رواية تأثير الفراشة (The Butterfly Effect) الفصل الثالث

 



(3) فيلوكاليا


فيلوكاليا (philocaly): محبة الجمال والحُسْن.

----------


رفعت رايلي قدميها فوق الجزء الخشبي من السرير، سمعت ثلاث طرقات متتالية على الباب لتجيب "ادخل."

"رايلي، عزيزتي.. هل أنت بخير؟"

أومأت وهي تتأمل التجاعيد في وجه والدها العجوز، لم تستطع إخباره بكم حطم قلبها معرفتها أنه هو أيضاً، كالعالم بأكمله،  لا يراها كآفروديت!1

"هل قال أوستن أي شيء لك؟ هل آذاكِ؟"

كانت تريد إخباره أنه ليس على الأمر أن ينتهي بهذه الطريقة، بقدر ما تحب وتقدر هي الميثولوجيا الإغريقية.. إلا أنها كانت ترى أن بعض التغيير فيها قد يكون لصالح الجميع .

"ﻻ، أنا فقط.. ﻻ أظن أنه مناسب لي أبي "

أومأ والدها ولم ينطق بأي شيء، لكنها استطاعت رؤية ما يريد قوله في عينيه، لم يكن عليه التحدث حتى.. كل شيء كان مكتوباً بوضوح.

(لن تجدي مجدداً شاباً وسيماً ولطيفاً مثل أوستن، ستبقين غارقة في الرثاء لنفسك بقية حياتك لو لم تقبلي بأحد الشبان الذين أحضرهم لكِ، حتى أختكِ الصغرى وجدت شخصاً ما!)

"هل أخبره بهذا إذاً؟" سأل والدها بلطف لتومئ، لا.. هو لا يفعل هذا ﻷجلها، إنه لا يحضر لها أمثال هيفستوس واحداً بعد آخر لأنه استشعر وحدتها.

إنه يفعله ﻷنه زيوس الدبلوماسي! عليه أن يعاملها بشكل جيد برغم أنه يعاقبها يومياً بسبب ما لا ذنب لها به، لكن عليه أن يلتزم بشدة بالقوانين.. وابنته والدميمة، لقد خرقت كل القوانين بالفعل، ستة وعشرون عاماً بدون علاقة واحدة، أو حتى بوادر إعجاب !

ما لا ذنب لها به؟ هذه ليست عبارةً صحيحةً تماماً، ربما جسدها الممتلئ هو ذنبها بعض الشيء.. ﻻ أحد سيقاوم لوح شوكولاتة أو بعض كرات الجبن! على الأقل هي لن تفعل !

"ربما علينا أن نبحث عن شخص.. تستطيعين التوافق معه؟"1

أخبرته بداخلها أن يتوقف، ليس عليه أن يقضي نصف يومه باحثاً عن شاب مناسبٍ لها.. فقط ﻷنها لم تخرج في موعد واحد مسبقاً وقد بلغت السادسة والعشرين بالفعل .

كانت ترى أختها التي دخلت السابعة عشر منذ أسبوعين تواعد شاباً ما.. أخيها الأكبر متزوج بالفعل ولديه طفلة رائعة، وهي فقط عالقة هناك، كورقة هزيلة على شجرة عارية..

أبيها كان دائما يظن أنها تشعر بالوحدة، لذا بقي يحضر لها شاباً بعد آخر.. ظناً منه أنه يساعدها بهذا الشكل، وبدون أن يعرف أنه يحطم ما تبقى لديها من كبرياء.. ولا يساعد سوى نفسه لتجنب شعوره باختلاف ابنته عن الجميع، وتجنب سؤال (ألم تجد رايلي الشخص المناسب بعد؟)

"أنا بخير كما أنا" قالت بصوت منخفض، ولكنها واقعاً أرادت أن تصرخ بها، وهذا كان كافياً ﻷبيها ليفهم أخيراً ما تريده ويخرج من الغرفة مطرقاً برأسه، وكأنه يخجل حتى من وجودها.1

فور أن خرج أغمضت عينيها لتسمح لدمعة معلقة بالنزول أخيراً.. مسحت عيناها ببطء ووقفت عن السرير، لتجلس أمام البيانو الصغير الشبيه بألعاب الأطفال.. والذي امتلكته منذ كانت في العاشرة.7

لم يكن عزفها بهذه الجودة لكنه كان مقبولاً.. كافياً لها على الأقل لتفكر بشيء آخر غير نظرات والدها وعيون الجميع المعلقة عليها طوال الوقت وأصوات انتقادهم الرتيبة بداخل رأسها.1

لكن لم يكن كافياً هذه المرة.. وعرفت ما تريد فعله.

وقفت بخطوات خفيفة واتجهت للمرآة، ولو لم يكن جسدها ممتلئاً إلى هذا الحد.. ﻷخطأتها للاعبة جمباز.

بنفس الحركات الراقصة، والتي تناسقت تماماً مع ما بداخلها.. أمسكت بعلب مساحيق التجميل التي خبأتها في أحد الأدراج المغلقة بقفل.

كان ذلك الدرج مغلقاً لتتجنب السخرية، لماذا قد يشتري شخص بمقدار جمالها المنخفض إلى حد مؤسف هذا الكم من مساحيق التجميل باهظة الثمن؟ أليست مضيعة للدولارات؟ 2

فبعد كل شيء، الحروق على جسدها والباوندات الزائدة لا يمكن إخفاؤها أبداً بهذا الشكل.1

جلست أمام المرآة الطويلة وبدأت تلون وجهها بالمساحيق، انتهت وقد زخرفت الحروق التي امتدت من عنقها إلى خدها الأيسر.. أجل، لقد زخرفتها بدلاً من محاولة إخفائها!4

ابتسمت لتخرج أسنانها من بين شفتيها المطليتان بالأحمر، لقد كانت تغسل أسنانها كثيراً.. لكن لونها لم يكن أبيضاً مثل (ابتسامات هوليوود)، لقد كان لوناً عاجياً طبيعياً جداً.1

وبالطبع هذا اللون العاجي سيميل للاصفرار عندما تضع أحمر شفاه فاقع إلى هذه الدرجة، لكنها لا تهتم! من الطبيعي أن تكون الأسنان عاجية! ولون أسنانها في الواقع هو أقل مشاكلها. 

أمسكت بالقلم الأسود تضع اللمسات الأخيرة حول عينيها، لقد كان اللون الأسود مبالغاً فيه لدرجة أنه يكاد يلامس خديها، لكنه أعجبها على أي حال.. ولا يوجد شخص هنا ليحكم عليها.

وحتى تلك الأصوات دائمة التقريع بداخل رأسها، لقد خمدت تماماً.. شيء ما اشتعل بداخلها وأضاء المكان، ما جعل الأصوات التي تسكن الظلام تهرب. 2

وضعت العدستين الملونتين الرقيقتين في عينيها لتصبحا مائلتين للون بحري، لطالما تمنت لوناً بحرياً أو أزرق. او على اقل تقدير عسلي! لكنها كانت تمتلك عينان بنيتان قاتمتان جداً على عكس والديها وأخوتها ذوي العيون الكريستالية الرمادية والخضراء!3

دخلت ابنة أخيها إلى غرفتها بدون أن تطرق الباب، والتفت رايلي لها بفزع.. وعندها صرخت الفتاة! وعاد الظلام ليملأ رأس رايلي.. لم تعد آفروديت. 4

حاولت إخفاء وجهها بيديها، لأنها تعرف كم السخرية التي ستتلقاها! لكنها كانت مصدومة عندما أدركت ان ليلي -الطفلة- لم تكن تصرخ فقط.. لقد كانت تقول (مهرج)13

مهرج، أجل.. هذا كل ما كانت عليه بنظر الجميع عندما تضع مساحيق التجميل! مهرج، متصنعة، تحاول جذب الرجال، باحثة عن الانتباه.. أياً كان.

وإذا لم تضعها؟ إذاً هي بشعة، قبيحة، تفتقر للأنوثة، وأيضاً باحثة عن الانتباه!7

من الغريب أن الشيء الوحيد الذي لطالما هربت رايلي منه في الواقع، كان الانتباه. 

دخل أخيها إلى الغرفة لاحقاً بطفلته عندما سمع صراخها، وفور أن رأته رايلي اندفعت إلى الحمام بسرعة وأغلقت الباب قبل أن يراها.1

بقيت ليلي تصرخ بكلمة مهرج وتشير على الحمام حيث تجلس رايلي خلف الباب وتضم ساقيها إلى جسدها، جوردن -أخيها- لم يفهم ما يحدث، لذا طلب من ابنته أن تهدأ وتخبره بما حدث.

ليلي تخاف المهرجين، لهذا كانت تصرخ بهستيريا.. شرحت ليلي لوالدها ما رأته وكيف أن العمة رايلي تحولت إلى مهرج دميم الوجه، وهذا كان كافياً ليفهم جوردن.

عرف أن أخته كانت فقط تحاول وضع مساحيق التجميل، لكنها سيئة جداً في هذا.. أحمر شفاه فاقع، كحل أسود مبالغ فيه وزخارف غريبة في كل مكان على وجهها وذراعيها!4

"ليلي، هذا وقح"

 قال جوردن لابنته بحاجبين معقودين لتعبس الفتاة لأن والدها لا يصدقها، وبدأت تقسم له أن رايلي أصبحت مهرجاً.

تجاهلها جوردن واقترب من الحمام ثم طرق الباب لبضع مرات.. ولم ينتظر إجابة من رايلي.

"عزيزتي؟ هل انتِ بخير؟" 1

سألها بقلق لتسحب نفساً عميقاً من أنفها محاولة جعل صوتها يبدو طبيعياً ثم تجيب هامسة "أجل"

"آسف، إنها فقط طفلة، وتخشى المهرجين"

لم تجبه رايلي، الأطفال والثملون هم أكثر صراحة من الجميع،  لهذا علاقتها بجوردن سيئة، لأنه كان ثملاً ذات مرة وقال كل ما لديه بصراحة.8

قال أن خطيبته -وزوجته حالياً- كانت قلقة من مظهر رايلي البشع! الأمر جيني، لذا إذا كانت ستتزوج جوردن، هل سيصبح أبناؤهما بنفس البشاعة؟3

أجل، آنا -زوجة جوردن- كانت تمزح فقط، مزحة لطيفة عن رايلي البشعة لن تضر أي شخص، أليس كذلك؟1

الآن، بعد ميلاد ليلي، المزحة لم تتحقق، ليلي أصبحت جميلة تماماً كوالديها.. كانت تبدو كأميرة بشعرها الأشقر الطويل وعينيها الزرقاوين الواسعتين.. وغمازتيها وتلك الحمرة التي تعتلي خديها دائماً.3

هنيئاً لآنا وجوردن، ابنتهما ليست دميمة مثل رايلي! الجالسة على أرضية الحمام الباردة تحاول التقاط أنفاسها وما تبقى من كرامتها. 1

خرجت رايلي من الحمام أخيراً بعد أن غسلت وجهها بقوة لتزيل كل شيء من عليه، ولقد زالت المساحيق تاركة خدوشاً صغيرة على بشرتها لقوة الفرك.. لكن رايلي لم تهتم، الأصوات المؤنبة بداخل رأسها كانت أعلى من أن تسمح لها بالاهتمام بشيء آخر. 

مسحت الماء عن وجهها بكميها، وجلست في غرفتها، جوردن وليلي قد خرجا بالطبع منذ فترة غير مهتمين بتأثير كلماتهما عليها، لقد ظنا أنها كانت أكثر من اللازم.. في انفعالاتها، في ردود أفعالها، في كل شيء!

"رايلي، الغداء!"

نادتها والدتها بصوت مرتفع، وأجابت رايلي بنفس الصوت المرتفع "لست جائعة!"

"رايلي! انزلي إلى هنا الآن وإلا صعدت أنا!"

الوجبات كانت شيئاً مقدساً لدى والدتها، يمكنها أن تغفر لك خطيئة القتل.. لكن تفويت وجبة مع العائلة لا يغتفر!4

نزلت رايلي مستسلمة لأنها إذا لم تفعل ستصعد والدتها وترغمها على النزول! سافانا أيضاً خرجت من غرفتها وهي تراسل شخصاً ما على هاتفها وتبتسم بينما تلف خصلة من شعرها الناعم حول سبابتها.1

اصطفوا على الطاولة بسرعة قياسية، ليلي بين آنا وجوردن على أحد جانبي الطاولة، سافانا ورايلي متجاورتين على الجانب الآخر، ووالديها عند الطرفين.1

بدأت تأكل بهدوء وانتبهت أن سافانا تحدق بالطعام بعدم استحسان ثم أخذت تحركه بالشوكة دون أن تأكل.

"ما المشكلة سافانا؟" سألت والدتها، لتقول سافانا مشيرة على طبق البطاطا المهروسة باللحم أمامها "لا اريد تناول هذا، هناك مباراة مهمة الأحد القادم، وعلي أن أبدو بمظهر جيد"2

اتجهت سافانا للثلاجة وأخرجت تفاحة من هناك ثم سألت إذا كان أي شخص يريد شيئاً، وعينيها على رايلي.

"رايلي، هل اجلب لكِ تفاحة معي؟"

سألت سافانا لتهز رايلي رأسها بالرفض مستغربة.. رفعت كتفيها بعدم اهتمام وعادت للجلوس في كرسيها وأكل التفاحة وفي يدها الأخرى تفاحة ثانية.

"لو كنت مكانكِ لفكرت مرتين قبل أكل هذا" همست سافانا لرايلي وهي تشير على طبق اللحم، للحظة الأولى لم تفهم رايلي ما تقصده، لكن عندما نظرت لعيني سافانا المركزتان على جسدها، فهمَت.6

بالطبع، جسد رايلي الممتلئ نسبياً كان ضخماً بالنسبة لسافانا، المشجعة النحيلة، والتي تعد السعرات لكل لقمة تتناولها، كانت تقول هذا كنصيحة أخوية لا أكثر.. لكن نصيحتها الأخوية كانت جارحة إلى درجة جعلت رايلي غير قادرة على أكل وجبتها المفضلة بسبب توقف الدموع في حلقها.6

سافانا ظنت أنها استمعت لنصيحتها، لذا ابتسمت بسعادة ومدت لها التفاحة الأخرى.

لم تستطع رايلي إفساد سعادة أختها، فبادلتها الابتسامة وأخذت التفاحة منها وهي تجبر نفسها على قضمها.. اللعنة، تريد أن تبكي.3

"مامي، رايلي كانت تبدو كمهرج اليوم! لقد ظننت أنها تحولت لواحد!"1

تحدثت ليلي محاولة إحياء الوجبة الصامتة بعض الشيء، وبالطبع.. ما هو أفضل شيء مضحك للتحدث بشأنه؟

رايلي! المهرج!4

"عزيزتي، أخبرتك بأن هذا وقح!" قال جوردن بتأنيب لتهز رايلي رأسها للجانبين وتقول بنفس الابتسامة البلاستيكية "لا بأس، إنها طفلة فقط"1

لا أحد منهم كان يعرف أن ابتسامتها مصطنعة، لأنهم لا يعرفون ابتسامتها الحقيقية أصلاً.. تلك الابتسامة التي لا تخرج إلا أمام مرآة غرفتها، حيث تبدو الجهة اليسرى من فمها أكبر قليلاً من الجهة اليمنى، وتظهر تعرجات أسنانها بوضوح.

"إذاً بدأتِ حمية مع سافانا عزيزتي؟ هذا جيد! سنخرج اليوم لنشتري الملابس لتشجيعك!" قالت والدتها بحماس، لم تكن والدتها تنوي سوءاً.. لكن في المرحلة التي وصلت لها رايلي، كل شيء كان يؤذيها، حتى المزحات الصغيرة التي يطلقونها عندما تضيق ملابسها عليها!13

وقفت عن الطاولة وقالت محاولة أن تبدو طبيعية قدر الإمكان "سأخرج لتنشق بعض الهواء.. وربما أذهب إلى متجر مجاور أو شيء ما.. هل أحضر أي شيء معي؟"

حصلت على "لا، شكراً" متفرقة من الجميع.. باستثناء ليلي بالطبع.. التي بدأت تسرد قائمة بالحلويات التي تريدها، وأسكتتها آنا بكلمة "لا حلوى قبل ان تنهي الخضروات"

مما يعني، لا حلوى أبداً.. لأن الجميع يعرف أن ليلي لا تنهي الخضروات مطلقاً!

خرجت رايلي من المنزل بعد أن وضعت هاتفها ومجموعة من الدولارات في جيبها، ثم اتجهت إلى الصيدلية وهي تتمسك بورقة كتب عليها اسم الدواء الذي استقرت عليه بعد بحث دام الصباح بطوله.


...


فتح درو خزانة الأدوية التي كانت خلف مرآة الحمام باستعجال، باحثاً عن علبة أخرى من الدواء الذي أنهاه للتو.

مسكنات، أقراص كافيين، فيتامينات، أقراص كالسيوم، أقراص فوارة.. ولا توجد علبة ليفودوبا واحدة.1

لعن بصوت مرتفع وصفع الباب لتتشقق المرآة الملتصقة به بدون إصدار صوت، كما كان يتصدع.. تدريجياً، وبلا ضجيج. 1

 زفر وأبعد عينيه عن المرآة التي عكست صورته مرتين بسبب الشق الذي توسطها، ثم التقط محفظته وهاتفه بيد مرتجفة ووضعهما في جيبه.

كان يفكر بالانتحار، يفكر جدياً بإلقاء نفسه من النافذة ليصل إلى الأسفل كجثة بدلاً من نزول درجات السلم.. لكنه منع نفسه لأنه يعرف أن هذه هي الآثار الجانبية للدواء ونوعاً ما لمرضه، إنه مكتئب إلى حد مرعب.3

وصل إلى الصيدلية ليجد فتاة بخصلات بنية تقف أمام الصيدلاني ومن الواضح أنهما يتجادلان بشأن شيء ما.

وكالشخص الفضولي الذي هو عليه، اقترب منهما لكي يسمع ما يقولانه.. ما فهمه أن الفتاة تريد علاجاً ما، والصيدلاني يرفض إعطائها إياه!

"سيدتي، يجب أن تكون لديكِ وصفة طبية!"

قال الصيدلاني بيأس محاولاً ردعها عن توسلاتها المستمرة لكن الفتاة هزت رأسها رافضة.. وقالت بإصرار في محاولة أخيرة لترشوه "سأدفع ضعف السعر، فقط أعطني إياه"

كان يريد أن يسألها ما هو هذا الدواء الذي تريده بشدة، وبدون وصفة طبية! لكنه بالكاد منع نفسه.. عليه فعلاً أن يضع حدوداً لفضوله.1

هل هو مخدر من نوع ما؟ لكنها لا تبدو كمدمنة مخدرات! أعني.. مدمني المخدرات عادة نحيلين جداً لأنهم فاقدي الشهية، أليس كذلك؟

فكرته الكرتونية عن مدمني المخدرات هي رجل نحيل لدرجة مخيفة ويمسك دائماً سيجارة بين شفتيه، ولديه هالات سوداء قاتمة تحت عينيه، وشعر دهني أسود طويل، وهذه الفتاة كانت تبدو.. أكثر صحية من جميع من يعرفهم!

"ليفودوبا"

 قال درو للصيدلاني، لا يحتاج ليريه الوصفة الطبية أو أي شيء، بغض النظر عن ارتجاف يده الواضح والذي يقول أنه مريض باركنسون في مرحلة متقدمة بالفعل.. لقد كان زبوناً دائم التردد على هذا المكان، لذلك فالصيدلاني يعرفه جيداً.

ابتعدت الفتاة لخطوتين عن درو ونظرها للأسفل مما جعله يلتفت لها، لاحظ علامات البكاء على وجهها العابس.. فتسائل إذا كان الصيدلاني قد قال شيئاً وقحاً إلى هذا الحد.

إنه يعرف هذا الرجل من فترة طويلة لأنه يقيم بالجوار، وهو ليس أكثر شخص مهذب في العالم! لكن وقاحته لم تصل يوماً إلى الحد الذي يجعل سيدة تبكي!

"آنستي، هل انتِ بخير؟"

سأل بصوت خافت لتمسح عينيها ورأسها لا يزال منخفضاً للأسفل، لم ترد رفعه لأنها تعرف أنه إذا رأى وجهها سيعتبرها بشعة ولن يأبه إذا كانت بخير أو لا! 

الغرباء لن يهتموا بأمرك إلا إذا كنت جميلاً أو على وشك الموت، وحسناً، أياً من هذين الصفتين لم يكونا متوفرتين في رايلي. 

أدخل درو يده المرتجفة إلى جيبه باحثاً عن منديل، هو ليس بهذا اللطف عادة.. لكن وبرغم حدة مزاجه إلا أن رؤية شخص يبكي أمامه يجعله لطيفاً. 4

ناولها المنديل لترفع رأسها لا إرادياً له، عندما فعلت، ظنت أنه سينزل المنديل.. أو سيناولها إياه ويرحل بسرعة وكأن ملامحها كانت مرضاً معدياً.

لكنه لا يزال ثابتاً، تعابيره لم تتغير، ولا يزال ممسكاً بالمنديل.. وكأنه حتى لم يرَ وجهها، حتى أنها اشتبهت في فقدانه للبصر. 

أخذت المنديل من يده ومسحت عينيها ليبتسم لها بلطف ثم يلتفت للصيدلاني مجدداً، ناوله الصيدلاني علبة الليفودوبا في كيس أبيض ليومئ بشكر.

أخذها منه والتفت مجدداً لرايلي، كانت ساذجة جداً لدرجة أنها ظنت أنه يريد استعادة منديله مجدداً! ليس وكأنه منديل قماشي مطرز.. إنه فقط منديل ورقي من ذلك النوع الذي تشتري علبة كاملة منه بخمسة وعشرين سنتاً! ولقد أصبح الآن مبللاً بالكامل بدموعها. 

مدت له المنديل المبلل لتتحول ابتسامته لضحكة مكتومة ويقول برفق "يمكنكِ الاحتفاظ به"

أدركت مدى غباء ما فعلته وقبضت على المنديل، لم تلاحظ ارتجاف يديه أو الدواء الذي طلبه.. كانت منشغلة جداً بدموعها لتلاحظ.

وكأن شعورها بالدونية لوجود جسدها القصير والممتلئ بجانب جسد درو الطويل والنحيل لم يكن كافياً، كان عليها أن تحرج نفسها بإعادة منديل مستعمل له!7

قررت التوقف عن إحراج نفسها، وخرجت بسرعة من الصيدلية بدون أن تنتبه لسقوط الورقة من قبضتها التي ارتخت لا إرادياً.

كاد درو يستوقفها بعد أن رأى الورقة على الأرض، لذا التقط الورقة وعندما رفع رأسه ليناديها.. لم تكن موجودة.

أراد أن يلحق بها للخارج ويعطيها إياها، لكنه قرر أن يلقي لمحة صغيرة، صغيرة جداً! ليعرف ما إذا كانت الورقة مهمة إلى هذا الحد وعليه إعادتها أم لا.

أو ربما هو فقط فضولي، ولقد أخبر نفسه بأنه يستحق مكافأة لأنه كبح فضوله إلى هذه المرحلة.

"الشخص القادم الذي يمسك بهذا الكمان.. كن شاكراً وسعيداً لأنك لست أنا"

سرت رجفة خفيفة في جسده عندما رأى خطه مكتوباً على ورقة سقطت من يد امرأة غريبة!!

 هذا هو خطه، إنه متأكد بنسبة مئتين في المئة! الخط الرديء المرتجف.. والعبارة ذاتها التي كتبها عندما كسر ذلك الكمان. 

أدار الورقة للجهة الأخرى بسبب الفضول، ووجد اسم أحد أدوية إنقاص الوزن قد كتب عليها.

تلك الأدوية التي تعدك بأن تأكل ما تريد وتنقص وزنك! لينتهي بك الأمر بكيمياء دماغ وجسد مختلة.9

لا يعرف لماذا شعر بنوبة غضب تسري في جسده، كيف لها أن تكون جاحدة إلى هذا الحد! لديها صحة مثالية تتضح في لمعان عينيها، في ثبات جسدها، في وقوفها وقدرتها على التفاوض مع الصيدلاني لساعات بدون أن تكل! وهي ستلقي بها عرض الحائط فقط لتنقص بضع كيلوجرامات زائدة؟

كان ساخطاً، وجزء منه تمنى لو تحصل هي على مرض الباركينسون! إنها لا تريد صحتها على أي حال! أما هو.. قد يتخلى عن جسده ووجهه المثاليين تماماً، فقط ليصبح هي! ويمسك بآلة في يديه، بدون ارتجاف.. 1

لقد كان هذا هو أكثر أحلامه جموحاً، أكثر جموحاً حتى من نعته لنفسه بآبولو.. لقد أراد بشدة أن يكون بخير!2

بعد أن تعامل مع مشاعره المبالغ فيها بسبب أدويته، قرر أن عليه إعادة الورقة لها.. صحيح إنها ورقته في الاساس، وإن ما كتب فيها غير مهم لها، إلا أنه من الوقاحة أن يحتفظ بها.

خرج خلفها من الصيدلية وتلفت حوله، ليراها تسير ببطء.. ترتدي معطفاً أسود يخفي تفاصيل جسدها، وتضع يديها في جيبيها.

سار بسرعة حتى أصبح أمامها، ورفعت رأسها له باستغراب لأنه قطع طريقها، وقد كانت لا تزال تحمل منديله في يدها.

هذه المرة، لم تكن عيناها مليئتين بالدموع لكي تحجب رؤيته عنها، ولم تكن تنظر للأسفل.

لقد نظرت نحو وجهه.. ورأت آبولو! الفتى الذي كان يحدثها بالأمس، في موقع تأثير الفراشات.

الفتى الذي بدا كآفروديت أكثر منها!4

"أبولو!"

----------


الانتقال إلى الفصل التالي