رواية تأثير الفراشة (The Butterfly Effect) الفصل الرابع
(4) أوبيا
أوبيا (Opia): القوة الغامضة للنظر في عيني شخص ما مباشرة، والتي يمكن أن تشعرك بالانتهاك والضعف (الخضوع) في الوقت ذاته.
----------
"أبولو!"
تبادلا النظرات للحظات صامته عندما هتفت بهذه الكلمة، تحاول آفروديت فيها أن تستكشف أي شيء من ملامحه الأخاذة، تستكشف ما إذا كانت أخطأت الشخص أم أنه هو نفسه. 1
لكن كل ما حصلت عليه هو نفس نظرات الاستفهام التي تطل من عينيه.
"عفواً؟" سألها باستغراب ممزوج بالدهشة، لم تعتقد للحظة أن دهشته كانت بسبب أن غريبة ما عرفت أكثر عقده خصوصية، التي لا يعرفها سوى المقربين من أصدقاءه في المصح، ووالدته.. 8
ذات الغريبة تحديداً التي وجد معها ورقته الصغيرة..
لقد بدت له كالقدر .
اعتقدت كالمعتاد أن ذلك الفتى الجميل أمامها هو فقط يستنكر أن فتاة بشعة تتحدث معه وكأنها تعرفه! لم تنتبه أيضاً للرعشة الخفيفة في شفته السفلية المحمرة، والتي لم تدم لأكثر من لحظة! كل ما رأته هو عينيه الواسعتين بلون أزرق غامق بالكاد تستطيع تمييز الحدقة منه.. والخصلات الداكنة الشعثاء والناعمة في الوقت ذاته حول وجهه، مع أنفه المستقيم الذي جعله يبدو كمنحوتة .
"آسفة، شكراً لك" تمتمت بسرعة وهي تدخل الورقة في جيبها، وعندما رفعت رأسها مجدداً لتسير.. كان لا يزال هناك !
يقف في طريقها.. بعينين مثبتتين في عينيها، وكأنه يحاول أن يحفر بنظرته حتى يصل إلى روحها.. وللحظة، شعرت كما لو كانت عارية أمامه، ظنت أنه نجح .
نظرته كانت ثابتة إلى حد مقلق، وكأن الازدحام حوله لم يكن موجوداً، وكأن برودة الطقس لا تؤثر فيه أو تجعل جسده ينكمش على نفسه.. كان فقط يحدق، بهدوء .
"أنتِ مثلي، أليس كذلك؟" سألها بهمس منخفض أخيراً، ونفضت أفكارها عن رأسها لتبتسم بخفة ثم تقول مستفهمة "مثلك؟"
"أجل! أنتِ مثلي.. لقد عرفتِني عندما رأيتني، من أنت؟ آثينا؟ هيستيا؟ كاوس؟ جايا؟" 2
قبل أن يعطيها فرصة لتجيب، شهق فجأة بانبهار ثم سأل وهو يقترب منها ويميل رأسه للجانبين متفحصاً، كما لو كان يتأمل لوحة "لا تخبريني أنكِ حورية!"
"لا.. أنا فقط، رايلي" 8
هز رأسه للجانبين بقوة رافضاً تقبل هذا، كان يرى فيها شيئاً مختلفاً! لم يره في اللحظة الأولى التي قابلها بها ..
كانت مألوفة جداً، على الأرجح أنها الطريقة التي تتحدث بها، أو كيف تصل ابتسامتها إلى عيناها، أو أنها عرفت كل أسراره بطريقة غامضة !
شعر بتدفق الدماء إلى وجهة لشدة حماسه، كانت غريبة على عينيه.. لكنها كانت مألوفة، كما لو كانا قد عاشا معاً دهراً كاملاً من قبل.
يكاد يقسم أن هذه ليست المرة الأولى التي يرى فيها هاتين العينين! 1
"أنا أعرف أنكِ مختلفة" 1
حتى لو كان درو (مهووساً) كما يطلق الجميع عليه.. إلا أنه يعرف متى عليه وضع حدود لهوسه، أراد أن يتمسك بها ويجبرها لتتحدث وتخبره عن هويتها! لكن عليه أن يلتزم بالقوانين وإلا سيضطر لقضاء بضعة ليالٍ باردة ومزعجة في الحجز إذا اتصلت بالشرطة.
لهذا، بعد أن قال جملته بصوت منخفض.. استدار ليعود إلى مسكنه، وهو يتوسل بداخله لكي تتحدث! لقد قضى أربعة وعشرين عاماً وحده سابقاً، بدون رفيق يعرف هويته الفعلية، أو على الأقل يؤمن بها، لهذا كان يتمنى بداخله أن تخبره من هي!7
حتى لو كانت هيرا زوجة زيوس المجنونة، لا يهم! كل ما يريده هو رفيق! 4
لا يذكر أنه صلى بهذه الشدة في حياته، كما صلى في اللحظات التي أمضاها ملتفتاً عنها..
"أنا آفرودَيت" قالت بصوت منخفض ليلتفت لها مجدداً، وابتسامته العريضة تعود للتشكل على وجهه, إنها مثله! لقد كان يعرف!13
عندما رأت ابتسامته العريضة والسعادة الطفولية على وجهه، لم تمتلك سوى أن تبتسم هي أيضاً.. إنه الشخص الأول الذي يمتلك هذا النوع من ردود الفعل بعد أن تقول آفروديت! بلا سخرية على الإطلاق في عينيه. 2
عندما كانت في الثامنة وبدأت تقرأ عن الميثولوجيا، رأت صورة لتمثال آفروديت في متحف أثينا.. وبدون مبالغة، لقد وقعت في الحب!4
تعلقت بآفروديت بشكل غير متوقع، كأن هناك بينهما رابطة خفية، ظهرت فور أن عرفت رايلي بوجود آفرودَيت.. شيء لم يفهمه أي شخص على الإطلاق، حتى هي نفسها! كيف أُولعت بها بهذه الشدة، بدون أي مقدمات.. مجرد نظرة في عينيها، وكانت واقعة في الحب.
عندما أخبرت والدتها بهذا، ابتسمت ببساطة وأومأت بينما كانت تعد كعكة للتحلية.. لكن أخيها جوردن كان أكثر صراحة عندما سمع بهوس أخته الجديد، وأخبرها أنها تشبه ميدوسا أكثر من شبهها بآفروديت، إنها ببساطة بشعة جداً لتصبح آفروديت، أو حتى لتصبح نانسي، الصهباء الجميلة التي تعيش في المنزل المجاور، والتي كان جوردن معجباً بها في ذلك الوقت.14
لكن درو هنا، كان يبتسم وكأنه رأى أكثر شيء مثير للإعجاب في حياته.. وكأنه كان محظوظاً بأن شهد على ظاهرة كونية نادرة، كان هادئاً بشدة، حتى أنها شكت انه لا يتنفس.
ويمكنها فعلياً ان ترى توهج عينيه، لم يكن يسخر منها، كان بالفعل سعيداً، منبهراً، والأهم من هذا كله.. يصدقها.
"الأمر يبدو مضحكاً على الأرجح بسبب وجهي و.. كما ترى! أنا لست هي فعلاً.. هذا واضح! ما قصدته هو...." بدأت بتبرير لم يطلبه، ولم تخفت ابتسامته مطلقاً، بل هز رأسه للجانبين بهدوء.
"أنتِ هي." قاطعها ولا تزال الابتسامة على وجهه، وبعد التأمل في عينيه لفترة طويلة كفاية، اكتشفت أن حدقتيه متوسعتين جداً. 3
"لن يروا هذا، لكن أنتِ هي" 11
اختفت ابتسامته الآن، وأصبح يتحدث بجدية تامة.. بعد أن مرّر عينيه عليها بالكامل ثم ابتسم وقال وهو يمد يديه أمامه "أنا آبولو، لكن انظري إلي؟"
قلّ ارتجاف يده بنسبة كبيرة بما أنه كان يمدها أمامه ويشد عليها، لكنه لا يزال موجوداً بالقدر الكافي لتلاحظه إن ركزت.. مما جعلها تعقد حاجبيها باستغراب وتقول وهي تصافحه سريعاً "لا افهم؟"
"باركنسون، المرحلة الثانية" 9
أخبرها وابتسامته تخفت بينما يسحب يده من يدها برفق ويعيدها إلى جيب المعطف، لم تعرف ما عليها ان تقوله.. آسفة ؟ أتمنى أن تتحسن؟ كل شيء سيكون بخير؟
أيوجد حتى تحسن في هذا المرض؟
هذه كانت واحدة من مساوئ انعزالها الاجتماعي، الذي كان قسرياً في البداية بسبب مظهرها، ثم أصبح اختيارياً بعد هذا لأنها لم ترد التعامل مع توابعه! لم تكن تعرف ما عليها أن تقول في أي موقف.. لذا كانت تصمت ببساطة وتكتفي بالتحديق ببلاهة لاحظها درو. 1
"لا بأس، ليس عليكِ قول أي شيء" 2
أومأت ببطء وهي تشكر الرب بداخلها لأنه لم يضعها في موقف محرج ويضطرها للتحدث، لأنها ستحرج نفسها وتفسد الأمر فقط إذا فعلت! إن لم تكن قد أفسدته بالفعل.
انتبه آبولو أنه يقف في منتصف الرصيف ويعرقل السير عندما اصطدم شخص ما بكتفه، لم تكن هذه المرة الأولى التي يصطدم به شخص ما.. لكنه كان مأخوذاً جداً بها ليركز في محيطه. 3
عاد إلى الواقع اخيراً، وقال لها وعيناه تشعان بالمعنى الحرفي "لنذهب لشرب كوب قهوة؟ أريد أن أعرف المزيد"
"المزيد عن ماذا؟"
"عنكِ!" قال بطبيعية، وكانت هذه المرة الأولى التي تسمع فيها رايلي كلمة كهذه.. شخص ما يريد معرفة شيء عنها؟ عادة لا يرغب الناس في معرفة أي شيء بعدما يرون وجهها، هي قبيحة، هذا كل ما يحتاجون لمعرفته.1
كانت تعرف أنه لا يوجد شيء مثير للاهتمام بشأنها لتخبره به، وأنها في الواقع لا تعرف حتى كيف تتحدث عن نفسها، لأنها لم يسبق لها وأن فعلت.. لكنها ذهبت معه على أي حال.. لن يضر أي شخص أن تتأخر لساعة إضافية عن المنزل والصراعات الصغيرة هناك.
لم تكن مرتاحة للوجود معه كلما نظرت لملامح وجهه وركزت في مدى مثاليتها، ربما لأنها ظنت أنه بالداخل سيفكر مثلما فكر أوستن.. أنه جميل جداً ليسير مع شخص بمثل مظهرها الذي يقل عن المقبول كثيراً!
لكن برغم أن آبولو كان يتفوق على أوستن بالكثير (ظاهرياً)، إلا أنه كان ينظر نحوها بتوق شديد! حتى أنها شعرت للحظة كآفروديت تحت نظراته، ما جعلها تتبسم لتلك الفكرة. 6
لا تتذكر حتى أنها سبق لها أن شعرت كآفروديت منذ طفولتها، سوى مع أدوات تجميلها ومرآة غرفتها الكبيرة.
دخلا إلى المقهى المتواضع، وطلب آبولو كوباً من أكثر أنواع القهوة احتواء على السعرات الحرارية، وكاد يطلب لها مثله إلا أنها سبقته بقولها "قهوة أمريكية، خالية من السكر"
لم يفكر كثيراً في طلبها، لأنه كان يجهل كم تحب القهوة بملعقة سكر وثلاثة ملاعق كبيرة من الكريمة! لكنها لم ترد منه أن يعتقد أنها مجرد فتاة بدينة تأكل وتشرب أكثر من اللازم.. ثم من بحق الجحيم يشرب قهوة مع الكريمة المخفوقة! 4
أمسك درو بالكوبين فقط ثم خرج معها للخارج بعد أن دفع ثمن كوبه فقط، ودفعت هي لكوبها. 12
لم يجلسا على الطاولات في المقهى كالبقية، بل خرجا معاً وأخذا يمشيان على الرصيف بدون أن يتحدث أي منهما.. وبدون وجهة محددة! لا شيء كان مخطط له في لقائهما هذا، إلا أن درو كان لا يزال يستوعب ما حدث.
"أشعر وكأنني رأيتكِ سابقاً"
قال بهدوء وهو يضع يديه حول الكوب ملتمساً لبعض الدفء، وأرادت إخباره أنها آفروديت التي تحدثت معه في ذلك الموقع.. لكنها قالت سابقاً أنها تغطي وجهها بسبب شدة جمالها، ومن الواضح أن هذا غير صحيح الآن! وستبدو أمامه ككاذبة.
ولو استغرقت بضع لحظات فقط لتفكر، لأدركت أنه أخبرها أنه عازف ماهر.. وهو في الواقع يعاني من مرض يجعله شبه عاجز عن الكتابة بخط مقروء.. لقد كان كاذباً بقدرها تماماً.
"ما اسمكَ؟"
"آبولو، أخبرتكِ سابقاً" ابتسم بعد أن قال هذا، ابتسامة ذات مغزى.. وأدركت أنه عرفها واسترجع عينيها من أحداث الأمس، لذا حاولت تغيير الموضوع لتتجنب ما سيقوله بشأن شكلها (إذا كان لديه شيء لقوله).
"أعني اسمك الحقيقي؟"
"هذا هو اسمي الحقيقي، تقصدين ما ينادونني به؟" 4
أومأت مستغربة ليجيب بعدم اهتمام بينما أخذ رشفة أخرى من القهوة "درو"
"رايلي" 2
"آفروديت أفضل بكثير" قال بصراحة، ولم تعرف إذا كان هذا شيئاً جيداً أم سيئاً! لذا اكتفت بالابتسام للمرة الثانية بينما سارت بجواره على الرصيف.. إلى ما استنتجت لاحقاً أنه أحد الحدائق العامة.
"منذ متى أنتِ هنا؟" سألها بعد أن جلسا على كرسي خشبي بارد بشكل يدل على أن ﻻ أحد جلس عليه طوال اليوم، وقالت وهي تضم إحدى يديها على جذعها طلبا للدفء "تعني ديترويت؟ لقد انتقلنا منذ أن كنت طفلة لذا ﻻ أذكر متى تحديداً"5
هز رأسه نافياً بينما تعلو شفتيه ابتسامة بسيطة وقال "أعني متى ولدت؟"1
"إنها تسمى، كم عمرك؟" قالت وهي تحبس ضحكتها، من بحق الله يسأل عن العمر بهذا الشكل! ليرفع كتفيه ويجيب بينما ينفخ في يديه "مفهوم العمر قابل للجدال بشكل كبير إذا سألتني، لكن على أي حال.. كم عمرك؟"
كان من الواضح أن درو ﻻ يعرف القواعد الأساسية للتعامل مع أي فتاة! القاعدة الأولى.. ﻻ تسألها أبداً عن عمرها أو وزنها.8
"ستة وعشرين عاماً، ماذا عنك؟"
"عمري؟ أم متى جئت هنا؟" سألها لتبتسم بينما ترتشف القهوة ثم تقول "أليسا نفس الشيء؟"
"بالنسبة لي؟ ﻻ"
"حسنا، متى جئت هنا؟"
لم تكن لتجادله أكثر على أي حال، لكون من الواضح أن هذا الرجل إما تحت تأثير المخدرات أو جرعة قوية من الكحول.. أو أنه مجنون! 3
مجنون كان الوجود بصحبته ممتعاً بشدة، وبلا حواجز.
"منذ أربعة وعشرين عاماً"2
"وكم عمركَ؟"
لم تكن تسأله لتعرف الجواب بقدر ما كان سؤالاً للتحقق من صحته العقلية، ولقد أدرك هذا، إنها تحاول اختباره.. لكنه لم يحاول الكذب كما كان يكذب على طبيبه النفسي.. إنها مثله، وحتى وإن لم تتفهم جوابه الآن، فسيعطيها وقتها لتفهمه.
"سأخبركِ عندما أعرف"4
هذا الجواب كان كافياً لتدرك أنها تجلس بجانب مختلٍ ما، مختل لم تستطع منع فضولها من معرفة المزيد عنه..
"وكيف ستعرف ؟"
"عندما أعود"
"تعود إلى أين؟"
"الأساطير تقول أن مكاني فوق جبل الأوليبموس! لكنني أعرف أنه ليس هناك.. ﻻ يمكن أن يكون هذا"3
"هل تعتقد فعلاً أنك آبولو؟" سألته بنبرة تحمل بعض السخرية وعدم الفهم، ما جعله يدرك أن ما تقصده فعلاً هو (هل أنت مجنون؟)1
"أﻻ تعتقدين فعلاً أنك آفروديت؟"
ضيقت عينيها ﻷنها ظنت للحظة أنه يسخر منها كما سخرت منه، إﻻ أن نبرته كانت جادة تماماً ما استدعى منها إجابة بمثل جديته!
"بالطبع ﻻ! أعني.. انظر إلي!"
"أنا أنظر" قال بعدم فهم لتبعد القلنسوة عن رأسها مظهرة خصلات خشنة من الشعر جعلت مظهرها أكثر بعداً عن أي من مقاييس الجمال.. لكن يبدو وكأن آبولو لم يفهم بعد، لقد رأى شعرها سابقاً في الصيدلية.. وبقي يحدق به باستغراب منتظراً قفز أفعى فوقه من شعرها.5
عندما رأت عدم الفهم في عينيه، قالت بصوت مرتفع ليتنفض "أنا قبيحة، درو"1
"آبولو" صحح لها لتدير عينيها بملل وهي تسحب القلنسوة فوق رأسها من جديد وقالت بانفعال ﻻ تعرف مصدره "آبولو، درو، أياً كان!"
تحول اللقاء الذي ظنته سيكون لطيفاً ﻷنه مع شخص لم تكن كلمته الأولى تعليقاً على آثار البثور القديمة في بشرتها أو نصائح للحمية، إلى لقاء تقول فيه بصوت مرتفع أنها قبيحة.. وهي من ظنت أن البقاء معه بلا حواجز! لكن يبدو أن كل محادثة ستؤول في النهاية إلى جدال عن مدى قبح منظرها.
"كان من اللطيف لقاؤك، لكن علي الذهاب" قالت باستعجال وهي تقف وتسير مبتعدة عنه بينما يحاول أن يفهم هو لماذا تأثرت بهذه السرعة.. هو لم يقل أي شيء! كان فقط يريد منها أن تتوقف عن التشكيك!
"آفروديت، عندما رأيتكِ للمرة الأولى لم يكن هذا ما قلتيه.. أنا أعرف أنك لا ترين نفسكِ قبيحة"
توقفت رايلي في منتصف الطريق والتفتت لدرو، الذي بقي صامتاً وهو يلعق شفتيه بتوتر ويراجع كلماته بينما يتساءل إذا كان قد قال شيئاً خاطئاً مرة أخرى. 3
"هناك فرق ، أنت لم ترَّ كيف أبدو في المرة الأولى"
قالت له وهي تتجنب النظر نحو وجهه، وكأنها تشعر بالخجل لكونها نعتت نفسها بآفروديت أمامه يوماً.. وربما كان الرابط الوهمي بينهما هو ما دفعه ليقترب منها ويقول بينما يخفض رأسه ليقترب من طولها "والآن أنا أرى"
كان يحاول جعلها تنظر نحوه باقترابه لكنها لم تفعل، وتحدثت مجدداً وهي تحدق برباط حذائها الرياضي الغير مربوط "لقد كنت أكذب"
"أنا ايضاً كنت أكذب بشأن عزفي، لكنني لم أكذب بشأن كوني آبولو.. وربما أنتِ كذبتِ بشأن تغطية وجهك لكنك لم تكذبي بشأن كونك آفروديت" 3
كلامه كان منطقياً، منطقياً جداً لرايلي التي لم تسمع أي شيء منطقي في السنوات الستة والعشرين الماضية.. كل ما سمعته سابقاً كان إما نقداً لشكلها الذي لم تملك أدنى تحكم فيه أو عبارات لا يوجد في مضمونها ما هو أكثر من الشفقة مثل (أنتِ جميلة بالداخل!) أو (الجمال الخارجي لا يهم!). 3
"كيف لك أن تعرف أنني لا أكذب بهذا الشأن ايضاً؟ كيف لك أن تعرف أنني آفروديت؟" سألته محاولة طمأنة نفسها أكثر مما تريد جوابه، لطالما شعرت بداخلها أنها آفروديت أكثر من كونها رايلي! لكن الاتهامات المتوالية لها بالجنون أو التوهم جعلها تتوقف.
والآن هناك شخص بكامل قواه العقلية أمامها، يخبرها بما أرادت الإيمان به دائماً.. أنها آفروديت، بلا أي شروط. 1
"أنا لا أعرف، لكن أن تكذبي بشأن كونك آفروديت يحتاج إلى الكثير من الجنون.. وسواء كنتِ فعلاً آفروديت أو فتاة مجنونة تعتقد أنها كذلك، كلاهما جيدين كفاية" 1
لم تتمالك ابتسامة لما قاله ورفعت عينيها له أخيراً، ليبتسم هو أيضاً لها برضى عن نفسه.. آبولو لم يكن ليترك آفروديت تعود للمنزل حزينة أبداً، إله الموسيقى رقيق جداً ليسبب أي حزن.. تحديداً لإلهة الحب. 12
"آبولو؟" 1
"أجل؟"
"علي العودة للمنزل الآن، لكننا سنتناول العشاء في الثامنة اليوم، هل تريد المجيء؟" 2
كل ما كان على درو أن يفعله ليحصل على الرضى التام من رايلي ودعوة للعشاء أيضاً! هو أن يخبرها بما يفكر به فعلاً.. لم يكن يكذب أو يجاملها.
لقد كانت آفروديت مليئة بالحب، وكلمة واحدة منه جعلت هذا الحب يتدفق من عينيها تجاهه، ليتنفس الصعداء.. لقد وجد رفيقاً، ليس عليه أن يحاول العودة إلى حيث ينتمي وحده.
على الأرجح كان مجنوناً، لكن هذا شيء جيد.. لأن الجميع مجانين بشكل أو بآخر، وأنت لا تجد شخصاً مجنوناً بشكل مطابق لك كل يوم. 5
"أجل، هل أوصلك؟"
"لا بأس، يمكنني الذهاب وحدي"
"سأوصلكِ، أريد معرفة العنوان لكي آتي للعشاء"
----------
الانتقال إلى الفصل التالي