.
أذكر أنني رأيت تلك النظرة التي ألقاها على مكان الحادث في ذلك اليوم.
كان تلك أول مرة يرى بنفسه محاولة لقتلك، لذلك أظن أنه ولأول مرة تأثر بكل ذلك .
لكن ذلك لم يمنعه من المتابعة.
لم يفت على أحد سيطرته على المنزل بعد أن إبتعدت أنت. ومن بين ما حصل كان ما يخص عائلة بيتر . كل تلك الإشاعات والحديث الذي إنتشر بعد حادثك سيدي اللورد أنا متأكدة.. أن من نشرها كان شخصًا يعمل لصالحه من الخدم في المنزل. فتلك الإشاعات كانت تنتشر بشكل غريب حقًا.
13
المهم أن وبعد إشتداد الأمر ووصوله إلى الضيوف وجد السيد ستيفينز فرصته وإجتمع مع الضيوف ليعبر عن عدم رضائه من وجود عائلة بيتر لكنه لم يرد مخالفه رغبتك، لكن الضيوف تحدثوا وفرضوا نفسهم وفرضوا ما يريده هو.
وإستطاع إبعاد بيتر ووالدته التي كانت مسؤولة عن طعامك، لقد أبعدهما عنك. "
" إزابيل .. أرجوك .. توقفي "
أخيراً تحدث اللورد، ليقول ذلك بألم بيّن لي أنه يعلم كل ذلك. لكنني لم اتوقف أكملت قائلة:
" أتعلم ما الذي جعلني أشك في كونك تعلم؟ هو كونك سيدي في فترة ما أصبحت تتساهل مع السيد ستيفينز كثيرًا، تنفذ كل ما يقوله حتى وإن كان شيئًا لا تريده، سمحت له بالتصرف في منزلك كأنه السيد وأنت مجرد دخيل يريده أن يغادر.
2
لماذا تفعل ذلك سيدي؟ لماذا تتركه يفعل ما يريد؟ هل كنت تنتظر أن يحاول محاولة جادة أخرى لقتلك وينجح!؟ هل تظن أنه لا بأس إن مت على يد أخيك مثلًا؟ "
بإستنكار شديد كنتُ أتحدث وقد شددتُ قبضتي معًا حتى إحمرت يدي.
ليجيبني قائلًا:
" أنسة إزابيل، إن هذا الذي تتحدثين عنه هو أخي، من لحمي ودمي، الفتى الصغير الذي حملته بين يدي عندما ولد، والفتى الذي لطالما أوصاني والدايّ بأن أهتم به.
30
إنه أخر من تبقى لي من عائلة تركتني جميعًا. حتى زوجتي وإبني .. جميعهم ذهبوا بلا عودة، فهل تريدين مني أن أبعده أيضًا؟ "
20
أزعجني حقًا أنه يتحدث بألم كأن الموضوع يؤرقه لأقول بغضب:
" هذا الأخ الذي تتحدث عنه كان يريد قتلك. يريد التخلص من أخر فرد من عائلته وهو ما تخافه أنت؟"
" أنت لا تفهمين شيئًا. لا .. لا أستطيع إخبار كل العالم عنه. أن أخي .. أراد قتلي، سينهي ذلك كل شيء.. سيتدمر إسم العائلة، سيتدمر كلما تم بناءه عبر الأجيال، سـ .. سيخيب ظن والديّ !!"
5
كان قد وضع رأسه على راحه يديه وتحدث بإنكسار جعلني أخرج نفسًا لاهدي من غضبي وأحاول أن لا أقول ما قد يفسد الحديث مجددًا
" لكن إلى متى؟ إلى أن ينجح في ما يريده؟
كنت قد أخبرتني من قبل أنك تخبر هاري بكل شيء، لماذا لم تخبره؟ متى كنت تنوي إخراج كل هذا من داخلك، بعد أن يفوت الأوان؟"
2
أخذ يهز في رأسه يمنة ويسرى دون أن يتفوه بشيء لدقائق وقد غطت يداه ملامح وجهه عني، لكن إرتجاف يديه فضح أمره.
بعد برهه صمت أجاب على أحد أسئلتي قائلًا:
" لم أخبر هاري، لكنه لن يكون مستغربًا إن علم. العلاقة بينهما توتر كثيرًا في أخر ثلاث سنوات وهذا.. سيعقد الأمور أكثر"
" لهذا كان السيد ستيفينز غاضبًا عندما علم بمجيئه؟"
" نعم "
رفع اللورد رأسه وإتكأ على قبضتيه وهو ينظر أمامه. نظرت إليه لبرهه قبل أن أقول:
" سيدي اللورد تعلم أنني لن أصمت، وسيكون أول شيء أفعله صباح الغد هو إخبار هاري الضابط في البحرية والسيد والانس إبن المفتش الأعلى في سكوتلنديار عن كل ما أعرفه. ولا يهمني إن لم يصدقوني أو إن أنكرت أنت كلامي فمصيرهم أن يعرفوا. بل يجب أن يعرفوا فورًا. فلا أدري ماذا قد يفعل السيد ستيفينز "
أخر جمله قلتها بصوت خافت وقد تذكرت ما حصل اليوم. إلتفت اللورد ناحيتي ورأى ملامحي ليسأل:
" ما الأمر؟ "
" .... سيدي فلنقل فقط أنني أشك كونه يعلم أنني اعلم بشأنه "
عقد حاجبيه معاً ثم هز رأسه متفهمًا وقد بدا أنه يفكر.
ساد صمتن بيننا لدقائق عدة غرق فيها كلانا في افكاره، ليقطع اللورد كل ذلك عندما قال فجأة وقد حول بصره إلي:
" أنا أسف أنسة إزابيل ... لجعلكِ .. تمرين بكل هذا "
نبرته كانت هادئة ونادمة أيضًا عكس كل ذلك التوتر الذي كان قبل دقائق. لكنني هززتُ رأسي قائلة:
" أنا من أدخل نفسي فيه. فلا تعتذر سيدي اللورد، أرغب فقط في أن ينتهي كل هذا على خير.. بطريقة ما "
إتبسم اللورد، إبتسامة ملأها الحزن، ليقول:
" أنتِ حقًا فتاة متهورة. تتدخلين فيما لا يعنيك، وتفرضين رأيك في كل شيء وتدخلين نفسك في خطر دائمًا.
لكنك أيضًا ذكية ، سريعة الملاحظة وطيبة وقد تفعلين أي شيء من أجل الأخرين "
إبتلعت غصة في حلقي وأنا أستمع لما يقوله.
كان ينظر إلي من مكانه، إلى عيني مباشرة ولم أستطع للحظة إبعاد عيني عنه.
2
إن الموقف لا يسمح، والوقت والمكان كذلك وكل ما مر بنا خلال الساعة الماضية. لكن مع ذلك أجد أن قلبي قرر أن يتسارع بنفسه مع كل كلمة ينطق بها اللورد.
3
" أظن أنه هذا ما جعلني أهتم بكِ، وإهتمامي بكِ هو ما جعلني أخالف ستيفينز قليلًا لا أخفي أنني كنتُ مستسلمًا لوقت طويل ولم أدري ماذا أفعل بشأن كل ذلك الجنون.
لكن ومع إدراكي لما أحمله من مشاعر لكِ. وجدتُ نفسي أرغب في قضاء وقت إضافي معكِ.. حتى ولو كان على حساب إغضاب ستيفينز "
25
أوه أرجوك أيها اللورد. ألا تذكر ما الذي كنا نتحدث عنه قبل قليل؟ شقيقك يريد قتلك؟ حياتك في خطر؟ لماذا تريد الأن أن تدخل حياتي أيضًا في خطر .!
11
كدت أن أربت على صدري عل قلبي يهدأ قليلًا، بينما أخيرًا أبعدتُ نظري عنه.
أطبقت على شفتي معًا حتى أمنع أي تعليق من أن يخرج، لكن ذلك جذب إنتباه من يجلس بقربي.
قرأت عن هذا كثيرًا ن قبل، في الكثير من القصص والروايات، عندما تصل ذروة المشاعر إلى أعلاها. عندما يهمس البطل بحبه للبطلة.
قرأت عن تسارع نبضات القلب، قرأت عن تلك الحمرة التي تكسو الوجوه. قرأت عن تلك النظرات التي تجول في الأرجاء. وقرأت عن ما يحدث بعد ذلك.
14
لكنني لم أكن مستعدة له !
مع إقترابه مني نهضت وقلت بسرعة تُظهر توتري وخجلي:
" أظن .. أظن أن علي العودة الأن. لقد تأخر الوقت"
51
لم يخفي اللورد خيبه أمله لكنه مع ذلك نهض قائلاً:
" نعم أظن ذلك . "
صمت مربك لثوانٍ قلت بعده:
" غدًا سنخبرهم بكل شيء وستصارح ستيفينز بكل شيء "
" نعم .. نعم أعدك سـ .. سنرى في ذلك "
10
لم تكن الإجابة التي أريد لكن لم يكن لدي طاقة لأجادله وقد رغبت فقط في الهرب من المكان الأن، فهززت رأسي فقط وأسرعت ناحية الباب. قال وهو يسير خلفي:
" سأوصلك إلى غرفتك "
فرفضت بسرعة: " كلا! أستطيع الذهاب بنفسي "
ملأ وجهه بعض الندم حينما قال:
" حسنًا لا بأس، أراكِ غدًا وأنا أسف "
لم أرد عليه وفتحت الباب لأخرج من فوري.
44
...
لم تهدأ نبضات قلبي طوال طريق العودة. أخذت أربت على الجهة اليسرى من صدري وأنا اهمس:
" توقف، توقف أيها الغبي.
ألم نتقف أنني لن أفكر في الحب وغيره حتى أحقق احلامي؟
فلماذا الأن أيها الغبي "
16
لكن قلبي رفض أن ينصاع لي. أخرجت نفسًا متنهدة وأنا حاول نسيان كل ما حصل إن كنتُ أريد أن أنام في هذه الليلة الغريبة.
كنتُ قد ذهبت إلى الحمام قبل أن أعود إلى الجناح الذي يحوي غرف الفتيات، وبينما كنتُ أجفف يدي بطرف الروب فوجئت بباب غرفتي وإليزابيث يُفتح فجأة.
ظننتها إليزابيث وقد إستيقظت لتجدني غير موجودة، لكنها كانت باتريكا.
بإستغراب إقتربت منها ففوجئت هي للحظة ثم قالت:
" أنسة إزابيل أنتِ هنا. لقد قلقت عندما دخلت ولم أجدكِ "
" أسفة كنتُ في الحمام، لكن لم أنتِ هنا؟ "
24
" لقد أتيت لأجلب بعض الأغطية الإضافية كنتُ قد نسيت جلبها. فالليل بدأ يصبح أكثر برودة "
" هذا صحيح لقد لاحظت ذلك، شكرًا لكِ وليلة سعيدة "
" ليلة سعيدة لكِ أيضًا أنستي "
18
همست بها بينما تجاوزتها لأذهب ناحية الباب قبل أن يُغَطي فمي وأنفي فجأة منديل إمتلأ بسائل له رائحة غريبة، ويد أحاطت بي لتحكم إمساكي حتى لا أقاوم وأتحرك.
77
أخذت أحاول الصراخ والتحدث لكن المنديل منعني لأتنشق الكثير مما فيه من غير هدى مني ويبدأ تأثيره بالسيطرة علي.
3
ببطء بدأ جسدي يرتخي بين يدي باتريكا، لم أعد أستطيع المقاومة فأرخت من يدها التي من حولي.
بدأت عيناي تصبحان ثقيلتين ولم أعد استطيع تحريك أطرافي.
15
وقبل أن أغرق في ظلام دامس رأيته.. وقف أمامي بإبتسامة راضية. ليقول بهمس:
" يجب أن تختفي قبل أن تخبري أي أحد أيتها الفتاة الغبية "
40
أردتُ إخباره أنه هو الغبي، وأن الأوان قد فات، وأن غداً سينكشف كل شيء وأن إرنست أخي لن يتركه وشأنه إن فعل أي شيء لي.
5
لكنني لم أستطع قول كل ذلك إذ غبت عن الوعي على الفور.
...
3
▫حقائق فيكتورية:
بالتأكيد نحن نعلم أن الملابس
الوردية والزرقاء تفرق بين الجنس
في الأطفال -كما هو معتاد على
الأقل- لكن في العصر الفيكتوري
كِلا الجنسين من الأطفال يرتديان
ثياب مزركشة وبيضاء
4
حتى يصلوا إلى سن دخول المدرسة.
وكلما كانت الأسرة غنية أكثر، كَثُرت
الزركشة من أزرار وشرائط وغيرها.
كِلا الجنسين ( أولاد وبنات ) يلبسون
هذه الثياب. (ثوب بمعنى فستان).▫
----------
الانتقال إلى الفصل التالي