رواية تأثير الفراشة (The Butterfly Effect) الفصل الثاني
(2) سرنديبية
السرنديبية (Serendipity): العثور على شيء جيد أو مفيد بدون قصد.
----------
كان جالساً أمام حاسوبه بعد أن ابتلع قرصي الدواء برشفة من بيرة الزنجبيل، برغم التحذير المكتوب بخط أحمر عريض والذي كان يمنع من استهلاك الكحول مع الدواء.
ابتسم درو لنفسه عندما أخرج سيجارة الماريجوانا وبدأ يدخن منها ببطء، لو لم يكن (آبولو) .. لظن نفسه (ديونيسوس)، إله الخمور وملهم طقوس الابتهاج والنشوة!
كان قد أنهى المكالمة مع والده العجوز للتو، وأخبره أنه سيشاهد فيلماً يسمى (تأثير الفراشة)، وبما أن درو كان متفرغاً كالعادة.. بحث عنه واضطر للانتظار لعشرة دقائق لكي يعمل حاسوبه الرديء .
فتح خمسة علامات تبويب متتالية، وتوقع أنه لن يجد الفيلم بسهولة بما أنه كان قد أطلق للتو!
انتظر وهو يقرع بأصابعه على الطاولة ويفكر في اشتراكات "نت فليكس" التي كان يملكها في منزل والده، عندما كان يقضي ليلة الجمعة أمام الشاشة الضخمة في غرفته يشاهد ما يريد، ويحضر له والده رقائق السمك والوجبات الخفيفة المفضلة لديه عند عودته من العمل.00 3
انتهت تلك الفترة على أي حال، وأصبح يقضي يومه كله أمام الحاسوب الرديء الذي اشتراه منذ ثلاثة أعوام ونصف، ولا يستطيع تبديله لأنه لا يملك المال الكافي بعد !
الاستقلال والنضوج، مفاهيم عديمة الفائدة لطالما أبغضها.. كيف لأحدهم أن يطلب من آبولو أن ينضج؟ 4
"أثر الفراشة لا يُرى .."
عقد حاجبيه مستغرباً عندما ظهرت هذه العبارة أمامه على شاشة الحاسوب، كانت هناك فراشة بنية تعتلي العبارة، ولا شيء آخر في الشاشة سوى الخلفية الصفراء كأوراق قديمة.2
حاول الضغط في كل مكان على تلك الشاشة ولا شيء حدث، رفض الحاسوب الاستجابة لضغطاته حتى ضغط على الفراشة عن طريق الخطأ .
فور أن ضغط عليها، أضاءت كاميرا جهازه بلون أزرق ثم ظهر وجهه في زاوية الشاشة التي تحولت فوراً للون الاسود !
انتفض جسده بخفة متفاجئاً، وهو يفكر بكل الافلام التي شاهدها عن شبكة الانترنت المظلمة.. أيعقل أن هذا شيء مشابه؟
وأخيراً.. لاحظ شيئاً ما على شاشة حاسوبه المعتمة، عقد حاجبيه مستغرباً، كان هناك مؤقت صغير في أعلى تلك الشاشة.. مؤقت يعد تنازلياً .!
00:04:59
استمرت خانة الثواني بالتناقص تدريجياً، وكان يركز عليها بشدة حتى أنه لم يلاحظ الفتاة التي ظهرت على الشاشة، وكانت تضع على وجهها شيئاً أشبه بكيس ورقي مع ثقبين للعينين، كان الجو حولها مظلماً حتى أنه بالكاد استطاع رؤية عينيها.
انتبه أخيراً لها وبقي يحدق بها، ظناً منه أنها كانت صورة ثابتة أو شيئاً ما، أو أنها ستبدأ بالصراخ كمجنونة وتقطيع جسد شخص ما. 7
لكن عيناها ضاقتا قليلاً وكأنها كانت تبتسم، ابتسامة مسالمة.
"آمم، مرحباً؟"
تلفت حوله ليتأكد من عدم وجود أي شخص، لأنه سيبدو مجنوناً إذا كان يتحدث لصورة ثابته!11
"مرحباً" أجابته بصوت خافت ليبتسم مرتاحاً، الصورة لم تكن ثابتة بعد كل شيء!! اثبات آخر أنه ليس مجنوناً.. ليذهب المصح للجحيم!
الأرقام على العداد كانت تتناقص باستمرار، واستنتج أن هذه الأرقام تشير للوقت المتبقي له، قبل أن تغلق المحادثة من تلقاء نفسها كما فُتِحَت.1
الفكرة كانت مثيرة بالنسبة لدرو، خمسة دقائق مع غريب ما، يمكنك قول أو فعل أي شيء، وعندما تنتهي الدقائق الخمسة.. سيمحى الأمر وكأنه لم يكن .6
"أنا آبولو" قال كطالب في الصف الثالث الابتدائي يعرف نفسه في يومه الأول في المدرسة، لتُضيق ابتسامة أخرى عينيها وتقول بشك "هل هذا اسمك الحقيقي؟"1
"هذا يعتمد على تعريفكِ للحقيقة، لكن هل يهم الأمر؟"
هل يهم أن تعرف اسم غريب لن تقابله مجدداً على الاطلاق؟ بالطبع.. إجابتها كانت بتحريك كتفيها كعلامة لعدم الاهتمام.1
"أنا آفروديت" كانت تهمس، والجو حولها كان مظلماً ليشكل المزيد من الغموض، ابتسم درو.. أو لم يكن يبتسم، لقد فقد التحكم بعضلات وجهه التي أصبحت تبتسم بشكل مرتعش، آه.. اللعنة، ستخاف الآن.
"تعلم.. لا اقصد أي شيء، لكن ابتسامتك أصبحت مخيفة"3
هل رأيت ابتسامات مرضى باركينسون اللاإرادية؟ ليست ألطف ابتسامة في الوجود على الأرجح، إنها تلك النوع من الابتسامة التي لا تصل للعينين.16
جاهد ليخفي الابتسامة لكنه لم يستطع، لو كان يستطيع التحكم بجسده لنجح في العزف!! لهذا ضغط بأظافره بقوة في فخذه، وكأن هذا سيساعده بشكل ما ليسيطر على وجهه. 2
تعليقها لم يكن لطيفاً جداً، لكنها لم تكن تعرف.. لذا لم يلمها أبولو، وابتسم بالفعل اخيراً!2
"لماذا تضعين كيساً ورقياً؟"4
"اسمي آفرودَيت، ولا يمكنك أن تحزر السبب؟" سألت ثم أطلقت ضحكة صغيرة، ليبتسم تلقائياً، هذه أول مرة يقابل شخصاً لا يرى في هوسه بالآلهة اليونانية شيئاً غريباً! لم يكن متأكداً إذا قالت آفروديت كاستهزاء به.. أو أنها فعلاً آفروديت. 4
لكن أن تكون مع شخص بمثل غرابتك هو شيء مريح فعلاً، لذا في كلتا الحالتين.. كان درو مرتاحاً. 3
"أنتِ تُغطينه لأنه جميل جداً؟" حركت رأسها في إيماءة تقريباً، كانت تعرف جيداً أن هذا غير صحيح.. وأنها تغطيه لأنها تعرف أن السخرية ستنهال عليها فور ان تفارق كلمة (آفرودَيت) شفتيها.. أو ربما حتى قبل هذا.
"إذاً آبولو، هل تعزف، ترسم؟" سألته ليبتسم بحالمية.. ويقول مخرجاً الصورة التي في رأسه عن نفسه "أجل، أعزف على خمس آلات.. وأستطيع الرسم والنحت، لدي يدا فنان"14
الرعشة الخفيفة في يديه أسفل المكتب كانت ترفض جعله يغوص في خياله أكثر، وكأنها تذكره بمدى كذبه.. ولم يشعر بالذنب، حتى أنه اعتقد أنه لو وُضع على جهاز كشف كذب، لما استطاع كشفه.. لم يشعر بالذنب مطلقاً عندما يكذب.2
تماماً مثلها، كان يرى نفسه فقط في آبولو.. كان يرى نفسه نحاتاً، رساماً، عازفاً.. بينما هو لا يستطيع حتى التحكم بيديه ليكتب جملة مفيدة بدون أن يركز عليها لدقائق بعد أن يبتلع أقراص أدوية تؤثر على وعيه لبقية اليوم.1
وهي كانت ترى نفسها في آفرودَيت، لم تستطع رؤية نفسها سوى إلهة للحب والجمال، ملاك فاتن قد يرتدي أي شيء أو حتى تبقى عارية، وستظل جميلة.. برغم أن افتقار ملامحها الواضح للتناسق كان يجعل الجميع ينفرون، وما يزيد الأمر سوءاً هي آثار الحروق التي تغطي جسدها الممتلئ -أكثر من اللازم- هنا وهناك.7
"كيف وصلتِ إلى هنا؟" سألها باستغراب لتبتسم، كان يستطيع أن يعرف أنها تبتسم بالنظر إلى عينيها اللتان تضيقان، ولقد حسدها على هذا! كانت تمتلك تحكماً كاملاً بجسدها، تستطيع الابتسام في الوقت المناسب، والعبوس عندما تريد.
"لقد فتحت الموقع! ماذا عنك؟ هل سقطت من السماء؟"
سألت بسخرية، ليس هناك طريقة أخرى للدخول إلى أي موقع سوى أن تفتحه! لهذا تردد درو قليلاً قبل ان يتمتم "لا، لقد ظهر فقط على شاشة حاسوبي"
"حسناً آبولو.. دعني أشرح لك قواعد موقع (تأثير الفراشات)"2
أخذت نفساً عميقاً، ثم كررت العبارة التي رآها في البداية "أثر الفراشة لا يُرى"
أومأ رغم أنه لم يفهم، وأكملت هي "أثر الفراشة لا يزول"1
هل هذه قواعد حتى؟ تساءل بداخله في استغراب، وصمت منتظراً التكملة لكنها قالت ببساطة "اكتشف البقية بنفسك، سعيدة لرؤيتك.. وأتمنى أن أراك لاحقاً"18
كانت ستغلق المحادثه، لم يعرف كيف ستغلقها بالرغم من أنها تحتل شاشة حاسوبه بالكامل بدون علامة (×) واحدة، لكنها كانت ستغلقها! والفكرة جعلته يهلع بطريقة ما، ولقد نسي تماماً بشأن المؤقت أعلى الشاشة.
"مهلاً، آفرودَيت!"
قبل أن يكمل جملته، اسودت المحادثة مجدداً.. وعندما نظر إلى المؤقت عرف أن آفرودَيت لم تغلقها.. لقد انتهى وقتهما ببساطة.
"أثر الفراشة لا يزول.."
ظهرت العبارة على شاشة حاسوبه أسفل الفراشة البنية مجدداً، ثم صغرت الشاشة لتعود إلى طبيعتها.. مع واجهة لموقع يسمى (تأثير الفراشات) فتحه بالخطأ بينما هو يبحث عن الفيلم!4
ابتسم بداخله بينما بعثر شعره وعيناه معلقتان على الشاشة، وظهرت في رأسه تلك الكلمة التي كان يكررها كثيراً بدون أن يفهم مَن حوله معناها..
"سرنديبية"10
...
(أثر الفراشة لا يرى.. أثر الفراشة لا يزول) 2
-عبارة من قصيدة لمحمود درويش.
----------
الانتقال إلى الفصل التالي